برنامج إحياء علوم الدين | حـ 18 | التفكر | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 18 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ 18 | التفكر | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 18 | أ.د علي جمعة

20 دقيقة
  • التفكر عبادة عظيمة أمرنا بها الله في القرآن الكريم: "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض".
  • الذكر والفكر هما الأساسان اللذان نسير بهما إلى الله سبحانه وتعالى، وقد ورد في السنة: "تفكر ساعة خير من عبادة سنة".
  • التفكر المطلوب هو البحث عن البصيرة، فقلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون.
  • قسم الإمام الغزالي أنواع مجاري الفكر إلى أربعة: تفكر في الطاعات والمعاصي والصفات المهلكات والصفات المنجيات.
  • ينبغي التفكر في ثلاثة كتب: كتاب الله المسطور (القرآن)، وكتاب الله المنظور (الكون)، وكتاب الله المقدور (الإنسان).
  • يجب التفكر في خلق الله وأسمائه وصفاته، وعدم التفكر في ذاته، كما ورد في الحديث: "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله".
  • أسماء الله في القرآن والسنة تصل إلى مائتين وعشرين اسماً، وهناك أسماء استأثر بها الله في علم الغيب.
محتويات الفيديو(22 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن التفكر

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بكم يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: تحدثنا يا مولانا مع فضيلتك في الحلقات الماضية، بدأنا مفاتيح المنجيات، تحدثنا عن التوبة ثم المحاسبة، واليوم إن شاء الله موعدنا مع الحديث عن التفكر. كيف نتفكر لنصلح من أنفسنا؟

الذكر والفكر أساسا الطريق إلى الله من القرآن الكريم

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أخذ العلماء واستمد أهل الله هذا الخلق الكريم من القرآن الكريم، عندما يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرسم الطريق إليه:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

وهكذا اتضح لنا أن طريق الله إنما هو مقيد بالذكر والفكر. الذكر والفكر هما الأساسان اللذان نسير بهما إلى الله سبحانه وتعالى؛ يذكرون الله على كل حال قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم من ناحية، ومن ناحية ثانية يتفكرون في خلق السماوات والأرض.

ومن هنا تأتي العبادة:

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

الأمر القرآني بالتفكر وحديث تفكر ساعة خير من عبادة سنة

أمرنا [الله] أيضًا أن نسلك وأن نفهم هذا المعنى؛ يقول سبحانه وتعالى:

﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

أي أنه يريدنا أن نتفكر، لابد أن نتفكر. ولذلك ورد في السنة كما عند ابن حبان أن تفكر ساعة خير من عبادة سنة. حتى لو قال بعضهم إنه ضعيف أو غير ذلك إلى آخره، لكن ليست القضية هكذا، بل القضية أن القرآن يأمرنا بهذا.

مسألة الحث هذه أن التفكر ساعة وأنه يساوي عبادة سنة، تلك مسألة ثانوية. إن التفكر المطلوب الذي هو جزء من الدين، هو البحث عن البصيرة.

الفرق بين البصر والبصيرة وعيون قلوب العارفين

نحن لدينا بصر نرى به المرئيات الحسية، ولدينا بصيرة قلبية؛ قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الآخرون. إذن قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون؛ الناظر يرى بعينه، أما هو [العارف] فإنه يرى بعين البصيرة.

[المذيع]: يرى بعين قلبه إذا جاز التعبير.

[الشيخ]: بعين قلبه. إذن هناك رؤية بالتاء المربوطة، وهناك رؤيا بالألف المقصورة. فإذن الرؤية بالتاء المربوطة هي التي تمثل الرؤية البصرية، والرؤيا هي [الرؤيا] البصيرية. ولذلك يسمون المنام لأنه ليس ناتجًا من عين، يسمونه رؤيا.

[المذيع]: بالألف، لأن عيني مغلقة، نائم.

[الشيخ]: أما الثاني فرؤية بالتاء المربوطة هكذا، التي هي شاهدتها بالعين.

