مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 71 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 71 | أ.د علي جمعة

16 دقيقة
  • الإمام الغزالي يتحدث عن آفات العلم ويحث على إخلاص النية لله.
  • العلماء يُعرفون بإيثارهم الآخرة على الدنيا وبتطابق أقوالهم مع أفعالهم.
  • حذر الله في كتابه من مخالفة القول للعمل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
  • العالم الذي لا يعمل بعلمه يُعذب في الآخرة كما ورد في حديث ليلة الإسراء.
  • علماء السوء أشد الناس حسرة يوم القيامة، وأنتن من جيف الكفار.
  • العذاب أشد على العالم الذي لا يعمل بعلمه من عابد الأوثان.
  • لا ينفع العلم إلا بالعمل به، كما قال النبي: "تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا".
  • زلة العالم خطيرة لأن الناس يتبعونه فيها.
  • عند غلبة حب الدنيا على قلوب العلماء، يسلبهم الله ينابيع الحكمة.
  • ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية، والعلماء همتهم الرعاية والعمل بما يعلمون.
محتويات الفيديو(21 أقسام)

افتتاح الدرس بالدعاء والصلاة في ليلة مباركة من كتاب العلم

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. نواصل الرحلة الطيبة في إحياء علوم الدين في كتاب العلم، والإمام الغزالي ينبهنا إلى إخلاص النية لله.

وفي تلك الليلة المباركة ندعو الله سبحانه وتعالى: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. اقرأ يا شيخ محمد.

صفة أهل العلم بإيثار الآخرة على الدنيا من آيات القرآن الكريم

[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين. وهو يتكلم عن آفات العلم، قال الله تعالى:

﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ﴾ [القصص: ٧٩، ٨٠]

الآية، فعرف أهل العلم بإيثار الآخرة على الدنيا.

وجوب موافقة فعل العالم لقوله والأدلة القرآنية على ذلك

ومنها ألا يخالف فعله قوله، بل لا يأمر بالشيء ما لم يكن هو أول عامل به. قال الله تعالى:

﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44]

وقال تعالى:

﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3]

وقال تعالى في قصة شعيب [عليه السلام]:

﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88]

وقال تعالى:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

وقال تعالى:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا﴾ [المائدة: 108]

وصية الله لعيسى عليه السلام وحديث الإسراء في وعيد من لا يعمل بعلمه

وقال تعالى لعيسى عليه السلام:

«يا ابن مريم عِظْ نفسك، فإن اتعظت فعِظِ الناس، وإلا فاستحِ مني»

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«مررت ليلة أُسري بي بأقوام تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: كنا نأمر بالخير ولا نأتيه، وننهى عن الشر ونأتيه»

قال الحافظ العراقي: أخرجه ابن حبان من حديث أنس رضي الله عنه.

حديث هلاك الأمة بالعالم الفاجر والعابد الجاهل وتخريجه

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«هلاك أمتي عالم فاجر وعابد جاهل، وشر الشرار شرار العلماء، وخير الخيار خيار العلماء»

قال الحافظ العراقي: أخرجه الدارمي من رواية الأحوص بن حكيم عن أبيه مرسلًا بآخر الحديث نحوه، وقد تقدم، ولم أجد صدر الحديث.

أقوال السلف في ذم علماء السوء وتقديم عبدة الأوثان عليهم يوم القيامة

وقال الأوزاعي رحمه الله: شكت النواويس ما تجد من نتن جيف الكفار، فأوحى الله إليها:

«بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه»

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: بلغني أن الفسقة من العلماء يُبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ويل لمن لا يعلم مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات.

أقوال الشعبي وحاتم الأصم في حسرة من علّم ولم يعمل بعلمه

وقال الشعبي: يطلع يوم القيامة قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار، فيقولون لهم: ما أدخلكم النار وإنما أدخلنا الله الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم؟ فيقولون: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله، وننهى عن الشر ونفعله.

وقال حاتم الأصم رحمه الله: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل عَلَّم الناس علمًا فعملوا به ولم يعمل هو به، ففازوا بسببه وهلك هو.

