مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 74 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 74 | أ.د علي جمعة

19 دقيقة
  • تناول الإمام الغزالي في كتاب العلم من الإحياء قصة مراسلة بين يحيى بن يزيد النوفلي والإمام مالك حول التنعم بالمباح وأهمية التواضع.
  • أقر مالك بأن ترك التنعم خير من الدخول فيه مع إفتائه بأنه مباح، مما يدل على إنصافه وقوة نفسه.
  • التعريج على التنعم بالمباح خطر عظيم بعيد عن الخوف والخشية، وخاصية علماء الله تعالى هي الخشية والتباعد مما فيه خطر.
  • على العلماء الاستقصاء عن السلاطين وعدم مخالطتهم لأن ذلك يؤدي إلى مداهنتهم والتكلف في مرضاتهم.
  • ورد في الحديث "العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلاطين"، وقد صححه السيوطي بعد أن ضعفه ابن الجوزي.
  • حذر الإمام من مواقف الفتن، خاصة أبواب الأمراء لما يقع فيها من تصديق الكذب.
  • مخالطة السلاطين مفتاح للشرور، وطريق علماء الآخرة الاحتياط.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

افتتاح الدرس من كتاب العلم في إحياء علوم الدين للإمام الغزالي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب العلم من الإحياء لإمام الأئمة وحجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. اقرأ يا شيخ محمد.

رسالة يحيى بن يزيد النوفلي إلى الإمام مالك بن أنس ينصحه فيها بالتواضع

[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:

وقد حُكي أن يحيى بن يزيد النوفلي كتب إلى مالك بن أنس رضي الله عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على رسوله محمد في الأولين والآخرين، من يحيى بن يزيد بن عبد الملك إلى مالك بن أنس.

أما بعد، فقد بلغني أنك تلبس الدقاق وتأكل الرقاق وتجلس على الوطيء وتجعل على بابك حاجبًا، وقد جلست مجلس العلم وقد ضُربت إليك المطي وارتحل إليك الناس واتخذوك إمامًا ورضوا بقولك، فاتق الله تعالى يا مالك وعليك بالتواضع. كتبت إليك بالنصيحة مني كتابًا ما اطلع عليه غير الله سبحانه وتعالى، والسلام.

رد الإمام مالك على النصيحة واعترافه بأن ترك التنعم خير مع الاستدلال بالقرآن

فكتب إليه مالك رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد، سلام الله عليكم.

أما بعد، فقد وصل إليّ كتابك فوقع مني موقع النصيحة والشفقة والأدب، أمتعك الله بالتقوى وجزاك بالنصيحة خيرًا، وأسأل الله تعالى التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فأما ما ذكرت لي أني آكل الرقاق وألبس الدقاق وأحتجب وأجلس على الوطيء، فنحن نفعل ذلك ونستغفر الله تعالى، فقد قال الله تعالى:

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]

وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه، ولا تدعنا من كتابك فلسنا ندعك من كتابنا، والسلام.

تعليق الغزالي على إنصاف الإمام مالك وخطورة التنعم بالمباح على العلماء

فانظر إلى إنصاف مالك إذ اعترف أن ترك ذلك [التنعم بالمباحات] خير من الدخول فيه، وأفتى بأنه مباح، وقد صدق فيهما جميعًا. ومثل مالك في منصبه إذا سمحت نفسه بالإنصاف والاعتراف في مثل هذه النصيحة، فتقوى أيضًا نفسه على الوقوف على حدود المباح؛ حتى لا يحمله ذلك على المراءاة والمداهنة والتجاوز إلى المكروهات.

وأما غيره فلا يقدر عليه؛ فالتعريج على التنعم بالمباح خطر عظيم، وهو بعيد من الخوف والخشية. وخاصية علماء الله تعالى الخشية، وخاصية الخشية التباعد من مظان الخطر.

تعليق الشيخ على اختلاف أحوال الناس في الزهد والتنعم بالمباحات

[الشيخ]: على ما قلناه من أن هذا [التنعم بالمباح] تختلف فيه أحوال الناس، وأنه في البداية يكون البعد والتقشف والزهد نوعًا من أنواع المعونة؛ حتى لا يكون كقول الشاعر: ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء.

