مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 27 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 27 | أ.د علي جمعة

15 دقيقة
  • يشرح الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" مفهوم العقيدة الإسلامية التي حفظها أهل السنة والجماعة وفق ما جاء في الكتاب والسنة.
  • صاغ الإمام أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي هذه العقيدة، ومن هنا جاءت تسمية الأشعرية والماتريدية.
  • لعلماء العقيدة ثلاثة مقامات: البيان وهو فرض كفاية، والرد على البدع عند الحاجة، والهجوم الذي ينبغي قصره على المجالس الخاصة.
  • تولى الفقهاء حفظ الإسلام، بينما تولى أهل التصوف (أهل السلوك) حفظ الإحسان.
  • الأخلاق المرتبطة بالعقيدة تشكل أغلب الدين، حيث تمثل نحو 95% من آيات القرآن و97% من الأحاديث.
  • ذم العلماء علم الكلام المتعمق في الفلسفة، وليس مطلق علم العقيدة.
  • ضرورة التعلم على يد المشايخ لفهم دقائق العلم ومصطلحاته وتجنب الوقوع في الضلال.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

مقدمة الدرس مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

وقد أوضح لنا ما يمكن أن نلخصه وأن نفهمه فيما يلي:

حديث جبريل ومراتب الدين الثلاث وأهل السنة والجماعة

حديث جبريل تكلم فيه سيدنا جبريل مع سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان. ومرتبة الإيمان قام لها أناسٌ حفظوها وفق ما جاء في الكتاب والسنة، لم يخرجوا عنها، وهم أهل السنة والجماعة.

وتصدر الإمام أبو الحسن الأشعري بصوغ هذه العقيدة، ووافقه في ذلك الإمام أبو منصور الماتريدي، ولذلك فإن أهل السنة والجماعة تسمّوا بالأشعرية والماتريدية.

نظروا إلى الكتاب وفهموا معانيه، ونظروا إلى السنة وفهموا معانيها. هؤلاء هم أهل علم العقيدة، ولهم مقامات ثلاثة:

  1. المقام الأول هو مقام البيان.
  2. والمقام الثاني هو مقام الرد.
  3. والمقام الثالث هو مقام الهجوم.

مقام البيان في علم الكلام وأهميته كفرض كفاية

أما البيان فهو من فروض الكفايات، والمشتغل به وحده هو من خيار علماء الأمة. والمشتغل به إنما يريد نقل ما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم من العقيدة الصحيحة لعموم الناس.

وهو لا يرد على أحد، لا من أهل الأديان ولا من أهل الفلسفات، بل إنه يوضح ما عليه الإسلام. يخاطب الناس على قدر عقولهم، يلتزم بالكتاب والسنة لا يخرج عنهما، ويصوغ بعد الاستقراء والتتبع العقيدة للناس.

اتفاق الأمة على فضل أهل البيان وتقسيم مراتب الدين

البيان هذا لم يختلف فيه اثنان أن القائمين به هم من أفاضل الأمة. الإسلام [أي الأحكام الفقهية] قام به الفقهاء، والإحسان قام به أهل الآخرة أو أهل السلوك أو أهل الطريق أو المتصوفة، سمِّهم ما شئت.

وحفظ العلماء على الأمة أمر الدين:

قال النبي ﷺ: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم»

إذن هذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم.

إنكار علم العقيدة والتصوف يؤدي إلى إنكار ما في القرآن

فإنكار العقيدة وعلم العقيدة والتوحيد كإنكار التصوف تمامًا، وهو يؤدي بما في القرآن أصلًا؛ لأن القرآن قد نزل بلغة العرب ليوضح لنا العقيدة، ونزل بالأخلاق الكريمة وربطها بالعقيدة.

وكانت الأخلاق المرتبطة بالعقيدة أغلب الدين؛ فهناك نحو ستين ألف حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف، ألفان فقط في الإسلام [أي الأحكام الفقهية]، وثمانية وخمسون [ألفًا] في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة.

نسبة آيات الأحكام والأخلاق في القرآن والسنة

اثنان من ستين، واحدًا على ثلاثين، يعني ثلاثة في المائة. والقرآن ستة آلاف آية ومائتان وستة وثلاثون، منها ثلاثمائة آية في الإسلام [أي أحكام الفقه]، فيكون ثلاثمائة على ستة آلاف، واحد على عشرين، يعني خمسة في المائة.

والباقي كله في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة. إذن الدين هكذا [أغلبه أخلاق وعقيدة].

