برنامج إحياء علوم الدين | حـ 26 | الشكر | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 26 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ 26 | الشكر | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 26 | أ.د علي جمعة

22 دقيقة
  • الشكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شكر باللسان وهو الثناء، وشكر بالجنان وهو القلب، وشكر بالأركان وهو الجوارح.
  • قال تعالى: "لئن شكرتم لأزيدنكم"، وهي عملية تجعل الإنسان عاجزاً عن الشكر، إذ كل شكر هو نعمة تستوجب شكراً جديداً.
  • من لم يشكر الناس لا يشكر الله، والله سمى نفسه الشكور، فينبغي للمؤمن أن يتخلق بأخلاق الله.
  • قال النبي: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر"، وسيدخل الحمّادون الجنة وهم الذين يشكرون الله على كل حال.
  • اختلف العلماء في أيهما أفضل: الشكر أم الصبر، والراجح أن ذلك يختلف حسب إخلاص كل شخص وحاله.
  • سبب عدم شكر النعمة هو الجهل بالمنعم والغفلة، وعلاجه التذكر والعلم.
  • ينبغي أن ينظر المرء إلى من هو دونه لا إلى من فوقه حتى لا يحتقر نعمة الله عليه.
  • الألفة ترفع الكلفة، فالإنسان لا يعرف قيمة النعمة إلا إذا فُقدت.
محتويات الفيديو(27 أقسام)

مقدمة الحلقة وسؤال عن أنواع الشكر هل هو باللسان فقط أم له أنواع أخرى

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بكم.

أهلًا بكم اليوم يا مولانا، إن شاء الله الحلقة رقم ستة وعشرين سنتحدث عن مفتاح من مفاتيح الأشياء التي نتحلى بها وهو الشكر. الناس يا مولانا من يقال لهم اشكر الله يقول لك: أنا أحمد ربنا وأشكر فضله، يقصد شكر اللسان. هل الشكر باللسان فقط أم له أنواع أخرى؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الشكر منه ما هو متعلق باللسان، ومنه ما هو متعلق بالجنان، ومنه ما هو متعلق بالأركان.

شكر اللسان هو الثناء على الله بالحمد والجميل الاختياري

أما الذي هو متعلق باللسان فهو الثناء بالحمد والثناء بالجميل الاختياري على رب العالمين. وربنا علمنا في سورة الفاتحة فقال:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

يعني كل الحمد، كل الحمد، ويعني جنس الحمد لله رب العالمين.

فهو [الشكر] في الحقيقة كمفتاح من مفاتيح الأخلاق وكعمل من الأعمال المنجيات هو متعلق بشكر الله بالأساس. الشكر لله سبحانه وتعالى يشمل هذه الأشياء الثلاث: القلب واللسان والجوارح كما يقولون.

العلاقة بين شكر اللسان وحضور القلب وتحريك الجوارح في ذكر الله

أي فكلما أكثرت من شكر اللسان كلما حضر القلب، وكلما شعر القلب بالمنة والنعمة كلما حرك الجوارح جميعًا. فذكر الله سبحانه وتعالى قد يكون باللسان، وقد يكون بالجنان، وقد يكون بالأركان.

قال تعالى:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

وقال تعالى:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

وقال صلى الله عليه وسلم:

«لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

آيات قرآنية في فضل الشكر وجزاء الشاكرين ووعد الله بالزيادة

﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَـٰبًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145]

وسنجزي الشاكرين! والنبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يربط مع شكر الله، وهو [الله] قد قال:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى﴾ [إبراهيم: 7]

يعني لئن شكرتم لأزيدنكم.

عجز الإنسان عن شكر الله لأن الشكر نفسه نعمة تستوجب شكراً جديداً

هذه عملية تجعل الإنسان عاجزًا عن الشكر، عاجزًا عن الشكر! فهو سبحانه وتعالى، أنا شكرته، حسنًا لكن هذا [الشكر] في حد ذاته نعمة. في حد ذاتها تستوجب الشكر.

يعني عندما أقول له: الحمد لله رب العالمين، فقد وفقني لحمده وهذه نعمة، وهذه النعمة تقتضي أن أقول: الحمد لله رب العالمين الذي وفقني أن قلت الحمد لله رب العالمين!

فإذا قلت هذه الثانية والتفت إليها، فهي نعمة تستحق الشكر، فأصبح أجلس طوال النهار وطوال الليل أشكر حقًا. وهنا ماذا سأفعل؟

صيغ الحمد الجامعة التي تكفي عن تكرار الشكر إلى ما لا نهاية

فقال: لا، أي الحمد لله كما ينبغي لجلاله أن يكون وانتهى الأمر، جل جلال الله. أو الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. يوافي نعمه بما فيها، هذه نعم، ويكافئ مزيده يعني إلى يوم الدين.

وأيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«من لم يشكر الناس لا يشكر الله»

الذي لا يشكر الناس الذين قدموا له خدمة أو إحسانًا فهو لا يشكر الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن الله سمى نفسه الشكور:

﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: 17]

فلأن هذه الصفة من صفات الله، يجب علينا أن نتخلق بأخلاقه سبحانه وتعالى وأن أكون شكورًا.

الشكر في القرآن من الدنيا إلى الجنة وفضل معرفة حقيقته واتساع معناه

أولًا وقبل كل شيء، وكل الحمد والشكر لله رب العالمين. وقالوا [أهل الجنة]:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ﴾ [الأعراف: 43]

وقالوا:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 74]

وحتى في الجنة:

﴿وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [يونس: 10]

إذن يجب علينا أن نعرف حقيقة الشكر، أن نعرف فضل الشكر، أن نعرف عظيم قدر الشكر، أن نعرف اتساع معنى الشكر.

حديث الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر وحديث الحمادين يوم القيامة

النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

«الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر»

انتبه! الطاعم الذي يأكل ويشكر ربنا مثل الصائم الصابر.

وقال صلى الله عليه وسلم:

«ينادي يوم القيامة: ليقم الحمّادون، فتقوم زمرة فيُنصب لهم لواء فيدخلون الجنة. قيل: من هم الحمّادون يا رسول الله؟ نريد أن نكون منهم. قال: الذين يشكرون الله تعالى على كل حال»

على كل حال يعني في السراء وفي الضراء. ولذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: الشكر نصف الإيمان.

أيهما أفضل الشكر على النعمة أم الصبر على البلاء والغني الشاكر أم الفقير الصابر

[المذيع]: هنا يا سيدنا النزاع أو الحوار أو الجدال: أيهما أفضل الشكر على النعمة أم الصبر على البلاء؟ أيهما أفضل؟ الشكر والصبر، فضيلتك، هكذا بدأنا نتطرق لهذا الأمر. هل هما متساويان أم يوجد فرق بينهما؟ أيهما أفضل الشكر أم الصبر؟

[الشيخ]: حيثما أقامك الله. العلماء عندما تكلموا في هذا الموضوع، يقول لك: حسنًا، الفقير الصابر أو الغني الشاكر، أيهما أفضل؟ قال: حسب درجة إخلاصه لله، حسب درجة شكره أو صبره، حسب علم الله به.

فإن الغني الشاكر الله يعلم أنه لو أفقره لصبر، والفقير الصابر الله أعلم أنه لو أغناه لشكر.

المفاضلة بين الشاكر والصابر مرتبطة بعلم الله وإخلاص كل منهما

لكن لو أن الله يعرف ويعلم أن الغني إذا أفقره لم يصبر، فيكون الفقير الصابر أحسن منه. [وكذلك] يعلم الله أن هذا الشخص بالذات لو أغناه الله ما شكر، فيكون الغني الشاكر أفضل منه.

ولذلك حيثما أقامك الله، يقول لك هكذا: أي شخص أفضل، لا نعرف. قد يكون هذا أفضل وقد يكون ذاك هو الأفضل، طبقًا للإخلاص وطبقًا لعمق الصبر والشكر في قلب كل واحدٍ منهما.

طبقًا لديمومة العمل، إنَّ الله يحب العمل الدائم، وكان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة، يعني دائمًا، أي لا ينقطع. لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل وتركه.

المقارنة بين الشكر والصبر بيد الله ما دام العبد أدى الخلق كما أراده الله

فإذن المقارنة بين المعاني: الشكر أو الصبر، أو ما بين الأحوال: الغني الشاكر والفقير الصابر، هي بيد الله. ما دمت أديت الخلق [المطلوب] كما هو، كما أراده الله، كما أرشد إليه الله، فأنت على هذا المقام.

أيضًا هناك محاورات معينة، يقول لك مثلًا: أيهما أفضل: القيام والقراءة، أم الركوع، أم السجود؟

قال الشيخ ابن تيمية: اذهب حيث تجد قلبك. حيث ما تجد قلبك، فواحدٌ يتلذذ بالقراءة ويجد قلبه وخشوعه ومناجاته في القراءة وفي القيام، يطيل في هذا الجزء. وآخر يحصل له هكذا الحال في الركوع. وثالث يكون قريبًا جدًا من ربه وقلبه حاضر في السجود.