نصيحة الإمام الشافعي بالصمت والفكر وعلاقتهما بالاستنباط

ولأن الإمام الشافعي ممارس للأمور هذه [أمور البصيرة والتفكر]، فيقول: استعينوا على الكلام بالصمت. كان هو يحب الصمت كثيرًا، يقول: الكلمة تملكها حتى إذا ما نطقت بها ملكتك، فاستعينوا على الكلام بالصمت. إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.

و [قال أيضًا]: وعلى الاستنباط بالفكر. كيف ستستطيع أن تأتي بالفكرة الجديدة وتصنع التصور المبدع؟ بالفكر. حيث أن الفكر يحتاج إلى هدوء نفس، يحتاج إلى صمت.

ولذلك ورد عن سيدنا رسول الله ﷺ:

«إذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتًا فاعلموا أنه يُلقَّن الحكمة»

إذن يوجد علاقة ما بين التفكر وبين الاستنباط للمعاني واكتشاف المعاني الدقيقة.

أنواع مجاري التفكر الأربعة عند الإمام الغزالي وتقسيمها

[المذيع]: قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب [إحياء علوم الدين] يا مولانا، أن هناك شيء اسمه أنواع مجاري التفكر وقال أنهم حوالي أربعة. ما هي الأنواع الأربعة هذه يا سيدنا؟

[الشيخ]: الإمام الغزالي بالفعل قد قال أن أنواع مجاري الفكر أربعة: تفكر الطاعات والمعاصي والصفات المهلكات والصفات المنجيات. فالطاعات وكأنه يأتمر بالأوامر، والمعاصي يجب عليه أن ينتهي عن النواهي. أما المهلكات [فهي] النهي عن النواهي، والصفات المنجيات هي التي عبارة عن:

[المذيع]: عبارة عن الأشياء المطلوب أن أعملها وأتحلى بها.

[الشيخ]: نعم.

سبب تقسيم التفكر إلى أربعة أنواع بين الظاهر والباطن

ولكن لماذا جعلها [الغزالي] أربعة ولم يجعلها اثنتين، سلبي وإيجابي؟

[الشيخ]: قال لأن هناك ظاهرًا وباطنًا؛ هناك عمل بالجوارح وهناك عمل بالقلب. فالطاعات والمعاصي هذه ستتعلق بالجوارح الخارجية، أما المهلكات والمنجيات فستتعلق بما هو قائم في القلوب.

فأنا أريد أن أعالج الاثنين: الظاهر والباطن. الظاهر هو ما يظهر أمام الناس، لكن الباطن هو ما بينه وبين الله. وتلك لها طريقة وهذه لها طريقة، وهذه لها صفات وهذه لها صفات أخرى.

فجعل [الغزالي] أن الفكر ينبغي أن يكون على هذه الأنحاء الأربعة: الطاعات والمعاصي، المهلكات والمنجيات.

الربط بين الرؤية والرؤيا وتقسيم الظواهر والبواطن والتفكر في مخلوقات الله

[المذيع]: إذن هذا رابط يا سيدنا أيضًا بموضوع الرؤية بالتاء المربوطة التي هي رؤية العين، والرؤيا بالألف التي هي رؤية القلب؛ هو عنده ظواهر وبواطن.

[الشيخ]: سنجد.

[المذيع]: مواءمة في التقسيم. مواءمة في التقسيم. حسنًا يا مولانا، لقد أمرنا الله أن نتفكر، كما كنت فضيلتك دائمًا تقول لنا أن نقرأ في كتاب الله المسطور وأن نقرأ في كتاب الله المنظور. كيف يكون التفكر في مخلوقات الله سبيلًا لزيادة اليقين؟

[الشيخ]: إن لدي جزئية ثالثة، وبالطبع إن الكتاب الكبير والكتاب الصغير أو كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور، كلام جرى على أداءات الإمام الفخر الرازي، كان يقول هكذا. وجرى أيضًا عند محيي الدين ابن العربي وأشياء من هذا القبيل.

