برنامج إحياء علوم الدين | حـ 25 | الصبر | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 25 | أ.د علي جمعة
- •الصبر من الأخلاق الاستثنائية المشروطة، حيث يُطلب عند نزول البلاء وليس قبله.
- •نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن طلب الصبر لأن ذلك يعني طلب البلاء، والأولى طلب العافية.
- •الصبر هو ثبات في مواجهة المصائب وهو باعث الدين ضد باعث الهوى.
- •وصف النبي صلى الله عليه وسلم الصبر بأنه نصف الإيمان، والنصف الآخر هو السماحة.
- •قال سيدنا علي: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد"، فلا إيمان لمن لا صبر له.
- •ينقسم الصبر بحسب ما بعده: الصبر على الطاعات، الصبر عن المعاصي، والصبر بالله.
- •وعد الله الصابرين بأجر بغير حساب، وذكر تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب".
- •للاستعانة على الصبر ينبغي تذكر الأجر العظيم وأن الله مع الصابرين.
- •من أنواع الصبر المحمود: صلة من قطعك، وإعطاء من حرمك، والعفو عمن ظلمك.
مقدمة الحلقة والتعريف بموضوع الصبر ومعناه عند الناس
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: نحن لا زلنا يا مولانا مع مفاتيح المنجيات، ووصلنا في حلقة اليوم إلى الصبر. الصبر يا مولانا ربما يرتبط في ذهن الناس بكلمة الصبار أو المُرّ، طعم المُرّ الذي في الصبار. فنحن نريد أن نعرف ما هو معنى الصبر، وما هي حالات الإنسان مع هذا الخُلُق؟
الصبر خُلُق استثنائي مشروط بنزول البلاء ولا يُطلب قبله
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الصبر في الحقيقة من الأخلاق الاستثنائية، أو من الأخلاق المشروطة؛ لأننا نُطالَب به عند نزول البلاء، ولا نُطالَب أن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يُنزله علينا.
لأننا إذا طالبنا نزول الصبر علينا فمعناها أننا ندعو على أنفسنا بنزول البلاء حتى نصبر. فإذن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم وهو يدعو ويقول: اللهم أنزل عليّ الصبر،
فقال [النبي ﷺ]: «سألتَ الله البلاء، سألتَ الله البلاء!»
[المذيع]: تريد أن تصبر يعني ستُبتلى!
[الشيخ]: نعم صحيح، انتظر حتى ينزل البلاء ثم اسأل الله الصبر: اللهمَّ قد ابتليتَني فأنزِل عليَّ الصبر. إذن الصبر هو خُلُقٌ استثنائي، أي خُلُقٌ مشروطٌ فيما بعد نزول البلاء بالعبد.
البلاء قدر من الله والصبر ثبات في مواجهة المصائب
[الشيخ]: البلاء قدرٌ قدَّره الله سبحانه وتعالى، فعلينا أن نصبر ونُصابر ونُثابر ونُجاهد وما إلى ذلك.
قال النبي ﷺ: «لا تتمنَّوا لقاء العدو، فإذا لقيتموه فاثبتوا»
نعم، لأنني لا أقول: يا رب أنا أريد أن أدخل حربًا لأريك ماذا سأفعل فيها، لا.
[المذيع]: أكون صابرًا في داخل هذه الحرب.
[الشيخ]: لا، إنما هي الحرب لصدّ العدوان، لرفع الطغيان، للدفاع عن نفسي، عن ذاتي، عن أهلي، عن وطني، عن مالي، عن عرضي، عن قضيتي. فهي نوع من أنواع مقاومة العدوان.
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]
وانظر أن الله لا يحب المعتدين. إذن هذه قاعدة عامة ومبدأ عام: أنا عندما أُبتلى بشيء نزل بأمر الله وقدره وقضائه، فإنه يجب عليَّ حينها أن أصبر وأحبس النفس.
تعريف الصبر بأنه باعث الدين في مواجهة باعث الهوى
[الشيخ]: الصبر هو عبارة عن ثبات في مواجهة المصيبة، ثبات في مقابلة النوازل أو المصائب. فهو باعث الدين ضد باعث الهوى.
[المذيع]: باعث الدين ضد باعث الهوى!