لا يكون [كذلك]، فإذا ألقاه في الماء فلا بد من البلل، ولكن لا بد أن يتحاشى هذا البلل في البداية. بعد ذلك يسبح، وقد يرزقه الله بالساتر الذي لا يبتل معه أو بالقارب الذي يركبه، لكن من غير ذلك فإن كل من وقع في الماء من غير آلة فإنه يبتل.

قصة سيدنا عمر مع معاوية بن أبي سفيان في مسألة التنعم بالولاية

فالإمام مالك أيضًا كأنه اختصر الرد اختصارًا. وهناك عنصر آخر تكلم عنه سيدنا عمر مع معاوية بن أبي سفيان عندما كان واليًا على الشام؛ فدخل عمر، فجاءه معاوية على برذون، والبرذون كانت غالية كسيارة مرسيدس فاخرة.

فلامه عمر على هذا، فقال [معاوية]: يا أمير المؤمنين، نحن ببلاد إن لم نفعل هذا أُخذنا، أي حدث انقلاب. قال [عمر]: حسيبك ربك، أي أنت وربنا. أنا الذي أعرفه هي العادة هكذا أو كذا إلى آخره، أنت ستظل تلف لي وتدور، أم هذا هو الصحيح؟ حسيبك ربك.

إذن «حسيبك ربك» معناها أن كل شخص يفعل الشيء الذي يوصله إلى الأدب مع الله.

وجوب استقصاء العالم عن السلاطين وعدم مخالطتهم وأسباب ذلك

[الشيخ محمد وسام]: ومنها أن يكون مستقصيًا عن السلاطين فلا يدخل عليهم البتة ما دام يجد إلى الفرار عنهم سبيلًا، بل ينبغي أن يحترز عن مخالطتهم وإن جاءوا إليه؛ فإن الدنيا حلوة خضرة وزمامها بأيدي السلاطين.

والمخالط لهم لا يخلو عن تكلفٍ في طلب مرضاتهم واستمالة قلوبهم، مع أنهم ظلمة، ويجب على كل متدين الإنكار عليهم وتضييق صدورهم بإظهار ظلمهم وتقبيح فعلهم.

فالداخل عليهم إما أن يلتفت إلى تجملهم فيزدري نعمة الله عليه، أو يسكت عن الإنكار عليهم فيكون مداهنًا لهم، أو يتكلف في كلامه كلامًا لمرضاتهم وتحسين حالهم وذلك هو البهت الصريح، أو أن يطمع في أن ينال من دنياهم وذلك هو السحت.

مخالطة السلاطين مفتاح للشرور وحديث النبي في التحذير منها

وسيأتي في كتاب الحلال والحرام ما يجوز أن يؤخذ من أموال السلاطين وما لا يجوز من الإدرار والجوائز وغيرها. وعلى الجملة فمخالطتهم مفتاح للشرور، وعلماء الآخرة طريقهم الاحتياط.

وقد قال صلى الله عليه وسلم:

«من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن»

تعليق الشيخ على خطورة الصيد وكونه سببًا للغفلة عن ذكر الله

[الشيخ]: الصيد يُضيع الأوقات؛ لأنك تترصد الحيوان الذي ستصطاده، حتى أنه يُقال أن سيدنا سليمان ذهب منه وقت صلاة العصر بسبب الانشغال بالصيد. والصيد فتنة لأنه ممتع جدًا؛ فعندما تذهب للصيد تجده ممتعًا للغاية، فكأنه شهوة في حد ذاته.

ومع قضاء الوقت وما إلى ذلك، وفي النهاية قد لا تستفيد من هذا الصيد الذي حصلت عليه. ولذلك فيه غفلة؛ غفلة عن ذكر الله وغفلة عما يُعمر الدنيا بشكل صحيح؛ لأن الصيد المقصود هنا هو الصيد للتمتع، أي أن شخصًا يذهب للصيد في رحلة صيد.

حديث النبي عن الأمراء الذين يُعرف منهم ويُنكر وحكم مقاتلتهم

[الشيخ محمد وسام]: وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلِم، ولكن من رضي وتابع أبعده الله تعالى»

قيل: أفلا نقاتلهم؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم:

«لا، ما صلوا»

قال الحافظ العراقي: أخرجه مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها.

