مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 89 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 89 | أ.د علي جمعة

16 دقيقة
  • ذكر الإمام الغزالي أقوال ابن مسعود عن حسن الهدي في آخر الزمان وتبدل المعروف والمنكر، فقد أصبحت تزيين المساجد وتفاصيل عمارتها من المعروفات بينما كانت من المنكرات زمن الصحابة.
  • أشار إلى أن العلم في زمن الصحابة كان متبوعاً والهوى تابعاً، ثم انقلب الأمر فأصبح العلم تابعاً للهوى.
  • نقل أقوال العلماء في ذم البدع، كقول مالك إن العلماء كانوا يهتمون بدقائق الكراهة والاستحباب دون الحلال والحرام لظهوره.
  • أورد قصة أبي سعيد الخدري مع مروان حين أنكر عليه إحداث المنبر في صلاة العيد.
  • نقل حديث "من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد" وأحاديث أخرى في ذم البدع.
  • فرق بين البدع المحدثة وبين ما استُحدث للضرورة والحاجة، فالأخير لا يُنكر كتوسعة المساجد لاستيعاب الناس.
  • بيّن أن إلهامات الأولياء ليست معصومة وتُقدم عليها دلالات الكتاب والسنة.
محتويات الفيديو(18 أقسام)

مقدمة الدرس مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب [إحياء علوم الدين]، وفي كتاب العلم، نعيش هذه اللحظات مع إمام الأئمة وبدر التتمة سيدنا أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن محمد الغزالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

أثر ابن مسعود في فضل التثبت وحسن الهدي في آخر الزمان

تفضل الشيخ محمد وسام:

قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين، في كتابه إحياء علوم الدين:

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: حُسن الهدي في آخر الزمان خير من كثير من العمل. وقال: أنتم في زمان خيركم فيه المسارع في الأمور، وسيأتي بعدكم زمان يكون خيرهم المتثبت المتوقف لكثرة الشبهات.

وقد صدق؛ فمن لم يتثبت في هذا الزمان ووافق الجماهير فيما هم عليه وخاض فيما خاضوا هلك كما هلكوا.

أثر حذيفة في تبدل المعروف والمنكر عبر الأزمان

وقال حذيفة [بن اليمان رضي الله عنه]: أعجب من هذا أن معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى، وأن منكركم اليوم معروف زمان قد أتى، وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق وكان العالم فيكم غير مستخفٍّ به.

ولقد صدق؛ فإن أكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة رضي الله عنهم.

أمثلة على ما كان منكراً في عصر الصحابة وأصبح معروفاً في الأزمنة اللاحقة

إذ من غُرر المعروفات في زماننا تزيين المساجد وتنجيدها وإنفاق الأموال العظيمة في دقائق عماراتها وفرش البسط الرفيعة فيها. ولقد كان يُعدّ فرش البواري في المسجد بدعة، وهو الحصير المنسوج من قصب، وقيل إنه من محدثات الحجاج [بن يوسف الثقفي]؛ فقد كان الأولون قلّما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزًا.

وكذلك الاشتغال بدقائق الجدل والمناظرة من أجلّ علوم أهل الزمان، ويزعمون أنه من أعظم القربات، وقد كان ذلك من المنكرات.

ومن ذلك التلحين في القرآن والأذان، ومن ذلك التعسف في النظافة والوسوسة في الطهارة وتقدير الأسباب البعيدة في نجاسة الثياب مع التساهل في حلّ الأطعمة وتحريمها، إلى نظائر ذلك.

أقوال ابن مسعود وأحمد ومالك في اتباع الهوى وقلة الفقه

ولقد صدق ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: أنتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعًا للهوى.

وكان أحمد [بن حنبل] يقول: تركوا العلم وأقبلوا على الغرائب، ما أقلّ الفقه فيهم، والله المستعان.

وقال مالك بن أنس: لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم، ولم يكن العلماء يقولون حرام ولا حلال، أدركتهم يقولون مكروه ومستحب. ومعناه أنهم كانوا ينظرون في دقائق الكراهية والاستحباب، فأما الحرام فكان فحشه ظاهرًا.

أقوال هشام بن عروة وأبي سليمان الداراني في اتباع السنة والأثر

وكان هشام بن عروة يقول: لا تسألوهم اليوم عمّا أحدثوا فإنهم قد أعدّوا له جوابًا، ولكن اسألوهم عن السُّنة فإنهم لا يعرفونها.

وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله يقول: لا ينبغي لمن ألهمه الله شيئًا من الخير أن يعمله حتى يسمع به في الأثر، فيحمد الله تعالى إذ وافق ما في نفسه.

وإنما قال هذا لأن ما أُبدع من الآراء قد قرع الأسماع وعلق بالقلوب، فربما يُشوّش صفاء القلب فيتخيّل بسببه الباطلَ حقًّا، فيحتاط فيه بالاستظهار بشهادة الآثار.

