مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 6 | أ.د علي جمعة
- •يبين الإمام الغزالي فضل العلم وأهميته مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".
- •العلماء ورثة الأنبياء، وتستغفر لهم ملائكة السماوات والأرض، والحكمة تزيد الشريف شرفاً وترفع المملوك إلى مدارك الملوك.
- •شرف العلم يفوق كل شرف، ويمكّن العالم من الكفاءة في الزواج حتى مع بنات الملوك، فالعلم يرفع المكانة الاجتماعية.
- •قال علي رضي الله عنه: "العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه".
- •العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم حدثت ثلمة في الإسلام لا يسدها إلا عالم مثله.
- •العلم هو المخرج الوحيد من الأزمات، وبناء الحضارة الإسلامية قام على العلم مما أذهل العالم وجعل الناس يدخلون في الإسلام أفواجاً.
- •العلم يحتاج إلى الصدق في القول والعمل، ولا ينفع فيه الكذب.
حديث من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين وأمر النبي بالتعلم
[القارئ الشيخ محمد وسام خضر]: قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين. وأما الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ويلهمه رشده»
[الشيخ]: نعم، ولذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعلم، وقال النبي ﷺ:
«خيركم من تعلم القرآن وعلمه»
وجاء رسول الله ﷺ في أمة أمية لا تكتب ولا تقرأ، ولكنه أمر بالقراءة وبالكتابة في الأكوان وفي القرآن، وحثّ على ذلك.
شرح صيغة أفعل التفضيل في كلمة خيركم واقتضاؤها المشاركة
[الشيخ]: حيث قال «خيركم»، وخير وشرّ على صيغة أفعل تفضيل، لكن «خير» هذه ليست على وزن أفعل، بل هي ملحقة بأفعل، يعني وكأنك تقول «أخير». وأفعل هذا يقتضي المشاركة، أي: أفعل التفضيل يقتضي المشاركة مع زيادة في المفضّل.
إذن هو يقتضي المشاركة وليس المساواة، هناك فرق. فعندما أقول: أحمد أحسن من حسنين، فإن أحمد وحسنين فيهما صفة الحُسن، فالحسن موجود هنا وموجود هناك، ولكن أحمد زاد في الحسن قليلًا، فكفة الميزان الخاصة به مالت قليلًا أكثر من حسنين، أي أن أحمد أرجح في الحسن.
فصيغة أفعل التفضيل تقتضي المشاركة، والخير والشر فيه مشاركة.
هل كل أفعل تفضيل يقتضي المشاركة وبيان ما يأتي على غير بابه
[الشيخ]: حسنًا، وهل كل أفعل التفضيل يقتضي المشاركة؟ قيل في ذلك: إن هذا هو الباب الخاص به، فحقيقته هكذا، ولكن أحيانًا يأتي على غير بابه، فانتبه.
إذن في غالب اللغة أنه يقتضي المشاركة، ولكن هناك في اللغة أشياء صغيرة لا تقتضي المشاركة:
﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]
قال لك [العلماء]: ليست على بابها؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق فقط، فـ«أحسن» هنا ليست هي الخاصة بأفعل التفضيل التي تقتضي المشاركة التي نتحدث عنها، فهنا يجب أن تكون «أحسن» شيء آخر غير أفعل التفضيل الذي يقتضي المشاركة.
معنى أحسن الخالقين بين الخلق من العدم والصنعة في اللغة
[الشيخ]: فهنا معناها أنه هو الخالق وحده ولا يوجد خالق آخر سواه، انتبه لذلك. أو لنجعل الخلق هنا بمعنى الصنعة، فيكون «أحسن الخالقين» معناها «أحسن الصانعين» على بابها، فيكون هنا على بابه إذن.
فالنجار الذي صنع شيئًا متميزًا أو تحفة جميلة وفرح بصنعته وجاء يعرضها عليك لتراها، فتقول له: تبارك الله أحسن الخالقين. وكذلك عندما يأتي الحداد ويرسم لك شيئًا جميلًا جدًّا ولا يوجد مثيله، وقلت أنت أول ما رأيتها: الله! وذكرت الله، فحينها تقول: تبارك الله أحسن الخالقين، وهكذا.
