برنامج إحياء علوم الدين | حـ9 | العجب | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 09 | أ.د علي جمعة
- •العُجب آفة نهى عنها الله ورسوله، وتتمثل في استعظام النعمة ونسبتها للنفس دون الله تعالى.
- •حقيقة العُجب استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم سبحانه وتعالى.
- •يختلف العُجب عن الفرح بنعمة الله، فمن نسب النعمة لله وشكره عليها فليس معجباً.
- •للعُجب آفات عديدة منها: الكِبر، ونسيان الذنوب، والاستهانة بها، وقسوة القلب، ونسيان المنعم، والأمن من مكر الله.
- •العُجب يقدح في الاجتماع البشري ويؤدي إلى تفكك المجتمع وانقطاع صلة العبد بربه.
- •ورد العُجب في الحديث: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه".
- •قال ابن مسعود: "الهلاك في اثنتين: القنوط والعُجب".
- •الندم بعد الذنب أفضل من العُجب بعد الطاعة، لأن الندم عبادة والعُجب معصية تُبطل الطاعة.
- •العُجب والكِبر وجهان لعملة واحدة، كلاهما من أمراض القلوب.
مقدمة الحلقة والسؤال عن منشأ آفة العُجب من كتاب إحياء علوم الدين
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا، أهلًا وسهلًا بكم.
تحدثنا في لقاءات سابقة يا مولانا عن المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين، واليوم وصلنا إلى العُجب يا مولانا، فنريد أن نعرف ما هو منشأ هذا المرض أو هذه الآفة التي هي العُجب؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. العُجب نهى عنه الله ورسوله وأمرنا بضده، وهو أن ننسب الأمر لله سبحانه وتعالى؛ ولذلك أمرنا بالحمد والشكر؛ لأن العجب يأتي من نظر الإنسان إلى حوله وقوته، إلى حول نفسه وقوتها.
حقيقة العُجب في نسبة النعم من علم وعمل ومال إلى النفس دون الله
أي يعني وهبه الله سبحانه وتعالى شيئًا من العلم فيعتقد أن هذا من تحصيله هو ومجهوده هو وفعله هو، وهبه الله شيئًا من التوفيق في العمل فيعتقد أن هذا من براعته ومن اجتهاده، وهبه الله شيئًا من المال فيعتقد أن هذا المال من تحصيله ومن جهده ومن فعله هو.
وهذا كله ضد «لا حول ولا قوة إلا بالله» التي هي كنز من كنوز العرش. فالعجب أن ينسب الإنسان العلم أو العمل أو المال أو النعمة لنفسه دون الله.
يعني هنا الكلام أنه لا ينسبها إلى الله، أما لو قال «لا حول ولا قوة إلا بالله»، أما لو شعر في نفسه من الداخل أنه الحمد لله وأن الفضل هو لله وأن النعمة هي من الله سبحانه وتعالى فلا يكون عجبًا.
الفرق بين الفرح بنعمة الله والعُجب بها ونسبتها إلى النفس
ولذلك يتكلمون عن ذلك الشخص الذي يخاف من زوال النعمة، يخاف من زوال النعمة التي معه، يعني هذا ليس عجبًا. هذا ليس عجبًا، هذا الشخص الذي يفرح بالنعمة لأنها نعمة، يقول: يا سلام، ربنا أكرمني بأفضل كرم، ألا إن هذا ليس عجبًا عندما يقول ربنا أكرمني، لا يكون عجبًا.
هذا من باب:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]
نعم؛ لأنه يشعر أنه لا حول له ولا قوة، وأن الله تفضل عليه فضلًا عظيمًا، وأنه شاعر بهذه النعمة وممتن لها، وأنه شاكر وحامد لله سبحانه وتعالى.
تعريف العُجب باستعظام النعمة ونسيان إضافتها إلى المنعم سبحانه وتعالى
هناك من ينسب هذه النعمة لنفسه، أي أنها من جهده، من حاله. فالعجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم سبحانه وتعالى سبحانه وتعالى، هذه الكلمة الأخيرة هي حقيقة العُجب.