النبي كان يعطي كل سائل ما يناسب حاله في أفضل الأعمال

أيهم أحسن؟ حيث ما تجد قلبك فبه. سنقول للرجل الذي هو قام: هذا هو أنت قيامك أحسن، وسنقول للثاني: ركوعك أحسن، وسنقول للثالث: سجودك هو الذي أحسن. فيختلف باختلاف الناس.

وهكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتاه رجل وقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قوم يقول له ماذا؟ جهاد في سبيل الله، فيجب على الرجل، هذا كان مقصرًا قليلًا في الجهاد فجعل له أفضل شيء لأنه هو الذي يقاوم نفسه فيها. وشخص آخر يقول له: بر الوالدين. وشخص ثالث يقول له: الصلاة في وقتها.

أحاديث أفضل الأعمال ليست متناقضة بل هي اختلاف تنوع يراعي حال السائل

يعني سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام يعطي كل شخص علاجه الذي هو أفضل بالنسبة له. هذه الأحاديث ليست متكاملة يا إخواننا وليست متناقضة، هذه الأحاديث راعت حال السائل.

هذا غير هذا، وغير هذا، وغير هذا. هذه الأحاديث ليست أن النبي عليه الصلاة والسلام غيّر رأيه، فمرة يقول إن الجهاد أفضل، ومرة يقول بر الوالدين أفضل، ومرة يقول الصلاة على وقتها أفضل، ومرة يقول ليس كذلك.

القضية هي أن هذا السائل، وبنور النبي وبنور النبوة، النبي عليه الصلاة والسلام عرفه وفهمه وفهم احتياجاته.

تفصيل احتياجات كل سائل وبيان أن الاختلاف تنوع وليس تضاداً

فاحتياجه [السائل الأول] هذا أنه يزيد قليلًا من بر الوالدين ويلتفت إليها. الاحتياج الثاني أنه لا يكسل عن الجهاد أو يتراخى. الاحتياج الثالث أنه قليلًا غير ملتفت للصلاة ومراعاة أوقاتها. الاحتياج الذي يخص الرابع أنه بخيل قليلًا، يريد أن يبسط يده قليلًا في الصدقة.

فإذا كانت هذه ليست أشياء فيها اختلاف تضاد، وإنما هو اختلاف تنوع، اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، وليس اختلاف تضاد.

الانتقال إلى الفاصل والعودة لاستكمال الحوار عن الطرق الموصلة لمعرفة حقيقة الشكر

[المذيع]: حسنًا، الوقت مع فضيلتك يمضي سريعًا يا مولانا، وصلنا لوقت الفاصل، لنذهب إلى الفاصل ونرجع لنواصل الحوار إن شاء الله. إن شاء الله فاصلٌ ونعودُ إليكم فابقوا معنا، فاصلٌ ثمَّ نواصلُ.

السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، عُدنا إليكم من الفاصل. الجزءُ الثاني من حلقةِ اليومِ من برنامجِكم إحياءِ علومِ الدينِ مع فضيلةِ الإمامِ العلامةِ الدكتورِ علي جمعة مفتي الديارِ المصريةِ.

مولانا ونحنُ خارجونَ من الفاصلِ، فضيلتُكم أوضحتْ لنا حديثَ رسول الله عليه الصلاة والسلام وأن هذا الاختلاف في الأفضلية اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد. حسنًا، ما هي يا مولانا الطرق الموصلة لمعرفة حقيقة الشكر كما قال أبو حامد الغزالي؟

مصادر المعرفة محصورة في كتاب الله المسطور والمنظور الشرع والواقع

[الشيخ]: انظر، هناك نقطة دقيقة جدًا يغفل عنها الناس كثيرًا، وهي مصادر المعرفة. مصادر المعرفة محصورة في إما أن تكون كتاب الله المسطور [القرآن الكريم] وإما أن تكون كتاب الله المنظور [الكون والوجود]؛ القرآن أو الأكوان.

المعرفة البشرية هكذا، ولذلك حرص الفقهاء جدًا على أن المعلومة التي تأتينا إما أن نأخذها من الشرع الذي هو الكتاب والسنة، وإما أن نأخذها من تتبع واستقراء الوجود.

يعني مثلًا المسائل المتعلقة بالحمل والولادة والحيض والنفاس وما إلى ذلك أخذوها من الواقع. وجدوا عندما رصدوا وشاهدوا هذه الحالات، فذهبوا وكتبوها واعتمدوا عليها في الفقه وفي بناء الأحكام عليها.

