موعظة المؤمنين | باب الإمامة | أ.د علي جمعة | بتاريخ 2004 08 15
- •الإمام عليه وظائف قبل الصلاة وفي القراءة والأركان وبعد السلام، ويجب أن يكون أتقى الناس وأعلمهم وأكثرهم إخلاصاً.
- •يشترط في الإمام ألا يتقدم لقوم يكرهونه، وأن يراعي أوائل الأوقات، فهي أفضل من كثرة الجماعة.
- •من واجبات الإمام الإخلاص لله وتأدية الأمانة في طهارته وشروط صلاته، ولا يأخذ أجرة على الصلاة، وما يأخذه من بيت المال هو رزق للإعانة لا عوض.
- •على الإمام تسوية الصفوف قبل التكبير ورفع صوته بالتكبيرات، والإتيان بدعاء الاستفتاح.
- •يجب على الإمام أن يسكت ثلاث سكتات: بعد التكبير، وبعد الفاتحة، وبعد السورة.
- •على الإمام التخفيف في الصلاة، وعدم إطالة الركوع والسجود والتشهد.
- •بعد السلام يمكث الإمام قليلاً ثم يقبل على الناس بوجهه.
- •الإمامة مسؤولية عظيمة ثوابها كبير، فلا ترفضها لثوابها ولا تطلبها لمسؤوليتها.
دعاء افتتاح الدرس والتوسل إلى الله بالمغفرة والهداية
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
اللهم يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنا سيئاتنا، وتوفّنا مع الأبرار، واهدنا إلى أقوم طريق، وأقمنا في الحق، وأقم الحق بنا. واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وحزننا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا.
علّمنا منه ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، واصرف عنا شر ما قضيت. وأجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة.
تتمة الدعاء بطلب النور والعلم النافع والحشر تحت لواء النبي
اللهم نوّر قلوبنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسّر غيوبنا، وعلّمنا العلم النافع.
اللهم احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا. ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.
اللهم كن لنا ولا تكن علينا، واغفر لحيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا. اللهم اهدنا واهدِ بنا، وافتح علينا فتوح العارفين بك.
الدعاء بتحبيب الإيمان والصلاة على سيدنا محمد في كل وقت وحين
اللهم افتح علينا من خزائن رحمتك ما تُحبّب به الإيمان في قلوبنا وتزيّنه لنا. اللهم كرّه لنا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومن المتقين ومع القوم الصادقين.
اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار إلى يوم الدين.
باب الإمامة ووظائف الإمام قبل الصلاة وفيها وبعدها عند الغزالي
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
باب الإمامة
قال: على الإمام وظائف قبل الصلاة، وفي القراءة، وفي أركان الصلاة، وبعد السلام. يبقى إذن [أن الإمام عليه مسؤوليات متعددة في مراحل مختلفة من الصلاة].
قال رسول الله ﷺ: «إنما يؤمّ الناس أخيرُهم»
ولا يجوز للرجل أن يؤمّ الناس وهم له كارهون؛ فيجب أن يؤمّهم من هو حبيب إلى قلوبهم، ويجب أن يؤمّ الناس أتقاهم وأعلمهم.
العلاقة بين العلم والتقوى في اختيار الإمام ودوره كشفيع للمصلين
أما العلم فمردّه إلى تصحيح الأركان، وأما التقوى فلأنه [أي الإمام] يتقدّمهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ فنرجو من الله أن يقبل عندما صدّرناه صلاتنا وصالح أعمالنا ودعاءنا وذكرنا وقراءتنا وتلاوتنا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]
ويغفر [الله] للناس بصغارهم وشيوخهم وأتقيائهم، ويشفع الخلق بعضهم في بعض بإذنه سبحانه وتعالى. والإمام وكأنه شفيع للخلق الذين وراءه لرب العالمين.
مهمة الإمام الشاملة قبل الصلاة وأثناءها وبعدها ووجوب التقوى والطهارة
فمهمة الإمام الذي تصدّر للناس، أو الذي قدّر الله له أن يتصدّر، مهمة لا تقتصر على الصلاة، بل يجب أن تكون قبلها وفي أثنائها وبعدها.