ولذلك ربنا سبحانه وتعالى قال:
﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6]
يعني لا تقل إنني عملت وعملت وفعلت، أنت لم تفعل شيئًا، بل أنت وُفقت إلى العمل يا أخي. انظر إلى المنعم ولا [تنسَ] شكر المنعم وانظر إليه، ولا تنظر إلى النعمة [وتقول] إنها منك.
مفهوم الإدلال بالنعمة ونسبتها إلى الجهد الذاتي كمنشأ للعُجب
إذ إن الشيء الذي يدفع الإنسان إلى العجب هو حبه لنسبة النعمة إليه، وهذا يسميه الذين يكتبون في هذه المعاني الراقية «الإدلال»، الإدلال يعني أنه يقول إن النعمة هذه منه، ويسمون هذا أنه يدلل بنعمته.
من الممكن منها سيدنا، خذوا كلمة الدلال - الدلع - يعني أنه شيء آخر يدل على أنني أفعل هذا الفعل من جهدي الذاتي وأجلبه من عرق جبيني، هذا شقايا.
نعم، أي هكذا يعني هذا من كدي ومن نفسي وما إلى آخره، فهذه هي حقيقة العجب.
سؤال عن الآفات التي تترتب على العُجب وأولها الكِبر
والعجب هذا بلية؛ لأنه يجر إلى آفات كثيرة.
[المذيع]: نحن نعلم يا سيدنا أن الذي يرتكب خطأً مثل الذي يبني مبنى هندسيًا، فإذا أخطأ في شيء سيترتب عليه أخطاء أخرى، فالعُجب ما الآفات الأخرى التي يمكن أن تأتي نتيجة هذا العُجب؟
[الشيخ]: آفاته كثيرة، نعم، منها الكِبر. العُجب هذا يولد الكِبر، نعم، فإذا كنتُ أنا الذي فعلت كل هذا وإنما أتيته عن علم مني وعندي وكذا إلى آخره، فأكون أنا شيئًا، يعني أنا هكذا - والعياذ بالله تعالى ولله المثل الأعلى - يعني أنسب إلى نفسي شيئًا من الألوهية، أعوذ بالله.
نموذج فرعون في نسبة النعمة لنفسه وخطورة الكِبر المتولد عن العُجب
نعم، صحيح:
﴿أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ﴾ [الزخرف: 51]
أليست هذه الأشياء؟ كلها ملكي، النهر يجري من تحتي، أنا الذي صنعته، كأنه هو الذي صنعه وهو مخلوق يدخل - لا تؤاخذني - دورة المياه، ولم يفعل شيئًا ولم يصنع شيئًا. والله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاه الملك، والله سبحانه وتعالى هو الذي أخذه أخذ عزيز مقتدر وأغرقه.
يعني إذن هو ليس له شيء في الحقيقة وهذه دعوة كاذبة. فالعجب يولّد نوعًا من الكِبر، أي أن الكِبر خطير جدًا، يقول فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كِبر»
ولذلك رأينا الإمام الغزالي أفرد للكِبر بابًا آخر الذي سيتولد عن العجب، وحينها سنتحدث كثيرًا إن شاء الله في حلقة مستقلة عن الكِبر.
خطورة مثقال حبة خردل من الكِبر ومنازعة الألوهية
لأن الكِبر هذا مصيبة، انظر: مثقال حبة من خردل، حبة الخردل واحد على ستة آلاف من الجرام، واحد على ستة آلاف من الجرام، الجرام ستة آلاف حبة خردل، سبحان الله!
يعني شيء صغير جدًا، أي هباءة هكذا، يعني لو الكِبر يوزن هكذا هذا لا ينفعنا. لماذا؟ لأنه في نزاع ينازع الألوهية.
الآفة الثانية للعُجب نسيان الذنوب والاستهانة بها حتى استحلالها
النقطة الثانية أن العُجب يؤدي إلى نسيان الذنوب. نسيان الذنوب يكون عندما لا يشعر أنه فعل شيئًا، فقد أصبح متمكنًا، أنا رجل متمكن، نعم.
وإهمالها والاستهانة بها يؤدي إلى كثرة وقوعها، وكثرة وقوعها تؤدي إلى استحلالها. يقول لك: هذا هو، أي ذنب؟ بالرغم من أنه كان يعلم أول أمس أنه ذنب، لكن من كثرة الوقوع فيه تحدث الاستهانة والاستحلال.