[الشيخ]: باعث الدين يعني هو الدين الذي قال لي اصبر.
﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾ [النحل: 127]
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]
وباعث الهوى أنّي أجري، أنّي أهرب، أنّي أفرّ، أن أُولّي الأدبار. فيقول لي [الدين]: لا، اثبت. فالصبر هو باعث الدين ضد باعث الهوى.
فالإنسان في حالات من الصبر: إذا غلب باعث الدين ترى أن الصبر أصبح يسيرًا، وإذا غلب باعث الهوى أصبح الصبر عسيرًا؛ لأنّي أظلّ في مقاومة أمرين: المصيبة والهوى. أو أنه يكون - أي ماذا - لا يوجد غلبة ما بين الاثنين. فأنا لديّ ثلاث حالات في الصبر.
كتاب عُدّة الصابرين لابن القيم وأجر الصابرين في القرآن
[الشيخ]: ولذلك عندما ألّف ابن القيم رحمه الله تعالى كتابًا اسمه عُدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين، عُدّة الصابرين يعني الوعد الذي أعدّه الله سبحانه وتعالى للصابرين، هي العُدّة الخاصة بهم.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 96]
انظر كيف أن الله تعالى أعطاهم - يعني سيعطيهم - للذين صبروا.
[المذيع]: سيعطيهم الله جزاءً أوفى، يعني؟
[الشيخ]: نعم أوفى.
﴿أُولَـٰٓئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: 54]
[المذيع]: ما شاء الله.
[الشيخ]: بما صبروا، ويكون الصبر هو سبب أن ربنا سيعطيهم الأجر مرتين. ما شاء الله.
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]
آيات الصبر في القرآن وحديث الصبر نصف الإيمان
[الشيخ]: وقد قام ابن القيم وجمع هذه الأشياء:
﴿وَٱسْتَعِينُوا بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ﴾ [البقرة: 45]
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]
يعني عظّم شأن الصبر وعظّم شأن الصابرين.
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ * أُولَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 156-157]
يعني في صبر هكذا. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال النبي ﷺ: «الصبر نصف الإيمان»
[المذيع]: الصبر نصف الإيمان، ما شاء الله.
[الشيخ]: فأنت قد صبرت على ما ابتلاك الله به، وهذا يعني أنك هيّأت الأمن والطمأنينة لنفسك، فتستطيع أن تمارس وتستمر في الإيمان.
حديث الصبر والسماحة نصفا الإيمان ومعنى السماحة
[الشيخ]: وعندما سُئِل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان:
فقال ﷺ: «الصبر والسماحة»
[المذيع]: الصبر والسماحة.
[الشيخ]: كان هذا الحديث يفسر الحديث [السابق]: «الصبر نصف الإيمان»، أي يقول: الصبر نصف الإيمان، حسنًا إذن ما النصف الثاني؟ السماحة. أورد الحديث هذا عن الصبر والسماحة الطبراني في كتاب مكارم الأخلاق، فله كتاب اسمه مكارم الأخلاق.
عندما تبحث في السنة ستجد ماذا؟ الصبر نصف الإيمان، حسنًا، وما نصفه الثاني إذن؟ نصفه الثاني السماحة. في الحديث الثاني سُئل عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة.
[المذيع]: السماحة يا سيدنا آتية من المسامحة أم آتية من كون الإنسان متسامحًا هكذا بحسن الخُلق؟
[الشيخ]: الاثنان معًا، نعم. التسامح والسماحة في البيع وفي القضاء وفي الزواج وفي غير ذلك إلى آخره. هذه السماحة هي عبارة عن الكرم، والكرم عطاء، والحب عطاء، وبالتالي سيُلامس لي معنى السماحة مع الحب وهكذا.
التسامح خُلُق راقٍ ورسالة سيدنا عمر لأبي موسى الأشعري عن الصبر
[المذيع]: يعني ليس ضروريًا كما يقولون: إذا كنتم إخوة فتحاسبوا، وليس ضروريًا أن نشدد على بعضنا، فلنتسامح ونحن نتعامل مع بعضنا.
[الشيخ]: هذا التسامح خُلُق راقٍ يشعر الإنسان بأنه إنسان.