أما قبلها فينبغي أن يكون تقيًّا نقيًّا خاليًا من العيوب والآثام. ولا يخلو من الإثم والخطأ والخطيئة أحد.
قال رسول الله ﷺ: «كل بني آدم خطّاؤون، وخير الخطّائين التوّابون»
فيجب عليه أن يكثر من الاستغفار والعودة والأوبة إلى الله سبحانه وتعالى والرجوع إليه، يكثر من الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى حتى يتقبّله الله عنده.
الوظيفة الأولى قبل الصلاة ألا يتقدم الإمام على قوم يكرهونه وأثر الحب والكره
فيقول [الإمام الغزالي]: أما التي هي قبل الصلاة، فأولها ألا يتقدّم للإمامة على قوم يكرهونه. يعني إذن هناك علاقة بين قبول الصلاة وبين الأمور القلبية.
الحب يخرج من القلب نورًا، والكره يخرج من القلب ظلامًا، ونحن هنا في مقام الصلاة نريد أنوارًا.
ما لنا لا نصلي؟ ما لنا نصلي ولا نجد اللذة في قلوبنا؟ هل هناك قلوب غير صافية؟ دعها صافية هكذا.
إذن أول شيء على الإمام ألا يُجبر من وراءه أن يأتمّوا به، بل هم الذين يقدّمونه: تفضّل يا مولانا، تفضّل، بحبٍّ لا بنفاق.
التواضع المتبادل بين الإمام والمأمومين وأثره في قبول الصلاة
وهم [المأمومون] يرجون في ذلك القبول، ويعتقدون أنه [الإمام] أفضل منهم، وهو يعتقد أنهم أفضل منه. هم يعتقدون أن هذا هو مولانا، أي أن الذي لا يخطئ لا يعمل شيئًا أبدًا، نظيف مثل الصيني بعد غسله هكذا.
وهو يعلم أنه ارتكب مصائب إلى الآن، فيتوب إلى الله ويذهب بانكسار، ويعتقد أن الناس الذين خلفه أفضل منه. هم يعتقدون أنه أفضل منهم من قلوبهم من الداخل، وهو يعتقد أنهم أبدًا أناس مغفلون ولا يعرفون شيئًا، بل هم الذين هم أفضل مني.
عندما يكونون أتقياء هكذا، فإن الله يتقبّل منهم؛ فما دمنا دخلنا بتواضع إلى الله، رفعه الله.
وجوب تقديم الأفقه للإمامة وعدم تجاوز أهل العلم في الصلاة
وألا يتقدّم [للإمامة] ومن خلفه من هو أفقه منه. وهؤلاء من الجماعات الإسلامية، حيث يجد الشباب الشيخ وكل شيء، ويأتي إليه ولا يحترمونه.
فسدت [عقيدتك]! أنت عرفت عقيدته ماذا؟ يقول لك: شكله هكذا، هذا أزهري. حسنًا، إنه أزهري يعني أنه رجل أيضًا حفظ القرآن ودرس العلم، وجلس في الأماكن الشريفة المنوّرة التي سُجد لله في كل بقعة منها ملايين السجدات.
التزام المشايخ بالسواري في الأزهر وتبرّكهم بأماكن صلاة أساتذتهم
وكان مشايخنا بعضهم يلتزم السواري [أعمدة المسجد]، يعني كنا نجد واحدًا منهم ممسكًا بهذه السارية، وواحدًا يمسك السارية الثالثة منذ وقت دخوله هنا ليصلي، وواحدًا يمسك هذه السارية.
وواحد نقول له: لماذا اخترت هذه السارية بالتحديد؟ فيقول: رأيت شيخي فلانًا يصلي هنا.
يعني إذا كانت هذه أرضًا قد سُجد فيها لله رب العالمين، فهي مليئة بالذكر والأنوار والأسرار. ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف، ومن حُرم نفسه فهو المحروم.
الشيخ صالح الجعفري وخلوته في الأزهر ورؤيته للأنوار والأسرار
يقول [أحد المشايخ]: رأيت شيخي يصلي هاهنا. كان الشيخ صالح الجعفري آخر من اختلى بهذا المسجد الشريف [الأزهر]، يقوم بالليل والناس نيام، ويدخل يصلي في القبلة القديمة.