إذا حصل هذا اسودَّ القلب، فالقلب لا يزال نكتة سوداء بجانب نكتة سوداء بجانب نكتة سوداء، وإذا اسودَّ القلب قسا فلا يستمع إلى الموعظة أبدًا؛ لأنه تعوَّد - خلاص - على المعصية وكأنها جزء لا يتجزأ من كينونة الحياة.
إدمان المعصية وانقطاع الاتصال بالله ونسيان المنعم من آثار العُجب
كأنك تقول له اذهب ومُت وأنت تقول له اترك الذنب، كأنك تقول له بالضبط أمِت نفسك.
[المذيع]: كأنه أدمنه يا مولانا، أدمنه.
[الشيخ]: أدمنه، ما هو هذا إدمان، وهناك إدمان في العمل فعلًا ولا يُترك هكذا. العجب يؤدي إلى نسيان المنعم - والعياذ بالله تعالى - ينسى أن هذه نعمةٌ فينسى أن هناك مُنعِمًا، لا إله إلا الله.
﴿نَسُوا ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]
فأنساهم أنفسهم. يعني إذن هنا سينقلنا إلى مصيبة أخرى من آفات العُجب، وهي أنه حينئذٍ يأمن مكر الله، يا ساتر!
أمن مكر الله وقسوة القلب وانقطاع الاتصال بالنصيحة والموعظة
يأمن مكر الله! آه، ولذلك تجدهم وهم يتكلمون لديهم عُجبٌ هكذا، يقول لك: ما الأمر؟ إن الله سيكرمني في الدنيا وفي الآخرة. لماذا؟ لديك عهد على الله سبحانه وتعالى أن يفعل هذا؟
هو نسي المنعم فأنساه الله نفسه، فاستعظم العمل فنسي الذنب، فقسا قلبه فلم يعد يستمع إلى الموعظة، وانقطع الاتصال الذي أتحدث عنه، هكذا انقطع الاتصال، الاتصال الذي بينه وبينه [أي بينه وبين الله] ذهب وانقطع.
لا أستطيع أن أكلمه، لا يسمع نصيحة ولا يطلب استشارة، وما خاب من استشار، صحيح، وما ضلّ من استخار. ولذلك هو لا يطلب استشارة ولا يسمع نصيحة ولا تؤثر فيه موعظة.
تسلسل آفات العُجب من قسوة القلب إلى القدح في الاجتماع البشري
نعم، كل هذا من أين يأتي؟ من قسوة القلب التي جاءت من أين؟ من الكِبر المتتالي، من استعظام الأعمال، من نسيان المنعم، من مجموعة الآفات التي تتولد عن العجب.
آفات خطيرة جدًا؛ ولذلك نحتاج إلى أن ننزع هذا العجب ونرميه ونتخلص منه حتى لا نقع في هذه الآفات المؤدية في النهاية إلى القدح في الاجتماع البشري.
[المذيع]: القدح في الاجتماع البشري، حسنًا، دعنا نعرف تفصيل أو معنى هذه العبارة بعد الفاصل يا سيدنا، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
العُجب بالكثرة يوم حنين وكيف قدح في الاجتماع البشري
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، وحلقة اليوم عن العُجب. مولانا، قبل أن نذهب إلى الفاصل، فضيلتكم قلتم لنا أن العُجب يؤدي إلى القدح في الاجتماع أو في الإجماع البشري؟
[الشيخ]: طبعًا، هذا الذي أخذته من سورة التوبة، والله سبحانه وتعالى ينعي على المسلمين الأتقياء الأنقياء - جيل الصحابة - وفي وسطهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أعجبتهم كثرتهم، نعم.
يوم حنين في سورة التوبة يقول:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25]
يا ساتر! صحيح!
النصر من عند الله لا من الكثرة والشعور بالقوة الذاتية يفسد الإيمان
إذن من أين جاء النصر؟ إن ربنا يقول:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: 25]
يعني نصركم أيضًا يوم حنين، فالله سبحانه وتعالى نصرهم من عنده وليس من كثرتهم. فلما أن شعروا بالكثرة، ما معنى ذلك؟ أننا أقوياء، نحن سنحضره، نحن نحن، لا نُهزم اليوم من قلة، نحن كثيرًا.