إنكار أبي سعيد الخدري على مروان إحداث المنبر في صلاة العيد

ولهذا لمّا أحدث مروان [بن الحكم] المنبر في صلاة العيد عند المصلّى، قام إليه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: يا مروان، ما هذه البدعة؟

فقال [مروان]: إنها ليست بدعة، إنها خير مما تعلم، إن الناس قد كثروا فأردت أن يبلغهم الصوت.

فقال أبو سعيد رضي الله عنه: والله لا تأتون بخير مما أعلم أبدًا، ووالله لا صلّيت وراءك اليوم. وإنما أنكر ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتوكأ في خطبة العيد والاستسقاء على قوسٍ أو غصنٍ لا على المنبر.

أحاديث التحذير من البدع وغش الأمة بإحداث ما يخالف السنة

وفي الحديث المشهور:

قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردّ»

وفي خبرٍ آخر:

قال رسول الله ﷺ: «من غشّ أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»

قيل: يا رسول الله، وما غشّ أمتك؟ قال: «أن يبتدع بدعة يحمل الناس عليها»، في [قوت القلوب] وأصله عند ابن بطة في [الإبانة].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«إنّ لله عز وجل ملكًا ينادي كل يوم: من خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تنله شفاعته»

ذكره صاحب [القوت].

الفرق بين الجاني على الدين بالبدعة والمذنب ذنباً عادياً

ومثال الجاني على الدين بإبداع ما يخالف السنة بالنسبة إلى من يذنب ذنبًا، مثال من عصى الملك في قلب دولته بالنسبة إلى من خالف أمره في خدمة معينة؛ وذلك [أي مخالفة الأمر في خدمة معينة] قد يُغفر، فأما قلب الدولة [أي تغيير أصل الدين بالبدع] فلا.

وقال بعض العلماء: ما تكلم فيه السلف فالسكوت عنه جفاء، وما سكت عنه السلف فالكلام فيه تكلُّف.

وقال آخر: الحق ثقيل، من جاوزه ظلم، ومن قصّر عنه عجز، ومن وقف معه اكتفى.

حديث النمط الأوسط وقول ابن عباس في حلاوة الضلالة

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«عليكم بالنمط الأوسط الذي يرجع إليه العالي ويرتفع إليه التالي»

رواه ابن أبي شيبة موقوفًا على علي رضي الله عنه.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الضلالة لها حلاوة في قلوب أهلها. قال تعالى:

﴿ٱتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: 70]

وقال تعالى:

﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوٓءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]

فكل ما أُحدث بعد الصحابة رضي الله عنهم مما جاوز قدر الضرورة والحاجة فهو من اللعب واللهو.

قصة إبليس مع جنوده في زمن الصحابة والتابعين وعجزهم عن إغوائهم

وحُكي عن إبليس لعنه الله أنه بثّ جنوده في وقت الصحابة رضي الله عنهم فرجعوا إليه محسورين، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: ما رأينا مثل هؤلاء، ما نصيب منهم شيئًا وقد أتعبونا.

فقال: إنكم لا تقدرون عليهم، قد صحبوا نبيهم وشهدوا تنزيل ربهم، ولكن سيأتي بعدهم قوم تنالون منهم حاجتكم.

فلما جاء التابعون بثّ جنوده، فرجعوا إليه منكوسين منكسرين، فقالوا: ما رأينا أعجب من هؤلاء، نصيب منهم الشيء بعد الشيء من الذنوب، فإذا كان آخر النهار أخذوا في الاستغفار فيُبدِّل الله سيئاتهم حسنات.

فقال: إنكم لن تنالوا من هؤلاء شيئًا لصحة توحيدهم واتباعهم لسنة نبيهم، ولكن سيأتي بعد هؤلاء قوم تقرّ أعينكم بهم.

إبليس يتنبأ بقوم يتبعون الأهواء والبدع فيُسلَّط عليهم الأعداء

تلعبون بهم لعبًا وتقودونهم بأزمّة أهوائهم كيف شئتم، إن استغفروا لم يُغفر لهم ولا يتوبون فيُبدِّل الله سيئاتهم حسنات.

قال: فجاء قوم بعد القرن الأول فبثّ فيهم الأهواء وزيّن لهم البدع، فاستحلّوها واتخذوها دينًا، لا يستغفرون الله منها ولا يتوبون عنها، فسُلِّط عليهم الأعداء وقادوهم أين شاؤوا.

تعليق الشيخ على الفرق بين البدع الفكرية والأمور المادية المستحدثة

[الشيخ]: واضح أيضًا من الكلام أن هذا على عالم الأفكار وعالم الأفعال، بمعنى أنه ليس هناك فرقة ظهرت في الإسلام وأصبحت فرقة لأنها بنت المساجد من الحجر أو إنها علت المنبر أو إنها فرشت المسجد أو إنها استعملت الكهرباء، ليس هذا، لا علاقة لهذا بالفرق.