تعليق الشيخ على معنى ما صلوا وأهمية إظهار الحاكم للصلاة في المجتمع

[الشيخ]: هنا قال «ما صلوا» يعني أظهروا الصلاة، ولكن في حديث آخر «ما أقاموا الصلاة»، هذه قضية أخرى مستوى ثانٍ في عصر آخر. كان دائمًا لا بد على الخليفة أن يحضر صلاة الجمعة.

لكن هنا أقل ما صلى، يعني يظهر في الصلاة، أي يصلي في العيد، يصلي في الجمعة اليتيمة، يصلي في مولد النبي، يصلي في الجمعة مثل الخاصة بالعاشر من رمضان أو شيء مثل ذلك. لكن الله أعلم إن كان يصلي أصلًا أم لا.

لكن «ما صلوا» يعني ما أظهروا لكم الصلاة؛ لأن صلاة السلطان هذا أو الحاكم تبين أن هذا [الدين] جائز، ليس ممنوعًا. هذا مهم في المجتمع أن هذا الذي نفعله يفعله السلطان، فيسجد ويركع ويسمع الخطبة وهكذا.

الفرق بين من يظهر الصلاة ومن يمنعها كما فعل بورقيبة في تونس

أي لا يعترض على شرع الله ويعني يترك الحرية للمسلمين أن يُصلوا وما إلى ذلك، بخلاف من يعترض ويمنع كما حدث أيام بورقيبة في تونس؛ حيث منع الصلاة ومنع الصيام وأصدر كذا إلى آخره.

نعم، لا، هذا خلاص، هذا جاهر [بمعاداة الدين]، فهناك فرق بينهما. سيدنا [النبي ﷺ] يرشدنا لهذا.

أقوال سفيان وحذيفة في التحذير من مخالطة الأمراء والملوك

[الشيخ محمد وسام]: وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك.

وقال حذيفة: إياكم ومواقف الفتن. قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول فيه ما ليس فيه.

حديث العلماء أمناء الرسل وتخريج الحافظ العراقي له وحكم ابن الجوزي عليه بالوضع

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«العلماء أمناء الرسل على عباد الله تعالى ما لم يخالطوا السلاطين، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم»

رواه أنس. قال الحافظ العراقي: أخرجه العقيلي في الضعفاء، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات.

[الشيخ]: يعني كأنه موضوع، هذا الحديث. العقيلي يعني مظنة الضعف، وكذلك نص عليه ابن الجوزي بأنه موضوع. إذن هذا الحديث نزيله تمامًا وليس لنا شأن به.

تخريج الحديث من طرق أخرى وحكم السيوطي بأنه حسن وليس موضوعًا

[الشيخ محمد وسام]: قال العراقي: وقد رواه الديلمي في مسند الفردوس من طريق الحاتم ومن طريق أبي نعيم الأصفهاني برواية إبراهيم بن رستم عن أبي حفص العبدي عن إسماعيل بن سميع عن أنس، وزاد بعد قوله: ما لم يخالطوا السلطان ويداخلوا الدنيا، وقال في آخره: فاحذروهم واخشوهم.

قلت: لفظ الحاكم: ويدخلوا في الدنيا، فإذا دخلوا في الدنيا وخالطوا السلطان، وفي آخره: فاعتزلوهم.

ثم قال السيوطي: الحديث ليس بموضوع، وإبراهيم بن رستم معروف مروزي جليل. قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان عن أبي حاتم: يُذكر بفقه وعبادة ومحله الصدق. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يُخبر. وقال الدارقطني: مشهور وليس بالقوي.

شواهد الحديث المتعددة وحكم السيوطي النهائي عليه بالحسن

وله طريق آخر أخرجه الديلمي من رواية محمد بن النضر إلى آخره. قال: وقد ورد هذا الحديث بهذا اللفظ عن علي بن أبي طالب مرفوعًا، أخرجه العسكري. وورد موقوفًا على جعفر بن محمد، أخرجه أبو نعيم في الحلية.

