موعظة المؤمنين | باب فضل الجمعة وأدابها | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

موعظة المؤمنين | باب فضل الجمعة وأدابها | أ.د علي جمعة

41 دقيقة
  • يوم الجمعة يوم عظيم خصه الله للمسلمين، وقد حرم الاشتغال بأمور الدنيا عند النداء للصلاة.
  • سمي بالجمعة لاجتماع المسلمين فيه لعبادة ربهم بصورة مخصوصة، وكان اسمه في الجاهلية يوم العروبة.
  • من خصائص أمة الإسلام أن أبرز الله لها قبر نبيها، وحفظ لها القرآن مسموعاً ومكتوباً، ولم يخذل الله هذه الأمة رغم الحروب المستمرة ضدها.
  • جعل الله المسلمين أمة واحدة في شهر صيامها وقبلتها وكتابها ونبيها وتوحيد ربها.
  • أخفى الله ساعة الإجابة في يوم الجمعة كما أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى والصلاة الوسطى في الصلوات الخمس.
  • من آداب الجمعة: الغسل وتقليم الأظافر والذهاب مبكراً والتواضع وعدم تخطي رقاب الناس والإنصات للخطبة.
  • تأتي أهمية الجمعة من الجمع بين طهارة الظاهر ونقاء الباطن، فبهما تتحقق التقوى.
محتويات الفيديو(42 أقسام)

افتتاح الدرس بالبسملة والدعاء لشرح الصدور وغفران الذنوب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

اللهم اشرح صدورنا للإسلام واغفر ذنوبنا، اللهم اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم. ونوّر قلوبنا بنور الإيمان وحبّبه لنا وزيّنه في قلوبنا، وكرّه لنا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومن المتقين ومع القوم الصادقين.

واجعلنا شهداء على الناس أجمعين، وأقمنا حيثما ترضى، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الضيق إلى السعة.

الدعاء بتثبيت الأقدام في الجهاد وردّ القدس وحسن الخاتمة

اللهم اشرح صدورنا للإسلام وثبّت أقدامنا في الجهاد في سبيلك، وبلّغ بنا دينك، وردّ علينا القدس ردًّا جميلًا.

اللهم يا أرحم الراحمين أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين. اللهم يا ربنا أقمنا بالحق وأقم الحق بنا.

اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا، علّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا، وانصرنا بالحق وانصر الحق بنا.

الدعاء بالحشر تحت لواء النبي والشرب من يده الشريفة ودخول الجنة

اللهم احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.

اللهم فهّمنا مرادك، اللهم أقمنا على سنة نبيك، اللهم اعفُ عنا ونوّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا.

وارزقنا علمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا ورزقًا واسعًا وعينًا دامعة ونفسًا قانعةً وشفاءً من كل داء. كن لنا ولا تكن علينا، وارحم حيّنا وميّتنا، وحاضرنا وغائبنا.

الدعاء بتوحيد قلوب المسلمين والتمكين في الأرض والصلاة على النبي

ووحّد قلوب المسلمين، وأقمهم حيثما ترضى يا أرحم الراحمين. مكّن لنا في الأرض كما مكّنت للذين من قبلنا، وأعنّا على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في العالمين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار إلى يوم الدين.

مقدمة الإمام الغزالي في باب فضل يوم الجمعة وعظمته في الإسلام

قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين، في باب فضل الجمعة وآدابها:

اعلم أن هذا يوم عظيم، عظّم الله به الإسلام وخصّ به المسلمين.

قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا ٱلْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]

تحرم [هذه الآية] الاشتغال بأمور الدنيا وبكل صارف عن السعي إلى الجمعة.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «خير يوم طلعت عليه الشمس يومُ الجمعة»

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من ترك الجمعة ثلاثًا من غير عذر طبع الله على قلبه»

يوم الجمعة من خصائص الأمة الإسلامية وسبب تسميته بهذا الاسم

فمما اختصّ الله المسلمين به يوم الجمعة؛ أخفاه الله سبحانه وتعالى عن سائر الأمم وهدى المسلمين إليه. وكان اسمه في الجاهلية يوم العروبة، ولكنه سُمّي بيوم الجمعة لاجتماع المسلمين فيه بعبادة ربهم بصورة مخصوصة.

تتقدمها خطبة يجلس الخطيب بين الأولى والثانية فيها، ثم يصلي بالناس ركعتين. ثم بعد ذلك يحلّ ما كان محظورًا من البيع والشراء والانشغال بأمور الدنيا.