النابتة التي حصرت الدين في الأحكام وتركت الأخلاق والعقيدة

جاءت نابتة [جماعة حديثة العهد بالعلم] تذكر أن الأمر كله محصورٌ في هذه الخمسة في المائة وتركوا الخمسة وتسعين، تركوها! أو يريدون أن يهدموا نقلة الدين والعلم.

فيهما شيءٌ لا يصدقه عقل، شيءٌ يقف الإنسان أمامه مذهولًا. لِمَ يفعلون هذا والأمة كلها على هذا الأمر؟

مقام البيان في علم الكلام لم ينكره أحد من المسلمين

إذا علم الكلام فله مقام البيان. هذا البيان لم يختلف فيه اثنان من المسلمين ولم ينكره أحد منهم أبدًا؛ لأنه قائم ببيان ما المعتقد في الكتاب والسنة على ما تقتضيه الأمور اللغوية والأمور العقلية.

ويمثل ذلك أحسن تمثيل أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي رحمهم الله تعالى، وتوفيا في القرن الرابع الهجري.

القسم الثاني من علم الكلام وهو الردود على البدع عند الحاجة

القسم الثاني هو قسم الردود. فإذا نشأت بدع وهذه البدع بدأت تسري إلى قلوب العوام، وهذه البدع مخالفة للدين وما يترتب عليها خطر عظيم، ولذلك فإن الردود تأتي عند الحاجة إليها.

الحاجة إليها هي واجب الوقت؛ فليس كل وقت يحتاج إلى ردود. هناك عصور تقل فيها البدعة وعصور تكثر فيها البدعة، عصور لا تنتشر فيها البدعة وإن كانت موجودة، وعصور تنتشر فيها البدعة.

انتقال العلماء من البيان إلى الردود حسب واجب الوقت

وحينئذٍ ينتقي العلماء الكلام [في] العقيدة الصحيحة من دور البيان ولا يكتفون به، بل يضمون إليه الردود. وحينئذٍ يكون واجب الوقت أن ترد.

فإذا لم تكن هناك بدع واشتغلنا بالردود فهذه ليست حكمة، بل إنها قد تُثبِت البدعة. لا توجد بدعة ولا شيء، لكن يوجد تخوف أو يوجد شخص مبتدع غير منتشر، رددت عليه وألفت كتابًا، ألا يؤدي ذلك إلى أن يعرفه الناس؟ أنت تقول إن هناك شخصًا تنبه الناس إليه، ولذلك هذا التصرف ليس من الحكمة. كما قال [العلماء].

مقام الهجوم في علم الكلام وذم العلماء له

أما الهجوم فليس من عادتنا أن نهاجم أحدًا من الناس، ولا أن ننشغل بالتعمق في الفلسفة ونرد على أوهام وترهات ما أنزل الله بها من سلطان ولا يهتم بها إلا القلة.

وإذا كان ولا بد من هذا النوع فليكن في الغرف المغلقة وفي المجادلات الثنائية، لا أن يصير علمًا ويصير فنًا مستقلًا قائمًا يُعلَّم ويُنقل. وهذا هو الذي ذمه العلماء.

علم الكلام من هذا المستوى [أي مستوى الهجوم] هو الذي ذمه العلماء وتكلموا عنه.

دراسة كتب الفلسفة المتعمقة في البيوت لا في المساجد

هذا [النوع من التعمق] موجود في تاريخنا مثل كتاب الشفاء لابن سينا والإشارات له. فهذا قليل من المؤلفين هم من تعمقوا جدًا، وترى عباراتهم صعبة ولها مصطلحات لا بد من دراستها.

وكان العلماء إذا أرادوا ألّا ينقطعوا عن التراث يدرسون هذا، ولكن في البيوت وليس في المساجد. فنرى الشيخ محمد بخيت المطيعي وهو يقرأ الشفاء في بيته.

ماذا يعني في بيته؟ يعني أن سيكون العدد محدودًا، سيكون الحاضرون عشرة، والذين يحضرون من العلماء الكبار.

دراسة كتب الكلام المتعمقة حفظ للتراث لا نشر للعامة

نعم، هذه قضية أخرى. هذا لا يعتبر نشرًا، بل يعتبر دراسة وحفظًا للتراث.

وكان الشيخ حسنين محمد أبو حسنين مخلوف يحضر ويقول: والله كان الشيخ [بخيت المطيعي] يتكلم فيزداد تعمُّقًا حتى يُصبح كلامه كالإنجليزي! أي أن كلام الشيخ بخيت غير مفهوم، فلا يُعرف ما يقوله وهو يشرح الشفاء ويشرح الأوراق للقطب الشيرازي.

