مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 9 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 9 | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • التعليم واجب ورسالة يجب أداؤها، وقد عرف المسلمون هذا فرأوا التعليم عبادة لا يُرجى منها سوى وجه الله.
  • وقد كان العلماء قديماً يعيشون حياة الزهد ويقتصرون على ما يكفيهم، كالشيخ أحمد الشامي الذي لم يخرج من الأزهر طوال حياته.
  • الزهد في الدنيا يبني الأمم، بينما الترف والإسراف يهدمها، فالمطلوب الاخشيشان فإن النعمة لا تدوم.
  • وقد حث الله على التعليم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا".
  • وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها".
  • المدرس الذي يُعلم طلابه لوجه الله يُعطى ثواباً عظيماً، فكل كلمة حكمة يعلمها المسلم لأخيه تعدل عبادة سنة.
  • يجب على المعلمين معرفة فضل التعليم وأجره العظيم، والعمل بالعلم، وإفاضة المجالس بينهم.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان وجوب التعليم كرسالة على كل مسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين ومع فضيلة التعليم والتعلّم. كما قلنا وذكرنا [أن التعليم] واجب، ولذلك لو أننا تبنّينا في أنفسنا أن التعليم واجب عرفنا أنه رسالة يجب علينا أن نقوم بها.

وعرف المسلمون هذا في مشارق الأرض ومغاربها، ولذلك قاموا بواجب التعليم وكانوا يرون التعليم عبادة؛ ولذلك هو [المعلّم] يرجو من الله ولا يرجو من الناس.

قصة المشايخ الذين عاشوا حياة الزهد والتقشف في طلب العلم

أدركنا مشايخنا رضي الله تعالى عنهم، أحدهم يقول للآخر: أتتصوّر أن فلانًا من أصدقائنا، شيخ طالب [في الأزهر]، يدّعي أنه أكل الفول بالزيت أمس؟ قال له: بالزيت؟ فأجابه: أتتصوّر؟ وهما الاثنان غير مصدّقَين، يرونه أنه قد بالغ في أنه قد أكل الفول بالزيت.

قال له: اتّهمه [بالمبالغة]، والأمر أنه يدّعي أنه [أكله] بالليمون! قال له: بالليمون!

يا جماعة، هذا لا يقتضي الضحك. صحيح أننا نضحك، نضحك من المفارقة، لكن عند التأمل يقتضي البكاء.

قصة الشيخ أحمد الشامي الذي أمضى حياته في الأزهر متعلمًا ومعلمًا

هؤلاء [المشايخ] كانوا يأتون [للأزهر ويبقون فيه]. أتى رجل كان اسمه الشيخ أحمد الشامي، يحكي لنا عنه مشايخنا، نحن لم نره. جاء به أبوه من الشام وأدخله الأزهر وقال له: في الداخل الجنة وفي الخارج النار، فمكث الولد حياته كلها داخل الجامعة [الأزهر].

ولما جاء الشيخ المراغي رحمه الله تعالى شيخًا للأزهر، ورأى شيئًا من التطوير والتحديث وما إلى ذلك، وكان ذلك واجبًا، وجد هؤلاء الناس يقيمون في الأزهر يدرسون منذ أربعين سنة دون نظام.

منح العالِمية لطلاب الأزهر القدامى وبكاء المشايخ عند إخراجهم

فأعطاهم [الشيخ المراغي] كلهم العالِمية [الشهادة العلمية]. يقولون: العالِمية. قالوا له: لا، لسنا داخلين [في هذا النظام]. فذهب وأعطاهم كلهم العالِمية.

فكنت ترى أحد المشايخ في الشارع يبكي، شيخ يبكي! فاستمر الشرطة يقولون لك: أخذتَ العالِمية [فلماذا تبكي؟]؛ لأنه إلى أين سيذهب؟ هو لا يعرف إلا التعلّم والتعليم، حياته هكذا، إلى أين سيذهب الآن؟

فكان من هؤلاء الشيخ أحمد الشامي، لا يعرف أين يذهب أصلًا.

