مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 59 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 59 | أ.د علي جمعة

31 دقيقة
  • يشرح الإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين وظائف المتعلم وآدابه، فيبدأ بالوظيفة السابعة التي تدعو لمراعاة ترتيب العلوم وعدم الخوض في فن قبل إتقان ما قبله.
  • ينبغي للمتعلم عدم الحكم على علم بالفساد لمجرد وقوع خلاف بين أهله، ويجب معرفة الحق في ذاته لا بالرجال.
  • يشرح الوظيفة الثامنة في معرفة أشرف العلوم، ويبين أن شرف العلم يكون بشرف ثمرته وقوة أدلته، مؤكداً أن أشرف العلوم هو العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله.
  • الوظيفة التاسعة تقتضي أن يكون قصد المتعلم تحلية باطنه بالفضيلة والقرب من الله، لا طلب الرياسة والمال.
  • الوظيفة العاشرة تتطلب معرفة نسبة العلوم إلى المقصد، فالعلوم ثلاثة أقسام: علم مصالح البدن في الدنيا، وعلم تطهير الباطن، وعلم المعرفة بالله وصفاته.
  • ينوه بأهمية التوازن بين النظر والعمل، وأن المقصد الأسمى هو لقاء الله تعالى.
محتويات الفيديو(28 أقسام)

مقدمة الدرس ومراجعة العلم المحمود والمذموم في كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين لإمام الأئمة وحجة الإسلام الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، وفي كتاب العلم الذي بدأ به الكتب العشرة في إحياء علوم الدين.

ما زلنا نتعلم منه العلم المحمود والعلم المذموم وما بينهما من علوم تتردد بين الأمرين. وملخص العلم المحمود أن يوصل إلى الله أو أن يزيد الأدب معه سبحانه وتعالى، والعلم المذموم بخلاف ذلك؛ فهو حجاب يحجب الإنسان عن ربه.

وما يتردد بينهما من علوم كذلك؛ فإذا كان فيه معنى القرب إلى الله كان من الممدوح أو من صفاته، وإن كان قريبًا من الحجاب كان منه أو من صفاته.

الوظيفة السابعة للمتعلم: التدرج في طلب العلوم وعدم الخوض في فن قبل استيفاء ما قبله

[القارئ]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين.

وهو يتحدث عن وظائف المتعلم وآدابه: الوظيفة السابعة ألا يخوض في فنٍّ حتى يستوفي الفن الذي قبله؛ فإن العلوم مرتبة ترتيبًا ضروريًّا وبعضها طريق إلى بعض، والموفَّق من راعى ذلك الترتيب والتدريج.

﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِٓ﴾ [البقرة: 121]

أي لا يتجاوزون فنًّا حتى يُحكموه علمًا وعملًا. وليكن قصده في كل علم يتحراه الترقي إلى ما هو فوقه.

النهي عن الحكم على العلوم بالفساد بسبب خلاف أصحابها أو خطأ آحادهم

[القارئ]: فينبغي ألا يحكم على علم بالفساد لوقوع الخلاف بين أصحابه فيه، ولا بخطأ واحد أو آحاد فيه، ولا بمخالفتهم موجب علمهم بالعمل.

فترى جماعة تركوا النظر في العقليات والفقهيات متعللين فيها بأنها لو كان لها أصل لأدركه أربابها، وقد مضى كشف هذه الشبه في كتاب معيار العلم.

وترى طائفة يعتقدون بطلان الطب لخطأ شاهدوه من طبيب، وطائفة اعتقدوا صحة علم النجوم بسبب صواب اتفق لواحد منهم، وطائفة اعتقدوا بطلانه بسبب خطأ اتفق لآخر، والكل مخطئ.

بل ينبغي أن يُعرف الشيء في ذاته؛ فليس كل علم يستطيع كل شخص الإحاطة به. ولذلك قال علي رضي الله عنه: «لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله».

ريادة الإمام الغزالي في تأسيس المنهجية العلمية قبل الحضارة الغربية

[الشيخ]: هذا أول كلام في العالم؛ فلم يكن في حضارة من قبل أن تكلم أهلها بهذا الكلام. هذا أول كلام يُخَطّ في العالم، بعد ذلك تطور هذا إلى ما أسماه الغرب الميثودولوجي ثم ترجمناه عنهم بـالمنهجية، والإبستمولوجي وترجمناه عنهم بـالمعرفية. نترجم تلك بضاعتنا رُدّت إلينا.