[المذيع]: الله! يشعر الإنسان بأنه إنسان، ما شاء الله.
[الشيخ]: وكان سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] عندما أرسل إلى أبي موسى الأشعري في خطاب له قال له: عليك بالصبر، واعلم أن الصبر صبران - نوع - يعني جنس الصبر هذا منقسم إلى قسمين، أحدهما أفضل من الآخر:
- الصبر في المصيبات حسن.
- وأفضل منه الصبر عمّا حرّم الله.
واعلم أن الصبر ملاك الإيمان، وذلك بأن التقوى أفضل من البرّ، والتقوى تكون بالصبر.
[المذيع]: التقوى تكون بالصبر.
قول سيدنا علي في دعائم الإيمان الأربعة ومنزلة الصبر من الإيمان
[الشيخ]: نعم، وكان سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] أيضًا مما ورد عنه يقول: بُني الإيمان على أربعة دعائم هكذا: اليقين والصبر والجهاد والعدل.
[المذيع]: اليقين والصبر والجهاد والعدل، ما شاء الله.
[الشيخ]: اليقين والصبر والجهاد والعدل، يعني سيدنا علي كان رجل دولة، كان عارفًا أن الدولة مبنية على ماذا: اليقين، لا يوجد بلبلة في الرضا، والرضا آتٍ من الوضوح في الفكر والوضوح في التعليم والوضوح في الدعوة والوضوح في الخطاب.
اليقين والصبر: تصبر على العمل. والجهاد: تصدّ عنك البلاء. والعدل: لأن العدل أساس الملك.
وكان سيدنا علي أيضًا يقول: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
[المذيع]: بمنزلة الرأس من الجسد!
[الشيخ]: ألم نقل إن الإيمان صبر وسماحة؟ طيب ما هي الرأس؟ ما هو الصبر؟ إنه نصف الإيمان هو الصبر. وماذا عن النصف الثاني؟ إنها السماحة. ولا جسد لمن لا رأس له، ولا إيمان لمن لا صبر له.
[المذيع]: ولا إيمان لمن لا صبر له، ما شاء الله. سنذهب إلى الفاصل يا سيدنا ثم نعود لنستكمل الحوار عن الصبر كخُلق من أخلاق المسلمين، فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.
أنواع الصبر تُعرف بحرف الجر الذي يأتي بعد كلمة اصبر
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم بعد الفاصل في الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. وحلقة اليوم عن خلق الصبر. سيدنا، نريد أن نعرف يا مولانا أنواع الصبر، فنحن لدينا دائمًا في الخُلق كان سيدنا أبو حامد الإمام الغزالي يقسم الصبر إلى أنواع وأقسام، فما هي أنواع الصبر يا مولانا؟
[الشيخ]: أنواع الصبر تستطيع أن تعرفها بحرف الجر الذي يأتي بعد كلمة اصبر. ينقسم الصبر إلى أنواع طبقًا لحرف الجر الذي يأتي بعده. فعندما تقول مثلًا:
- •اصبر عن المعصية.
- •اصبر على الطاعة.
- •اصبر عن الله - والعياذ بالله تعالى - تكون مصيبة هذه.
الصبر عن الله مصيبة تؤدي إلى الإلحاد والغضب من الله
[الشيخ]: الصبر عن الله، أي كأنه [الله سبحانه وتعالى] ليست همّه، كأن الله سبحانه وتعالى يعطيه مصيبة، فبدلًا من أن يتوجه إلى الله، يقول: لا، خلاص، أنا ليس لي علاقة بك.
[المذيع]: أعوذ بالله!
[الشيخ]: هناك أناس هكذا ملحدون يؤلفون روايات وإلحادات وما إلى ذلك؛ لأنه صبر عن الله، غاضب من ربنا والعياذ بالله تعالى.
[المذيع]: تخاصم مع الله سبحانه وتعالى!
[الشيخ]: تخاصم مع الله. فطبقًا لحرف الجر الذي بعده سيتضح ماهية هذا الصبر، أي إذا كان ممدوحًا أو مذمومًا.
الصبر بالله والصبر لله والأمر بالصبر على الطاعات في القرآن
[الشيخ]: أنا لا أستطيع أن أصبر عن الله طرفة عين، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك. لا، نحن صابرون لله وبالله.
﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾ [النحل: 127]
نعم، الصبر بالله هكذا. ربنا سبحانه وتعالى في آيات كثيرة يأمرنا بالطاعات ويأمرنا بالانتهاء عن المعاصي.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المنافقون: 9]
لا، يجب أن نصبر على الطاعة ونقاوم التلهّي بمثل هذه الأشياء.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَـٰدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: 14]
الأموال والأولاد فتنة والصبر على الهجر الجميل والابتلاء
[الشيخ]: وعندما يقول [الله تعالى] مثلًا:
﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِندَهُٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: 15]
فهذه الفتنة تعني أنه يجب علينا أن نصبر عن هذه الفتنة ونصبر على الطاعات ونتوكل على الله سبحانه وتعالى. وقال تعالى:
﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]
مصيبة! هجرًا جميلًا يعني من غير تبرّم، من غير عدوان، من غير قطيعة رحم. هذا هو الهجر الجميل.
قال تعالى:
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186]
ماذا نفعل؟
﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]
[المذيع]: فإن ذلك من عزم الأمور، ما شاء الله.
فضل الصبر على الانتقام وأن العفو خير للصابرين
[الشيخ]: ها هو الصبر جاء، نعم. حتى لو نالني أي نوع من العدوان وأردت أن أعاقب، فقال [الله تعالى]:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: 126]
حسنًا، فهذا ليس له فضل.
﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ * وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 126-127]
[المذيع]: يعني هنا يا سيدنا، بدون قطع كلام فضيلتك، الناس المندفعة في الانتقام أو المندفعة في الثأر ويقولون: لا، إننا نطبق الدين: العين بالعين، هنا ربنا سبحانه وتعالى يقول: ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين؟ جميلٌ، معنى جميلٌ.
[الشيخ]: طبعًا نعم؛ لأن أصل الانتقام ما الذي سيترتب عليه؟ مزيد من الفساد في الكون. يعني هو قتل مني واحدًا وأنا قتلت منه واحدًا، فالردّ هكذا يعني أنه مات اثنان بالضبط.
[المذيع]: خسرنا واحدًا مثله.
[الشيخ]: الكون خسر واحدًا زيادة، نعم. ولنفترض أنه قتل فأنا صبرت وعفوت، فيكون هناك شخص واحد فقط قُتل. هذه هي النظرة الكونية الشاملة التي قد يتعلق فيها القلب بالله.
حديث صِل من قطعك وأعطِ من حرمك واعفُ عمن ظلمك
[الشيخ]: ولذلك فالصبر هنا لله. ولهذا انظر كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
قال النبي ﷺ: «صِلْ مَن قطعك، وأعطِ مَن حرمك، واعفُ عمن ظلمك» أخرجه الإمام أحمد
[المذيع]: وهذه هي الأنواع الثلاثة هؤلاء يحتاجون إلى صبر.
[الشيخ]: طبعًا، ولن يتأتى ذلك إلا بالصبر الشديد.
كيف يستعين المؤمن على الصبر بتذكر الأجر العظيم بغير حساب
[المذيع]: صحيح، جميل. حسنًا، هنا يا سيدنا بقي حوالي أربع أو خمس دقائق على انتهاء الحلقة. نريد أن نعرف كيف يستعين المؤمن على الصبر، يعني كيف أستطيع أن أصبر؟ رغم أننا نعلم كما ذكرنا في بداية الحلقة تمامًا أن كلمة الصبر مشتقة من كلمة الصبار، الصبر مُرٌّ والصبر مؤلم وصعب، ولكن ماذا نفعل كي نستعين أو نكتسب قدرة على هذا الصبر؟ وهو خُلُق عظيم.
[الشيخ]: تذكّر الأجر، تذكّر أجر الصبر. هذا فربنا يقول:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]
وضع لي خطًّا فوق وتحت وحول «بغير حساب» هذه. صحيح، هذا من دعاء الصالحين: اللهم أدخلنا الجنة بغير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.
هل هناك أجمل من أن تدخل الجنة مباشرة؟
[المذيع]: يسمّونه يدخل الجنة حتفًا كما يقولون.
