مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 62 | أ.د علي جمعة
- •يشرح الإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين أن الوظيفة الأولى للمعلم هي الشفقة على المتعلمين وإجراؤهم مجرى بنيه، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد لولده".
- •يجب على المعلم أن يتمنى لتلاميذه أن يصبحوا أفضل منه، مثلما يتمنى الأب لابنه، وأن يشجعهم ويستر عليهم ويقوم بإصلاحهم.
- •العلم رحم بين أهله، وعلى تلاميذ المعلم الواحد أن يتحابوا ويتعاونوا، فإن العلماء وأبناء الآخرة مسافرون إلى الله في طريق واسع لا ضيق فيه.
- •الوظيفة الثانية للمعلم ألا يطلب على تعليم العلم أجراً ولا جزاءً، بل يعلِّم لوجه الله وطلباً للتقرب إليه.
- •المعلم يستحق الأجر على احتباس نفسه للتدريس وليس على العلم ذاته.
- •يجب على المعلم ألا يستخدم الطلاب في قضاء حوائجه الشخصية أو يمن عليهم، بل يرى الفضل لهم لأنهم سبب نيله الثواب.
مقدمة الدرس مع الإمام الغزالي في كتاب العلم من الإحياء
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع إمام الأئمة أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. وفي كتابه الإحياء، وما زلنا في كتاب العلم.
نستمع إلى هذا المثمن الذي أتى به في مجال المعلِّم، والمعلِّم ركن من أركان التعليم مهم؛ لأنه يفتح الآفاق، ولأنه يوفر الأوقات والأعمار، ولأنه عنده همة للقيادة في طريق العلم الذي في نهايته يُقصد به الله سبحانه وتعالى.
الوظيفة الأولى للمعلم: الشفقة على المتعلمين وإجراؤهم مجرى الأبناء
[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
الوظيفة الأولى: الشفقة على المتعلمين وأن يجريهم مجرى بنيه.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده» [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]
خُلُق المعلم في معاملة تلاميذه كالوالد مع أبنائه دون تعنيف
[الشيخ]: إذن هذه مسألة خُلُقية؛ أن المعلم لا يعنف تلاميذه ولا يغضب عليهم ويخيفهم من السؤال أبدًا، إنه ينزل بهم منزلة الوالد للولد.
ومن منازل الوالد للولد أن الوالد لا يتمنى أن يكون أحد أفضل منه إلا ابنه. انتبه، أي أن الأب يتمنى أن يصبح ابنه أفضل منه، فليس هناك منافسة بينه وبين ابنه، بل المنافسة بينه وبين جاره، بينه وبين أخيه، بين ابن عمه، ولكن ابنه لا.
ولذلك يُشترط في الشيخ أنه يتمنى أن يكون تلاميذه أفضل منه، أن يصبحوا أفضل منه؛ لأن الأمر لا يتطور إلا كذلك، إلا بهذا العلم ومن هذا الخلق.
قصة الإمام الإسنوي في تشجيع طلابه وتحفيزهم على البحث العلمي
[الشيخ]: رأينا الإمام الإسنوي رضي الله تعالى عنه، كان يحب أن يشجع أبناءه، حتى أن أحدهم كان يأتيه بالطريفة أو الطرفة أو بمجهود فعله في العلم، فيتلقاه وكأنه لم يسمع به من قبل.
يقول له: يا سلام! أهكذا إذن؟ والله! حسنًا، قل مرة أخرى. ويُخرج ورقة ويكتبها، ثم يتضح للمسكين أنه قد ألّف فيه مؤلفًا قبل أن يُولد!
ولكن هذا التشجيع يظل محفورًا في أذهان الطلاب، ويفتخرون به ويرون هذا الأمر جميلًا جدًا.
