مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 54 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 54 | أ.د علي جمعة

22 دقيقة
  • تحدث الإمام الغزالي عن آفات المناظرة والعلم المغشوش، موضحاً عشر خصال ذميمة تصيب المناظرين.
  • من هذه الآفات الحقد الذي يتولد في قلب المناظر تجاه خصمه، ويبقى هذا الحقد حاجباً بين الإنسان وربه.
  • تشمل الآفات أيضاً الغيبة التي شبهها الله بأكل الميتة، إذ يتعرض المناظر لخصمه بذكر عيوبه ونقائصه.
  • يصاب المناظر بتزكية النفس والتباهي بالعلم، والتجسس وتتبع عورات الناس، والنفاق في التعامل.
  • من آفاتها أيضاً الفرح بإساءة الناس، والاستكبار عن الحق مع كراهيته، والرياء وطلب الثناء من الخلق.
  • هذه الرذائل لا تقتصر على المناظرة بل تشمل الوعظ والتذكير والفتوى إذا كان الهدف منها طلب الجاه والمال.
  • أكد الغزالي أن العلم إما يُحيي العالم حياة الأبد أو يُهلكه هلاك الأبد، وأشد الناس عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينتفع بعلمه.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

مقدمة الدرس من كتاب إحياء علوم الدين في العلم المحمود والمذموم

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب إحياء علوم الدين لإمام الأئمة حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى، نعيش هذه اللحظات وهو ما زال يتحدث في كتاب العلم.

ويخبرنا عن ملامح ومعالم العلم المحمود الذي يوصلنا إلى الله، والعلم المغشوش والفاسد الذي يحجبنا عن الله، وما تردد من العلوم بينهما بقدر قربه من الممدوح أو من المقدوح. اقرأ.

آفة الحقد من آفات المناظرة وأثرها على قلب المناظر

[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين. في بيان آفات المناظرة وما يتولد منها من مُهلكات الأخلاق:

قال: ومنها الحقد، فلا يكاد المناظِر يخلو عنه.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: «المؤمن ليس بحقود»

قال [المحقق]: لم أقف له على أصل. وورد في ذم الحقد ما لا يخفى، ولا نرى مناظرًا يقدر على ألّا يُضمر حقدًا على من يحرك رأسه من كلام خصمه ويتوقف في كلامه، فلا يقابله بحسن الإصغاء، بل يُضطر إذا شاهد ذلك إلى إضمار الحقد وتربيته في نفسه، وغاية تماسكه الإخفاء بالنفاق، ويترشح منه إلى الظاهر لا محالة في غالب الأمر.

وكيف ينفك عن هذا ولا يُتصور اتفاق جميع المستمعين على ترجيح كلامه واستحسان جميع أحواله في إرادة وإصداره؟ بل لو صدر من خصمه أدنى سبب فيه قلة مبالاة بكلامه، انغرس في صدره حقد لا يقتلعه مدى الدهر إلى آخر العمر.

تعليق الشيخ على أثر المناظرة في تعكير الباطن وحجب القلب عن الله

[الشيخ]: وكأنه قد عكَّر باطنه بهذه المناظرة، وكل هذا لا يكون إلا حجابًا يحجب الإنسان قلبه ونفسه عن الله سبحانه وتعالى. نعم.

آفة الغيبة من آفات المناظرة وتشبيهها بأكل الميتة

[الشيخ محمد وسام]: ومنها الغيبة، وقد شبَّهها الله بأكل الميتة، ولا يزال المناظر مثابرًا على أكل الميتة؛ فإنه لا ينفك عن حكاية كلام خصمه ومذمته. وغاية تحفظه أن يصدق فيما يحكيه عليه ولا يكذب في الحكاية عنه، فيحكي عنه لا محالة ما يدل على قصور كلامه وعجزه ونقصان فضله، وهو الغيبة. فأما الكذب فبُهتان.

