مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 18 | أ.د علي جمعة
- •شبّه الغزالي العلوم الشرعية بشجرة متكاملة، فجذعها (الأصل) مكون من أربعة عناصر: القرآن والسنة والإجماع وآثار الصحابة.
- •القرآن هو الأساس والجوهر، وتأتي السنة كتطبيق معصوم ومفسر له، والإجماع يظهر معانيه، والآثار تبين فهم الصحابة له عبر الزمان.
- •أما فروع الشجرة فهي فهم العلماء والمجتهدين للأصول، وتنقسم إلى قسمين: علم الفقه المتعلق بمصالح الدنيا، وعلم أحوال القلب المتعلق بمصالح الآخرة (التصوف).
- •المقدمات هي الآلات اللازمة لفهم الأصول كعلم اللغة والنحو، فهي ليست من العلوم الشرعية بذاتها لكنها ضرورية لفهمها.
- •المتممات هي ما يكمل علم القرآن، كالقراءات والتفسير وأصول الفقه، وما يتعلق بالأحاديث كعلم الرجال.
- •جميع هذه العلوم محمودة وهي من فروض الكفايات، ومن ينكر التصوف كأنه يفرغ الكوب من الماء.
افتتاح الدرس من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى، وفي كتاب العلم نعيش هذه اللحظات.
[القارئ]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين.
تقسيم العلوم الشرعية المحمودة إلى أصول وفروع ومقدمات ومتممات
وأما العلوم الشرعية وهي المقصودة بالبيان، فهي محمودة كلها، ولكن قد يلتبس بها ما يُظن أنها شرعية وتكون مذمومة؛ فتنقسم إلى المحمودة والمذمومة.
أما المحمودة فلها أصول وفروع ومقدمات ومتممات، وهي أربعة أضرب:
الضرب الأول: الأصول، وهي أربعة:
- كتاب الله عز وجل.
- سنة رسوله عليه السلام.
- إجماع الأمة.
- آثار الصحابة.
والإجماع أصل من حيث إنه يدل على السنة، وهو أصل في الدرجة الثالثة.
حجية آثار الصحابة لمشاهدتهم الوحي وإدراكهم قرائن الأحوال
وكذا الأثر [أثر الصحابة]؛ فإنه يدل على السنة، لأن الصحابة رضي الله عنهم قد شاهدوا الوحي والتنزيل، وأدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم عيانُه، وربما لا تحيط العبارات بما أُدرك بالقرائن.
فمن هذا الوجه رأى العلماء الاقتداء بهم والتمسك بآثارهم، وذلك بشرط مخصوص على وجه مخصوص عند من يراه، ولا يليق بيانه بهذا الفن [أي فن كتاب العلم].
الضرب الثاني الفروع وهو ما فُهم من الأصول بمعانٍ تنبه لها العقول
الضرب الثاني: الفروع، وهو ما فُهم من هذه الأصول لا بموجب ألفاظها، بل بمعانٍ تنبه لها العقول؛ فاتسع بسببها الفهم، حتى فُهم من اللفظ الملفوظ به غيرُه.
كما فُهم من قوله عليه السلام:
«لا يقضي القاضي وهو غضبان»
أي: لا يقضي إذا كان حاقنًا أو جائعًا أو متألمًا بمرض [فكل ما يشوش على القاضي فهمه يُلحق بالغضب].
تقسيم الفروع إلى ما يتعلق بمصالح الدنيا وما يتعلق بمصالح الآخرة
وهذا [الضرب الثاني وهو الفروع] على ضربين:
أحدهما: ما يتعلق بمصالح الدنيا، ويحويه كتب الفقه، والمتكفل به الفقهاء وهم علماء الدنيا.
والثاني: ما يتعلق بمصالح الآخرة، وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المحمودة والمذمومة، وما هو مرضيٌّ عند الله تعالى وما هو مكروه، وهو الذي يحويه الشطر الأخير من هذا الكتاب، أعني جملة كتاب إحياء علوم الدين.
