مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 67 | أ.د علي جمعة
- •يتابع الإمام الغزالي حديثه عن آفة العلم، مستشهداً بحديث النبي ﷺ: "من كتم علماً عنده ألجمه الله بلجام من نار"، مع توضيح أن كتمان العلم جائز إذا كان عن غير أهله.
- •العلم الحقيقي يزيد صاحبه هدى وقرباً من الله، وليس مجرد معلومات للتفاخر، كما قال ﷺ: "من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً".
- •استشهد الغزالي بقول عيسى عليه السلام في تناقض العلماء الذين يصفون الطريق وهم حيارى، وأورد هذه الحكم من كتب المسلمين المنقولة عن أهل الكتاب الذين أسلموا.
- •عظم خطر العلم يتضح في أن العالم إما متعرض للهلاك أو للسعادة الأبدية.
- •أورد الغزالي آثاراً عن الصحابة والتابعين، منها قول عمر: "أخوف ما أخاف على الأمة المنافق العليم"، وفسره بأنه عليم اللسان جاهل القلب والعمل.
- •العلم النافع هو ما خرج من القلب ووصل إلى القلب، وليس ما وقف عند اللسان.
مقدمة الدرس من كتاب إحياء علوم الدين وآفات العلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب إحياء علوم الدين لإمام الأئمة الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. وما زلنا في تنبيهه على آفات العلم، اقرأ شيخ محمد.
أحاديث نبوية في خطورة كتمان العلم والأئمة المضلين
[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
قال صلى الله عليه وآله وسلم: «من كتم علمًا عنده ألجمه الله بلجام من نار»
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَأنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال»، فقيل: وما ذلك؟ فقال: «من الأئمة المضلين»
قال الحافظ العراقي: أخرجه أحمد من حديث أبي ذر بإسناد جيد.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
الأئمة المضلون دجاجلة يغيرون معالم الدين كما يغير الدجال معالم الأرض
[الشيخ]: الأئمة المضلون دجاجلة؛ لأنهم يغيرون معالم الدين كما يغير الدجال معالم الأرض، فنهانا رسول الله عن هذا.
والحديث الأول، وهو حديث كتمان العلم، له شروط؛ فإنه يجوز كتمان العلم على غير أهله، وسمّوه المضنون به على غير أهله، بحيث أنه لم يحضر أهله، بمعنى أننا لو قلنا كل العلم لم يفهمه الناس كما سبق ونبه، أو يثير فتنة.
هذا العلم يثير فتنة كما قال سيدنا علي وسيدنا أبو هريرة: إن معي من العلوم ما لو ذكرته لقُطعت [أي لقُتلت]، سيضرب الناس بعضهم بعضًا، يقول له على فكرة أنت صاحب فتنة، الرسول قال لي وأخبرني أنك منافق أيضًا، فينهض عليه غاضبًا.
شروط العلم النافع وضرورة أن يكون مقصودًا به وجه الله
[الشيخ]: وهو علم ليس لنا تدخل فيه، فليست كل العلوم تُذكر في كل الأوقات، بل العلم لا بد أن يكون أولًا نافعًا ومفيدًا، ويصل إلى غاية، ويكون مقصودًا به الله سبحانه وتعالى كما ذُكر في غير مرة.
حديث من ازداد علمًا ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدًا
[الشيخ محمد وسام]:
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من ازداد علمًا ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدًا»
[الشيخ]: إذن القضية ليست مجرد معلومات، بل هي نسق متكامل من العلم والتربية والتدريب والصلة بالله سبحانه وتعالى.
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
وأنه لا بد للمعلومة أن تزيد من جلاء إيمانك، أو تزيد من عملك، أو تزيد من وضوح فكرك، أو تزيد من حجتك أمام نفسك أو أمام الناس، أو تزيد من عمارة الكون وهكذا.
أما المعلومات المتكررة التي يتفاخر بها الناس ولا تزيد الإنسان إلا بُعدًا عن الله؛ لأنه أُعطي شيئًا فلم يستعمله الاستعمال الذي أراده الله له.
قول عيسى عليه السلام في وصف الطريق للحيارى وفاقد الشيء لا يعطيه
[الشيخ محمد وسام]:
وقال عيسى عليه السلام: «إلى متى تصفون الطريق للمُدلجين وأنتم مقيمون مع المتحيرين؟»
[الشيخ]: العلماء يصفون الطريق إلى الحيارى وهم أنفسهم حيارى، وفاقد الشيء لا يعطيه، فلا يؤثر ولا يربي ولا يكون مرشدًا.
أقوال سيدنا عيسى في الإحياء ومقارنتها بما عند المسيحيين في الأناجيل
[الشيخ]: ومرة ثانية وثالثة وعاشرة سيستدل الإمام الغزالي بكلام سيدنا عيسى، وكما ذكرنا مرارًا أنه لو نُدِبَ [أحد] لجمع ما قاله سيدنا عيسى في الإحياء وتتبعه مقارنةً بما وصل عند المسيحيين في الأناجيل لكان خيرًا، ولوصلنا إلى لغة فصيحة عربية قديمة تترجم عما كان وتكشف عن حال سيدنا عيسى عند المسلمين.