وكان يرى من الأشياء والأنوار والأسرار ما الله به عليم، يحدّث ببعضها ويُعرض عن بعض.
قصة الشيخ صالح الجعفري مع تراب الأزهر ورؤيا الأولياء في المنام
مرة كانت هناك إصلاحات في الأزهر هنا عند الباب الخارجي هذا، وعندما دخل الشيخ صالح [الجعفري] وجد التراب، فقال: ما هذا؟ هل ما زالوا يصلحون الأرض؟ فوجد كومة التراب هكذا والبلاط متكسّرًا والتراب، فقال: هذا التراب سيئ وشكله غير جميل.
فنام في ليلته، فرأى في المنام بعض أولياء الله الصالحين يقول له: هذا تراب الأزهر، سجد على كل ذرة منها وليٌّ من أولياء الله.
يعني أنت وأنت داخل تحتقر هذا التراب، أنت لا تعرف ماذا حدث في هذا التراب! لقد سُجد عليه [لله سبحانه وتعالى].
قصة الشيخ أمجد الزهاوي مع الملك فيصل وصلاته في مكان لم يُذكر الله فيه
عندما دخل الشيخ أمجد الزهاوي، وكان من أولياء الله الصالحين في العراق، على الملك فيصل الذي كان ملكًا للعراق، فدخل عليه وكان ينتظر الملك حتى دخل.
فدخل الملك، قال له أمجد الزهاوي: اجلس حتى أصلي ركعتين لله في مكان لم يُذكر الله فيه. الله أكبر! وبدأ في الصلاة.
يعني كما يُروى عن الملوك وهيبتهم، عندما دخل الملك عليه لم يستقبله ولم يحتضنه، بل قال له: اجلس حتى أصلي ركعتين في مكان لا يُذكر الله فيه؛ فأراد أن يذكر الله هو فيه لينيره قليلًا، وهكذا يكون ربنا مذكورًا هنا.
الفرق بين الأماكن المشبعة بذكر الله والأماكن الخالية منه ووجوب تقديم الأفقه
انظر الفرق إذن: بين كل ذرة من التراب سجد عليها وليٌّ [من أولياء الله]، وبين مكان لا يُذكر الله فيه. هذه [أرض الأزهر] مليئة ومشبعة بذكر الله، وتلك [قصور الملوك] عطشى يا عزيزي.
إذا رأى [الإمام] من هو أفقه منه يقدّمه، ولا يتقدّم هو. لأن هذا أصله من الجماعات الإسلامية [أي تقديم غير الأفقه]، لا، دعنا نتجنّب هذا؛ لأن هذا خطأ، هذا خطأ، عيب.
الوظيفة الثانية مراعاة أوقات الصلوات والمبادرة بأول الوقت
ثانيها: أن يراعي الإمام أوقات الصلوات فيصلي في أوائلها ليدرك رضوان الله؛ ففضل أول الوقت على آخره كفضل الآخرة على الأولى [أي الدنيا].
لماذا سمّى ربنا هذا أول الوقت وذلك آخر الوقت؟ فسمّاها إشارة إلى أنك إذا كنت أولًا في هذا الوقت تكون أولًا في الآخرة التي هي الحقيقة، وإذا كنت آخرًا تكون أخيرًا.
ولا ينبغي أن تؤخّر الصلاة لانتظار كثرة الجمع، بل عليك المبادرة لحيازة فضيلة أول الوقت؛ فهي أفضل من كثرة الجماعة. فكونك تصلي بعد الأذان بعشر دقائق خير لك من أن تصلي بعد ساعة أو ساعة ونصف تنتظر الناس.
فضل الصلاة في أول الوقت بسورة قصيرة على التطويل في آخره
ومن [فضل أول الوقت أيضًا أنه أفضل] من تطويل السورة. يعني أفضل أيضًا من أن تقرأ سورة البقرة؛ فلو قرأت سورة صغيرة في أول الوقت، فكأنك حُزتَ الثواب الأكثر من أن تقرأ السورة الكبيرة ذات الحروف الأكثر التي فيها ثواب للقراءة أكثر؛ فإن أول الوقت أفضل من ذلك.