كتاب الله المقدور وتميز الإنسان عن الأكوان

أريد أن أضيف لها [لكتاب الله المسطور والمنظور] كتابًا ثالثًا، وهو كتاب الله المقدور.

[المذيع]: أي القدر يا شيخنا أليس كذلك؟

[الشيخ]: لا، إنه الإنسان. أي أريد أن يتميز الإنسان عن الأكوان، فيكون عندي قرآن وإنسان بالإضافة إلى أكوان. ذلك ما أريد أن أقوله. فكتاب الله المسطور الذي هو القرآن، وكتاب الله المنظور هو الكون.

أنا حقيقةً جزء من الكون، لكنني أريد أن أتميز قليلًا؛ فأنا لا أريد أن أكون جزءًا من الكون مثل النظرة الغربية التي تجعلني أنا والشجرة سواء ويُجري عليّ تجارب بالمجهر. لا، أنا إنسان، أنا مقدور لله سبحانه وتعالى، أنا شيء آخر.

الإنسان سيد في الكون وليس جزءًا منه وحمله الأمانة

لقد أسجد [الله] لي ملائكته، وأنا لست جزءًا من الكون، بل أنا سيد في الكون ولست سيدًا للكون؛ إن سيد الكون هو الله، لكنني سيد في الكون.

ولذلك سخّر لي ما بين السماء والأرض، وأسجد لي ملائكته وكذا إلى آخره. ولقد عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.

إذن هذا الإنسان عبارة عما أسميه كتاب الله المقدور. فيكون عندنا ثلاثة كتب وليس كتابين.

الدليل القرآني على كتاب الله المقدور من سورة الذاريات

يؤيد هذا [التقسيم الثلاثي] ويرشحه قوله تعالى:

﴿وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]

أي وحين يقول:

﴿وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَـٰتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 20-21]

إذن ميّز [الله] حتى بين آيتين في الذاريات؛ تجد هذه آية وهذه آية. وفي الأرض آيات للموقنين [أي] الكون: في الأرض وفي السماء وفي الشجر وفي البقر وفي كذا إلى آخره. وفي أنفسكم بمعنى كتاب الله المقدور.

إذن؛ إذا كان عندي ثلاثة كتب، وعندي هذه الكتب موزونة هكذا: قرآن، إنسان، أكوان، أو تستطيع أن تقول: مسطور، مقدور، منظور.

البدء بالإنسان في التفكر لأنه المكلف بالعبادة والتعمير

[المذيع]: نستكمل الحوار عن الكتاب المسطور والمنظور والمقدور، لكن بعد الفاصل يا سيدي.

[الشيخ]: إن شاء الله.

[المذيع]: فاصل ونعود إليكم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. وحلقة اليوم عن التفكر سيدي، قبل أن نخرج إلى الفاصل، أوضحت لنا فضيلتك أن هناك كتاب الله المسطور وكتاب الله المقدور وكتاب الله المنظور.

[الشيخ]: نعم، لاحظ أنه في البداية لابد أن تبدأ بالإنسان؛ لأنه هو المكلف وهو الذي نريد أن يعبد الله، كذلك هو الذي نريد أن يعمر الكون ونريده أن يزكي النفس. فلا بد أن نبدأ بالإنسان.

كلمة إنسان في القرآن ودلالتها على التنبيه من الكبر والاحتياج إلى الله

قال [الله] لنا: تدبروا الإنسان. إنسان، نبّهنا الله في القرآن عادةً أن هذه الكلمة إنسان غالبًا وليس دائمًا ما تأتي فيها نوع من أنواع المذمة والنقص:

﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]

﴿الْإِنسَانُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۝ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ۝ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ۝ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ۝ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [عبس: 18-22]

﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [المرسلات: 20-22]

يعني إن الإنسان لازم تأخذ بالك أيها الإنسان.

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ﴾ [المؤمنون: 12-14] إلى آخره.

