مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 31 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 31 | أ.د علي جمعة

17 دقيقة
  • تناول الإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين أحوال المجتهدين العظام الذين نشروا العلم بإخلاص وإتقان.
  • شرح مفهوم الزهد الحقيقي، موضحاً أنه ليس الفقر والضعف، بل هو امتلاك الدنيا والزهد فيها.
  • ذكر سخاء الإمام الشافعي كمثال للزهد الحقيقي، فقد كان يعطي ما معه من مال دون تعلق.
  • عرض قصة العابد المعتزل والأمير الزاهد لبيان أن الزهد يستلزم القوة والغنى، وليس ضعفاً أو قلة حيلة.
  • أورد مواقف تدل على قوة زهد الشافعي وخوفه من الله، كإغمائه عند سماع آية "هذا يوم لا ينطقون".
  • بيّن أن معرفة الشافعي بأسرار القلوب وعلوم الآخرة جاءت من القرآن والأخبار، لا من كتب الفقه.
  • أشار إلى فهم الشافعي للمقامات الروحية كالمحنة والصبر والتمكين كدرجات يمر بها الأنبياء.
  • شبّه العلم بشبكة متكاملة وليس خطاً واحداً، منتقداً النابتة الذين يأخذون بالمفرد ويتركون الشبكة المنجية.
محتويات الفيديو(19 أقسام)

مقدمة الدرس من كتاب إحياء علوم الدين وأحوال المجتهدين العظام

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب [إحياء علوم الدين] للإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

نقضي هذه اللحظات في كتاب العلم، حيث يشرح لنا أحوال المجتهدين العظام الذين منّ الله عليهم باتباع النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم، وأقامهم في نشر العلم فانتشر، وإلى يوم الناس هذا وبعد مئات السنين بقيت أعمالهم؛ لأنها أُسست على العلم وعلى التقوى.

ولذلك بارك الله في مجهوداتهم وأعمالهم، من شدة إخلاصهم من ناحية، ومن إتقانهم هذا العمل المتقن الذي تركوه لنا من ناحية أخرى. اقرأ يا شيخ محمد.

سخاوة الإمام الشافعي ورأس الزهد في ترك حب الدنيا

[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام أبو حامد الغزالي حجة الإسلام رحمه الله تعالى ورضي عنه، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:

وسخاوة الشافعي رحمه الله أشهر من أن تُحكى، ورأس الزهد السخاء؛ لأن من أحب شيئًا أمسكه ولم يفارقه، فلا يفارق المال إلا من صغرت الدنيا في عينه، وهو معنى الزهد.

حقيقة الزهد أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك

[الشيخ]: ولذلك فالزاهد لا بد أن تكون الدنيا في يده، وإلا لا يكون زاهدًا. فالزهد ليس معناه الضعف والفقر؛ الفقير مضطر أن يسكت وليس لديه شيء، ما الذي يفعله؟ ولكن هذا الفقير إذا تعلق قلبه بالدنيا وأرادها وشعر بأنه محروم منها لم يعد زاهدًا.

الزهد هو أن تكون الدنيا في يدك ثم تزهد فيها، هذا هو الزهد الحقيقي.

حكاية الرجل المعتزل وصاحب القصر ومعنى التعلق بالدنيا

[الشيخ]: ويحكون في هذا حكاية الرجل الذي اعتزل الناس واعتزل الفتنة وجلس بجوار نهر يصيد سمكة يأكلها وهكذا. وكان يتردد عليه أحد العارفين به من تلاميذه التماسًا لعلمه أو تقواه أو بركته.

فقال له [التلميذ]: أنا ذاهب المدينة. فقال [الشيخ المعتزل]: إذن، فاذهب إلى فلان في العنوان الفلاني، تجده هناك فسلّم عليه. قال له: حاضر.