قصة تأخر النبي عن صلاة الفجر وتقديم عبد الرحمن بن عوف للإمامة
وقد تأخّر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الفجر وكانوا في سفر، وإنما تأخّر للطهارة. فلم ينتظروه وقدّموا عبد الرحمن بن عوف.
النبي ﷺ ذهب ليتوضأ، وجدوه تأخّر، فأقاموا الصلاة. وتقدّم من؟ سيدنا عبد الرحمن بن عوف. فصلّى النبي ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف، ولم يصلِّ خلف أحد سواه أبدًا.
النبي عليه الصلاة والسلام لم يصلِّ مأمومًا إلا خلف سيدنا عبد الرحمن بن عوف، حتى فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة، يعني أدرك ركعة وفاتته ركعة، فقام يقضيها.
إشفاق الصحابة من تأخر النبي وتأكيده على عدم انتظار الصلاة لأحد
فأشفقوا [الصحابة] من ذلك وقالوا: إذن نحن أخطأنا! وأثناء ما هو [النبي ﷺ] يقضي الركعة كانوا خائفين أن يذهبوا [أي يهلكوا] في داهية ولا شيء مُهلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحسنتم»
ها، هدّأ من روعهم. حسنًا هكذا، يعني الصلاة لا تنتظر أحدًا، وهي كما يقولها العوام: الصلاة لا تنتظر أحدًا. قد أحسنتم، هكذا فافعلوا.
يعني إذا تأخّر الإمام تأخّرًا زائدًا عن المعتاد، فأقم الصلاة وصلِّ.
حواري الأمة عبد الرحمن بن عوف وتفرده بصلاة النبي خلفه
وقال [النبي ﷺ] في هذا:
«لكل نبي حواريّ»
واحد من الحواريين يصلي وراءه. فمن هو حواريّ هذه الأمة؟ إنه سيدنا عبد الرحمن بن عوف؛ لأن النبي ﷺ لم يصلِّ إلا خلف سيدنا عبد الرحمن بن عوف.
لكل نبي حواريّ، فمن هو الحواريّ الخاص بنا، الخاص بسيدنا النبي الذي قال إنه يصلي وراءه؟ أي أنه يصف الرجل هذا أن النبي الخاص بالأمة الفلانية، أي نبي، يُصلّي خلف الحواريّ الخاص به.
والحواريّ يعني التلميذ المخلص الملاصق الملازم. فمن التلميذ المخلص الملازم؟ يكون ربنا كتبها لعبد الرحمن بن عوف؛ لأن النبي ﷺ لم يصلِّ خلف أحد سواه.
قصة تأخر النبي عن صلاة الظهر وتقديم أبي بكر وعدم انتظار المؤذن للإمام
وذهب [النبي ﷺ] مرة ليصلح بين قوم، فتأخّر عن صلاة الظهر بعيدًا هكذا في ضواحي المدينة. أصلح بين القوم ورجع، وكان قد فات وقت على صلاة الظهر، فقدّموا أبا بكر [رضي الله عنه] حتى جاء صلوات الله عليه وهو في الصلاة، فقام إلى جانبه.
وليس على الإمام انتظار المؤذن، وإنما على المؤذن انتظار الإمام.
الوظيفة الثالثة إخلاص الإمام لله وعدم أخذ أجرة على الصلاة
ثالثها: أن يؤمّ الناس مخلصًا لله ومؤدّيًا أمانة الله في طهارته وجميع شروط صلاته.
الإخلاص فبأن لا يأخذ عليها أجرة. قال الشيخ تقي الدين [ابن تيمية]: ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا وأجرة، بل رزق للإعانة على الطاعة.
يعني هذا تعليق من غير الإمام الغزالي؛ فالإمام الغزالي لم يقل هذا الكلام. تقي الدين هذا هو تقي الدين ابن تيمية، وتقي الدين ابن تيمية كان بعد الغزالي بمائتي سنة، إنما هذا المختصِر هو الذي أورد هذه النقطة.