لأن كل هذا قد استقاه [الإمام الغزالي] من كتب المسلمين بقوله: قال عيسى، قال عيسى، إنما هو بالرواية. من أين أتتنا هذه العبارات؟ من أهل الكتاب الذين أسلموا؛ لأن الأمر ليس فقط قاصرًا على الأناجيل أو الرسائل أو غيرها أبدًا.
الأناجيل الكثيرة وكتب الأبوكراف ونقل تراث الأنبياء إلى كتب المسلمين
[الشيخ]: كانت هناك أناجيل كثيرة وصلت إلى أكثر من مائة وستة إنجيل، وكانت هذه الأناجيل يحفظها الناس ودخلوا الإسلام، فكانوا يقولون هذه الحكمة: قال سيدنا عيسى، قال سيدنا عيسى، قال سيدنا عيسى.
وفي الكتب الأخرى التي تُسمى عندهم بالأبوكراف، والأبوكراف تعني غير معتمدة، فهذه الكتب غير المعتمدة كانت كثيرة جدًا. كان الأنبياء يتوالون في بني إسرائيل بكثرة، فكان الناس يأخذون كلام الأنبياء وهو من جنس واحد وخرج من مشكاة واحدة.
كما قال ورقة بن نوفل لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم عندما أسمعه الوحي قال: والله إن هذا والناموس الذي نزل على موسى لمن مشكاة واحدة.
نقل تراث أهل الكتاب الذين أسلموا وأهمية المشترك بين الأديان للتعايش
[الشيخ]: فهؤلاء لما أسلموا عبر التاريخ دخلوا بمثل هذا التراث، فنُقل في كتب المسلمين كلامٌ فصيح عن سيدنا عيسى وعن أنبياء بني إسرائيل. فمن تتبع هذا يصحح اللغة ويجعل الأمر أفضل وأرجى للقبول.
والمشترك أكثر مما تعتقد، في كتاب اسمه "المشترك أكثر مما تعتقد"، وهذا يقرب الأمور ويجعل بيننا تعايشًا، يكون هناك تعايش ويقول لك تعال، نعم، ويقرب المسافات بدلًا من العدوان الدائم الذي لا ينتهي إلى هداية ولا إلى استماع.
لكن المناقشة وإيجاد المشترك والخطاب على قدر العلم، نعم، إنه يُرقق القلوب ويفعل أشياء كثيرة كما صنع في التاريخ.
التجربة التاريخية لدخول الإسلام مصر بالجمال لا بالإكراه
[الشيخ]: نحن أمامنا تجربة تاريخية، فقد دخلنا مصر وليس فيها مسلم واحد، واليوم أصبح أربعة وتسعون في المائة مسلمين. من أين جاء هذا؟
يعني الغرب مذهول فيقول ربما أنكم أقمتم محاكم تفتيش، لكننا لم نفعل، لم نقم بعمل ذلك محاكم تفتيش. هل يمكن؟ هل وضعت السيف هنا [على رقبته] هكذا وقلت له إما أن تُسلم أو أقتلك؟ لم يحدث، فعلًا لم يحدث.
فماذا إذن؟ إذن حدث ما أقوله: حدث السماع، حدث الأخذ والرد، حدث الود.
﴿وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 2]
صدق الله.
﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 95]
الدعوة إلى العودة لطريق الله بالجمال والحلاوة والقوة
[الشيخ]: ولذلك فقدنا الطريق، الأبناء فقدوا الطريق، الأبناء خذلونا، لسنا نعرف أين الطريق، وطريق الله واضح.
فنسأل الله أن يهدينا إلى أن نعود إليه بسهولة، هكذا بالجمال، بجماله وحلاوته وقوته وحزمه.
خطورة العلم بين هلاك الأبد وسعادة الأبد وأثر عمر في المنافق العليم
[الشيخ محمد وسام]: فهذا وغيره من الأخبار يدل على عظيم خطر العلم، فإن العالم إما متعرض لهلاك الأبد أو لسعادة الأبد، وإنه بالخوض في العلم قد حُرِم السلامة إن لم يدرك السعادة.
وأما الآثار، فقد قال عمر رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم.
[الشيخ]: إذن دَيدن الإمام الغزالي أن يبدأ بالقرآن والسنة، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الآثار. واهتم النقل بالآثار عن الصحابة.
اهتمام المسلمين بآثار الصحابة وحديث التمسك بسنة الخلفاء الراشدين
[الشيخ]: وسبب اهتمامهم [بآثار الصحابة] أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى التمسك بما عليه الصحابة فقال:
«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»
وقال في الحديث الذي رُوي بطريق ضعيف:
«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»
وقال في شأن أصحابه فيما أخرجه مسلم:
«والله لا يبلغ مُدّ أحدهم أو نصيفه ولو أنفق مثل أُحُد»
يعني [أن فضل الصحابة] شيئًا فخيمًا [عظيمًا].