قول مالك بن دينار في زلة موعظة العالم الذي لا يعمل بعلمه وأبيات شعرية في ذمه

وقال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا. وأنشدوا:

يا واعظ الناس أصبحت متهمًا ... إذ عبت منهم أمورًا أنت تأتيها

أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهدًا ... فالموبقات لعمري أنت جانيها

تعيب دنيا وناسًا راغبين لها ... وأنت أكثر منهم رغبة فيها

وقال آخر:

لا تنه عن خُلُقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

قصة إبراهيم بن أدهم مع الحجر في مكة وقول ابن السماك في ذم من لا يعمل بعلمه

وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: مررت بحجر بمكة مكتوب عليه: اقلبني تعتبر، فقلبته فإذا عليه مكتوب: أنت بما تعلم لا تعمل، فكيف تطلب علم ما لم تعلم؟

وقال ابن السماك رحمه الله: كم من مذكّر بالله ناسٍ لله، وكم من مخوّف بالله جريء على الله، وكم من مقرّب إلى الله بعيد من الله، وكم من داعٍ إلى الله فارّ من الله، وكم من تالٍ لكتاب الله منسلخ عن آيات الله.

قول إبراهيم بن أدهم والأوزاعي في اللحن في الأعمال وذهاب الخشوع بالإعراب

وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: لقد أعربنا في كلامنا فلم نلحن، ولحنّا في أعمالنا فلم نُعرب.

وقال الأوزاعي: إذا جاء الإعراب [أي: التفصح في الكلام] ذهب الخشوع.

حديث الصحابة في مسجد قباء عن ربط العلم بالعمل وتخريجه

وروى مكحول عن عبد الرحمن بن غنم أنه قال: حدثني عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: كنا ندرس العلم في مسجد قباء إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:

«تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا»

قال الحافظ العراقي: ذكره ابن عبد البر في بيان العلم هكذا من غير أن يصل إسناده، وقد رُوِيَ من حديث معاذ وابن عمر وأنس رضي الله عنهم.

أما حديث معاذ فرواه الخطيب في كتاب الاقتضاء من رواية عثمان بن عبد الرحمن الجمحي عن يزيد بن يزيد بن جابر عن أبيه عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر مثله، ثم قال: وقد رواه الدارمي في مسنده وابن المبارك في الزهد والرقائق موقوفًا على معاذ بإسناد صحيح.

تشبيه عيسى عليه السلام لمن لا يعمل بعلمه وتحذير معاذ وعمر من زلة العالم

وقال عيسى عليه السلام: مثل الذي يتعلم العلم ولا يعمل به كمثل امرأة زنت في السر فحملت فظهر حملها فافتضحت، فكذلك من لا يعمل بعلمه يفضحه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد.

وقال معاذ رحمه الله: احذروا زلة العالم؛ لأن قدره عند الخلق عظيم فيتبعونه على زلته.

وقال عمر رضي الله عنه: إذا زل العالم زل بزلته عالَمٌ من الخلق.

وقال عمر رضي الله عنه: ثلاث بهن ينهدم الزمان، إحداهن زلة العالم.

أثر ابن مسعود في وصف زمان تملح فيه قلوب العلماء بحب الدنيا

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: سيأتي على الناس زمانٌ تملح فيه عذوبة القلوب فلا ينتفع بالعلم يومئذٍ عالمه ولا متعلمه، فتكون قلوب علمائهم مثل السباخ من ذوات الملح، ينزل عليها قطر السماء فلا يوجد لها عذوبة.

وذلك إذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، فعند ذلك يسلبها الله تعالى ينابيع الحكمة ويطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم.

فيخبرك عالمهم حين تلقاه أنه يخشى الله بلسانه والفجور ظاهر في عمله، فما أخصب الألسن يومئذ وما أجدب القلوب! فوالله الذي لا إله إلا هو، ما ذلك إلا لأن المعلمين علموا لغير الله تعالى والمتعلمين تعلموا لغير الله تعالى.

ما جاء في التوراة والإنجيل وقول حذيفة في العمل بالعلم

وفي التوراة والإنجيل مكتوب:

«لا تطلبوا علم ما لم تعلموا حتى تعملوا بما علمتم»

وقال حذيفة رضي الله عنه: إنكم في زمان من ترك فيه عُشر ما يعلم هلك، وسيأتي زمان من عمل فيه بعُشر ما يعلم نجا، وذلك لكثرة البطالين.