ومنه العلم بما يترشح من القلب على الجوارح في عباداتها وعاداتها، وهو الذي يحويه الشطر الأول من هذا الكتاب.
الضرب الثالث المقدمات كعلم اللغة والنحو باعتبارها آلات للعلوم الشرعية
والضرب الثالث: المقدمات، وهي التي تجري منه [من العلم الشرعي] مجرى الآلات، كعلم اللغة والنحو؛ فإنهما آلة لعلم كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
وليست اللغة والنحو من العلوم الشرعية في أنفسهما، ولكن يلزم الخوض فيهما بسبب الشرع؛ إذ جاءت هذه الشريعة بلغة العرب، وكل شريعة لا تظهر إلا بلغة؛ فيصير تعلم تلك اللغة آلة.
ومن الآلات علم كتابة الخط، إلا أن ذلك ليس ضروريًا؛ إذ كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُميًّا، ولو تُصوِّر استقلال الحفظ بجميع ما يُسمع لاستُغني عن الكتابة، ولكنه صار بحكم العجز في الغالب ضروريًا.
الضرب الرابع المتممات في علم القرآن من قراءات وتفسير وأصول فقه
الضرب الرابع: المتممات، وذلك في علم القرآن؛ فإنه ينقسم إلى:
- ما يتعلق باللفظ: كتعلم القراءات ومخارج الحروف.
- ما يتعلق بالمعنى: كالتفسير؛ فإن اعتماده أيضًا على النقل، إذ اللغة بمجردها لا تستقل به.
- ما يتعلق بأحكامه: كمعرفة الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والنص والظاهر، وكيفية استعمال البعض منه مع البعض، وهو العلم الذي يسمى أصول الفقه، ويتناول السنة أيضًا.
وأما المتممات في الآثار والأخبار: فالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم، وأسماء الصحابة وصفاتهم، والعلم بالعدالة في الرواة، والعلم بأحوالهم ليُميَّز الضعيف عن القوي، والعلم بأعمارهم ليُميَّز المرسل عن المسند، وكذلك ما يتعلق به.
فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة، بل كلها من فروض الكفايات.
تصوير العلوم الشرعية على هيئة شجرة جذعها الأصول الأربعة
[الشيخ]: إذن صوَّر الإمام [الغزالي] العلوم الشرعية على هيئة شجرة، رأى فيها أولًا جذعها وسماه أصلًا، وجعله على أربعة أنحاء: الكتاب والسنة والإجماع والآثار — آثار الصحابة الكرام.
وهذه هي التي يسميها علماء الحضارة "المحور"، والمحور هو ما منه المنطلق وإليه العودة، وبه التقويم وله الخدمة. أصحاب الحضارة يقولون هكذا: إن كل حضارة لها محور.
محور الحضارة الفرعونية: الموت. محور حضارة الإنجليز: العلم التجريبي. محور حضارة المسلمين: هو هذا — الكتاب والسنة والإجماع والآثار — هي التي تشكل جذع الشجرة، هي المحور.
خدمة المحور الإسلامي وبيان أن القرآن هو الأصل الأصيل المخدوم بالسنة والإجماع والآثار
وهذا المحور له خدمة، نريد أن نخدمه. نخدم الشجرة كيف؟ نضع لها تربة طيبة، نسقيها بالمياه، نُقلِّم ونُهذِّب فروعها، وهكذا تبقى تحت الرعاية والعناية.
فالأصل مربع: القرآن والسنة والإجماع — وهذه ثلاثة أصول معروفة — والآثار. ونرى أن الأصل الأصيل واللب والجوهر هو القرآن، وتأتي السنة لتكون التطبيق المعصوم والمفسر لكتاب الله من سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، صلى الله عليه وسلم معصوم.