ولكن هذا أصله؛ أول من كتب في هذا كان هو الإمام أبو حامد الغزالي من خبرة المفكرين والعلماء والمجتهدين من أهل الإسلام. لم ترَ حضارة قط أن تؤصل هذا التأصيل وأن تجعل غايتها الله وأن تجعل الله مقصود الكل إلا الإسلام.

ولذلك شاع وذاع وتمكّن وأُنكِر، أي بعدما أخذوه منا.

نقل الغرب للمنهج الإسلامي وإلغاء مقصد الله منه ونشأة العلمانية

[الشيخ]: إن هذا الكلام اطّلع عليه توماس إكواينيس لأنه كان يعرف العربية، واطّلع عليه روجر باكون الذي كان يعرف العربية، وغيره ممن نُسِبَت إليهم قيام الحضارة الغربية، وألغَوا فيه وأنكروا أنهم نقلوه عن الإسلام.

ثم بعد ذلك ألغَوا الله ولم يعد لهم شأن به، وعاشوا بهذا المنهج في دراسة الدنيا حتى سمّوا هذا بـالعلمانية، وخرجوا من دين الله أفواجًا لظروف عندهم في كنيستهم ولتركيبتهم.

ثم بعد ذلك تأسس العلم الدنيوي وأسموه الساينس (أي العلم) من هذا. وبعد إلغاء الله، إذا خرجت من المنظومة، عندما يخرج الله من المنظومة فلا يبقى إلا هذا العبث الذي يسعون فيه.

ولذلك سُمِّيت هذه الحضارة بأنها حضارة عرجاء؛ لأنها لا تقوم إلا على أساسين فقدت مقصدها، ولذلك ذهبت كل مذهب وسارت في كل طريق، ونجحت بقدر ما نجحت من ضبط هذا الضبط الذي وضعه علماء الإسلام.

تطبيق الغرب لمبدأ التدرج في التعليم والمناهج الدراسية المستمد من الإسلام

[الشيخ]: بعد ذلك رأيناهم وهم يقسمون مراحل التعليم إلى الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعة والدراسات العليا، من أجل أن يصلوا إلى الغرض السابع [الوظيفة السابعة للمتعلم] الذي يتكلم عنه الإمام [الغزالي].

ورأيناهم يضعون ما أسموه بالمناهج الكريكيولم، والكريكيولم معناها المساقات الدراسية، من أجل هذا؛ من أجل أن يضعوا شيئًا يصب في النهاية للتدرُّج، ثم يصب في النهاية للتدريب، ويصب في النهاية لإنشاء المعارف والملكات والمهارات.

وجعلوا حتى امتحان الطالب على هذا؛ فلم يجعلوه للمعلومات فقط، ولا للملكات فقط، ولا للقيم فقط، بل جعلوها لهذه الثلاثة كما أفاد [الإمام الغزالي] فيما ذكرناه.

فقدان الأمة لمصطلحاتها الفكرية والدعوة لاستعادة الأساس المستنير

[الشيخ]: هكذا الحال أننا فقدنا مصطلحاتنا وفقدنا الأساس الفكري لها، وجلسنا نستورد ونخلط من هنا ومن هناك.

والبركة فيكم أن يعود الأمر على أيديكم إلى ما كان عليه من فكر مستنير أضاء للبشرية حالها، ثم أخذت البشرية منه جانب الشكل وتركت المقصد؛ مقصد الكل وهو الله سبحانه وتعالى.

الوظيفة الثامنة: معرفة أسباب شرف العلوم بشرف الثمرة ووثاقة الدليل

[القارئ]: الوظيفة الثامنة هي أن يُعرف السبب الذي به يُدرك أشرف العلوم، أن يعرف السبب الذي به تُدرك أشرف العلوم، وأن ذلك يُراد به شيئان: أحدهما شرف الثمرة، والثاني وثاقة الدليل وقوته.

وذلك كعلم الدين وعلم الطب؛ فإن ثمرة أحدهما الحياة الأبدية وثمرة الآخر الحياة الفانية، فيكون علم الدين أشرف.

ومثل علم الحساب وعلم النجوم؛ فإن علم الحساب أشرف لوثاقة أدلته وقوتها. وإن نُسِب الحساب إلى الطب كان الطب أشرف باعتبار ثمرته، والحساب أشرف باعتبار أدلته. وملاحظة الثمرة أولى؛ ولذلك كان الطب أشرف وإن كان أكثره بالتخمين.