توضيح أن ما يأخذه موظفو الأوقاف ليس أجرة على الصلاة بل حق احتباس
بدلًا من أن يقول الناس لك: حسنًا، إذن لن نصلي خلف موظفي الأوقاف. لماذا يا سيدي؟ قال لك: لأنهم يأخذون أموالًا.
قال: لا، الأموال التي يأخذونها ليست مقابل الصلاة ولا الأذان ولا إقامة الشعائر. الأموال التي يأخذونها هي مقابل الاحتباس؛ لأنني أقول له: لا تعمل عملًا آخر، فرّغ نفسك. ففي مقابل هذا التفرّغ يأخذ النقود.
هل أنا أحبسه؟ دخلت امرأة النار في هرّة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. إذا كنت قد حبست شخصًا ولم أرضَ أن أدعه يتصرّف هنا وهناك، فلا بدّ عليّ أن أرزقه، يعني أقوم بتوفير رزقه ورزق عياله؛ فهذا ما يُسمّى حق الاحتباس.
الفرق بين حق الاحتباس والأجرة في عمل القاضي والمؤذن والإمام
فالقاضي يقضي بين الناس بلا مقابل، والمؤذن والمصلي والإمام وكذلك الخطيب يقومون بذلك بلا مقابل. ولكن إذا رُزق فإنما يُرزق للقيام بأمور حياته في مقابل الاحتباس وليس في مقابل العمل.
والدليل على ذلك أنه يصلي، يعني لو فُصلناه من الأوقاف، هل يتوقف عن الصلاة؟ أيضًا سيصلي حتى لو فصلناه من الأوقاف. فيكون إذن هذه الأموال ليست في مقابل الأعمال الدينية والعبادات، وإنما هي في مقابل الاحتباس.
نقل المختصر لكلام ابن تيمية في أن ما يؤخذ من بيت المال رزق لا أجرة
فأراد المختصِر أن ينبّه على ذلك، فنقل ما قاله تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الشأن، فقال:
«ما يؤخذ من بيت المال ليس عوضًا وأجرة، بل رزق للإعانة على الطاعة»
وكذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به أو المنظور ليس كالأجرة والجُعل.
يبقى إذن هذا ليس أجرة على الصلاة، وإنما لو كانت أجرة على الصلاة لكانت متقطّعة: يصلي الظهر نعطيه، لا يصلي العصر لا نعطيه، يصلي المغرب نعطيه له بعد الصلاة نأتي فنعطيه هكذا: هو أخذ أجرتك. لكن هذا ليس كذلك، هذا شيء آخر تمامًا.
هذا حق احتباس، حبس نفسه لفعل واجب أن نقوم به: إقامة الصلوات والقضاء والأذان والشعائر، فحبس نفسه فيأخذ في مقابل الحبس وليس في مقابل الفعل.
وجوب إخلاص الإمام وتطهير قلبه من الكبائر ليكون واسطة بين الناس وربهم
إذن فلا بدّ عليه أن يؤمّ مخلصًا ويطهّر قلبه باطنًا من الفسق والكبائر والإصرار على الصغائر؛ من أجل أن يكون واسطة بين الناس وبين ربهم، وهو يقدّم صلاتهم إليه سبحانه وتعالى.
الوظيفة الرابعة تسوية الصفوف قبل التكبير كما كان يفعل سيدنا عمر
رابعها: أن لا يكبّر حتى تستوي الصفوف. سيدنا عمر [رضي الله عنه] كان يُعيّن واحدًا من أجل تسوية الصف قبل الصلاة.
إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج؛ ولذلك لا بدّ علينا ونحن نلتمس رضا الله أن نأتمّ بمن يسوّي الصفوف.
الوظيفة الخامسة رفع الصوت بالتكبيرات وموقف سيدنا عمر ممن يخفض صوته
خامسها: أن يرفع صوته بتكبيرة الإحرام وسائر التكبيرات، ولا يخفضها هكذا، بل يجعلها قوية.
وكان سيدنا عمر [رضي الله عنه] يعاقب من أراد أن يُميت على الناس دينهم، وأنه لا يعرف [أي لا يُسمع]. ونحن نقول: وتقول ماذا؟ أكبّرت ولم تسعل أو شيء من هذا القبيل؟ لا نعلم!