وله شاهد نحوه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أخرجه الديلمي في مسند الفردوس. وله شواهد كثيرة بمعناه، وله شواهد بمعناه كثيرة صحيحة وحسنة فوق الأربعين حديثًا.

وهذا الحديث الذي نحن في الكلام عليه يُحكم له على مقتضى صناعة الحديث بالحُسن، والله أعلم.

فائدة المرتضى الزبيدي في جمع تخريجات العراقي وابن حجر والسيوطي

[الشيخ]: إذن هذه فائدة المرتضى الزبيدي أنه جمع من نفس العراقي الذي ينقل عنه هنا ما لم يرد في المختصر، ومن بعد العراقي كـابن حجر — وابن حجر تلميذ العراقي وكان أنجب تلاميذه — وكـالسيوطي.

والسيوطي تلميذ تلميذ ابن حجر؛ لأنه تلميذ السخاوي، والسخاوي تلميذ ابن حجر. ومن بعدهم من الباحثين في هذا العلم الجليل.

ولذلك في النهاية وجدوا هذا الحديث في أماكن أخرى؛ فبعد ما كان كلام ابن الجوزي في الموضوعات يجعل الإنسان يشك، أصبح الآن كلام السيوطي أنه ارتقى به إلى مرتبة الحسن.

ترجمة ابن الجوزي وتسرعه في الحكم على الأحاديث بالوضع

وابن الجوزي رحمه الله تعالى كان حنبلي المذهب، وكان عالمًا من كبار علماء التفسير والحديث والآداب واللغة، وتوفي في نهاية القرن السادس الهجري.

فكان من هذا الجيل الأول الذي يُعتبر علمًا وتقوى وموعظة، وكان يحضر له سبعون ألفًا، سبعون ألف شخص، حتى أنهم كانوا يعبرون البحر، وحتى إن صوته لم يكن يصل إليهم فيوصل صوته بالمبلغ؛ فكان هناك شخص يعيد الكلام لكي يصل إليهم كأنه ميكروفون.

وكان من كبار العلماء، إلا أن العلماء قالوا إنه تسرع كثيرًا في الحكم على الأحاديث بالوضع، ابن الجوزي بالذات؛ لأنه حكم على حديث في صحيح مسلم بالوضع، حتى أن بعضهم قد اتهمه في عقله، أي كأنه قال له: ما هذا؟ أأنت مجنون أم ماذا؟ مجنون أنت تحكم على حديث في مسلم بالوضع!

حديث خلق الأرض في سبعة أيام والجمع بينه وبين القرآن في ستة أيام

وذلك أن حديث الخلق: أن الله خلق يوم السبت كذا، والأحد كذا، والاثنين كذا، والجمعة أصبح الخلق في كم يوم؟ في سبعة أيام، فأصبح مخالفًا للقرآن الذي هو ستة أيام. فكيف هذا؟

فقالوا له: لا، أنت لأنك لا تعرف كيف تحل هذا الإشكال تحكم عليه بالوضع. حكم عليه بالوضع، فقالوا: أبدًا، بدأ الله الخلق عند الظهر وانتهى عند الظهر.

فالأسماء أصبحت سبعة والمسميات ستة، يعني الساعة الثانية عشرة يوم الجمعة سنبدأ إلى الثانية عشرة يوم السبت إلى الثانية عشر يوم الأحد. الثاني الاثنين، الثالث الثلاثاء، الرابع الأربعاء، الخامس الخميس.

ها هي من الجمعة إلى الخميس، من الجمعة إلى الخميس. فمن الجمعة إلى الخميس سيكون هناك ستة أيام، ولكن في نصف يوم في البداية ونصف يوم في النهاية، فتكون الستة صحيحة والسبعة أسماء صحيحة، جمعوا بينهم هكذا.

ختام الدرس والتوصية بالاستمرار في تعلم المعرفة من الإمام الغزالي

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، كل عام أنتم بخير. نستمر إن شاء الله في تعلم المعرفية من الإمام الغزالي؛ حيث وجّه قلوب المسلمين إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى أن نسعى في هذه الأرض لعبادته وعمارة الدنيا وتزكية النفس.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.