إذ ينبهني ألا أتكبر، وينبهني إلى أنك محتاج إلى الله، وينبهني إلى أنه لا حول ولا قوة إلا بالله. فأول شيء نفعله هو النظر والتدبر والتأمل واستخلاص العبر في مجال الإنسان.

التفكر في الأكوان وآيات الله في السماوات والأرض والمياه الجوفية

ننتقل بعد ذلك إلى الأكوان:

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَآءً وَأَمْوَٰتًا * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍ وَأَسْقَيْنَـٰكُم مَّآءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: 25-27]

ويقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَـٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَسْقَيْنَـٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُ بِخَـٰزِنِينَ﴾ [الحجر: 22]

الله سبحانه وتعالى هو الذي يخزنه [الماء]؛ مرة يقول لك إن هناك نهرًا جوفيًا في الصحراء الغربية، وسببه أن الله جعل المسام صخرية، ولو كانت غير ذلك لتبددت وانتهت تمامًا. الله تعالى هو الذي يخزن وهو الذي يوصلها سبحانه وتعالى.

عظمة مواقع النجوم والسنين الضوئية والسماوات السبع

﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75-76]

وفعلًا علمنا الآن السنين الضوئية والمساحات الشاسعة التي تفوق تصور الإنسان، وكلها من خلقة الله عز وجل. لعلها تكون كلها في السماء الدنيا التي هي حلقة في فلاة بالنسبة للسماء الثانية، وهكذا إلى سبع سماوات، وهكذا إلى العرش.

[المذيع]: السماء الدنيا هي التي قال عنها ربنا:

﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ﴾ [فصلت: 12]

مع كل ما نراه من نجوم، ولكننا ما زلنا في السماء الدنيا الأولى فقط.

[الشيخ]: الأولى فقط، والله أعلم. نحن لا نعلم ما وراء ذلك ولا كذا إلى آخره، إنما الخبر أتانا من السماء من خالق السماوات والأرض عن طريق الوحي. ككون مذهل، إن هذا هو ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار.

معنى كلمة كفاتاً في القرآن وعلاقتها بكلمة الكفتة في العامية المصرية

أيضًا من اللطائف التي نحب أن نذكرها أنه:

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: 25]

والسؤال؛ ما معنى كفاتًا؟ نحن في مصر نقول الكفتة، ولماذا سُميت كفتة؟ لأنها تُضم.

[المذيع]: أي أنها لحم مفروم ونقوم بعملها هكذا (ضم المذيع كف يده لتقليد خطوة تشكيل الكفتة).

[الشيخ]: ونضمها. إذن، فكفاتًا هنا معناها أن الأرض جمعتنا أحياءً وأمواتًا. ولذلك كان الذي يعرف معنى الكلمة هذه يعبر ويقول إنه يعرف الكفت، يقولها بعض الناس هكذا في الأمثلة العامية.

ما معناها؟ لأنها حيّرت بعض المفسرين: ما معنى كفاتًا؟ كِفات، كفت أي ضمّ. ومنها كلمة الكفتة، ولقد سُميت بذلك بسبب هذا الضم (ضم الشيخ كف يده ليحاكي حركة الضم). إذن لقد ضمتنا، ضمتنا سواء كنا أحياء على ظهورها أو كنا أمواتًا في بطونها.

دعاء الصالحين بالستر فوق الأرض وتحتها ويوم العرض

[المذيع]: سبحان الله!

[الشيخ]: كان من دعاء الصالحين: اللهم استرها معنا فوق الأرض وتحت الأرض. وهذا هو الكفات؛ فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض. فالله سبحانه وتعالى نسأله أن يسترها معنا في الدنيا والآخرة.

[المذيع]: آمين يا رب العالمين، بارك فيك يا مولانا.