ثم نزل إلى المدينة وبحث عن العنوان، فذهب ووجد قصرًا منيفًا، وسأل عن صاحبه فقيل له: هو في الصيد فانتظره. فجاء [صاحب القصر] مع حاشية كبيرة فيما يشبه المهرجان، فاعترضه وقال له: إن فلانًا يُلقي إليك السلام. فقال له: عليك السلام، وقل له: أما آن له أن يترك الدنيا؟

غضب التلميذ من رد صاحب القصر وبكاء الشيخ المعتزل اعترافاً بتعلقه

[الشيخ]: فالرجل [التلميذ] اغتاظ، يعني التلميذ هذا اغتاظ: أيّ دنيا هذه؟ هو يقتات على قطعة سمكة بالكاد يحصل عليها أو لا يحصل عليها، والله أعلم، وأنت وكل هذا الرغد والغنى، أليست هذه دنيا؟

فغضب وذهب إلى شيخه في المكان الذي اعتزل فيه وقال له: يُسلّم عليك، لكن أنا لم يعجبني ولا أشعر بالارتياح. فقال له: لماذا؟ قال: إنه يقول لك أما آن لك أن تترك الدنيا؟

فبكى وقال: صدق، فأنا عندما أُحضر الصنارة هكذا أكون خائفًا ألّا يخرج السمك وإلا سأجوع، ما زال قلبي متعلقًا بالعطاء ولست متوكلًا على الله حق توكله.

الزهد الحقيقي لا يكون بالمظاهر بل بعدم التعلق بالموجود والمفقود

[الشيخ]: وهذا [صاحب القصر] بالرغم مما رأيته فيه [من النعمة والغنى]، إلا أنه لا يحزن على المفقود ولا يفرح بالموجود، ولو فقد ما هو فيه ولا يزيده ذلك شيئًا مع الله.

فإذن، الحكاية ليست بالمظاهر، والزهد يُشترط فيه الوجود؛ لا بد أن يكون هناك شيء من وجدك أو معك حتى تزهد فيه. أما إذا لم تكن معك، تزهد في أي شيء؟ زهدًا كاذبًا؟

الزهد يستلزم القوة والغنى وليس الضعف والفقر كما فعل الشافعي

[الشيخ]: وكان الشافعي معه خمسون دينارًا ومعه عشرة آلاف درهم ويعطي؛ إذا لم يعطِ، فإنما الأمير من أعطى وليس الأمير من أخذ.

فإذن الزهد يستلزم القوة، ويستلزم الجِدَّة أن تكون هناك حاجة موجودة، ويستلزم الغنى حتى تكون موصوفًا بالزهد. وليس الزهد يقتضي الضعف وقلة الحيلة والفقر وما إلى ذلك، ليس زهدًا بل قلة حيلة. اقرأ.

إغماء الشافعي عند سماع حديث في الرقائق دليل على شدة خوفه من الله

[الشيخ محمد وسام]: ويدل على قوة زهده وشدة خوفه من الله تعالى وانشغال همته بالآخرة، فقد رُوي أن سفيان بن عيينة روى حديثًا في الرقائق فأُغمي على الشافعي، فقيل له: قد مات. فقال [سفيان]: إن مات فقد مات أفضل أهل زمانه.

قصة عبد الله البلوي مع الشافعي واقشعراره عند سماع آية من سورة المرسلات

[الشيخ محمد وسام]: وما روى عبد الله بن محمد البلوي قال: كنت أنا وعمر بن نباتة جالسَيْن نتذاكر العباد والزهاد، فقال لي عمر: ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه.

فخرجت أنا وهو والحارث بن لبيد إلى الصفا، وكان الحارث تلميذًا لصالح المري، فافتتح يقرأ وكان حسن الصوت، فقرأ هذه الآية:

﴿هَـٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 35-36]

فرأيت الشافعي رحمه الله وقد تغير لونه واقشعر جلده واضطرب اضطرابًا شديدًا وخرّ مغشيًا عليه.

دعاء الشافعي بعد إفاقته من الإغماء وتضرعه إلى الله تعالى

[الشيخ محمد وسام]: فلما أفاق [الشافعي] جعل يقول: أعوذ بك من مقام الكاذبين وإعراض الغافلين، اللهم لك خضعت قلوب العارفين، وذلت لك رقاب المشتاقين.

إلهي هب لي جودك وجللني بسترك، واعفُ عن تقصيري بكرم وجهك.

قال [البلوي]: ثم مشى وانصرفنا.