قصة الشيخ أحمد الشامي مع البطيخ ودهشته من أمور الدنيا البسيطة

فلما أخذه شيخنا وخرج به، وجد رجلًا يعرض بطيخًا. والبطيخ بالكسر في العربية وله أسماء كثيرة، فكل فاكهة في لغة العرب لها اسمان أو أكثر، لا تقل عن اسمين: البطيخ والجبسي والرقي والحبحب وهكذا.

وجد هذا البطيخ يُباع رخيصًا جدًّا، قطعة بمليم أو شيء زهيد. فقال له [الشيخ أحمد]: ما هذا؟ قال [البائع: بطيخ]. فظنّنته [أي ظنّ شيخنا أن البائع] يسخر به. شيخنا ظنّ في قلبه أن هذا الرجل يضحك عليه.

ظننته يسخر به، بعد ذلك الشيخ غضب من نفسه لأنه ظنّ ظنّ السوء بأن هذا الرجل [يسخر منه]، فالأصل أنه لا يُعقل [أن يسخر]، فأنت [يا شيخ أحمد] لم تأكل البطيخ في حياتك!

الشيخ أحمد الشامي لا يعرف كيف يأكل البطيخ من شدة زهده

فقال له [البائع]: هذا بطيخ. قال [الشيخ]: البطيخ! الشيخ ذكر [الكلمة بالكسر]. قال له: بطيخ بالفتح كما نقولها، فصحّح نفسه: بطيخ. قال له: نعم، بطيخ. قال له: أتأكل منه؟ يعني أنت تسألني هكذا لأنك تتحايل عليّ لتأكل منه؟

فاشترى له شيئًا. قال [شيخنا]: فاندهشتُ أنه وضع الناشف [القشر] أولًا، فهو لا يعرف أن الطريّ [اللبّ الأحمر] هو الذي يُؤكَل! ولا أعرف [كيف أصف ذلك].

قال: فبكيتُ. بكى من نفسه لأنه ظنّ الظنّ السيئ أن الرجل يعرف ويريد كذا وكذا، لكن بعدما أكلها رأى أيضًا أنهم قالوا: لا، هذه تُؤكَل هكذا. فبعدما يأكل الأحمر يريد أن يأكل الغلاف [القشر] أيضًا!

الزهد في الدنيا يبني الأمم والترف يهدم الحضارات

الله! ما معنى هذا الكلام؟ إنه الزهد في الدنيا الذي نسعى إليه في كل وقت وحين، والناس بدأت تتعامل مع الزهد وكأنه منقصة وكأنه عار.

بالرغم من أنه هو الذي يبني الأمم، وهو الذي يبيّن [الفرق بين] هذا الترف والترف الآخر. ولا بدّ أن نعود لنقول عنه أن هذا الترف هو الذي أهار الحضارات؛ لأنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرّون على الحنث العظيم، فماذا يكون؟

اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم.

الأدلة القرآنية على وجوب التعليم والدعوة إلى الله بالحكمة

فالتعلّم واجب. اقرأ للشيخ محمد [الغزالي] فضل التعليم.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا﴾ [فصلت: 33]

وقال تعالى: ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]

وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]

نعم، فكل هذا في وجوب التعليم.

حديث بعث معاذ إلى اليمن وفضل هداية رجل واحد على الدنيا

وأما الأخبار [النبوية]، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن:

قال النبي ﷺ: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من الدنيا وما فيها»

فالمدرس الذي سوف يعلّم طالبًا خيرٌ له من الدنيا وما فيها؛ لأنه سيهديه على يديه، لأنه سيعطيه مفتاح الحياة.

فلو عرف المدرس هذا يحترم نفسه، ولو احترم نفسه ووثق فيها وفعل هذا لوجه الله احترمه الناس.

احترام الطالب للمعلم وضرورة عودة هذه العلاقة الاجتماعية

وتأتي القصص التي يسخر منها الشباب أن الأستاذ كان إذا مرّ في شارع ورآه الطالب يختبئ احترامًا، ليس خوفًا، إنه احترامًا، احترامًا له.

فلا بدّ من هذه العلاقة [بين المعلم والطالب] أن تعود، وإلا انفرط العقد الاجتماعي.