معرفة حقيقة الشكر تكون من الشرع أو من التجربة والمعيشة مع الخلق القويم

فدائمًا عندما نسأل عن المعرفة، كيف يعرف الإنسان حقيقة الشكر، يعرفه من الشرع أو يعرفه من الواقع.

في الشرع؛ الآيات والأحاديث التي ذكرناها. والوجود والتجربة - تجربة شخص جرّب الشكر لله فشعر بلذة في قلبه وعرف حقيقة الشكر. شخص شكر الناس فشعر أنه عندما يشكر الناس أصبح حسنًا عند الله وعند الناس، فعرف حقيقة الشكر.

بصيرة القلب، عين القلب له عينان وله عيون أيضًا. قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون. فبصيرة القلب وهو النظر والاعتبار لحكمة الله من تأمل الكون والوجود.

فإذا الإنسان يصل إلى حقيقة الشكر إما بتدبر الآيات وفهم الأحاديث وإما بالتجربة بالمعيشة مع هذا الخلق القويم.

سبب انصراف الناس عن الشكر هو الجهل بالمنعم والغفلة عن إنعامه سبحانه

[المذيع]: حسنًا يا مولانا، هل هناك شيء آخر؟ اسمها شكر النعمة وشيء اسمه كفران النعمة. ما الذي يجعل الناس ينصرفون عن الشكر؟ وكيف نعالج هذا الداء؟ أن لا أشكر الله سبحانه وتعالى أو لا أشكر الناس.

[الشيخ]: السبب الأساسي هو الجهل بالمنعم، الجهل بالمنعم سبحانه وتعالى. هذا هو الذي يجعل المرء في حالة نسيان، في حالة توهان، في حالة أنه ليس منتبهًا لنسبة هذه النعم إلى الله سبحانه وتعالى.

فإذا انصرف الخلق عن شكر النعمة فإنما سبب ذلك الجهل بالمنعم والغفلة عن إنعامه سبحانه وتعالى.

النعم لا تحصى والألفة ترفع الكلفة فلا ندرك النعمة إلا عند فقدها

النعم كثيرة جدًا:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

ولذلك كان ينبغي علينا أن نتذكر ذلك وأن نتأمله. أي تأمل هكذا في بصرك، في سمعك، في قوتك، في صحتك، في فكرك، في مالك، ستجد نعمًا لا تُعد ولا تُحصى.

والإنسان الألفة ترفع الكلفة، الألفة ترفع الكلفة. لأنه متعود على هذه النعم، فنحن طوال النهار والليل في نعمةٌ صحيحةٌ، والحمدُ لله على النِعَم، لا ندركها إلا عندما تُسلَب منا.

فنحن معتادون عليها من كرمِ الله، هذا الذي نحن فيه من فضل الله، إذ نتحرك كل يوم ونخرج ونشرب ونأكل، وأنت لا تنتبه إلى أن كل هذه نِعَم.

أمثلة على النعم التي لا ندركها إلا عند فقدها كالبول والوضوء وبلع الماء

متى ستعرف قيمتها؟ عندما - والعياذ بالله - يُحتَبس البول بسبب حصاة أو شيء مشابه، حينها ستعرف قدرها. تصبح في تلك اللحظة في نعمة عظيمة حقًا.

هل تعرف في أي نعمة عظيمة أنت عندما تذهب للوضوء فيحدث التهاب في جلدك؟ إنه أما الله! أما تلك الوضوءات كلها التي كانت، لقد كانت نعمة بالفعل حقًا.

هل تعرف عندما لا تستطيع بلع رشفة ماء، هل تدرك أنك في نعمة؟

علاج الغفلة عن الشكر يكون بالتذكر والنصح والذكر والتعلم

فإذا العلاج هو - نستطيع أن نقول - إنه الذكرى، نستطيع أن نقول التذكر:

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]

إذن العلاج هو ما يزيل الغفلة، ما يزيل الغفلة؛ لأنه ما دام السبب لعدم الشكر هو الغفلة، فيكون العلاج هو إزالة الغفلة.

وإزالة الغفلة تتم بالنصح، وتتم بالتذكير والموعظة، وتتم بالذكر، فأكثروا من الذكر، وتتم بالتعلم.

أحدٌ يسمعنا الآن فينتبه إلى النعم، وبعد ذلك يبدأ يُفعِّل لروحه برنامج. ها هو ذا التعلم والعلم الذي يُزيل الجهالة، الذي يجعل عين القلب ترى. يعني ذلك هو الأساس في هذا العلاج.