وكذلك لا يقدر على أن يحفظ لسانه عن التعرض لعرض من يُعرض عن كلامه ويُصغي إلى خصمه ويُقبل عليه، حتى ينسبه إلى الجهل والحماقة وقلة الفهم والبلادة.

آفة تزكية النفس والتمدح بالعلم والفضل على الأقران

[الشيخ محمد وسام]: ومنها تزكية النفس.

قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ [النجم: 32]

وقيل لحكيم: ما الصدق القبيح؟ فقال: ثناء المرء على نفسه. ولا يخلو المناظر من الثناء على نفسه بالقوة والغلبة والتقدم بالفضل على الأقران.

ولا ينفك في أثناء المناظرة عن قوله: لست ممن يخفى عليه أمثال هذه الأمور، وأنا المتفنن في العلوم، والمستقل بالأصول، وحفظ الأحاديث، وغير ذلك مما يتمدح به تارة على سبيل الصَّلَف، وتارة للحاجة إلى ترويج كلامه. ومعلوم أن الصَّلَف والمديح والتباهي مذمومان شرعًا وعقلًا.

تعليق الشيخ على ذم التمدح بالعلم حتى لو كان صادقاً فيه

[الشيخ]: حتى لو كان فيهما صدق، وكان هذا [المناظر] مطَّلعًا، أو كان -سبحان الله- عنده مزيد علم أو هو الأعلم، لكن هذا التمدح بهذه الطريقة فإنه مكروه أو حرام. نعم.

آفة التجسس وتتبع عورات الخصوم واستخراج مقابحهم

[الشيخ محمد وسام]: ومنها التجسس وتتبع عورات الناس.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]

والمناظر لا ينفك عن طلب عثرات أقرانه وتتبع عورات خصومه، حتى إنه ليُخبَر بورود مناظر إلى بلده فيطلب من يخبره ببواطن أحواله، ويستخرج بالسؤال مقابحه حتى يعدها ذخيرة لنفسه في إفضاحه وإخجاله إذا احتاج إليه.

حتى أنه يستكشف عن أحوال صباه وعن عيوب جسده، لعله يعثر على زلة أو على عيب به من قرع أو غيره، فعساه يعثر على هفوة أو على عيب به من قرع أو غيره.

ثم إذا أحس بأدنى غلبة من جهته [جهة خصمه] عرَّض به إن كان متماسكًا، ويستحسن ذلك منه ويُعَدّ من لطائف التسبب، ولا يمتنع عن الإفصاح به إن كان متبجحًا بالسفاهة والاستهزاء، كما حُكي عن قوم من أكابر المناظرين المعدودين من فحولهم.

قصة واقعية عن خداع المناظرين واستدراج الخصوم بالردود المكتوبة

[الشيخ]: وقد رأينا هذا الحال الذميم، وكان بعض الناس يرد على بعض بكتب ورسائل. فقال أحدهم: من فن الرد ألا ترد بكل شيء، بل تدَّخر لرد الرد. إنه لا ينصح لله ولا لرسوله، وإنما يكتب ويرد على قدر معين من أجل أن يستدرج الخصم للرد عليه فيرد هو على الرد.

ورأينا ما هو أقبح من ذلك وما دخل في حدود الكذب. رأيت أحدهم ردَّ على مشتغل بالحديث فطبع من الرد خمسين نسخة وأرسل منها نسخة للمردود عليه حتى يرد عليها.

فقلت له: ولِمَ تطبع خمسين نسخة؟ قال: بعد أن يرد وينشر أُغيِّر في ردي وأطبع طبعة واسعة فيتبين كذبه. قلت له: هو الكذاب أم أنت الكذاب؟ هذا صرَّح له وحزن جدًا وانزعج مني أني قلت: من الكذاب إذن؟ أنت ترد عليه ثم تغير كلامك حتى يتهمه الناس ظلمًا بالكذب، وتغير أنت كلامك من أجل هذا.