ويأتي الإجماع ليُظهر معاني هذا الكتاب الكريم؛ حيث إن هذه الأمة لا تجتمع على ضلال. وتأتي الآثار من أجل أن تبيِّن كيف مع اختلاف الزمان فَهِم الصحابة هذا الكتاب.
فالكل يرجع لخدمة الكتاب، فالأصل في المحور عند المسلمين القرآن الكريم، المدلول عليه والمخدوم بالسنة النبوية المشرفة، والمخدوم بالإجماع، والمخدوم بالآثار.
الفروع المتولدة من الشجرة وفهم الأئمة المجتهدين للأصول
هذا [ما تقدم] لكي نحفظ كلام الشيخ [الغزالي]؛ يتحدث عن أصل، يتحدث عن شجرة، فالأصل هكذا، والأصل مربع وحفظناها: القرآن والسنة والإجماع والآثار.
هذه الشجرة نبتت لها فروع كذلك، نبتت لها فروع فهي نابتة منها، من نفس الشجرة. هذه الفروع لها أوراق، وهذه الفروع هي التي تُفهِمنا وتُعلِّمنا من قريب ومن بعيد أنها شجرة.
ولذلك فهذه الفروع هي فهم القرآن والسنة والإجماع والقياس والآثار، فهم كيفية الفهم. فجاء الأئمة المجتهدون وفهموا منها ما فيها من الأصل — هذا ليس من شجرة أخرى، هذا من الشجرة نفسها — وأتوا لنا بالعجائب.
تجدد الدين وضرورة النظر في المناهج لا المسائل المنتهية فقط
فأورقت الشجرة يومًا من الأيام، يمكن أن تُقطع فتنبت مرة أخرى، ولذلك هذا الدين دائمًا متجدد.
هو قلنا: لا تقفوا عند مسائله بل انظروا إلى مناهجه. فالمسألة قد تكون انتهت — حكاية خلق القرآن أو حكاية المعتزلة لم تعد موجودة — لكن موجود الآن ما شاء الله: الإلحاد، وما بعد الحداثة، والفوضى الخلاقة، والفوضى التي ليست خلاقة، والحركات النسوية، وكثير.
نعم، لا تدرس هذه الأشياء [القديمة المنتهية لذاتها]، وإذا درستها فاجعلها للرد على هذا [الفكر المعاصر]، وإذا درستها فأنت تدرس تاريخًا. لكن نحن قادرون بنفس الأمر أن تُقلَّم هذه الفروع فتخرج الشجرة في أبهى حال كما كانت دائمًا وأبدًا، وستظل إن شاء الله.
الفقه والتصوف كفروع الشجرة وخطورة إنكار التصوف على الدين
فهذا يسمونه الفروع: أما الفقه وأما علم الباطن — علم القلب، علم الأحوال، العلم الذي فيه معاملة مع الله سبحانه وتعالى حقيقية.
ككأس فيها ماء: الفقه هو الكأس. طيب، وهذا [علم الباطن] تفعل شيئًا؟ كأس تسقيك؟ يعني لا، بل هي لا بد منها لكي تضع فيها الماء وتشرب. التي تسبب الري هي الماء [أي علم القلب]، فهذا كذلك.
فإذن الفروع هذه والأوراق هي الفقه والتصوف. ولذلك فإن الذي ينفي التصوف مجرم، لديه جريمة! هذا يريد أن يقضي على الدين، هذا يريد أن يُفرغ الكوب من الماء.
فإن كان متعمدًا فحسيبه ربه، لن نتناقش معه؛ لأن هذا يكون ملحدًا هكذا. وإذا كان جاهلًا علَّمناه، وأمرنا لله.
شيخ الإسلام ابن تيمية وموقفه من التصوف في مرحلته الأخيرة
كيف يُنكر التصوف؟ ثم يأتي لك ببعض الخرافات ويقول لك: هذا هو التصوف الذي أنكره! لا يا أخي، اتركه وارجع إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وخذ التصوف الذي كان عليه.
