مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 44 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 44 | أ.د علي جمعة

22 دقيقة
  • يتحدث النص عن كتاب الإمام الغزالي الذي وفق بين منهج الصوفية ومنهج الفقهاء، فأنهى الخصام بينهما.
  • الإمام الغزالي شافعي المذهب، توفي سنة 505 هـ، وله مؤلفات عديدة في الفقه منها الوسيط والوجيز والمبسوط.
  • حذر الغزالي من الطامات وهي صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها إلى معان باطنة غير مفهومة، معتبراً إياها حراماً وضررها عظيم.
  • انتقد الباطنية الذين أولوا نصوص الشرع تأويلاً فاسداً، فقالوا: الحج هو قصد الإمام، والصيام هو كتمان سر الإمام.
  • هذه التأويلات الباطنية أدت إلى إنكار وجود الله وإسقاط التكليفات الشرعية واستباحة المحرمات.
  • أمثلة التأويلات الفاسدة: تفسير فرعون بالقلب، والسحور بالاستغفار، وهي تأويلات باطلة لمخالفتها الحس والنقل.
  • حذر من التفسير بالرأي الذي توعد فاعله بالنار، وهو تحميل النص ما لا يحتمله لتقرير غرض شخصي.
  • استمرت هذه التأويلات الباطنية حتى العصر الحاضر كتحريم بعضهم للنظارات باعتبارها استعانة بغير الله.
محتويات الفيديو(21 أقسام)

مقدمة الدرس والتعريف بكتاب الإمام الغزالي ومنهجه في التوفيق بين الفقهاء والصوفية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

نواصل القراءة في كتاب ماتع للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا الكتاب وفّق بين ما كان عليه أهل الله من الصوفية حاملين درجة الإحسان درسًا وتنفيذًا وفعلًا وسلوكًا ظاهرًا وباطنًا، وبين ما كان على الفقهاء [من] تحصيل العلوم الظاهرة التي تحمي ظاهر الشريعة عقيدةً وشريعةً.

فانتهى الخصام المرير بين الفقهاء والصوفية منذ أن توفي الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى في سنة خمسمائة وخمس من الهجرة، وتوفي صغيرًا وكأن لديه خمسة وخمسين عامًا فقط، ولكن فتح الله عليه الخير الكثير.

مؤلفات الإمام الغزالي في المذهب الشافعي وشروحها

وكان [الإمام الغزالي] شافعي المذهب، وألّف في المذهب كتبًا كثيرة؛ فألّف كتاب الوسيط وكتاب المبسوط، ثم الوسيط ثم الوجيز ثم الخلاصة.

وعلى الوجيز شروح؛ شرحه الإمام الرافعي في الشرح الكبير وأسماه فتح العزيز شرح كتاب الوجيز. والوسيط طُبع، لكن المبسوط يبدو أنه لم يصل إلينا أو لم يصل إلينا كاملًا.

نقرأ الآن بعدما توقفنا في رمضان الماضي، نقرأ ما يقوله الإمام [الغزالي]، تفضل.

كلام الإمام الغزالي في الطامات وصرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها كدأب الباطنية

[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:

وأما الطامّات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح، وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة، كدأب الباطنية في التأويلات. فهذا أيضًا حرام وضرره عظيم؛ فإن الألفاظ إذا صُرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل، اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

خطورة التأويل الباطني وتعارض الخواطر فيه وكونه بدعة عظيمة الضرر

«فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يُوثق به، والباطن لا ضبط له، بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى. وهذا أيضًا من البدع الشائعة العظيمة الضرر.

وإنما قصد أصحابها الإغراب؛ لأن النفوس مائلة إلى الغريب ومستلذّة له. وبهذا الطريق توصّل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم، كما حكيناه من مذاهبهم في كتاب المستظهري المصنّف في الرد على الباطنية.»

شرح منهج الباطنية في تأويل العبادات كالحج والصيام للتخلص من الشريعة

[الشيخ]: إذن هو [الإمام الغزالي] ينعى على طائفة ظهرت قبله، ذهبوا إلى الشرع فاستثقلوه وأرادوا أن يخرجوا منه بالجملة، ولكنهم خافوا كشأن المنافقين، فذهبوا إلى ألفاظ الشرع فأوّلوها وصرفوها عمّا يتبادر إلى أذهان الناس وإلى أذهان المسلمين.

فذهبوا إلى الحج والحج في اللغة القصد، فقالوا: الحج هو أن تقصد الإمام وليس أن تذهب إلى الكعبة وتطوف بها سبعة أشواط وتعتمر أو تحج أو نحو ذلك. قالوا: المقصود بها [قصد] الإمام.