أشرف العلوم هو العلم بالله وصفاته والطريق الموصل إليه

[القارئ]: وبهذا تبين أن أشرف العلوم العلم بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله، والعلم بالطريق الموصل إلى هذه العلوم. فإياك وأن ترغب إلا فيه، وأن تحرص إلا عليه.

قضية تصنيف العلوم وأثر الرؤية الكونية في ترتيبها عبر الحضارات

[الشيخ]: وهنا أساس آخر لقضية كبرى شغلت الحضارات؛ شغلت الحضارة الغربية وشغلت الحضارة الشرقية، وهي قضية تصنيف العلوم.

وتصنيف العلوم مبناه على رؤية للإنسان والكون والحياة وما قبل ذلك وما بعد ذلك. ضبطها الإمام [الغزالي] هنا في الوظيفة الثامنة.

وتطور تصنيف العلوم في الغرب واستقر على ما فعله جون ديوي، وهو من فلاسفة التربية الكبار، أنه أنشأ تصنيفًا للعلوم ما زال شائعًا في المكتبات العامة. وهذا التصنيف يتطور، ولكن الأساس كان من وضعه.

وهذا يعني أنه لا بد من تصنيف العلوم ومعرفة مراتبها، ثم وضع معيار لذلك التصنيف. وقد وضعوا معيارًا آخر [يختلف عن معيار الإسلام].

تصنيف ديوي العشري وتهميش الإسلام في تصنيف العلوم الغربي

[الشيخ]: ولذلك نراه لقد وضع المعارف أولًا ديوي، ثم بعد ذلك الأديان ثانيًا، وهو تقسيم عشري يعني يصل بهم إلى عشرة.

ثم بعد ذلك نجد أنه في ثانيًا هذه يحدث واحد واثنين وثلاثة، يعني واحد وعشرين، اثنين وعشرين، ثلاثة وعشرين. وفي اثنين وعشرين يحدث واحد، اثنين، ثلاثة، وهكذا.

فأصبح الإسلام مائتين وواحدًا وعشرين، يعني كل ما يُقصد لله أصبح مئتين وواحدًا وعشرين من هذا التقسيم الضخم.

وجاء في طبعته الحادية والعشرين من طبع ديوي وجعله مئتين واثنين وعشرين في ديانات أخرى، أي لم يذكر الإسلام. ذكره في طبعات ثم اختل النظام معه في طبعات أخرى.

كيف أدخلوا في هذا الشيء القليل ملايين العناوين التي تركها لنا المسلمون؟ هذه ليست مهمتهم هم، أي أنهم تركوها مختلطة ببعضها، ليس من شأننا.

محاولات المسلمين تعديل تصنيف ديوي والتحول من متبوعين إلى تابعين

[الشيخ]: وبدأ الناس ماذا يفعلون وقد تمكنت هذه التصنيفات في مكتبات العالم؟ فإذا أردنا أن نتصل بهم فلا بد أن نصنف مثل تصنيفهم.

قامت روسيا بتصنيف آخر بمعيار آخر يتلاءم مع أفكار ماركس والشيوعية. وظل المسلمون في حالة حيرة، وبذلوا ما أسموه بـتعديل ديوي، وجلسوا يُنشئون هذا التعديل.

فتعددت هذه التعديلات من أجل أن تستوعب مكتباتنا هذا النظام، ومن أجل ألا ينقطعوا عن العالم. فأصبحنا بعد أن كنا متبوعين أصبحنا تابعين، وبعد أن كنا في المقدمة أصبحنا مُقادين.

وهذا يؤثر في كل شيء حتى في الابتكار، ويؤثر في خدمة العلوم بعضها من بعض.

الوظيفة التاسعة: قصد المتعلم تحلية الباطن بالفضيلة والقرب من الله لا الرياسة والجاه

[القارئ]: الوظيفة التاسعة أن يكون قصد المتعلم في الحال تحلية باطنه وتجميله بالفضيلة، وفي المآل القرب من الله سبحانه والترقي إلى جوار الملأ الأعلى من الملائكة والمقربين.

ولا يقصد به الرياسة والمال والجاه ومماراة السفهاء ومباهاة الأقران. وإذا كان هذا مقصده طلب لا محالة أقرب إلى مقصوده، وهو علم الآخرة.