معنى دخول الجنة بغير حساب وأهوال يوم القيامة
[الشيخ]: أي مباشرة هكذا. والمقصود أنك لن تقف للحساب. هل تعرف معنى أنك لن تقف للحساب؟ معناها أن ربنا سترها معك.
هل تعرف ما معنى من غير حساب؟ يعني لا توجد تحقيقات. هل تعرف ما معنى ذلك؟ يعني أنت في ظلّ الرحمن، في ظلّ عرش الرحمن. هل تعرف معنى هذا الكلام؟ يعني يوم القيامة سيمرّ وهو خمسمائة سنة، هو ألف سنة، ويشفع سيدنا [محمد ﷺ] لكي يجعله خمسمائة، سيمرّ عليك لحظة، نعم لحظة هكذا، لقد انتهى دون معاناة.
هذا يوم القيامة، إنه معاناة، وتحقيق وفضائح وصحف تُنشر، وميزان منصوب، وهناك صراط - والعياذ بالله تعالى - منصوب على جهنم. يعني ممكن أيضًا وأنت ماشٍ، المرء خائف، خائف ماذا سيرى. لكن منّا من يمرّ كالبرق، نعم. فإذا كان الزمن نسبيًّا سيكون هكذا.
حديث سلوا الله العافية وأنواع الصبر الأربعة المحمودة
[الشيخ]: ولذلك سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول:
قال النبي ﷺ: «سلوا الله العافية، فما أُعطي أحدٌ أفضل من العافية إلا اليقين» أخرجه البخاري
إلا اليقين. فإذن نحن نسأل الله سبحانه وتعالى العافية في الدنيا والآخرة.
والصبر هذا يعني خُلُقٌ استثنائي صحيح، لكنه:
- •منه صبر على الطاعات.
- •ومنه صبر عن المعاصي.
- •ومنه صبر مستعينًا بالله.
- •ومنه صبر موجَّه ذلك بنيّتنا لله.
وهكذا:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]
عبارة بغير حساب دليل على أن القرآن من عند الله لا من عند البشر
[الشيخ]: هذه كلمة «بغير حساب» هي كلمة تعني، كما أقول أنا وعقيدتي، أن هذه الكلمات تدلّ على أن هذا القرآن من عند الله؛ حيث إن ما أحد من البشر يخطر في باله أنه يكتب هكذا «بغير حساب». هذه لا يعرف محمد صلى الله عليه وسلم كتابتها، ولو كان هو الذي كتب القرآن من عند نفسه ما كان كتب هذه الكلمة.
وأيضًا ما كان كتب أن الله مع الصابرين، لا يستطيع نفسيًّا، لا يستطيع؛ لأن «مع» تدخل على العظيم.
[المذيع]: مع تدخل على العظيم؟
[الشيخ]: نعم، فكان سيقول: إن الصابرين مع الله، مع الله، نعم. لو كان من محمد الذي كتب، نعم. لكنه يقول: أن الله مع الصابرين. وأقسم بالله في سمائه لا أحد يقول هكذا إلا الله.
فإذن هذا الكلام هو يُثبت أن القرآن الذي طلب منا تدبّره:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]
أن هذا القرآن من عند الله، ولا يمكن أن النبي العربي الفصيح يكتب هكذا، فهو لا يعرف نفسيًّا من الداخل، لا يعرف أن يكتب هذا، بل تلقّاه هكذا، وهذا من عند الله.
خاتمة الحلقة وخلاصة أن الصبر يُطلب بعد نزول البلاء لا قبله
[المذيع]: ونعم بالله، ربنا يفتح عليك يا سيدنا. وفضيلتكم أوضحتم لنا أننا نسأل الله العافية، فلا ينبغي لأحد أن يقول: صبّرني يا رب، أو يطلب البلاء لكي يصبر. نسأل الله العافية، لكن عندما يأتي الابتلاء فهنا...
[الشيخ]: يصبر الإنسان ويسأل الله الصبر حينئذٍ، بعد نزول البلاء: فأنزل علينا السكينة والصبر.
[المذيع]: آمين يا ربنا، آمين. حفظكم الله يا سيدنا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعده باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين. فإلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