والصيام قالوا: كتمان سر الإمام، يعني إمامهم. أقول له: من هو؟ فيقول لي: لا، هذا أنا صائم [أي لا أستطيع إفشاء السر]. فأقول: والصيام الذي هو الامتناع عن الطعام والشراب وشهوة البطن والفرج من الفجر إلى المغرب، يقول: ليس هذا هو المعنى.

تأويلات الباطنية لشهر رمضان وردّ الشريعة بألفاظ لا علاقة لها بالشرع واللغة

هذا شهر رمضان، هذا إشارة إلى ماذا؟ الإمام [عندهم]. الذي إذا أدخلونا في أوهام وخيالات وألفاظ أتوا هم بها، لا علاقة لها باللغة ولا علاقة لها بالشرع ولا علاقة لها بالفهم، فردّوا الشريعة بجملتها.

استطاع [الباطنية] بهذا الشكل أن يتخلص من الشريعة. وما زال إلى يومنا هذا بعض الناس على مذهب هؤلاء، وهؤلاء يرون أن الله فكرة وليس موجودًا، الله هذا فكرة نحن صنعناها وليس هو موجودًا سبحانه وتعالى.

إثبات الإسلام لوجود الله حقيقة وصفاته العليا في مقابل فلسفة أرسطو

والإسلام جاء فأقرّ وجود الله حقيقة، وأنه متصف بالصفات العليا، وأن له إرادة وعلم وحكمة وقدرة وقوة، وأنه عزيز حكيم عليم، موجود فعلًا وليس وهمًا وفكرة.

أن الإله قد يكون موجودًا، وهذه هي فكرة من أرسطو؛ لأن أرسطو يتحدث عن طبقتين من المتحكمين في الكون: الطبقة الأولى تسمى القضاء. يقول أرسطو: إن هذا القضاء لا يتصف بالصفات ولا بأضدادها، فهو لا عليم ولا ليس بعليم، ولا مريد ولا ليس بمريد، إنه شيء فوق العقل وفوق الكون ولا علاقة لنا به.

حديث أرسطو عن الآلهة في الأورغانون ومقارنتها بالملائكة في الأديان السماوية

وفي الأورغانون العظيم يتحدث [أرسطو] عن الآلهة الذين هم في مقابل الملائكة في الأديان السماوية: هناك إله للعدل، وإله للجمال، وإله للحرب، وإله لكذا إلى آخره. عندما تتأمل تجد أن هؤلاء الآلهة كأنهم ملائكة يعني؛ أي الملائكة: ملك الريح، وملك واقف على جهنم، وملك واقف على الجنة، شيء من هذا يسمونهم الآلهة.

حسنًا، ربما لا يوجد عليه شيء، قد تكون الترجمة فيها شيء. القضاء أخذ نصف صفحة وهو [أرسطو] يتحدث عن القضاء الذي كأنه يتحدث عن الله، أخذ نصف صفحة من الأورغانون، والآخر [موضوع الآلهة] أخذ صفحات كثيرة.

مفهوم القضاء عند أرسطو وبيان أن القرآن أنبأنا عن صفات الله بالتفصيل

ما هو القضاء؟ هذا القضاء الذي سماه [أرسطو] كذلك، القضاء شيء لا علاقة لنا به ولا ولن نستطيع أن نصل لها [أي لمعرفته]. أكثر الله خيرك، متشكرين.

القرآن أنبأنا عنه سبحانه وتعالى وأنبأنا عن صفاته بالتفصيل: مائة واثنتان وخمسون صفة في القرآن، مائة وأربع وستون صفة في السنة، تجمعهما فيصبح مائتان وعشرون صفة جاء بها الإسلام وصفًا لربنا سبحانه وتعالى.

فنحن لا نعبد وهمًا. أرسطو فأزاحه [أي أزاح معرفة الله] وقال: هذه فكرة [لا يمكن الوصول إليها].

استغلال الباطنية للفلسفات اليونانية في تأويل الألفاظ وإنكار الإله والتكليف

الباطنية عندما اطلعوا على هذه الفلسفات ذهبوا إلى أن هذا مدخل جيد من أجل التخلص من الشريعة، وهو أن يؤوّلوا الألفاظ بطريقة باطنية وهم يُضمرون عدم وجود الإله.

فلا يوجد رب، وما دام لا يوجد رب فلا يوجد تكليف، وما دام لا يوجد تكليف فكل شيء حلال. الذي يحرّم الخمر والخنزير، ما الذي يحرّم زواج الأم أو البنت؟ هو الذي حرّمه الله. أما الطبيعة فيمكن أن يحدث هذا؛ فيأكل شخص خنزيرًا ولا يموت، يشرب خمرًا ولا يتسمم، ينكح أمه ولا يحدث شيء، لا تنخسف به الأرض مثلًا.