بدأنا، ها قد بدأنا، فإذا نحن دخلت [النفس الأمارة بالسوء]؛ ولذلك سموها النفس الأمارة بالسوء. «نحن» دخلت، لا يوجد «بعون الله»، لا يوجد «بإذن الله».
الفرق بين التلفظ بالكلمات الإيمانية والشعور الحقيقي بها في القلب
وهناك أناس يستهينون هكذا ويقولون لك: يعني هل هذه الكلمة هي التي ستفعل؟ لا، ليست الكلمة، [بل] الإيمان، الشعور، الالتجاء، المناجاة، إنك تكون مع الله فعلًا، إنك أنت تشعر بالمنة والنعمة فعلًا.
وليس أنك تقول بلسانك «إن شاء الله» و«بعون الله» وما إلى ذلك وهي فارغة من المضمون. هذه الكلمة كلمة إيمانية فلا بد أن تعيش فيها وليس أن تتلفظ بها.
فإذن العجب هو من أمراض القلوب وليس من أمراض الألسنة أو العقول أو كذا، هذا شيء في القلب في النفس.
العُجب يقدح في الاجتماع البشري ويقطع اتصال الأفراد ببعضهم وبالله
فالله سبحانه وتعالى نعى علينا هذا وهذا يقدح في الاجتماع البشري. الاجتماع البشري الذي هو ماذا؟ إننا لو كنا كجماعة، جماعة هو الاجتماع البشري، ها هم مجتمعون.
وهذا الاجتماع البشري إذا التجأ إلى الله فإن الله ناصره:
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
فإذا هذه الحالة من العُجب تؤدي إلى قطع اتصال الأفراد بعضهم ببعض، وتؤدي إلى عدم نظر الله إلى الجماعة فتتفكك.
ولذلك كان العُجب قادحًا في الاجتماع البشري. إذا أردنا أن يكون مجتمعنا مجتمعًا رائقًا فائقًا متقدمًا زاهيًا زاهرًا، يبقى لا بد علينا القضاء على العُجب في قلوبنا.
ورود النهي عن العُجب في القرآن والسنة بالمعنى وباللفظ
[المذيع]: هل يا سيدنا العجب يأتي في النهي باستخدام كلمة عجب (العين والجيم والباء)؟ أم يمكن أن يأتي في الأحاديث والآيات بمعانٍ أخرى؟ هل يمكن أن يأتي بالمعنى وليس باللفظ؟
[الشيخ]: قال تعالى مثلًا:
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحشر: 2]
لما قال الله سبحانه وتعالى مثلًا في الكهف:
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]
أي مثلًا، فكل هذا فيه نوع من أنواع العجب.
النهي عن تزكية النفس وحديث ثلاث مهلكات في ذم العُجب
لما الله سبحانه وتعالى ينهانا ويقول:
﴿فَلَا تُزَكُّوٓا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ [النجم: 32]
يكون هذا نهيًا عن العجب ولكنه لم يستعمل العين والجيم والباء بالذات، يعني «أعجب بنفسه» أو «أعجب» أو «إعجاب المرء بنفسه».
لكن في الحديث مثلًا أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:
قال النبي ﷺ: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه»
الشح المطاع: البخل، البخل، عدم الإنفاق في سبيل الله. وهوى متبع: ليس المتبع كتاب الله وسنة رسوله، ليس المتبع أمر الله ونهيه، لا، إنه الهوى الذي أريده. وإعجاب كل ذي رأي برأيه، أو إعجاب المرء بنفسه، وهنا كلمة إعجاب ظهرت، نعم، التي هي بالعين والجيم والباء.
حديث النبي في التحذير من الهوى المتبع والعجب والشح وعدم اتباع العامة
يعني نعم، ولذلك لا يمكن أن يرد المعنى ويمكن أن يرد اللفظ. والنبي عليه الصلاة والسلام قال صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «إذا رأيت هوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وشحًا مطاعًا، ودنيا مؤثرة، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة»
يعني لا تطع الناس في هذه الآفات حتى ولو انتشرت.