حديث التفكر في خلق الله لا في ذاته وسبب النهي عن التفكر في الذات الإلهية

[المذيع]: يقول دائمًا بعض السادة العلماء أننا نفكر في أسماء الله ولكن لا نفكر في ذاته. عندما نفكر في أسمائه وصفاته نقترب، وإذا تفكرنا في ذاته قد نهلك. هل هذا صحيح؟

[الشيخ]: هناك حديث أخرجه الطبراني في كتابه [الأوسط]، وكذلك أخرجه البيهقي في كتابه [شعب الإيمان]. هذا الحديث ورد عن طريق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن قومًا تفكروا في الله، جلسوا هكذا وقالوا: ما هو شكل الله؟ أين يوجد الله؟ كيف هو الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله»

لأن الله [سبحانه وتعالى] ولأنك حينما تفكر في شيء، لابد أن تكون قد رأيته. والله سبحانه وتعالى:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

تنزيه الله عن المثلية والفارق بين الخالق والمخلوق

والله سبحانه وتعالى وصف نفسه فقال:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

فنفى عن ذاته العلية المثلية، وأثبت لنفسه الاطلاع على كل حال. إذن، مادام الله سبحانه وتعالى ليس تحت الحس، فكيف تتكلم فيه وهو لم يخبر عن نفسه؟ ولم يذكر الله ماهيته أو كيفيته ولا سببيته وما غير ذلك إلى آخره.

فهو منزه عن كل هذا؛ فالرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق. والله سبحانه وجل جلاله هو متفرد في ذاته، وصف نفسه بالصفات العلى.

عدد أسماء الله الحسنى في القرآن والسنة وروايات الترمذي

مائة واثنان وخمسون اسمًا وصفة لله في القرآن الكريم.

[المذيع]: مائة واثنين وخمسين، غير التسعة والتسعين التي في الحديث يا سيدي.

[الشيخ]: لقد ورد في الحديث كم؟ مجموع الحديث مائة وأربعة وستين اسمًا، مائة وأربعة وستين بتبادل وتوافيق. نعم، وعندما تضعهم مع المائة واثنين وخمسين وتحذف المكرر يصبح مائتين وعشرين اسمًا.

الرواية التي رواها أبو هريرة:

«إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»

وردت في كتاب [الترمذي] بثلاث روايات، تختلف كل رواية عن الأخرى، تجد فيها زيادة ونقصًا، أربعة وثلاثين اسمًا كذلك. عندما تجمع كل هذه الأمور بالإضافة إلى الأمور التي وردت خارج هذا الحديث مما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم ربه، تجد هذه الأعداد.

[المذيع]: مائتين وعشرين اسمًا.

[الشيخ]: مائتين وعشرين اسمًا في الكتاب والسنة.

أسماء الله المشتقة من الأفعال القرآنية والتفكر في خلق الله لا في ذاته

غير المشتقات؛ إن هناك فعل على سبيل المثال:

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]

إذن هو الحبيب، فكلمة حبيب لم ترد.

[المذيع]: لكن وردت مشتقة من الآية.

[الشيخ]: مشتقة من الآية.

﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]

فهو الناصر والنصير، ولكن لم ترد كلمة نصير هذه صراحة.

فالمهم أننا أمام هذا التفكر، وهو أن نتفكر في خلق الله لكن لا نتفكر في ذات الله.

[المذيع]: إذن يا سيدي نتفكر في خلق الله والمخلوقات، أيضًا نتفكر في أسماء الله سبحانه وتعالى، ولكن لا نحاول أن نفكر في ذات الله.

[الشيخ]: أبدًا؛ لأننا لا نملك الأدوات العلمية المنهجية التي نصل بها إلى تفكر صحيح في الله سبحانه وتعالى، لكن نذكره بأسمائه الحسنى. قال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

خاتمة الحلقة والدعاء للمشاهدين بالحفظ والتوفيق

[المذيع]: فتح الله عليك يا مولانا ونفعنا بعلم فضيلتك، وزادك علمًا ينفع المسلمين بعلم فضيلتك. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن أشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من هذا البرنامج، برنامجكم إحياء علوم الدين.

فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، ونترككم في حفظ الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.