واجب الأستاذ في الرأفة بالتلاميذ وأدب التلاميذ مع أستاذهم
[الشيخ]: ينبغي على الأستاذ أن يكون رؤوفًا بالتلاميذ، وعلى التلاميذ عندما يكون أستاذهم غير رؤوف ألّا يقولوا له: بالمناسبة أنت غير رؤوف ولا تعرف أن تكون معلمًا، فيكون الولد قليل الأدب. اتفقنا على ذلك.
حسنًا، لكننا هنا [نتحدث عن أن] المعلم مكلف بوظيفة أن يكون شفوقًا وأنزلوه منزلة الولد. منزلة الولد تعني ماذا؟ ليس في الشفقة والحنان فقط، لا، إذا أخطأ الابن [عامله بالستر والمعالجة].
ولذلك هناك بعض الناس إذا أخطأ الولد: عاقبه، اضربه، اقتله، احكم عليه. حسنًا، لو كان ابنك استر عليه وسامحه ولتعالجه، افعل ذلك مع أبناء الناس.
الشيخ مطالب بالشفقة والستر والتشجيع وتمني التفوق لتلاميذه
[الشيخ]: إذن الشيخ مطالب بالشفقة التي تقتضي الستر، والتي تقتضي التشجيع، والتي تقتضي تمني أن يكون [التلميذ] أفضل منه، يتمنى في قلبه أن يراه أفضل منه.
وأنت إذا كنت أستاذًا للأئمة فهذا خير من أن تكون أستاذًا لأفسال [أي لأناس ضعفاء]. هكذا، ألا يكون هذا لمصلحتك؟ عندما يكون تلاميذك أصبحوا أئمة كبارًا عظامًا لهم أثر في العلم.
حسنًا، أنت أستاذ لهؤلاء الأئمة، أم يكونوا تافهين هكذا وأنت أستاذ لمجموعة التافهين هؤلاء؟ إذن حتى الخير يجازيك الله به أيضًا.
فضل أن يكون المعلم أستاذ العظماء لا أستاذ الفاشلين
[الشيخ]: عندما تكون أستاذًا، يجب أن تكون شفوقًا وتتمنى أن يكون أولادك هؤلاء أفضل منك، فيُقال لك إنك أستاذ العظماء، خير لك من أن يُقال إنك أستاذ الفاشلين.
أول نقطة هي أن يكون المعلم مثل الوالد للولد، وهذا كلام عظيم جدًا، ويشير إلى أن العلم رحم بين أهله.
العلم رحم بين أهله وصلة الرحم العلمية تقتضي الحب والرعاية
[الشيخ]: هناك أمر مشابه لهذا [أي لتشبيه المعلم بالوالد]، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«إلا رحمًا نبلها ببلالها»
أي نحتاج إلى صلة الرحم، إلا رحمًا نبلها ببلالها. يكون هناك صلة رحم، هذه الصلة تقتضي الحب وتقتضي الزيارة وتقتضي الرعاية وتقتضي العناية وتقتضي التحوط وتقتضي أشياء كثيرة جدًا.
لا تكون إلا في قلب قرر ذلك، بمعنى أنت في قلبك تقول: أنا خلاص هذا ابني، وتعيش هذه الحالة، تقلق عندما يغيب، وتفرح عندما يأتي، إلى آخره؛ لأنه ابنك. نعم.
حق المعلم أعظم من حق الوالدين لأنه سبب الحياة الباقية
[الشيخ محمد وسام]: بأن يقصد إنقاذهم من نار الآخرة، وهو أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا. ولذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين؛ فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية.
ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية الدائمة. أعني معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة لا على قصد الدنيا، فأما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك، نعوذ بالله منه.
التحاب بين تلاميذ الشيخ الواحد كالإخوة إذا قصدوا الآخرة
[الشيخ محمد وسام]: وكما أن حق أبناء الرجل الواحد أن يتحابوا ويتعاونوا على المقاصد كلها، فكذلك حق تلامذة الرجل الواحد التحاب والتوادد.