تشبيه العالم بالقاضي وحديث القضاة ثلاثة وتخريجه

واعلم أن مثل العالم مثل القاضي، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:

«القضاة ثلاثة: قاضٍ قضى بالحق وهو يعلم، فذلك في الجنة، وقاضٍ قضى بالجور وهو يعلم أو لا يعلم، فهو في النار، وقاضٍ قضى بغير ما أمر الله به، فهو في النار»

قال [الحافظ العراقي]: أخرجه أصحاب السنن من حديث بريدة رضي الله عنه وهو صحيح.

وصف كعب لعلماء آخر الزمان الذين يؤثرون الدنيا على الآخرة

وقال كعب رحمه الله: يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون، ويخوفون الناس ولا يخافون، وينهون عن غشيان الولاة ويأتونهم، ويؤثرون الدنيا على الآخرة، يأكلون بألسنتهم.

يقربون الأغنياء دون الفقراء، يتغايرون على العلم كما تتغاير النساء على الرجال، يغضب أحدهم على جليسه إذا جالس غيره، أولئك الجبارون أعداء الرحمن.

حديث تسويف الشيطان بالعلم عن العمل وتخريجه ومناقشة لفظه

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«إن الشيطان ربما يسبعكم بالعلم، فقيل: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: يقول اطلب العلم ولا تعمل حتى تعلم، فلا يزال للعلم قائلًا وللعمل مسوفًا حتى يموت وما عمل»

[الشيخ]: ألا يوجد تعليق أسفل الصفحة؟

[الشيخ محمد وسام]: "يسوفكم" المذكورة هنا، فقد كُتبت "يسوفكم"، لكن الشيخ الزبيدي يقول في نسخة من نسخ المُغني عن حمل الأسفار في الأسفار للحافظ العراقي بخطه وقُرئت عليه: "ربما يسبعكم بالعلم"، يَسبعكم من سبعه.

[الشيخ]: نعم، أين التخريج؟ أنت تشرح الآن، أين التخريج؟ أليس تحته تخريج؟

[الشيخ محمد وسام]: نعم، قال الحافظ العراقي.

[الشيخ]: نعم.

[الشيخ محمد وسام]: أخرجه في الجامع.

[الشيخ]: هكذا، نريد أن نسمع هذا الكلام.

[الشيخ محمد وسام]: يعني في كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للحافظ الخطيب البغدادي من حديث أنس رضي الله عنه بسند ضعيف.

[الشيخ]: حسنًا، هذا المراد.

[الشيخ محمد وسام]: نعم.

قصة سري السقطي عن رجل اعتزل للتعبد وقول ابن مسعود في حقيقة العلم

وقال سري السقطي: اعتزل رجلٌ للتعبد كان حريصًا على طلب علم الظاهر فسألته، فقال: رأيت في النوم قائلًا يقول لي: إلى كم تضيع؟ إلى كم تضيع العلم ضيعك الله! فقلت: إني لأحفظه، فقال: حفظ العلم العمل به، فتركت الطلب وأقبلت على العمل.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم الخشية. ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم الخشية.

قول الحسن البصري ومالك في أن همة العلماء الرعاية وأهمية صحة النية في طلب العلم

وقال الحسن [البصري]: تعلّموا ما شئتم أن تعلّموا، فوالله لا يأجركم الله حتى تعملوا؛ فإن السفهاء همتهم الرواية، والعلماء همتهم الرعاية.

وقال مالك رحمه الله: إن طلب العلم لحسن، وإن نشره لحسن إذا صحت فيه النية، ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فلا تؤثرنّ عليه شيئًا.

قول ابن مسعود في اتخاذ دراسة القرآن عملاً وتشبيه العالم الذي لا يعمل بالمريض والجائع

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أُنزل القرآن ليُعمل به فاتخذتم دراسته عملًا، وسيأتي قوم يثقفونه مثل القناة ليسوا بخياركم.

والعالم الذي لا يعمل كالمريض الذي يصف الدواء، وكالجائع الذي يصف لذائذ الأطعمة ولا يجدها. وفي مثله قوله تعالى:

﴿وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18]

حديث الخوف من زلة العالم وجدال المنافق في القرآن وتخريجه والختام

وفي الخبر:

«مما أخاف على أمتي زلة عالم وجدال منافق في القرآن»

قال الحافظ العراقي: أخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، ولابن حبان نحوه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما.

ومنها أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة.

[الشيخ]: هذا نبدأ به لقاءً جديدًا إن شاء الله، فإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.