قال النبي ﷺ: «لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، وطِّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا»
فإن أساءوا فلا تظلموا.
قول ابن مسعود في أن القنوط والعُجب هما مفتاحا الهلاك
نعم، وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: الهلاك في اثنتين، الهلاك في اثنتين، هاتان الاثنتان هما اللتان سيهلك بهما الإنسان، وهما اللتان حذر منهما ابن مسعود ورأى أنهما مفتاحا الهلاك.
[المذيع]: نعم، ما هما؟
[الشيخ]: القنوط والعجب. القنوط، القنوط بالطاء، بالطاء ليس بالتاء، لا، بالطاء معناها اليأس من رحمة الله:
﴿لَا يَايْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [يوسف: 87]
والعجب؛ لأنه نسيان الله. يعني إما أنك تتذكر ربنا وتيأس منه - لا -:
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»
فلا بد أن يكون ظنك في الله حسنًا وأن يكون عندك نوع من أنواع الحب والرجاء في وجه الله سبحانه وتعالى.
التحذير من القنوط والعُجب معاً وخطورة اليأس من رحمة الله
القنوط والعجب هما اللذان يراهما ابن مسعود أنهما سبب البلاء والهلاك كله. فاحذر أيها المسلم أن تيأس من رحمة الله.
نسمع أحدهم يقول: إنني أدعو كثيرًا وربنا [لا يستجيب]، احذر أن تقول هكذا، فإن دعاءك مدخر ودعاؤك عبادة، ودعاؤك شيءٌ جميل، وهكذا.
قول أحد الصالحين أن النوم مع الندم أفضل من القيام مع العُجب
ولذلك كان أحد الصالحين كما وَرَدَ يقول:
«لأن أبيتَ نائمًا وأصبحَ نادمًا أحبُّ إليَّ من أن أبيتَ قائمًا وأصبحَ مُعجَبًا»
الله! نعم، يعني أنا سأنام وفاتتني صلاة الليل، ولم أقم لصلاة الليل ولن أقوم للصلاة ولن أفعل، لكن وأنا مستيقظ في الصباح وأقول: بسم الله، والله أريد أن أقوم لصلاة الفجر نادمًا على ما قصرت في حق الله سبحانه وتعالى.
نعم، هذا أفضل من أن أقوم في الليل وأذهب مثل الديك الشركسي إلى المسجد لأصلي الفجر وأنا معجب بنفسي، آه، أنا طوال الليل قائم، أنا طوال الليل قائم، آه، فهذا لا، دعنا نتجنبه.
الندم بعد الذنب عبادة والعُجب بعد الطاعة معصية تبطلها
دعنا نتجنب هذا المعنى، وهذا الذنب سيء والإثم سيء، لكن الندم الذي يظهر في قلب المؤمن بعد الذنب أفضل من العجب الذي يأتي بعد الطاعة فيبطلها، ما شاء الله.
انتبه انتبه! لأن بعض الناس يقولون لك: كيف ذلك؟ أليس من الأفضل أن أعمل الخير ثم أعجب به بدلًا من أنني عندما أقع في الذنب؟ قال: لا، إن الندم هو عبادة، لكن العجب هو معصية حقيقية، فانتبه جيدًا؛ لأن هذه من حيل الشيطان الدقيقة.
خاتمة الحلقة والعُجب والكبر وجهان لعملة واحدة ووعد بالحلقة القادمة
[المذيع]: جميل، نعم، كان لدينا سؤال يا سيدنا عن أقسام العجب، يمكننا ضمه في الحلقة القادمة مع الكبر، إذ إن العجب والكبر مرتبطان، فهما وجهان لعملة واحدة.
[الشيخ]: الحقيقة تعني وجهان لعملة واحدة، نعم، العجب والكبر وجهان لعملة واحدة، مثل الجنيه، تنظر إليه من هنا تجد وجهًا ومن هناك [تجد وجهًا آخر]، لكنه جنيه واحد، صحيح، مثل الملك والكتابة وجهين لعملة واحدة.
[المذيع]: الوقت مع فضيلتك يجري يا مولانا، اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد من فضيلته وعلى هذا العلم، على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