فذهبوا يؤوّلون كل شيء حتى أسقطوا التكليف بالمرة واستباحوا المحرمات، وكل ذلك فرع عن إنكار الله.

التحذير من التأويل الباطني المؤدي إلى الكفر وبيان فضائح الباطنية

فهذا الفعل [التأويل الباطني]، شخص يقول: لا، أنا لا أنكر الله لكن سأفعل هذا [التأويل]، نقول له: هذا حرام يؤدي بك إلى الكفر.

لكن الحقيقة أن هؤلاء الناس، ولذلك عندما ألّفوا فيهم أسموهم «فضائح الباطنية». والفضيحة جاءت من أين؟ أنه يُنكر أصلًا وجود الله، ثم ذلك يُبنى عليه إنكار النبوة والوحي؛ أي أنه لا يوجد رب، لا يوجد إله يوحي، وعليه فلا يوجد تكليف، وعليه افعل ما شئت، سقط عنك التكليف.

وهذا يقول به أناس إلى يومنا الحاضر من المسلمين ومن غير المسلمين.

أهمية دراسة كتب الرد على الباطنية وصلتها بالواقع المعاصر ودرجات الإنكار

ولذلك فدراسة هذه الكتب ليست عابرة ونافلة وهكذا أبدًا، هذا يردّ حتى ما يحدث الآن، حادث إلى الآن في العصر الجديد، من يقول بمثل هذا الكلام تمامًا لكنه ليس منتسبًا إلى المسلمين: سقوط التكليف، عدم وجود الوحي، إنكار الإله.

لأن انتبه، هذه درجات؛ يعني يمكن أن يقول بسقوط التكليف حتى مع وجود الوحي، يمكن أن يقول لا يوجد وحي حتى مع وجود الإله، لكنه لمّا ينكر الإله يصبح أنكر كل شيء.

مثال تأويل أهل الطامات لآية اذهب إلى فرعون وآية وألق عصاك وحديث السحور

[الشيخ محمد وسام]: ومثال تأويل أهل الطامّات قبل مثال التأويل الباطن، كما أشار فضيلة الإمام الغزالي، غير منضبط. قال: لتعارض الخواطر.

كيف تأتي [هذه التأويلات]؟ من الباطن: الرضا هذا هو الذي بُنيت عليه البيع والشراء، فقالوا لكن لا ينضبط. وأنا أبيع معك واشتري، سنأتي بخمسة نسأل:

الاثنين الأولين: أأنتم راضون عن البيع؟ قال: أنا راضٍ كل الرضا، كنت أريد أن أبيع شيئًا بمائة، عُرض عليّ فيها بمائتين، وأصبح بضاعة كاسدة لا أحد يشتريها ولا أحد يقول لها السلام عليكم [أي لا يوجد مشترٍ منتبه لها]، فالحمد لله راضٍ.

قلنا للثاني الذي قام بالبيع والشراء: أأنت راضٍ؟ قال: نعم، جلبت ثمنها جميل، كنت أريد أن أبيعها بمائة فجلبت المائة.

تفاوت درجات الرضا في البيع وعدم انضباط الأمور الباطنة

الثالثة: هل أنت راضٍ [بالبيع]؟ قال: أنا زوجتي مريضة وأريد أن أسدد فاتورة المستشفى، فاضطررت أن أبيعها. لو كنت أنا، لو لم يكن هذا الظرف ما كنت بعت. يعني أنت خاسر؟ قال: لا، لست خاسرًا ولا شيء، ولكن يعني لو إن كنا قد جلسنا قليلًا لكان بإمكانها أن تأتي بأكثر. يعني هل أنت راضٍ أم غير راضٍ؟ أنا راضٍ ولكن يعني...

الرابع قال: والله في سمائه لا، ولولا الظرف الذي أنا فيه ما كنت أرسلتها أبدًا، هذه من ريحة [ذكرى] أبي، هذا الذي يحبني والذي أعطاني، ويجلس يبكي. والله يعني هل راضٍ هو؟ قال له: بعتك واشتريت.

ضبط الرضا باللفظ الظاهر لا بالأمر الباطني لأن الأحوال تتغير

فيبقى إذا ضبطوا الرضا بأمر منضبط وهو اللفظ، ولم يضبطوه بأمر غير منضبط. لماذا؟ لأن الأحوال تتغير؛ ففي رضا زائد، وفي رضا معقول، وفي رضا ناقص، وفي رضا متردد، وفي رضا في الظاهر فقط وهو لا يريد بل وينكر.

فما هو الرضا إذن؟ نعم، هكذا الرضا درجات وهو غير منضبط. إذا كان هذا في حاجة هي واضحة مثل البيع [فكيف بغيره].