ومع هذا فلا ينبغي له أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم، أعني علم الفتاوى وعلم النحو واللغة المتعلقين بالكتاب والسنة، وغير ذلك مما أوردناه في المقدمات والمتممات من ضروب العلوم التي هي فرض كفاية.

تشبيه العلماء بالمرابطين في الثغور وبيان أن لكل عالم أجره بحسب قصده

[القارئ]: ولا تفهمنّ من غلوّنا في الثناء على علم الآخرة تهجين هذه العلوم؛ فالمتكفلون بالعلوم كالمتكفلين بالثغور والمرابطين بها والغزاة المجاهدين في سبيل الله.

فمنهم المقاتل، ومنهم الرِّدء [أي الشخص الداعم لغيره]، ومنهم الذي يسقيهم بالماء، ومنهم الذي يحفظ دوابهم ويتعهدهم. ولا ينفك أحد منهم عن أجر إذا كان قصده إعلاء كلمة الله تعالى دون حيازة الغنائم. فكذلك العلماء.

﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ﴾ [المجادلة: 11]

﴿هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 163]

نسبية الفضل بين العلوم وترتيب المراتب من الأنبياء إلى الصالحين

[القارئ]: والفضيلة نسبية، واستحقارنا للصيارفة عند قياسهم بالملوك لا يدل على حقارتهم إذا قيسوا بالكنّاسين. فلا تظننّ أن ما نزل عن الرتبة القصوى ساقط القدر.

بل الرتبة العليا للأنبياء، ثم الأولياء، ثم العلماء الراسخين في العلم، ثم للصالحين على تفاوت درجاتهم.

وبالجملة:

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]

ومن قصد الله تعالى بالعلم أيّ علم كان نفعه ورفعه لا محالة.

حيرة الفكر الغربي أمام تمسك المسلمين بالإسلام وانعكاس إلغاء المقصد الإلهي

[الشيخ]: وبهذا تمكنت الحضارة الإسلامية وتشعبت حتى وصلنا إلى هذه الحالة المحيرة. فحالة العالم الإسلامي محيرة للفكر الغربي: لماذا تتمسكون بالإسلام؟ ولماذا ينتشر؟ ولماذا يبقى؟

لأن هذا التاسع [الوظيفة التاسعة: قصد الله بالعلم] ذهب وانعكس في الحضارة الغربية، وأصبح الإنجاز هو المقياس، ولم يعد طلب الله هو المقياس، بل أصبح الإنجاز.

فإذا كان رئيس الدولة عندهم قد انحرف وأصبح ملوّث السمعة، لكنه استطاع أن ينقذ ميزان المدفوعات، فإنه يبقى ويستمر. وما علينا أن يكون فاسدًا أو مفسدًا؛ المهم الدرهم والدينار.

نظرية فريدمان في جعل الدولار مقياس الحق وإلغاء المبادئ والأخلاق

[الشيخ]: وأن الدولار هو مقياس الحق. وعندما جاء أحدهم وأنشأ نظرية وهو فريدمان (عالم اقتصاد أمريكي)، أن الدولار هو مقياس الحق، وأن كل شيء في الكون يُباع ويُشترى، غاية الأمر أن تعرف ثمنه.

فإذا عرفت ثمنه ودِيَته فاقتله من غير مبادئ ولا أخلاق ولا قيم ولا مقصود لله سبحانه وتعالى. أعطوه جائزة نوبل! قالوا له: نعم، أنت جئت هكذا وأتيت بالمفقود.

فأصبح المعيار ليس القرب والبعد من الله، وليس تحقيق قصد الله من عدمه، بل أصبح المعيار هو الإنجاز.

معايير العلوم الغربية القائمة على التجاوز والتجديد المستمر دون ثبات المبادئ

[الشيخ]: أصبحت معايير العلوم هي التجاوز. فإذا ألّفت كتابًا ورجعت مثلًا فيه إلى مراجع من خمسين سنة، يُرفض هذا الكتاب لأنه كتاب يعيش في الماضي، ونحن نريد تطويرًا وتطورًا دائمين. فيُرفض منك هذا.

إخواننا في الأزهر يعملون عكس هذا؛ يقول له: أين المراجع الأصيلة؟ وعلى الفور، عندما تكون هناك مراجع أصيلة تصبح مراجع متخلفة ولا يقبلها [المعيار الغربي].

إذ لا بد من التجديد؛ فكل عشر سنوات تتحول الأمور في تطور زئبقي، لا يبقى للمبادئ ثبات أو شأن.