الذي مات عليه — مات ابن تيمية على التصوف — بعد أن عانى كثيرًا في حياته من القراءة ومن المناقشة ومن كذا إلى آخره، مال إلى التصوف ومات عليه، ودُفن في مقابر الصوفية.
راجع إذن ابن تيمية: مجلدًا كبيرًا هكذا اسمه مجلد السلوك في الفتاوى الكبرى التي يعملونها هذه، والتي بعدها التصوف.
الرد على من ينكر تصوف ابن تيمية والدعوة إلى اتباع منهجه الصوفي
لكي لا يقول لك: إن أصلنا أصل الطرق فيهم مبتدع. فمن الذي لا يبتدع؟ شيخ الإسلام ابن تيمية؟ انتهى، توكلنا على الله. خذ شيخ الإسلام ابن تيمية، نحن موافقون.
لكن أنت البعيد لا تعرف شيخ الإسلام ابن تيمية ولا سيدنا ابن عمر ولا تعرف شيئًا! هذا الذي يجعل الإنسان يحزن. لا، أنا موافق على شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية له مراحل، وفي مرحلته الأخيرة أصبح صوفيًا وتكلم كلامًا عجيبًا عن أفعال الأولياء.
يقول لي: لا، لم يقل ذلك. فأين هو؟ مطبوع بالمجلد والصفحة. كيف لم يقل؟ لا، ربما مدسوس عليه. آه، بدأنا إذن في دور الجنون! فهل نحن الذين طبعناه أم نحن الذين قلناه؟ فهو موجود ومطبوع على اثنتين وعشرين نسخة، فماذا سنفعل إذن؟
إنكار المحسوس والحيرة التي يوقعنا فيها منكرو التصوف
هذه هي الحيرة التي يوقعوننا فيها، وأنه يُنكر المحسوس!
ولا يصح في الأفهام شيءٌ إذا احتاج النهار إلى دليل
تقول لأحدهم: هذا هو النهار، يقول لك: أين دليلك؟
قد تُنكر العينُ ضوءَ الشمس من رمدٍ ... وينكر الفمُ طعمَ الماء من سقمِ
يبقى [هذا المنكر] مريض!
الموقف المتوازن من ابن تيمية بأخذ الفقه والتصوف وترك ما أخطأ فيه في العقيدة
ابن تيمية اتبع ابن تيمية: دع عنك الستين أو السبعين خطأ التي أخطأها ولا تهتم بها، دع عنها.
خذ منه الفقه، خذ منه الفقه الذي نحتاجه نحن الآن، وخذ منه التصوف وتوكل على الله. ولكن إياك أن تأخذ منه العقيدة؛ لأنه خلط فيها والناس لم يرضوا عنه فيها.
وإياك تشتمه! تقول: رحمه الله، كما نقول تمامًا. هذا أنت تشتم ابن تيمية؟ أنت حر. الآن ما دمت تعتقد أن ابن تيمية نبي — ما هو ليس ابن نبي ولا شيء — هذا عالم من علماء المسلمين.
وأقول لك: خذ التصوف الخاص به. لماذا لا تأخذ التصوف؟ ألا تحب ابن تيمية؟ ونحن نحبه، فاتبع التصوف الخاص به.
اتفاق الأمة على التصوف والفقه وخلاصة تقسيم العلوم الشرعية كشجرة
هذه هي الحكاية؛ لأن هذا الكلام يا جماعة هذا الأمة كلها متفقة عليه، ما يوجد إلا هذه النابتة التي نبتت، التي يعيننا الله عليها إن شاء الله. ولكن كل الأمة هكذا: ابن تيمية والغزالي كلهم واحد، وكلهم قالوا بهذا الكلام.
إذن فهذه شجرة، سنكمل بعد ذلك المقدمات والمتممات. فقد تحدث [الإمام الغزالي] عن الأصل والفرع، وبعد ذلك تحدث عن المقدمات والمتممات.
سنرى في حلقة أخرى قضية المتممات والمقدمات. فإلى لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