معنى الخلق بمعنى الصنعة في قول سيدنا عيسى وضبط أفعل التفضيل
[الشيخ]: إذن «الخالقين» إذا جعلتها على «الصانعين» فتكون على بابه، كقول سيدنا عيسى عليه السلام:
﴿أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ﴾ [آل عمران: 49]
يعني «أصنع لكم»، فـ«أخلق» هنا ليس معناها خروج الموجود من العدم إلى الوجود، لا، ليس معناها كذلك، «أخلق لكم» هنا معناها «أصنع لكم».
فيكون ربنا سبحانه وتعالى «أحسن الصانعين»، وفي اللغة يمكن أن نقول «الخالقين» بمعنى الصنعة، يعني ليس بمعنى الخلق من العدم كما هو الشأن لربنا سبحانه وتعالى. فإذا جعلتها الخلق بمعنى الإيجاد فإنها ليست على بابه، وإذا جعلتها بمعنى الصنعة فتكون «أحسن» هنا على بابه.
قاعدة لغوية: التفريق بين ما يأتي على بابه وما يأتي على غير بابه
[الشيخ]: إذن تعلمنا تعليمة جديدة، وهي أن اللغة العربية تأتي مضبوطة وصحيحة فتسمى «على بابه»، مثل أفعل التفضيل فهذا على بابه، ولكن يمكن -وهي قلة- أن تأتي «ليست على بابه» لكي يستقيم الكلام.
[الشيخ محمد وسام]: وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «العلماء ورثة الأنبياء»
ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة.
فضل العالم في استغفار الملائكة له وأن الحكمة ترفع المملوك إلى مدارك الملوك
[الشيخ محمد وسام]: وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «يستغفر للعالم ما في السماوات والأرض»
وأيّ منصب يزيد على منصب من تشتغل ملائكة السماوات والأرض بالاستغفار له! فهو مشغول بنفسه، وهم مشغولون بالاستغفار له.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إن الحكمة تزيد الشريف شرفًا، وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك»
وقد نبّه بهذا على ثمرته في الدنيا، ومعلوم أن الآخرة خير وأبقى.
باب الكفاءة في الزواج وأن المرأة هي الطرف الأضعف فيجب مراعاتها
[الشيخ]: بباب الكفاءة في الزواج قالوا: إنه يجب أن يكون الرجل من مستوى المرأة التي يتزوجها؛ لكي لا يتعبها؛ لأن المرأة مهما كانت فهي الطرف الأضعف في قضية الزواج، فهي التي ستحمل وتلد وتعاين الموت وتربي الأطفال، هي الطرف الأضعف.
لذلك فيجب أن يكون الرجل [الزوج] أعلى منها في المستوى كي يريحها، وكي يهنيها.
شرف العلم يرفع صاحبه فوق كل الطبقات في باب الكفاءة في الزواج
[الشيخ]: قالوا: حسنًا، فلنجعل أولاد الملوك يتزوجون من بعضهم البعض، وأولاد التجار والأغنياء ورجال الأعمال يتزوجون من بعضهم، وأولاد قادة وقوات الجيوش وما إلى ذلك يتزوجون من بعضهم البعض، وأبناء الحرفيين وما إلى ذلك يتزوجون من بعضهم البعض.
ثم قالوا: حسنًا، هذا الرجل أبوه كان أميًّا، ثم ذهب وتعلم وأصبح عالمًا، فماذا عنه؟ قالوا: فليتزوج ابنة الملك. فكيف ذلك وهو قد جاء من بيئة الحرف؟ فقالوا: علمه يؤدبه، فشرف العلم فوق كل شرف، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف.
العالم يجوز له الزواج من أي طبقة لأن شرف العلم فوق كل شرف
[الشيخ]: إذن فالعالم هذا بعد أن أصبح عالمًا فليذهب وليتزوج من أي مكان، والفقهاء يقولون: نعم، هذا أمر جائز لأنه عالم. فلننتبه؛ لأن هذه القضية ليست قضية عرقية أو تمييزًا عنصريًّا، لا، بل هي قضية اجتماعية لكي تستقر الأسرة.
