مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 23 | أ.د علي جمعة
- •يوضح الإمام الغزالي الفرق بين الفقه والطب، مبيناً أن الفقه أشرف لثلاثة أوجه: كونه علماً شرعياً مستفاداً من النبوة، وحاجة الجميع إليه، ومجاورته لعلم طريق الآخرة.
- •يقسم الغزالي علم طريق الآخرة إلى قسمين: علم مكاشفة وعلم معاملة.
- •علم المكاشفة هو علم الباطن وغاية العلوم، وهو نور يظهر في القلب عند تطهيره من الصفات المذمومة.
- •ينكشف بهذا النور معرفة حقيقية بذات الله وصفاته وأفعاله، ومعاني النبوة والوحي والملائكة والشياطين وحقائق الآخرة.
- •للناس مقامات متفاوتة في فهم هذه المعاني، فبعضهم يراها أمثالاً وبعضهم يفهمها على ظاهرها.
- •لا سبيل لعلم المكاشفة إلا بالرياضة والعلم والتعليم، ولا يُسطَّر في الكتب ولا يُتحدث به إلا مع أهله.
- •حقائق علم المكاشفة لا تتناهى واللغة محدودة لا تطيقها.
مقدمة الدرس واستئناف القراءة في كتاب إحياء علوم الدين
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب [إحياء علوم الدين] لإمام الأئمة وبدر التتمة، مولانا الشيخ أبي حامد الغزالي، نعيش هذه اللحظات ونقرأ، وما زلنا في كتاب العلم. تفضل يا مولانا.
سؤال التسوية بين الفقه والطب والرد عليه بثلاثة أوجه للتفضيل
[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
فإن قلت: لِمَ سوّيتَ بين الفقه والطب؟ إذ الطب أيضًا يتعلق بالدنيا وهو صحة الجسد، وذلك [أي الفقه] يتعلق به أيضًا صلاح الدين، وهذه التسوية تخالف إجماع المسلمين؟
فاعلم أن التسوية غير لازمة، بل بينهما فرق، وأن الفقه أشرف منه [أي من الطب] من ثلاثة أوجه:
- أحدها أنه علم شرعي؛ إذ هو مستفاد من النبوة، بخلاف الطب فإنه ليس من علم الشرع.
- والثاني أنه لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة البتة، لا الصحيح ولا المريض، وأما الطب فلا يحتاج إليه إلا المرضى وهم الأقلون.
- والثالث أن علم الفقه مجاور لعلم طريق الآخرة؛ لأنه نظر في أعمال الجوارح.
العلاقة بين أعمال الجوارح وصفات القلوب وشرف الفقه على الطب
ومصدر أعمال الجوارح ومنشؤها صفات القلوب؛ فالمحمود من الأعمال يصدر عن الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة، والمذموم يصدر من المذموم، وليس يخفى اتصال الجوارح بالقلب.
وأما الصحة والمرض فمنشؤهما صفاء في المزاج والأخلاط، وذلك من أوصاف البدن لا من أوصاف القلب.
فمهما أُضيف الفقه إلى الطب ظهر شرفه، وإذا أُضيف علم طريق الآخرة إلى الفقه ظهر أيضًا شرف علم طريق الآخرة.
تعليق الشيخ على أهمية الفقه ووظيفته كإناء لعلوم الآخرة
[الشيخ]: وهذا يؤكد على أهمية الفقه، وأنه ليس كشأن الطب، لكنه ولأنه مجاور كالإناء مع الماء لعلوم الآخرة، فهو محمود وله شرف. وهكذا فإن الفقه مهم وهو من العلوم المحمودة له شرف، إلا أنه له وظيفة يجب ألا نغفل عنها؛ فلا نفرده ولا نجعله غاية.
حتى قال [الإمام الغزالي] قبل ذلك؛ إن من اشتغل بتحصيل الفقه ظانًا أنه وحده يدخله الجنة، فهو مجنون. نعم، لأنك لو ظننت أن الإناء سوف يرويك، فأنت في جنون؛ إذ الذي يروي هو الماء لا الإناء. نعم.
تقسيم علم طريق الآخرة إلى علم مكاشفة وعلم معاملة
[الشيخ محمد وسام]: فإن قلت: فصِّل لي علم طريق الآخرة تفصيلًا يشير إلى تراجمه، وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله؟
فاعلم أنه قسمان: علم مكاشفة وعلم معاملة.