فكان يأتيه ضربة بالعصا ويقول له: أمتَّ علينا ديننا، أماتك الله! يعني ربنا يأخذك.
سيدنا عمر، سيدنا عمر هذا لو أن عمر قد سلك فجًّا لسلك الشيطان طريقًا آخر، يعني يأخذ الشيطان نفسه ويهرب عندما يراه، رضي الله عنه، خليفة سيدنا رسول الله، حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وظائف القراءة في الصلاة دعاء الاستفتاح والسكتات الثلاث والتخفيف
أما وظائف القراءة فقد دخل [الإمام] بالفعل قبل الصلاة وقام بهاتين المهمتين: اتقى الله، وأخلص قلبه، ونوى، واستغفر، وسوّى الصفوف، وأخلص النية لله.
ثم دخل في الصلاة. ثلاثة أمور:
- أن يأتي بـدعاء الاستفتاح.
- وأن يسكت ثلاث سكتات: بعد أن يكبّر حتى يدعو الناس دعاء الاستفتاح، وبعد الفاتحة حتى يقرأ الناس الفاتحة، وبعد أن ينتهي من السورة حتى يفصل الناس بين القراءة والركوع.
- والأمر الثالث أن يخفّف.
النهي عن التطويل المفرط في القراءة وأن الرحمة بالناس أولى من الفخر
لا أن يُسمعنا [قراءة طويلة] ثم يقرأ سورة البقرة، ثم ينتقل من البقرة إلى آل عمران، ومن آل عمران يُطيل حتى النساء فالمائدة، وهو معجب بنفسه هكذا.
في هذا الكلام، السلف ليس لديهم هذا الأمر. وبعد ذلك يقول: الله! انظر إلى هذا الرجل، إنه رجل طيب وعابد. لقد أتعبنا!
هذا لا يصحّ يا إخواننا. العبرة ليست هكذا، العبرة أن الرحمة التي في القلوب تجاه الناس أولى من الفخر.
وظائف الأركان تخفيف الركوع والسجود ومراعاة المأمومين في الحركة
وأما وظائف الأركان فثلاثة:
- أن يخفّف الركوع والسجود.
- وينبغي للمأموم ألا يسبق الإمام، وينبغي للإمام ألا يؤدّي بالمأموم إلى السبق بأن يكون بطيء الحركة جدًّا، ويقول: الله أكبر وهو واقف، فنركع وهو لم يركع بعد. ينبغي عليه أيضًا أن يراعي هذه المسألة.
- والثالثة: لا يزيد في دعاء التشهد على مقدار التشهد حذرًا من التطويل.
وظائف التحلل من الصلاة نية التسليم والمكث بعد السلام والإقبال على الناس
وأما وظائف التحلّل والخروج من الصلاة فثلاثة:
-
أن ينوي بالتسليمتين السلام على القوم والملائكة؛ لأنك لو كنت وحدك تسلّم على الملائكة، ولو كنت مع القوم فها أنت تسلّم عليهم. وأيضًا تقابل الناس بعد الصلاة بالسلام.
-
أن يمكث بعد السلام قليلًا، فيجلس مدة. السلام عليكم، والسلام عليكم، ويمضي وكأنه تخلّص من شيء! لا، تبقى عليه السكينة بعد السلام.
-
ثم يُقبل على الناس بوجهه.
عظمة الإمامة من حيث الثواب والمسؤولية ووجوب الرضا بما أقامك الله فيه
فالإمامة أمرها عظيم من ناحية الثواب، ومن ناحية المعنى، ومن ناحية الأداء، ومن ناحية المسؤولية.
ولذلك من عرف شأنها فإنه من ثوابها لا يرفضها، ومن مسؤوليتها لا يقبلها. ولذلك فكن حيث أقامك الله، يعني اتركها لله.
إذا وجدت نفسك أنهم جعلوك إمامًا ولكن لا تطلبها، وإذا وجدت نفسك أن الحمد لله غيرك تحمّلها عنك فالحمد لله رب، لك الحمد.
وعلى ذلك فدُم راضيًا بما أقامك الله فيه، وقليل من الناس من يرضى. فاللهم يا ربنا اجعلنا من الراضين عنك فارضَ عنا برضاك.