مصادر الآثار الموقوفة عن الصحابة في المصنفات وكتب الحديث
[الشيخ]: فاهتموا بالرواية حتى التي وقفت موقوفة عن الصحابة الكرام، ونرى هذا في كتبٍ منها مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليمني، وطُبع فيه آثار كثيرة، ويُؤخذ منه فقه أئمة الصحابة الكبار وأحكامهم.
ولكن أيضًا يُؤخذ منه الآثار، مظنة الآثار أيضًا مصنف ابن أبي شيبة وقد طُبع مرات عديدة وهو مليء بالآثار. فعندما تتتبع الآثار، تتبعها في مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة.
ومنها كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم، ففيه أيضًا كثير من الآثار التي وقفت عند الصحابة، ثم سائر الكتب، فهو موجود في آثار في البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرها.
ولكن أغلب ما في هذه الكتب الأمهات إنما هي رواية عن رسول الله وفيها بعض الآثار، أما الآثار فكثيرة جدًا في المصنفات: مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة وهكذا، نعم. ابن همام، ابن همام، ابن همام.
أثر عمر رضي الله عنه في المنافق العليم اللسان الجاهل القلب والعمل
[الشيخ محمد وسام]: وأما الآثار فقد قال عمر رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم. قالوا: وكيف يكون منافقًا عليمًا؟ قال: عليم اللسان، جاهل القلب والعمل.
[الشيخ]: إذن هذا هو العلم الذي وقف عند اللسان، وما وقف عند اللسان لم تتلقه إلا الآذان، وما كان من الجَنان [القلب] فإلى الجَنان. يعني الذي يخرج من القلب يصل إلى القلب، لكن الذي سيخرج من اللسان سيقف عند الأذن، كما يقولون يدخل من هنا ويخرج من هنا.
أقوال الحسن البصري وأبي هريرة وإبراهيم بن عيينة في العلم والعمل
[الشيخ محمد وسام]: وقال الحسن [البصري] رحمه الله: لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الحكماء ويجري في العمل مجرى السفهاء.
وقال رجل لأبي هريرة رضي الله عنه: أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه، فقال: كفى بترك العلم إضاعة له.
وقيل لإبراهيم بن عيينة: أيُّ الناس أطول ندمًا؟ قال: أمّا في عاجل الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره.
[الشيخ]: انتقلنا الآن من الصحابة إلى التابعين.
أطول الناس ندمًا عند الموت وتصنيف الخليل بن أحمد للرجال أربعة أصناف
[الشيخ محمد وسام]: قال [إبراهيم بن عيينة]: أمّا في عاجل الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره، وأمّا عند الموت فعالِمٌ مُفَرِّطٌ.
وقال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة:
- رجل يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالِمٌ فاتَّبِعوه.
- ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك نائمٌ فأيقِظوه.
- ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك مُسترشِدٌ فأرشِدوه.
- ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك جاهلٌ فارفُضوه.
تساهل العلماء في نسبة الآثار الموقوفة وأهمية التوثيق بالإسناد
[الشيخ]: وكانوا يتهاونون إذا ما كان الأمر ليس مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك ترى القول الواحد منسوبًا إلى كذا واحد، يعني هنا نسبه إلى الخليل بن أحمد، تجده في كتاب آخر منسوبًا إلى علي بن أبي طالب.
كانوا يتهاونون، وكثير من الآثار بل رُويت من غير إسناد. لماذا؟ لأن الحجة فيها هي ما كان راجعًا إلى كتاب الله وسنة رسوله، يعني الحجة في كتاب الله وفي سنة رسوله دون سواهما.
فكل هذه الروايات - ومن هنا ولأنهم لم يتوثقوا - رُويت روايات باطلة ضد ما عليه الكتاب والسنة عن سيدنا علي وعن سيدنا عمر وعن سيدنا كذا إلى آخره.
الآثار الموضوعة في شأن المرأة وموقف الإسلام الحقيقي من بناء المجتمع
[الشيخ]: وأغلب ما يُتهم الإسلام به في شأن المرأة يأتي من هذه الآثار التي لا سند لها، سب في المرأة دائمًا وبشكل مستمر على طول الخط، وأن هذه المرأة يجب إحراقها، كل هذا ليس له سند.
أما الأسانيد التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن وضع القرآن، فهي تتراوح بين إظهار الخصائص والوظائف والمراكز القانونية لبناء مجتمع قوي منظم، تفرح فيه المرأة بأنها امرأة، ويفرح فيه الرجل بأنه رجل.
ولعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.
بناء مجتمع يرضى فيه كل فرد بما أقامه الله وسبب لعن التشبه بين الجنسين
[الشيخ]: إذن المسألة هي مسألة بناء مجتمع يرضى فيه كل فرد بما أقامه الله. قال تعالى:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]
أقول لك: يا ربِّ وفقني فيما أقمتني فيه. وسبب اللعن للرجل المتشبه بالنساء أو المرأة المتشبهة بالرجال أنه اعترض على أمر الله؛ أقامه الله رجلًا فلا يريد إلا أن يكون امرأة، أو أقامها الله امرأةً فلا تريد إلا أن تكون رجلًا، فيتم الفساد في الأرض.
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