خطورة تحول المناظرات إلى كذب وافتراء وانحراف العلم عن مقصده

[الشيخ]: إلى هذا الحد وصلت المناظرات! طبعًا هذا يدخل في طور الكذب والافتراء الذي يتحدث عنه [الإمام الغزالي]. الفقه والحديث والتفسير من غير تصوف بلاء؛ يتحول إلى علوم الدنيا وإلى منازعات بين الناس. نعم.

آفة الفرح لمساءة الناس والحزن لمسارهم وتشبيه المناظرين بالضرائر

[القارئ]: ومنها الفرح لمساءة الناس والحزن لمسارِّهم، ومن لا يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه فهو بعيد عن أخلاق المؤمنين. فكل من طلب المباهاة بإظهار الفضل يسره لا محالة ما يسوء أقرانه وأشكاله الذين يساوونه في الفضل.

ويكون التباغض بينهم كما بين الضرائر؛ فكما أن إحدى الضرائر إذا رأت صاحبتها من بعيد ارتعدت فرائصها واصفرَّ لونها، فهكذا ترى المناظر إذا رأى مناظرًا تغير لونه واضطرب عليه فكره، فكأنه يشاهد شيطانًا ماردًا أو سبعًا ضاريًا.

المقارنة بين أخلاق العلماء الأوائل في التناصر وحال المناظرين في العداوة

[القارئ]: فأين الاستئناس والاسترواح الذي كان يجري بين علماء الدين عند اللقاء، وما نُقل عنهم من المؤاخاة والتناصر والتساهم في السراء والضراء؟

حتى قال الشافعي رضي الله عنه: العلم بين أهل الفضل والعقل رحم متصل. فلا أدري كيف يدَّعي الاقتداء بمذهبه جماعة صار العلم بينهم عداوة قاطعة! فهل يُتصوَّر أن يُنسب الأنس بينهم مع طلب الغلبة والمباهاة؟ هيهات هيهات!

وناهيك بالشر شرًا أن يُلزمك أخلاق المنافقين ويُبرئك عن أخلاق المؤمنين والمتقين.

تعليق الشيخ على أن العلم المحمود يوصل إلى الله بالتخلية والتحلية

[الشيخ]: إذن هذا هو المفتاح: أخلاق المنافقين في مقابل أخلاق المؤمنين. والمقصود أن العلم المحمود هو الذي يوصلك إلى الله بالتخلية والتحلية. نعم.

آفة النفاق بين المناظرين والتودد الكاذب باللسان مع تباغض القلوب

[الشيخ محمد وسام]: ومنها النفاق، فلا يحتاج إلى ذكر الشواهد في ذمهم وهم مضطرون إليه؛ فإنهم يلقون الخصوم ومحبيهم وأشياعهم ولا يجدون بدًا من التودد إليهم باللسان وإظهار الشوق والاعتداد بمكانهم وأحوالهم.

ويعلم ذلك المخاطِب والمخاطَب وكل من يسمع منهم أن ذلك كذب وزور ونفاق وفجور؛ فإنهم متوددون بالألسنة متباغضون بالقلوب. نعوذ بالله العظيم منهم.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا تعلم الناس العلم وتركوا العمل، وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله عند ذلك فأصمَّهم وأعمى أبصارهم» رواه الطبراني من حديث سلمان بإسناد ضعيف

وقد صحَّ ذلك بمشاهدة هذه الحالة.

تعليق الشيخ على النفاق بين المتناظرين وعادة تقبيل اللحية عند العرب

[الشيخ]: يعني هذا الكلام وإن كان السند ضعيفًا إلا أنه حاصل وواضح. والمعلوم أن الناس كانوا يسمونها في العرب الأوائل «تقبيل اللحية»، أي أن قُبلته تأتي على لحيته هكذا، وما في القلب يبقى في القلب.