مثال المشقة في السفر وعدم انضباطها وربطها بجواز الإفطار عند الأئمة الأربعة

والمشقة: أنت مسافر يجوز لك أن تفطر، هذه المشقة. إذن أنت نلت مشقة؟ قال: والله هذا أنا ارتحت آخر راحة، هذا أنا أرتاح أكثر من بيتنا. والآخر قال: لا، هذا أنا كدت أن أموت. وهم راكبون قطارًا واحدًا مثلًا! حسب الجسم، حسب النفسية، حسب التعود، وهكذا.

فالمشقة أمر بُني عليه جواز الإفطار، لكنه باطنًا وليس ظاهرًا، فذهبنا فعلنا ماذا؟ جاعلين الإفطار بالمسافة: خمسة وثمانين كيلومترًا في المزيد، أنت ذاهب فيجب أن تفطر [أي يجوز لك].

إذا هل عليك الصيام؟ يعني الأذان يؤذّن وأنت ذاهب مسافر في سفر، عند الأئمة الأربعة: فلو دخل السفر على الصيام فلا تفطر؛ أي لا يجوز أن تفطر وأنت مسافر عندهم. أي في الساعة العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة لا يجوز. طبعًا هؤلاء الأئمة الأربعة، ففي مذاهب الصحابة من كان يجيز هذا، لكن هذا خارج الأربعة.

أمثلة الإمام الغزالي على تأويلات أهل الطامات لآيات القرآن والحديث النبوي

[الشيخ محمد وسام]: ومثال تأويل أهل الطامّات: قول بعضهم في تأويل قوله تعالى:

﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾ [طه: 24]

إنه إشارة إلى قلبه، وقال: هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل إنسان.

وفي قوله تعالى:

﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص: 31]

أي كل ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله عز وجل فينبغي أن يلقيه.

وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«تسحّروا فإن في السحور بركة» وهو متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه.

أراد به [أهل الطامّات] الاستغفار في الأسحار. وأمثال ذلك وأمثال ذلك، حتى يحرّفون القرآن من أوله إلى آخره عن ظاهره وعن تفسيره المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وسائر العلماء.

بطلان تأويل فرعون بالقلب والسحور بالاستغفار وأدلة ذلك من التواتر والحس

وبعض هذه التأويلات يُعلم بطلانها قطعًا، كتنزيل فرعون على القلب؛ فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا النقل بوجوده، ودعوة موسى عليه السلام له، وكأبي جهل وأبي لهب وغيرهما من الكفار، وليس من جنس الشياطين والملائكة مما لم يُدرك بالحس حتى يتطرق التأويل إلى ألفاظه.

وكذلك حمل السحور على الاستغفار؛ فإنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يتناول الطعام ويقول:

«تسحّروا وهلمّوا إلى الغذاء المبارك»

فهذه أمور يُدرك بالتواتر والحس بطلانها نقلًا. وبعضها يُعلم بغالب الظن، وذلك في أمور لا يتعلق بها الإحساس.

حكم التأويل الباطني بالتحريم وعدم نقله عن الصحابة والتابعين وحديث تفسير القرآن بالرأي

فكل ذلك حرام وضلالة وإفساد للدين على الخلق، ولم يُنقل شيء من ذلك عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الحسن البصري مع إقباله على دعوة الخلق ووعظهم.

فلا يظهر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» رواه الترمذي والنسائي في الكبرى.

فلا يظهر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» معنى إلا هذا النمط، وهو أن يكون غرضه ورأيه تقرير أمر وتحقيقه، فيستجرّ شهادة القرآن إليه ويحمله عليه، من غير أن يشهد لتنزيله عليه دلالة لفظية لغوية أو نقلية.

نموذج معاصر لفرقة في مصر طبقت التأويل الباطني وحرمت لبس النظارات

[الشيخ]: وهذا حادث حتى في عصرنا. شاهدنا فرقة خرجت في مصر كانت تدّعي من أجل هذه الآية:

﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص: 31]

يعني كل ما تتوكأ عليه [يجب إلقاؤه]، فقالوا بـحرمة النظارات! الحرام لبس النظارة. لماذا؟ قال: لقوله تعالى:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

فأنت استعنت بالنظارة، فهذا حرام لأنها استعانة بغير الله!

وبقيت هذه الفرق على هذا الحال، على ما يصفه الإمام الغزالي الآن، ويأتون من هنا ويؤوّلون هنا بنفس العقلية هذه. وكانوا يلبسون زيًّا معينًا: البياض والعمامة الخضراء، فتنوا الناس إلى أن مات رجلهم وهلك، فانفضّوا جميعًا ولم نجد أحدًا يقول شيئًا بهذا الكلام؛ لأنه مخالف للعقل والنقل.

الخاتمة والتوديع

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.