الفرق بين المنظومة الإسلامية والغربية في مقصد العلم بين وجه الله وبناء المجد الشخصي

[الشيخ]: هنا يقول [الإمام الغزالي] إنك لا تفعل من أجل مقارنة الأقران ومنافسة الأقران. هناك [في المنظومة الغربية] يجعل بناء المجد أساسًا للقضية.

ولذلك تراه يسمي الجائزة باسمه: جائزة نوبل، منحة فورد، فولبرايت؛ لأنه يريد الخلود، لأنه ليس هناك آخرة في هذه المنظومة. ليس هناك قصد لله ولا يفعل شيئًا لوجه الله.

ويتعجب غاية العجب منك أيها الذي تفعل شيئًا أو تتصدق بصدقة في الخفاء. أمجنون أنت؟ لأنك لم تطلب المجد أو المقارنة أو المنافسة في منظومة قد تكون قد استقرت في كثير من وجدان من ينطقون بلغتنا ويعيشون في أوساطنا.

إلغاء الوظيفة التاسعة في الحضارة الغربية وانعكاس النسبية المطلقة على منظومتهم

[الشيخ]: كأنهم أهملوا هذا التاسع [أي الوظيفة التاسعة: قصد الله بالعلم] ورفعوه ومحوه وعكسوه، فأصبحت سمات العصر نسبية مطلقة.

نعم، نحن نعترف بالنسبية، وهنا قال [الإمام الغزالي] إن الفضل نسبي. ولكنهم يجعلون النسبية خاصة بعد نيتشه هي نسبية مطلقة، لدرجة أن النسبية المطلقة أصبحت هي المطلق الذي يعيشون به.

نحن عندنا المطلق هو الله؛ لأنه يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهو لا يتحول ولا يتبدل.

﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]

لكن هو [الفكر الغربي] يقول: لا، إن كل شيء نسبي، افعل ما شئت، والكون كما تراه أنت. كيف ترى الكون؟ هو هكذا. انظر إلى ما تراه لكي نستطيع أن نجلس مع بعضنا.

الوظيفة التاسعة هي الفارق الجوهري بين الحضارة الإسلامية والغربية

[الشيخ]: هذا التاسع [الوظيفة التاسعة] رفعوه بذاته فانعكس معهم كل شيء فيه. تظل تتأمله كلمة كلمة كلمة كلمة.

هذا التاسع هو الذي بيننا وبينهم، هو هذا الذي حدث بيننا وبينهم؛ أنهم رفضوا هذا التاسع فأزالوه ونبذوه، فانعكس الحال معهم.

ثم عندما تعلموا، هناك من تعلم [في الغرب]، جاءونا من غيره وتعجبوا من هذا الكلام جدًّا؛ لأنهم لم يجدوا هذا الكلام هناك.

قليل من المدارس حاولت أن ترجع شيئًا من هذا التاسع، ثم أنها تاهت في وسط الركام.

الوظيفة العاشرة: معرفة نسبة العلوم إلى المقصد وإيثار الأهم على غيره

[القارئ]: الوظيفة العاشرة أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد كي ما يؤثر الرفيع القريب على البعيد، والمهم على غيره.

ومعنى المهم ما يهمك، ولا يهمك إلا شأنك في الدنيا والآخرة. وإذا لم يمكنك الجمع بين ملاذّ الدنيا ونعيم الآخرة، كما نطق به القرآن وشهد له من نور البصائر ما يجري مجرى العيان، وشهد كما نطق به القرآن وشهد له من نور البصائر ما يجري مجرى العيان.

فـالأهم ما يبقى أبد الآباد. وعند ذلك تصير الدنيا منزلًا، والبدن مركبًا، والأعمال سعيًا إلى المقصد. ولا مقصد إلا لقاء الله تعالى؛ ففيه النعيم كله، وإن كان لا يعرف في هذا العالم قدره إلا الأقلّون.

سعادة لقاء الله والنظر إلى وجهه الكريم وتشبيه مراتب العلوم بمراتب الحج

[القارئ]: والعلوم بالإضافة إلى سعادة لقاء الله سبحانه والنظر إلى وجهه الكريم، أعني النظر الذي طلبه الأنبياء وفهموه دون ما يسبق إلى فهم العوام والمتكلمين، على ثلاث مراتب تفهمها بالموازنة بمثال.