والعامة يقولون: من بَرَّه مراية وفي القفا سلاية، والسلاية تعني الشوكة، أي كأنه يعانقه وفي يده خنجر سيطعنه به. فإذا حضر مدح وهلَّل وما إلى ذلك لكي يُقال عنه أنه كريم الوفادة، وإذا ولَّى يتحدث عنه بالسوء بدلًا من أن يواجهه بما يستحق، أو ينصح، أو ما شابه ذلك، أو يمسك لسانه أثناء الغيبة. نعم.

آفة الاستكبار عن الحق والمماراة فيه وفضل ترك المراء

[الشيخ محمد وسام]: ومنها الاستكبار عن الحق وكراهته والحرص على المماراة فيه، حتى إن أبغض شيء إلى المناظر أن يظهر على لسان خصمه الحق. ومهما ظهر استعدَّ لجحده وإنكاره بأقصى جهده، وبذل غاية إمكانه في المخادعة والمكر والحيلة لدفعه.

حتى تصير المماراة فيه عادة طبيعية، فلا يسمع كلامًا إلا وينبعث من طبعه داعية الاعتراض عليه والمراء في مقرره. والمراء حتى يغلب ذلك على قلبه في أدلة القرآن وألفاظ الشرع فيضرب البعض منها بالبعض. والمراء في مقابلة الباطل محظور؛ إذ ندب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ترك المراء بالحق على الباطل.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: «من ترك المراء وهو مبطل بنى الله له بيتًا في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتًا في أعلى الجنة» رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أنس، قال الترمذي: حديث حسن

التسوية بين الافتراء على الله والتكذيب بالحق في القرآن الكريم

[الشيخ محمد وسام]: وقد سوَّى الله تعالى بين من افترى على الله كذبًا وبين من كذَّب بالحق:

قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُٓ﴾ [العنكبوت: 68]

وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُٓ﴾ [الزمر: 32]

تفضل.

آفة الرياء وملاحظة الخلق وخلاصة الخصال العشر المذمومة للمناظرين

[الشيخ محمد وسام]: ومنها الرياء وملاحظة الخلق والجهد في استمالة قلوبهم وصرف وجوههم. والرياء هو الداء العضال الذي يدعو إلى أكبر الكبائر كما سيأتي في كتاب الرياء. والمناظر لا يقصد إلا الظهور عند الخلق وانطلاق ألسنتهم بالثناء عليه.

فهذه عشر خصال من أمهات الفواحش الباطنة، سوى ما يتفق لغير المتماسكين منهم من الخصام المؤدي إلى الضرب واللَّكْم واللَّطْم وتمزيق الثياب والأخذ باللِّحى وسبِّ الوالدين وشتم الأستاذين والقذف الصريح.

فإن أولئك ليسوا معدودين في زمرة الناس المعتبرين، وإنما الأكابر والعقلاء منهم هم الذين لا ينفكُّون عن هذه الخصال العشر.

سلامة بعض المناظرين من بعض الخصال وتفاوت درجاتهم فيها

[الشيخ محمد وسام]: نعم، قد يسلم بعضهم من بعضها مع من هو ظاهر الانحطاط عنه أو ظاهر الارتفاع عليه، أو هو بعيدًا عن بلده وأسباب معيشته. ولا ينفك أحد منهم عنه مع أشكاله المقارنين له في الدرجة.

ارتباط المناظرة بلقمة العيش في عصر الغزالي وانعكاس ذلك على عصرنا

[الشيخ]: يعني هؤلاء الناس ربطوا المناظرة -وكانت كثيرة في عصر الغزالي وما قبله- بلقمة العيش؛ لأن الأمراء كانت تصرف على هذه المناظرات العلمية وتعدها من المذاكرة. فعندما يدخل [الأمر] في لقمة العيش، ولا يُسمع هذا أبدًا، يقول لك: آفات أو ليست آفات.

هذا أمر متكرر في عصرنا في الإعلام؛ تجد أخانا قد ربط لقمة عيشه بظهوره، فإذا نصحته بأن هذا فيه آفات وفواحش لا ينتهي أبدًا؛ لأنها مصدر رزقه، ويتساءل: كيف سيُطعم الأطفال؟ وأصبحت هذه مصيبة مثل هذه الآفات بالضبط.