لقاء البلوي بالشافعي في بغداد ووصاياه الثلاث في الصدق والزهد والإيمان

[الشيخ محمد وسام]: فلما دخلت بغداد، وكان هو [الشافعي] بالعراق، جلست على الشاطئ أتوضأ للصلاة، إذ مر بي رجل فقال لي: يا غلام، أحسن وضوءك، أحسن الله إليك في الدنيا والآخرة. فالتفتُّ فإذا أنا برجل يتبعه جماعة، فأسرعت في وضوئي وجعلتُ أقفو أثره.

فالتفت إليّ فقال: هل لك من حاجة؟ فقلت: نعم، تعلمني مما علمك الله شيئًا. فقال لي: اعلم أن من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد في الدنيا قرّت عيناه بما يراه من ثواب الله تعالى غدًا. أفلا أزيدك؟ قلت: نعم.

قال: من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان: من أمر بالمعروف وائتمر، ونهى عن المنكر وانتهى، وحافظ على حدود الله تعالى. ألا أزيدك؟ قلت: بلى.

فقال: كن في الدنيا زاهدًا وفي الآخرة راغبًا، واصدق الله تعالى في جميع أمورك تنجُ مع الناجين. ثم مضى، فسألت: من هذا؟ فقالوا: هو الشافعي.

دلالة إغماء الشافعي ووعظه على زهده وأن مصدر ذلك علوم الآخرة لا الفقه

[الشيخ محمد وسام]: فانظر إلى سقوطه [الشافعي] مُغشيًا عليه، ثم إلى وعظه، كيف يدل ذلك على زهده وغاية خوفه. ولا يحصل هذا الخوف والزهد إلا من معرفة الله عز وجل؛ فإنه:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

ولم يستفد الشافعي رحمه الله هذا الخوف والزهد من علم كتاب السَّلَم والإجارة وسائر كتب الفقه، بل هو من علوم الآخرة المستخرجة من القرآن والأخبار؛ إذ حِكَم الأولين والآخرين مودعة فيهما.

[الشيخ]: أوضح من الواضحات وأجلى من البينات، نعم، تفضل.

علم الشافعي بأسرار القلب وتعريفه للرياء وعلاج العُجب

[الشيخ محمد وسام]: وأما كونه [الشافعي] عالمًا بأسرار القلب وعلوم الآخرة، فتعرفه من الحِكَم المأثورة عنه. رُوي أنه سُئل عن الرياء فقال على البديهة: الرياء فتنة عقدها الهوى حيال أبصار قلوب العلماء، فنظروا إليها بسوء اختيار النفوس فأحبطت أعمالهم.

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا أنت خفت على عملك العُجب، فانظر رضا من تطلب، وفي أي ثواب ترغب، ومن أي عقاب ترهب، وأي عافية تشكر، وأي بلاء تذكر؛ فإنك إذا تفكرت في واحدة من هذه الخصال صغر في عينك عملك.

فانظر كيف ذُكِر حقيقة الرياء وعلاج العُجب، وهما من كبار آفات القلب.

حكم الشافعي في صون النفس وطاعة الله وسؤال عبد القاهر عن الورع

[الشيخ محمد وسام]: وقال الشافعي رضي الله عنه: من لم يُصن نفسه لم ينفعه علمه. وقال رحمه الله: من أطاع الله تعالى بالعلم نفعه سره. وقال: ما من أحد إلا وله محب ومبغض، فإذا كان كذلك فكن مع أهل طاعة الله عز وجل.

ورُوي أن عبد القاهر بن عبد العزيز كان رجلًا صالحًا ورعًا، وكان يسأل الشافعي رضي الله عنه عن مسائل في الورع، والشافعي رحمه الله يُقبل عليه لورعه.

سؤال عبد القاهر للشافعي عن الأفضل الصبر أم المحنة أم التمكين وجوابه

[الشيخ محمد وسام]: وقال [عبد القاهر] للشافعي يومًا: أيهما أفضل: الصبر أو المحنة أو التمكين؟

فقال الشافعي رحمه الله: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتُحِن صبر، وإذا صبر مُكِّن.

ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكّنه، وامتحن موسى عليه السلام ثم مكّنه، وامتحن أيوب عليه السلام ثم مكّنه، وامتحن سليمان عليه السلام ثم مكّنه وآتاه مُلكًا. والتمكين أفضل الدرجات.

قال الله عز وجل:

﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: 56]

وأيوب عليه السلام بعد المحنة العظيمة مُكِّن، قال الله تعالى:

﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ [الأنبياء: 84]

الآية. فهذا الكلام من الشافعي رحمه الله يدل على تبحره في أسرار القرآن واطلاعه على مقامات السائرين إلى الله تعالى من الأنبياء والأولياء، وكل ذلك من علوم الآخرة.

تعليق الشيخ على التمكين والامتثال وأن التشريف مقرون بالتكليف

[الشيخ]: إذن، فهو [الشافعي] سُئل عن المحنة وعن الصبر وعن التمكين، فرأى أن الإنسان يُمتحن، فإذا وفقه الله للصبر صبر، فيمكّنه الله سبحانه وتعالى. ولكن بعد التمكين هناك الامتثال:

﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]

فالتمكين نعمة يليها فعل وامتثال للتكليف. فقالوا: التمكين تشريفٌ والامتثال تكليفٌ، وكلُّ تشريفٍ معه تكليفٌ، وكلُّ تكليفٍ فيه تشريفٌ، فهما وجهان لعملةٍ واحدةٍ.

فالتمكين هو - طبعًا الشافعي رضي الله تعالى عنه أجاب على السؤال الذي سُئل - ولكن هذه ليست نهاية الدرجات، الدرجات فوق هذا.

سؤال الشافعي متى يكون الرجل عالماً وجوابه بالتحقق في العلوم المتعددة

[الشيخ محمد وسام]: وقيل للشافعي رحمه الله: متى يكون الرجل عالمًا؟ قال: إذا تحقَّق في علمٍ فعَلِمَهُ، وتعرَّض لسائر العلوم فنظر فيما فاته، فعند ذلك يكون عالمًا.

[الشيخ]: بمعنى العلوم المساعدة، أي المنهج بكُلِّه. وهذا هو الذي اتَّبعه العلماء وتركته النابتة [أي الجماعات الحديثة التي لم تتبع منهج العلماء الراسخين]، نعم.

تشبيه جالينوس بالأدوية المركبة ودلالته على علو رتبة الشافعي في علوم الآخرة

[الشيخ محمد وسام]: فإنه قيل لجالينوس: إنك تأمر للداء الواحد بالأدوية الكثيرة المُجمَعة. فقال: إنما المقصود منها واحد، وإنما يُجعل معه غيره لتسكن حدته؛ لأن الأفراد قاتل.

فهذا وأمثاله مما لا يُحصى يدل على علو رتبته [الشافعي] في معرفة الله تعالى وعلوم الآخرة.

العلم شبكة وليس خطاً واحداً والنابتة أتت بالمفرد المهلك وتركت الشبكة المنجية

[الشيخ]: نتحدث عن قراءة المفرد وقراءة المركب. والنابتة اكتفت بالمفرد، فتراهم يقرؤون في خط واحد، والأمر ليس كذلك، والله أعلم بما هنالك.

هذه شبكة؛ إذا رأيت الشبكة وجدتُ فيها خيوطًا، ولكنها خيطٌ هكذا وخيطٌ هكذا وخيطٌ هكذا، فهي شبكة وهي علاقات بينيّة. أصحابنا من النابتة يقرؤون خطًا واحدًا ويظنون أنفسهم قد تعلّموا.

هذا الخط كما يقول جالينوس في الطب: قاتلٌ؛ لأنه أفرد شيئًا واحدًا، عرف شيئًا وغابت عنه أشياء. ومن هنا يظن نفسه قد عرف وهو لم يعرف، ويظن نفسه قد استوعب، هو استوعب خطًا ولكنه لم يستوعب بقية الشبكة.

فالعلم شبكة وليس خطًا، ولذلك فإن النابتة قد أتت بالمفرد المهلك وتركت الشبكة المنجية. والله تعالى أعلى وأعلم، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.