فهو عالم، إذن عرف كيف يخشى الله، وعرف كيف تكون الأخلاق والأدب والراحة، فعرف كيف يريح زوجته. ولذلك فمسألة الزواج تكون مضمونة معه، إذن فشرف العلم فوق كل شرف.
العلم يرقى بالصعلوك إلى مراتب الملوك في باب الزواج
[الشيخ]: هو الذي يقول عنه الشيخ [الغزالي] هنا إنه يجعل العالم كالملوك، أو يرقى بالصعلوك إلى مراتب الملوك، أي في الزواج.
فالصعلوك هنا عندما يتقدم للزواج وحده هكذا من غير علم ولا شيء لبنات الملوك، فيقول له: يا أخي انتبه وانظر إلى حالك، فأنت صعلوك [فقير]، وهذه ابنة ملوك. ولكن عندما يتعلم ويصبح عالمًا فيصير هناك فرق، هكذا ترقى. يرقى العلم بالصعلوك إلى مراتب الملوك، نعم.
أثر علي بن أبي طالب في تفضيل العلم على المال وبيان خصائص كل منهما
[الشيخ محمد وسام]: وأما الآثار فقد قال [علي بن أبي طالب] رضي الله عنه لكميل:
قال علي رضي الله عنه: «يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق»
وقال علي أيضًا رضي الله عنه:
«العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثُلِم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه»
وقال رضي الله تعالى عنه:
معنى ثلم في الإسلام ثلمة وخطورة الاعتداء على العلم الشريف
[الشيخ]: «ثُلِم في الإسلام ثلمة» تعني خرق فيه خرق، أي أنه أفسده. فالذين يعتدون على العلم الشريف بهذه الكيفية يقطعون ثوب الإسلام، والعياذ بالله تعالى.
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]
ولكن سبحان الله هكذا حالهم.
منهج الإمام الغزالي في الاستدلال وموقف الإمام مالك من إكمال الدرس وقت الأذان
[الشيخ]: الإمام [الغزالي] يتكلم أولًا بالآيات ثم بالأحاديث ثم بالآثار. ومن أجل هذا المعنى كان الإمام مالك إذا أذّن المؤذن وهو في الدرس فإنه يكمل الدرس؛ لأنه في أمر أعظم شأنًا من الصائم القائم، أي هو عبادة.
فكانوا دائمًا يفهمون تحصيل العلم على أنه عبادة. لمّا كان الأمر كذلك -والله أعلم بما هنالك- بنى المسلمون حضارة علّمت العالم، ودخلوا في أمم كثيرة عالية القدر لبناء عمارة الدنيا، فأذهلوا تلك الأمم، فأسلموا ودخلوا في الإسلام أفواجًا.
العلم هو المخرج الوحيد للأمة ولا ينفع فيه إلا الصدق
[الشيخ]: لماذا [أسلمت تلك الأمم]؟ لأن المسلمين أذهلوا العالم ببناء حضارتهم، إنه العلم. فهو المخرج الوحيد لنا من ورطتنا هذه التي لا مخرج لها إلا بالعلم.
والعلم يحتاج أولًا إلى صدق، فالعلم لا ينفع فيه كذب، فلا بد لنا من الصدق، فهو المخرج لما نحن فيه، فالناس أصبحت تتعلم الكذب كثيرًا.
قصة الخطيب الذي كرر خطبة الصدق حتى يترك الناس الكذب
[الشيخ]: وهنا الإمام الغزالي بعد ذلك في الكتاب الثالث في المهلكات يتحدث عن رجل كان يخطب الجمعة ويدعو الناس إلى الصدق، فجاء في الجمعة التي بعدها أيضًا كرّر نفس الخطاب، ثم التي بعدها والتي بعدها.
فقال له الناس: وماذا بعد؟! ألا يوجد لديك خطاب إلا عن الصدق؟ قال لهم: وهل تركتم أنتم الكذب لكي أترك أنا الدعوة إلى الصدق؟ عندما تتركون الكذب فسأنتقل أنا إلى الحديث عن مسألة أخرى، ولكنكم أصلًا لم تتركوا الكذب، فلذلك فلن أترك أبدًا الدعوة إلى الصدق.
فنسأل الله سبحانه وتعالى الصدق في القول وفي العمل، والله أعلم.