تغير مسمى المناظرة إلى الدعوة وارتباط الظهور الإعلامي بالأموال

[الشيخ]: ولكن تغير المجال، فبدلًا من المناظرة أصبحوا يسمونها الآن الدعوة والداعية والدعاة الجدد وهكذا. ما هم الدعاة الجدد؟ ماذا درسوا؟ ماذا عملوا؟ ماذا أصلحوا؟ ماذا حلّوا؟ بماذا تحلّوا؟ الله عليم، نسأل الله السلامة.

فإذا نصحت وقلت: هذا لا يجوز أو هذا لا يصح، قل ما تشاء لمن تخاطبه؛ لأن القضية كلها مرتبطة بأموال أصبحت مرتبة وداخلة لا يستطيع أن يستغني عنها. نعم.

تشعب الرذائل من الخصال العشر وتفصيل ما يترتب عليها من آفات

[الشيخ محمد وسام]: ثم يتشعب من كل واحدة من هذه الخصال العشر عشر أخرى من الرذائل لم نُطَوِّل بذكرها وتفصيلها. وتفصيل أحدها مثل: الأنفة والغضب والبغضاء والطمع وحب طلب المال والجاه للتمكن من الغلبة والمباهاة، والأشر والبطر وتعظيم الأغنياء والسلاطين والتردد إليهم والأخذ من حرامهم.

والتجمل بالخيول والمراتب والثياب المحظورة، والاستحقار للناس بالفخر والخيلاء، والخوض فيما لا يعني، وكثرة الكلام، وخروج الخشية والخوف والرحمة من القلب، واستيلاء الغفلة عليه حتى لا يدري المصلي منهم في صلاته ما صلَّى وما الذي يقرأ ومن الذي يناجيه، ولا يحس بالخشوع في قلبه مع استغراق العمر في العلوم التي تعينه في المناظرة.

تفاوت المناظرين في الرذائل ولزومها لكل من طلب بالعلم غير وجه الله

[الشيخ محمد وسام]: مع أنها [تلك العلوم] لا تنفعه في الآخرة من تحسين العبارة وتسجيع اللفظ وحفظ النوادر إلى غير ذلك من أمور لا تُحصى. والمناظرون يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم، ولهم درجات شتى.

ولا ينفك أعظمهم دينًا وأكثرهم عقلًا عن جُمَل من مواد هذه الأخلاق، وإنما غايته إخفاؤها ومجاهدة النفس بها.

واعلم أن هذه الرذائل لازمة للمشتغل بالتذكير والوعظ أيضًا إذا كان قصده طلب القبول وإقامة الجاه ونيل الثروة والعزة. وهي لازمة أيضًا للمشتغل بعلم المذهب والفتاوى إذا كان قصده طلب القضاء وولاية الأوقاف والتقدم على الأقران.

وبالجملة هي لازمة لكل من يطلب بالعلم غير ثواب الله تعالى في الآخرة.

خطر العلم العظيم بين الملك المؤبد والهلاك الأبدي

[الشيخ محمد وسام]: فالعلم لا يُهمِل العالِم، بل يُهلكه هلاك الأبد أو يُحييه حياة الأبد.

ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالِمٌ لا ينفعه الله بعلمه»

فلقد ضرَّه مع أنه لم ينفعه، وليته نجا منه رأسًا برأس. وهيهات هيهات! فخطر العلم عظيم، وطالبه طالب الملك المؤيَّد والنعيم السرمد، فلا ينفك عن الملك أو الهَلَك.

وهو كطالب الملك في الدنيا؛ فإن لم يتفق له الإصابة في الأموال لم يطمع في السلامة من الإذلال، بل لا بد من لزوم أفضح الأحوال.

خاتمة الدرس والتوديع بالسلام

[الشيخ]: والله أعلم، وإلى لقاء آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شكرًا.