وهو أن العبد الذي عُلِّق عتقه وتمكينه من الملك بالحج، وقيل له: إن حججت وأتممت وصلت إلى العتق والملك جميعًا، وإن ابتدأت بطريق الحج والاستعداد له وعاقك في الطريق مانع ضروري، فلك العتق والخلاص من شقاء الرق فقط دون سعادة الملك.

فله ثلاثة أصناف من الشغل: الأول تهيئة الأسباب بشراء الناقة وخرز الراوية وإعداد الزاد والراحلة، والثاني السلوك ومفارقة الوطن بالتوجه إلى الكعبة منزلًا بعد منزل، والثالث الاشتغال بأعمال الحج ركنًا بعد ركن.

تفاوت القرب من السعادة بحسب مرحلة السالك في طريق الحج والعلم

[القارئ]: ثم بعد الفراغ والنزوع عن هيئة الإحرام وطواف الوداع استحق التعرض للملك والسلطنة.

وله في كل مقام منازل: من أول إعداد الأسباب إلى آخره، ومن أول سلوك البوادي إلى آخره، ومن أول أركان الحج إلى آخره.

وليس قرب من ابتدأ بأركان الحج من السعادة كقرب من هو بعدُ في إعداد الزاد والراحلة، ولا كقرب من ابتدأ بالسلوك، بل هو أقرب منه.

تقسيم العلوم إلى ثلاثة أقسام على مثال مراتب الحج

[القارئ]: فالعلوم أيضًا ثلاثة أقسام: قسم يجري مجرى إعداد الزاد والراحلة وشراء الناقة، وهو علم الطب والفقه وما يتعلق بمصالح البدن في الدنيا.

وقسم يجري مجرى سلوك البوادي وقطع العقبات، وهو تطهير الباطن عن كدورات الصفات وطلوع تلك العقبات الشامخة التي عجز عنها الأولون والآخرون إلا الموفقين. فهذا سلوك الطريق، وتحصيل علمه كتحصيل علم جهات الطريق ومنازله.

وكما لا يغني علم المنازل وطرق البوادي دون سلوكها، كذلك لا يغني علم تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب، ولكن المباشرة دون العلم غير ممكن.

القسم الثالث من العلوم: العلم بالله وصفاته وهو مفتاح النجاة والفوز بالسعادة

[القارئ]: وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحج وأركانه، وهو العلم بالله تعالى وصفاته وملائكته وأفعاله وجميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة. وها هنا نجاة وفوز بالسعادة.

والنجاة حاصلة لكل سالك للطريق إذا كان غرضه المقصد الحق وهو السلامة. وأما الفوز بالسعادة فلا يناله إلا العارفون بالله تعالى، وهم المقربون المنعَّمون في جوار الله تعالى بالروح والريحان وجنات النعيم.

وأما الممنوعون دون ذروة الكمال فلهم النجاة والسلامة، كما قال الله عز وجل:

﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 88-91]

مصير من لم يقصد الله بالعلم ولم يمتثل للعبودية من أصحاب الشمال

[القارئ]: وكل من لم يتوجه إلى المقصد ولم ينتهض له، أو انتهض إلى جهته لا على قصد الامتثال والعبودية بل لغرض عاجل، فهو من أصحاب الشمال ومن الضالين؛ فله نُزُلٌ من حميم وتصلية جحيم.

سنة التوازن بين النظر والعمل وأهميتها في فهم منهج الإمام الغزالي

[الشيخ]: هذا على حدّ سنة التوازن. فهنا يريد [الإمام الغزالي] التوازن بين كل شيء.

والمتأمل فيما ذُكر ثم في تنبيه الإسلام وتنبيه القرآن على السنن الإلهية فيه، ومنها سنة التوازن، يدرك هذا الحال.

التوازن ما بين النظر والعمل، وهي مشكلة كبيرة في علوم اليوم. التوازن بين النظر والعمل، بين الفكر والتنفيذ، مشكلة كبيرة يتحدث عنها علماء النفس، ويتحدث عنها الإداريون، ويتحدث عنها الأطباء.

هنا يتحدث [الإمام الغزالي] بهذه البلاغة العالية التي لا تستطيع أن تسبر غورها أو أن تصل إلى أعماقها إلا بهذه الكلمة: ضع في ذهنك وأنت تقرأ هذا البند: التوازن. تُحَلّ معك الإشكالات وتفهم بصورة أفضل.

فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.