فالقسم الأول علم المكاشفة، وهو علم الباطن، وذلك غاية العلوم. فقد قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة، وأدنى نصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله.
وقال آخر: مَن كان فيه خصلتان لم يُفتح له بشيء من هذا العلم: بدعة أو كِبر.
موانع تحصيل علم المكاشفة وعقوبة من ينكره
وقيل: مَن كان محبًا للدنيا أو مُصِرًّا على هوى لم يتحقق به [أي بعلم المكاشفة]، وقد يتحقق بسائر العلوم. وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يذوق منه شيئًا.
ويُنشد على قوله؛ وارضَ لمن غاب عنك غيبته، فذاك ذنبٌ عقابه فيه.
وهو علمُ الصديقين والمقربين، أعني علم المكاشفة، فهو عبارةٌ عن نورٍ يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة.
ما ينكشف بنور المكاشفة من حقائق الإلهيات والنبوة والملائكة
وينكشف من ذلك النور أمورٌ كثيرة، كان يسمع من قبل أسماءَها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا.
والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إليهم.
والمعرفة بملكوت السماوات والأرض، ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه، ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان.
معرفة الآخرة والجنة والنار وتفاوت درجات أهل الجنان
ومعرفة الآخرة والجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب، ومعنى قوله تعالى:
﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]
ومعنى قوله تعالى:
﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]
ومعنى لقاء الله عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم، ومعنى القرب منه والنزول في جواره، ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الأعلى ومقارنة الملائكة والنبيين.
ومعنى تفاوت درجات أهل الجنان، حتى يرى بعضهم البعض كما يرى الكوكب الدري في جوف السماء، إلى غير ذلك مما يطول تفصيله.
تفاوت مقامات الناس في فهم حقائق الآخرة والجنة
إذ للناس في معاني هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات شتى؛ فبعضهم يرى أن جميع ذلك أمثلة، وأن الذي أعده الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأنه ليس مع الخلق من الجنة إلا الصفات والأسماء.
وبعضهم يرى أن بعضها أمثلة وبعضها يوافق حقائقها المفهومة من ألفاظها.
وكذلك يرى بعضهم أن منتهى معرفة الله عز وجل الاعتراف بالعجز عن معرفته، وبعضهم يدعي أمورًا عظيمة في المعرفة بالله عز وجل، وبعضهم يقول إن حد معرفة الله عز وجل ما انتهى إليه اعتقاد جميع العوام، وهو أنه موجود عالم قادر سميع بصير متكلم.
حقيقة علم المكاشفة وارتفاع الغطاء عن القلب بالتزكية
فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في هذه الأمور اتضاحًا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه.
وهذا ممكن في جوهر الإنسان، لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدأها وخبثها بقاذورات الدنيا.
وإنما نعني بعلم طريق الآخرة العلم بكيفية صقل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه وتعالى وعن معرفة صفاته وأفعاله. وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكف عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء صلوات الله عليهم في جميع أحوالهم.
الرياضة الروحية وسرية علم المكاشفة وحديث العلم المكنون
فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق، يتلألأ فيه حقائقه. ولا سبيل إليه إلا بالرياضة التي يأتي تفصيلها في موضعها، وبالعلم والتعليم.
وهذه هي العلوم التي لا تُسطَّر في الكتب، ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وبطريق الإصرار.
وهذا هو العلم الخفي الذي أراده صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:
«إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله تعالى، فلا تحقروا عالمًا آتاه الله تعالى علمًا منه، فإن الله عز وجل لم يحقره إذ آتاه إياه»
تعليق الشيخ على إجمال الغزالي لعلم المكاشفة وأسبابه ومحدودية اللغة
[الشيخ]: الإمام الغزالي يتكلم عن علمين: علم المكاشفة وعلم المعاملة، ثم أفاض في علم المكاشفة لأنه أجمله إجمالًا لأسباب:
السبب الأول؛ أن حقائقه لا تتناهى.
والسبب الثاني؛ أن اللغة لا تطيقه. لدينا لغة، اللغة العربية فيها ثمانون ألف جذر. القرآن نطق بألف وثمانمائة وعشرين جذرًا، القرآن فيه ستة وستون ألف كلمة، الكلام القرآني فيه ألف وستمائة وعشرون كلمة غير مكررة.
هذا شيء إعجازي، إن اللغة محدودة بثمانين ألف جذر في لسان العرب. إن الروائح غير محدودة، فعندما تعمل في مجال العطور ستجد أن الروائح غير محدودة.