تعظيم النعمة بالنظر إلى من هو أدنى وحديث لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب

متى تعظم نعمة الله وتندفع إليها دفعًا؟ إذا نظرت إلى من هو أسوأ منك، إذا نظرت إلى من هو أدنى منك المنزلة في الرزق مثلًا.

قال صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإن ذلك أحرى بألا تحقروا نعمة الله عليكم»

ما هو؟

«لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. لو أُعطي ابن آدم واديًا من ذهب لطلب ثانيًا، ولو أنه أُعطي الثاني لطلب ثالثًا»

فلا فائدة، ليس راضيًا أن يسكت.

النظر إلى من فوقك يجعلك تحتقر نعمة الله والمقارنات لا تنتهي أبداً

فدائمًا الإنسان وهو ينظر إلى من فوقه يحتقر نعمة الله عليه. يقول لك: أنا عندي سيارتين لكن فلان عنده ثلاث. وصاحب الثلاث يقول: فلان عنده سبع. حسنًا، وعلى فكرة لن ننتهي، هذا صحيح.

قد يكون لدى شخص أسطول سيارات، لكن هناك من لديه أكثر منه، وهناك من لديه مصنع. أي أنه لا يوجد شخص متفوق بشكل مطلق بهذه الطريقة.

يقول أحدهم: لدي ثلاث غرف نوم، فيرد عليه الآخر: لا، أنا لدي سبعة. هذا الأمر لن ينتهي، هذا صحيح. فهناك قصر المتاهة كان هذا الذي في الفيوم يحتوي على ألف غرفة، ألف غرفة! فالحكاية لن تنتهي هكذا.

النظر إلى من هو أدنى يورث الشكر والرضا ويدفع إلى حمد الله على النعم

لكن عندما أكون ساكنًا في شقة مساحتها مائة متر وأقول الحمد لله، فهناك غيري يسكن في ستين مترًا. يا سلام! أشعر باللذة وأشعر دائمًا: انظر إلى من هو أدنى مني حتى لا أحتقر نعمة الله عليَّ.

ألا أنظر إلى من يسكن في القصر، بل أنظر إلى من شقته أصغر من شقتي، ومن شقته أصغر من شقتي لم يجد شقة تأويه أصلًا مثلًا، وهو في الطل [العراء] هكذا.

فهذا أمر مهم جدًا أن يرضى الإنسان ويُسلِّم، ولعلنا نتحدث عن شيء في الرضا والتسليم أيضًا؛ لأن الرضا هذا كنز لا يفنى، ويدفعك دفعًا إلى الشكر.

الصحة تاج على رؤوس الأصحاء ووجوب التأمل والتدبر لاستشعار نعم الله

وقوله تعالى:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]

[المذيع]: لفضيلتك أوضحت لنا سيدنا المقولة التي تقول إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يشعر به ولا يراه إلا المرضى. طبعًا لا يحس بالنعمة إلا من فُقدت منه، ونعوذ بالله.

[الشيخ]: تمامًا، ولذلك يجب على المرء أن يتأمل وأن يتدبر وأن يكون عاقلًا وأن يكون خصيمًا لنفسه ويشعر بنعمة الله عليه.

الناس تمل النعم وتشتاق إلى النقم من الألفة التي ترفع الكلفة

وهنا أيضًا شعوره [الإنسان] بنعمة الله عليه في مسألة أخرى مهمة يجب أن نقولها للناس: أن الناس كثيرًا ما تمل النعم، تمل النعم من الألفة التي ترفع الكلفة، وتشتاق إلى النقم! لا حول ولا قوة إلا بالله.

يقول لك: الله! يعني نحن جالسون هكذا بدون مصيبة؟ لماذا يا الله؟ يا أخي قل الحمد لله! يقول لك: لا، انتظر حتى أفكر، ما الذي ينقصني؟ أنا أريد أن أفكر ما الذي ينقصني.

مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة وكفرت بأنعم الله:

﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]

يا ساتر! اشتياق للنقم هذا منتشر بين الناس.

ختام الحلقة والوعد بالحديث عن الاشتياق للنقم في الحلقة القادمة

[المذيع]: حسنًا، نحن يا مولانا نريد أن نقف عند الاشتياق للنقم، يمكننا تناوله بإيجاز في الحلقة القادمة؛ لأن الوقت قد مضى مع فضيلتكم وأصبحنا محاصرين حوالي دقيقة.

-أهلًا وسهلًا-، حفظك الله يا سيدنا ونفعنا بعلمك. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة على هذا الجهد وعلى هذا العلم من فضيلته.

على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، ونترككم في حفظ الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.