ولا يكون إلا كذلك إن كان مقصدهم الآخرة، ولا يكون إلا التحاسد والتباغض إن كان مقصدهم الدنيا.
فإن العلماء وأبناء الآخرة مسافرون إلى الله تعالى وسالكون إليه الطريق من الدنيا، وسنوها وشهورها منازل الطريق، والترافق في الطريق بين المسافرين إلى الأمصار سبب التوادّ والتحاب، فكيف السفر إلى الفردوس الأعلى والترافق في طريقه؟
سعة طريق الآخرة وضيق طريق الدنيا وأثرهما على العلاقات بين الطلاب
[الشيخ محمد وسام]: ولا ضيق في سعادة الآخرة، فلذلك لا يكون بين أبناء الآخرة تنازع، ولا سعة في سعادات الدنيا، فلذلك لا ينفك عن ضيق التزاحم.
والعادلون إلى طلب الرياسة بالعلوم خارجون عن موجب قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]
وداخلون في مقتضى قوله تعالى:
﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]
تحابّ الإخوة في الدرس وأثر الأخوة العلمية في بناء الروابط
[الشيخ]: وأشار أيضًا إلى معنى آخر وهو تحابّ الإخوة بعضهم مع بعض، فعندما يكون الشيخ أبًا ووالدًا، فينبغي على الأولاد ألّا يكونوا من الإخوة الأعداء، بل لا بد إذا قصدوا الله سبحانه وتعالى وخلصت نيتهم أن يُحب أحدهم أخاه.
كنا قديمًا يسميها المشايخ عُصبة، أي يقول: لا، هذا أخي معي في الدرس، ويرفع يده هكذا ويهزها إلى الأعلى ثلاث أو أربع مرات: أخي معي في الدرس لزامًا.
يعني ماذا؟ أخي معي في الدرس تعني كأنه أخي شقيقي، وكانوا على هذا الحال؛ لأن قلوبهم كانت متعلقة بالله سبحانه وتعالى.
قصة الأخوين في الأزهر وإيثار أحدهما ترقيته لأخيه في الدرس
[الشيخ]: وحدث أن اثنين من الإخوة تم تعيينهما في الأزهر، أحدهما تزوج ولم ينجب، والآخر تزوج وكثرت أولاده. ثم جاء موعد الترقية فرُقّي الذي هو قليل النفقة، أي أن الغني تمت ترقيته والفقير لم يُرقَّ.
فذهب هو من تلقاء نفسه هكذا إلى شيخ الأزهر وقال له: لا، أنا أريد أن تُعطى الترقية لأخي فلان؛ لأنه كان معي أخًا في الدراسة وهو كثير الأولاد، وأنا أحوالي ميسورة والحمد لله.
قال شيخ الأزهر: والله، هذه حالة لم تمر علينا من قبل، لكن هذا إيثار طيب ومعنى جليل، فنأخذ به، فليكن.
عرض أمر تعديل الترقية على المجلس الأعلى للأزهر واعتراض مندوب السراي
[الشيخ]: وعُرض الأمر حتى تُعدل الترقية، عُرض الأمر على المجلس الأعلى للأزهر. المجلس الأعلى للأزهر حينئذ كان فيه مندوب من السراي من عند الملك.
وبعد ذلك قال مندوب السراي له: يا مولانا الإمام الأكبر، لا يصح. هذه الترقية التي وقع عليها الملك، سنذهب لنقول له غيّر توقيعك؟ نقول للملك اشطب هذا وضع هذا؟ هذا عيب ولا يصح ولا يجوز.
قال شيخ الأزهر له: حسنًا، الأزهر مصمم على أن هذا يُوضع مكان هذا. قال له: حسنًا، الأزهر مصمم، إذن نرفع الأمر لمولانا [الملك] ونرى الموضوع؛ لأننا هكذا حتى الآن، إذا اقتربت احترقت، ليس لي تدخل.