إذن كانوا يفعلون هذا في البيوت ولا يفعلونه في نشر العلم في المساجد وما إلى ذلك.

النابتة خلطت بين مقامات علم الكلام الثلاثة فحرمته مطلقًا

فإن البيان والرد والهجوم كان واضحًا في أذهانهم [أذهان العلماء]، وساروا على هذا النهج.

أما النابتة [الجماعة الحديثة] لأنها لم تتعلم على يد الشيوخ ولم يقل لها أحد هذا، خلطت بين الثلاثة وحرمت الكلام مطلقًا! وهذا كلام تضحك منه الثكلى وتسقط منه الحبلى ويشيب منه الأقرع!

وقد بدؤوا في نشر كتب في ذم الكلام وهم لا يعرفون أي كلام هو مذموم وأي كلام ممدوح.

خطورة عدم اتخاذ شيخ والفهم الظاهري للنصوص

إذن الذي لا يتخذ شيخًا له سيتعب، سيكون ضائعًا وسيضيع في خضم هذه التكوينة؛ لأنه لا يعرف المداخل ولا يعرف المصطلحات ولا يعرف القيود والحيثيات.

ويهجم مسكين يفهم على ظاهر القول حتى تصبح هذه المفهومية عنده هي الأساس الذي يفهم به القرآن، فيفهم القرآن والسنة أيضًا على ظاهر القول فيضل ويُضل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

جمال منهج الغزالي في فتح المواضيع والتدرج في البيان

جمال الشيخ الغزالي [الإمام أبو حامد الغزالي] أنه يفتح لنا المواضيع ويتكلم بكلام العارفين. ففي البداية يذم الكلام حتى تعتقد أنك ستحرم الكلام، ثم يقول: ولكن تغير العصر.

لماذا؟ لأنه انتقل من دور البيان إلى دور الردود، ثم هناك من انتقل إلى دور الهجوم. الرجل واضحة هذه الأفكار في ذهنه، لكنه لم يهتم [بتوضيح] هذه العبارات.

نعم، لكن مشايخنا قالوها وهم يشرحون. لذلك يجب أن يكون لك شيخ!

قصة من ادعى أن النظارة حرام بسبب الفهم الخاطئ للقرآن

شرك الشيخ يظهر أم ماذا؟ لا أعرف!

[الشيخ محمد وسام]: لا إله إلا الله!

[الشيخ]: نعم والله، والله أنا الآن لا أعرف، لقد ضجرنا من هذه النائبة [البلية]. شيخ أصبح شركًا أم ماذا؟ لا أعرف، لست فاهمًا.

[الشيخ محمد وسام]: استعانة بغير الله.

[الشيخ]: شيء من هذا! يقول لك استعانة بغير الله؟ خرج واحد كان عندنا هنا في شبرا قال: النظارة حرام! قلنا له: لماذا؟ ما الدليل؟ قال:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

وماذا بعد؟ وماذا بعد؟ النظارة حرام؟!

الرد على من حرم النظارة وبيان أن ترك الأسباب جهل

لبست نظارة منذ ذلك الحين! قلت له: حسنًا، ولبست النظارة. النظارة حرام؟! بل ترك الأسباب جهل ضد سنن الأنبياء!

فكيف تقول هذا؟ عقليته هكذا، وكان له جماعة كبيرة، ثم أهلكه الله سبحانه وتعالى.

خلاصة كلام الغزالي في مقامات علم الكلام الثلاثة

المهم، الحاصل أن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فتح لنا المواضيع، وكلامه كلام يُوزن بالذهب.

علم الكلام الذي هو الهجوم مذموم، يجب أن نكتفي بالكتاب والسنة، حسنًا. والردود حسب الحال. فيكون إذن:

  • الفرض هو البيان.
  • المذموم هو الهجوم.
  • والردود حسب الحال: نفعله إذا كان واجب الوقت يستلزمه، ولا نفعله إذا كان واجب الوقت لا يستلزمه.

كلام المجرب المتعلم على المشايخ وختام الدرس

كلام المجرِّب، كلام الذي عاش في المسألة، كلام من تعلم على المشايخ من كتب وعانى وفكر واتقى الله سبحانه وتعالى في نفسه.

كلام من حمل وحمّل هم الإسلام في قلبه. وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.