حديث ثواب من تعلم بابًا من العلم ليعلمه الناس

نعم، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«من تعلَّم بابًا من العلم ليعلِّم الناس أُعطِيَ ثواب سبعين صدّيقًا»

لا إله إلا الله! إن صدّيقًا واحدًا يكفي، ولكن فضل الله واسع، ومن أسمائه الواسع، عطاؤه الجزيل.

لكن أنت اعمل! أنت غير راضٍ أن تعمل؟ اعمل فقط وسنعطيك [الأجر والثواب]. هذا كلام ربنا سبحانه وتعالى وكلام سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام.

قول سيدنا عيسى في فضل من علم وعمل وعلّم واقتراح بحث مقارن

وقال عيسى صلى الله عليه وسلم:

«من عَلِمَ وعَمِلَ وعَلَّمَ فذلك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات»

الإمام الغزالي أكثر في إحيائه من ذكر الكلام المنسوب لسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ولو أن باحثًا جمع ذلك وقارنه بما قد ورد عند النصارى في الأناجيل لكان جيدًا.

الذي ورد من طريق المسلمين مصوغًا بلغة عربية صحيحة بليغة فصيحة، وهذا مهم.

عناية الأناجيل بالصياغة العربية واقتراح جمع أقوال عيسى من الإحياء

طبعًا الأناجيل لاقت عناية في الصياغة خاصة من أواسط القرن التاسع عشر على يد الشيخ يوسف الطير وعلى يد الشيخ فارس الشدياق، ونحن ثم بعد ذلك الكاثوليك الشرقيين.

لكن لو جمعنا هذا لاتضحت مقارنات عجيبة غريبة، والمشترك كبير. فالإمام الغزالي استدلّ كثيرًا بكلام سيدنا عيسى وأكثر من ذلك.

وهناك أحد الجعفرية من مذهب الشيعة جمع شيئًا من هذا، لكنه لم يتقيّد بما ورد في الإحياء. فلو أن باحثًا جيدًا منوّر القلب جمع ما ورد في الإحياء من كلام عيسى سيكون الأمر سهلًا.

حديث انتزاع العلم بذهاب العلماء وخطر الإفتاء بغير علم

نعم، تفضّل. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«إن الله عز وجل لا ينتزع العلم انتزاعًا من الناس بعد أن يؤتيهم إياه، ولكن يذهب بذهاب العلماء، فكلما ذهب عالمٌ ذهب بما معه من العلم، حتى إذا لم يبقَ إلا رؤساء جهّال، إن سُئلوا أفتوا بغير علم، فيَضلّون ويُضلّون»

نسأل الله السلامة.

حديث كتمان العلم وحديث نعم العطية كلمة الحكمة

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«من علم علمًا فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار»

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«نِعمَ العطية ونِعمَ الهدية كلمة حكمة تسمعها فتطوي عليها، ثم تحملها إلى أخ لك مسلم تعلّمه إياها، تعدل عبادة سنة»

لو عرف المدرسون ثواب التعليم ما تركوا هذا الخير الكثير

يعني لو عرف المدرسون كل هذا الأجر والثواب؛ إن الجملة الواحدة من علمه الذي يُعلِّم به الطلبة والتلاميذ لها ثواب عبادة سنة، الجملة الواحدة! والله ما أظن أنه يعني لا يترك هذا الخير الكثير.

إنما المصيبة أنه لا يعتقد في هذا أو لم يسمع، هو مولٍّ وجهه شطر شيء آخر، الدنيا وما فيها.

وجوب التكاتف والعمل بالعلم وقول سيدنا عمر في إفاضة المجالس

لا، لا بدّ علينا أن نذوب جميعًا في أمة واحدة يتقوّى بعضنا ببعض، فالرجل بإخوانه.

ولذلك كان سيدنا عمر [رضي الله عنه] يقول: أفيضوا مجالسكم بينكم [أي تبادلوا العلم والنصيحة في مجالسكم].

فيجب علينا أن نعمل وأن نبدأ في العمل بالعلم، والله تعالى أعلى وأعلم.