مواجهة الشيخ للملك أحمد فؤاد وتحويل الترقية لأخيه في الدرس
[الشيخ]: ورفعوا الأمر إلى الملك، وكان في ذلك الوقت هو الملك أحمد فؤاد، رحم الله الجميع.
قال الملك: حسنًا، أحضروا لي هذا الشيخ الذي يريد أن يرفض عطيتي وترقيتي. فجاء للشيخ استدعاء بأن يكون في القصر في الوقت المحدد، وإذا به أمام الملك.
قال الملك له: نعم، أترفض عطيتي؟ قال له: لا، أنا لم أرفض عطيتك يا مولانا، بل حوَّلتها فقط لأخي الذي يحتاج. قال له: ولماذا تحول هذه الحاجة للآخر؟ قال: لأنه كثير العيال ولأنه كان أخًا لي في الدرس.
قال له: حسنًا يا مولانا، قم واذهب. الملك لا يمكن أن يتراجع في ترقية، فرقّى الثاني [أيضًا]، رقّ الرجل الثاني.
ثمرة الإيثار والأخوة في الدرس وجلب الخير للاثنين معًا
[الشيخ]: والإيثار والأخوة والمحبة التي كانت بينهما، وكان سببها أنهما أخوان في الدرس، جلبت الخير للاثنين، ولم ينقص من الأول أجره ولا ثوابه ولا مرتبه ولا ترقيته شيء.
إذن هذا هو التوكل على الله والحب في الله يجلب الخير كما رأينا وكما جربناه.
قصة التباغض بين اثنين في مقابلة وظيفة وسقوطهما معًا
[الشيخ]: أما التنازع والتباغض، اذكر مرةً اثنين أيضًا - الوجه الآخر - ذهبا في لقاء الذي يسمونه مقابلة من أجل وظيفة، ودخل كل واحد منهما وهو يدعو على الآخر أن يسقط، فسقط الاثنان، سقطا ولم يحصل أي منهما على شيء.
رأينا هذا بأعيننا فصدقنا ما يقول الإمام الغزالي، رأيناه وعشناه. هؤلاء الناس عندما توكلوا على الله حق توكله حدثت هذه الأمور، وهذا كلام حقيقي وليس وهميًا ومكررًا، وليس حالة ولا شيئًا من هذا القبيل إلى آخره.
تشبيه الغزالي لطريق الآخرة بالسعة وطريق الدنيا بالضيق والمضايقة
[الشيخ]: إذن هو [الإمام الغزالي] أشار بالوالد مع الولد إلى أمر آخر، ليس فقط في العلاقة بين الشيخ وتلميذه، بل أيضًا بين التلاميذ بعضهم مع بعض.
وشبّه الأمر وقال إن طريق الآخرة واسع لا يمكن أن تحدث فيه مضايقة، فأنت ومن في الأرض جميعًا تستطيعون السير في هذا الطريق من غير مضايقة وفي سعة.
أما طريق الدنيا فمحدود، فيحصل فيه المضايقة والنزاع والصدام، وتأخذ مني لقمة وآخذ منك لقمة. فعلّق قلبك بالآخرة، سترى السعة وسترى أن الواسع سبحانه وتعالى قادر على أن يعطيك وأن يعطي أخاك وأن يعطي الجميع. نعم.
الوظيفة الثانية للمعلم: الاقتداء بالنبي في عدم طلب الأجر على التعليم
[الشيخ محمد وسام]: الوظيفة الثانية: أن يقتدي بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه، فلا يطلب على إفادة العلم أجرًا، ولا يقصد به جزاءً ولا شكرًا، بل يعلّم لوجه الله تعالى وطلبًا للتقرب إليه.
ولا يرى لنفسه منّةً عليهم، وإن كانت المنة لازمة عليهم، بل يرى الفضل لهم إذ هذّبوا قلوبهم لأن تتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها.
كالذي يعيرك الأرض لتزرع فيها لنفسك زراعة، فمنفعتك بها تزيد على منفعة صاحب الأرض، فكيف تقلّده منة؟ وثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله تعالى، ولولا المتعلم ما نلت هذا الثواب.