الفرق كانت لها آراء وأهواء حدثت بعد المئة كما يقول [الغزالي] رضي الله تعالى عنه. ولذلك من فقهه قال: كل ما حدث بعد الصحابة من غير ضرورة ولا حاجة [فهو من اللعب واللهو].

والضرورة ما لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك، والحاجة هي إذا لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة. ولذلك فعالم الأشياء فيه تيسير وفيه جمع للناس وفيه مصالح للخلق.

قصة عمر بن الخطاب مع معاوية في ركوب البرذون وفقه المصلحة

ولذلك لما دخل عمر رضي الله تعالى عنه، وهو من الخلفاء الراشدين أصحاب المكانة في قوله ﷺ:

«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»

لما دخل عندما وصل إلى الشام وجد معاوية قد استقبله على برذون، والبرذون حصان له خصائص معينة، أي مثل سيارة المرسيدس هكذا.

فقال له: ما هذا يا معاوية؟ يعني نركب حمارًا أو نركب حصانًا أو أي شيء آخر، لكن برذون؟ فقال [معاوية]: إذا لم أفعل هذا أكلني أهل الشام؛ لابد أن يظهر لهم بهذه الوجاهة وإلا فهم قد اعتادوا طوال عمرهم على ذلك الحكم الروماني، والحكم الروماني في هذه الفخامة والتصدر وهكذا.

موقف عمر من معاوية والتفريق بين المصلحة الحقيقية والتفاخر

فقال [عمر رضي الله عنه]: الله حسيبك، لم يدخل معه في مناقشة، قال له: حسنًا، أنت وربك.

انظر إلى هذا الكلام: هل أنت فعلت هذا من أجل الدنيا أم فعلته حقًّا من أجل المصلحة؟ إذا كان للإصلاح، لتحصيل مصلحة مهمة كأن يكون رئيس الدولة مهابًا وأن تستقر الدولة وأن يكون [الأمر] صحيحًا جيدًا.

أما إذا كنت فعلتها لأجل أن تتفاخر وتتباهى وبعد ذلك تختبئ وراء هذا، قد وقد، إذن فالله حسيبك.

فعندما يقول عمر هذا، يقول له: الله حسيبك، وتركه. حسنًا ما دمت تقول هذا الكلام وتستحضر هذا، هذا كلام صحيح.

فقه الضرورة والحاجة في توسعة المساجد وتطوير الأمور المادية

فهكذا هذا كلامه [أي كلام الغزالي] عندما يتحدث عن الضرورة والحاجة؛ لأن الدنيا بعد ذلك لا تصلح إطلاقًا أن يكون مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقد يزوره الملايين أنه ثلاثمائة متر، ليس بالأمر الهيّن.

فالناس ستؤذي بعضها إذا ظلّ على هذه الحال، لا بدّ أن يُبنى ولا بدّ أن يُوسَّع ولا بدّ أن تتسع أموره إلى هذه الدرجة حتى يستوعب، وإلا ترتّب عليه هلاك.

فيكون وضعنا كأننا نضع هلاك الناس في مقابل التمسك بما كان عليه حال النبي ﷺ من أشياء، لا، دع الأشياء، دعها تتطور وتنطلق من غير إنكار.

كيف عرف قائل حكاية إبليس ما قاله ومراتب المكاشفة عند أرباب القلوب

وإن قلت: من أين عرف قائل هذا ما قاله إبليس ولم يشاهد إبليس ولا حدّثه بذلك؟ فاعلم أن أرباب القلوب يُكاشفون بأسرار الملكوت تارةً على سبيل الإلهام بأن يخطر لهم على سبيل الورود عليهم من حيث لا يعلمون.

وتارةً على سبيل الرؤيا الصادقة، وتارةً في اليقظة على سبيل كشف المعاني بمشاهدة الأمثلة كما يكون في المنام.

وهذا أعلى الدرجات وهي من درجات النبوة العالية، كما أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.

تعليق الشيخ على الإلهام وتقديم فهم الكتاب والسنة عليه

[الشيخ]: نعم، هذا الحال يحدث ولكنه ليس معصومًا، يحدث ولكنه على سبيل الموعظة والحكمة، لكنه قد يكون خطأً.

ولذلك إذا ظهر لك معنى من الكتاب والسنة ضدّ هذا الإلهام الذي أُلهِمَه الولي أو التقي، فإن فهمك للكتاب والسنة مقدَّم على هذا الذي أُلهِمَه.

نأخذ منه موعظة، حكمةٌ تعلّمنا الأدب مع الله، تزيد من يقيننا وتساعدنا في العمل، هكذا. أما إذا وصل هذا الحال إلى أنه يعارض ما عندنا من فهم الكتاب والسنة، فهذا لا يكون حجة على الأمة.

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.