النهي عن طلب الأجر المادي على العلم والتحذير من جعل المخدوم خادمًا
[الشيخ محمد وسام]: فلا تطلب الأجر إلا من الله تعالى، كما قال عز وجل:
﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 29]
فإن المال وما في الدنيا يا خادم البدن، والبدن مركب النفس ومطيتها، والمخدوم هو العلم إذ به شرف النفس.
فمن طلب العلم بالمال كان كمن مسح أسفل مداسه بوجهه لينظفه، فجعل المخدوم خادمًا والخادم مخدومًا، وذلك هو الانتكاس على أم الرأس. ومثله هو الذي يقوم في العرض الأكبر مع المجرمين ناكسي رؤوسهم عند ربهم.
ذم من يزعم التقرب إلى الله بالعلم وهو يبذل الذل في خدمة السلاطين
[الشيخ محمد وسام]: وعلى الجملة فالفضل والمنة للمعلم، فانظر كيف انتهى أمر الدين إلى قوم يزعمون أن مقصودهم التقرب إلى الله تعالى بما هم فيه من علم الفقه والكلام والتدريس فيهما وفي غيرهما.
فإنهم يبذلون المال والجاه ويتحملون أصناف الذل في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات، ولو تركوا ذلك لتُركوا ولم يُختلف إليهم.
ثم يتوقع المعلم من المتعلم أن يقوم له في كل نائبة، وينصر وليّه ويعادي عدوه، وينتهض جهارًا له في حاجاته ومسخرًا بين يديه في أوطاره، فإن قصّر في حقه ثار عليه وصار من أعدى أعدائه.
فأخسس بعالمٍ يرضى لنفسه بهذه المنزلة، ثم يفرح بها، ثم لا يستحيي من أن يقول: غرضي من التدريس نشر العلم تقربًا إلى الله تعالى ونصرةً لدينه. فانظر إلى الأمارات حتى ترى دروب الاغترارات.
جواز أخذ الراتب في مقابل الاحتباس للتدريس لا في مقابل العلم ذاته
[الشيخ]: نسأل الله السلامة، وهنا أمران:
الأمر الأول: أنه جرت عادة المسلمين منذ القديم أن من حبس نفسه للتدريس استحق الأجر على ذلك الحبس وليس على تلقي العلم. بمعنى أن القاضي والمؤذن والإمام والمدرس، كل هذه مهن شريفة ينبغي أن يُقصد بها وجه الله.
حسنًا، القاضي ماذا يفعل إذا كان لا بد أن يتفرغ للقضاء، والمعلم للتعليم، من أين يأكل؟ أي هل يشحذ أم ماذا؟ قالوا: لا، إذن يُفصَل أن هذا الأجر الذي يأخذه ليس في مقابل العلم الذي يبذله، ولا في مقابل الصلاة التي يصليها، ولا في مقابل القضاء الذي يقضي به، إنما هو في مقابل الاحتباس.
والاحتباس معناه أنني لم أشتغل بعمل آخر، وأنني قد فرّغت نفسي للقيام بهذه المهمة والمهنة، فهذا في مقابلة الوقت وليس في مقابلة القضاء أو العلم أو الإمامة أو الخطابة أو نحو ذلك.
المشايخ بين الاستغناء بالتجارة وأخذ الراتب لبيان جوازه للناس
[الشيخ]: كثير من المشايخ ربطوا أموالهم بالتجارة فكانوا لا يأخذون المرتب. [لكن بعضهم] يأخذ المرتب أيضًا؛ لأن هذا المرتب وهو يأخذه يبيّن جواز الأخذ؛ لأن الناس لو قلّدوه لهلكوا.
لأن المرء عندما لا يرضى أن يأخذ الراتب يُضيّع أولاده بدعوى التقوى، فهذا لا يصلح. فليأخذ الراتب ثم يصرفه على الطلاب، يشتري لهم الكتب ويشتري لهم أشياء أخرى من هذا القبيل.
اجعل الراتب الذي تتقاضاه في مقابل الاحتباس وليس في مقابل ذات العلم، فهذا أول شيء هنا.
التحذير الشديد من استخدام الأساتذة للطلبة كخدم واستغلالهم
[الشيخ]: الشيء الثاني هو استخدام الطلبة. هذا مُعيبٌ ومصيبةٌ أن تجعل الطلبة خدمًا، وهناك طبعًا قصص وروايات في كل مستويات الجامعات.
وهذا سوء خُلُقٍ لا يرضى عنه الله ولا رسوله. يستعمل الأستاذ الطالب فيقول له: انزل أحضِر لي الخضار واللحم، وإلا سيعطله في الماجستير وفي الدكتوراه وفي الدراسات وغير ذلك، ويُسقِطونه.
وهذا بلاءٌ، هذا الكلام لا يرضى عنه الله ولا رسوله ولا المؤمنون. هذا كلام فاسد يفسد المنظومة كلها، ويخرج هذا الإنسان من دائرة المعلم شرعًا، بمعنى هذا ليس معلمًا، بل هو دجال حتى لو كان لديه بعض المعلومات، لكنه دجال الذي يفعل هذه الأفعال الخبيثة.
مبادرة الطلاب قديمًا بخدمة مشايخهم طوعًا دون طلب منهم
[الشيخ]: لكن أيضًا ومن ناحية أخرى، كانت الطلبة تسارع في خدمة أشايخها من غير طلب. بمعنى قديمًا كان الولد يقول للشيخ: ألا تريد شيئًا يا مولانا؟ كنا نبادر المشايخ بحمل أحذيتهم.
فكان الشيخ يقول: والله ما عندي يا ابني إلا ها، أنت فقط آخذ الحذاء وذاهب إلى أين؟ كان الشيخ يداعبنا، ولكننا نريد أن ندللهم ونعتني بهم، نرى أي شيء فقط لنسارع في هواهم.
فنقول لمشايخنا: ألا تريد شيئًا يا مولانا؟ فكان أحد مشايخنا نوصله إلى البيت لكِبَر سنه، وأظل أقول له: ألا تريد شيئًا؟ ألا تريد شيئًا؟
قصة شراء الزبادي والرغيف للشيخ والفرق بين خدمة الشيخ واستخدامه للطلاب
[الشيخ]: ثم قال لي: حسنًا، أحضر لي زبادي ورغيفًا هكذا. فتوقفت بالسيارة ونزلت وأحضرت له الزبادي والرغيف.
وأصبحت كلما أصل إلى هذه النقطة أتوقف بالسيارة وأقول له: هل تريد شيئًا؟ يقول لي: حسنًا، المعتاد، المعتاد. وكانت هذه الأشياء كلها بعشرين قرشًا، يعطيني خمسة وعشرين قرشًا (ربع جنيه)، فأنزل لأشتري له الشيء بعشرين قرشًا وأرد له الخمسة قروش في الحال، فيقول لي: ابقِ الخمسة قروش لك.
كانت الخمسة قروش لها قيمة، لكن أن تسارع في خدمة الشيخ فهذا شيء آخر غير استخدام الشيخ لك. هذا موجود وهذا موجود.
حياء المشايخ من استعمال الطلاب وخطورة الخلف الذي استخدمهم
[الشيخ]: وكان [الشيخ] يستحيي جدًا هو وغيره من مشايخنا الذين مَنّ الله علينا أن أدركناهم، من أنه يستعمل الطلاب. ونحن الذين يجب أن نلح عليه أن نخدمه.
بعد ذلك فخلف من بعدهم خلف، إنا لله وإنا إليه راجعون، وتجدهم أنهم يستعملون الطلاب. هذه مصيبة كبرى تخرج الإنسان من دائرة المعلم إلى لقاء آخر.
نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