والجمعة عيد في السماء، فجعله الله في اجتماع المسلمين، وكان فيها إشارة إلى أنه عيد في الأرض. والجمعة من خصائص هذه الأمة، وخصائصها كثيرة تفردت بها.

بشارة الأنبياء السابقين بالنبي محمد وخصائص أمته في الاجتماع للصلاة

معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث إن الأنبياء من قبله قد وصفوه لأممهم. ومما وصفوه به هذا اليوم [يوم الجمعة]؛ أن هذه الأمة التي تتبع المسيح [محمدًا ﷺ] الذي بشّر به موسى وبشّر به عيسى وبشّر به إبراهيم كما بشّر به آدم.

أن من خصائص هذه الأمة أن تجتمع للصلاة في هذا اليوم. فكل ذلك يصبّ في إثبات نبوة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

فإن للأمة الإسلامية خصائص، منها أنها الأمة الوحيدة التي تسجد لله، فلا يسجد لله أحد من البشر سوى المسلمين. ولو لم يكن في الإسلام إلا هذا لكفانا دليلًا على صحته وأنه الحقيقة الوحيدة في هذا العالم.

ثبات الإسلام أمام استهزاء المستهزئين والتوكل على الله

الذي [الإسلام] لا تهتزّ [حقيقته] باستهزاء المستهزئين المجرمين، ولا بتأويل المتأولين، ولا تعطيل المعطّلين لأحكام الله سبحانه وتعالى وأنواره أن تصل إلى قلوب الناس.

وإنما قولنا كما قال سلفنا: حسبنا الله ونعم الوكيل، سيغنينا الله من فضله ورسوله.

ومن خصائص هذه الأمة أن أبرز الله لها قبر نبيها، ولم يبرز قبر نبيّ قطّ، بل كلها أوهام وحكايات وأساطير. فأصبحت هذه الأمة هي الأمة الوحيدة التي بها يثبت الدين؛ لأن أحدًا من العالمين لا يتصل سنده رؤيةً كابرًا عن كابر إلا عند المسلمين.

الإسناد من الدين وحفظ الأمة للقرآن الكريم جيلًا بعد جيل

نحن الذين علّمنا ربنا أن الإسناد من الدين، ووفّق الأمة لحفظ كتابها مسموعًا مقروءًا مكتوبًا، جيلًا بعد جيل، يأخذه الصغير عن الكبير والخلف عن السلف إلى أن يرقى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وليس هناك سند لأحد من الأمم قطّ، لا ممن ادّعى أنه من عند الله ولا ممن ادّعى أنه من عند نفسه. فلا يبقى سند في العالم.

فما الذي يثبت وجود عيسى؟ وما الذي يثبت وجود موسى؟ لا شيء! ليست هناك لا آثار ولا نقوش ولا شيء مطلقًا. الذي يثبت ذلك هو القرآن الكريم الذي ما زال معجزًا من ناحية، ويرويه المسلمون بالملايين عن الملايين إلى أن يرقى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

القرآن واقع محسوس لا يختلف باختلاف الأقطار والأزمان وحفظ الله له

حتى إن كل عاقل لا يستطيع أن ينكره؛ لأنه واقع محسوس ملموس، لا تختلف نسخه باختلاف الأقطار ولا بكرّ الزمان.

فالحمد لله رب العالمين:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

ومما اختصّ الله به هذه الأمة أنه أكرمها فلم يخذلها قطّ. فبدأت الحرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فرد من المشركين في مكة، وظلّ هؤلاء يحاربونه في أصحابه وفي نفسه وفي دولته وفي مدينته، إلى أن ضغطوا عليه بالحرب فحاربوه أكثر من ثمانين حربًا في عشر سنوات، أي حاربوه كل ستين يومًا حربًا، كل ستين يومًا حرب، فنصره الله.

نصر الله المتواصل للمسلمين عبر التاريخ من فارس والروم إلى الاستعمار

ولم تقف الحروب؛ جاءت لنا فارس والروم فنصرنا الله، وجاء لنا الصليبيون وجلسوا مائة عام فنصرنا الله. فجاء التتار فنصرنا الله، ودخلوا في دين الله أفواجًا بدلًا من أن جاؤوا ليكسروا الإسلام؛ دخلوا الإسلام وأصبحوا من المسلمين وحسُن إسلامهم.

وبقيت الأمة، وجاءنا الاستعمار بكل ألوانه وأشكاله وسرقوا أموالنا وديارنا فنصرنا الله. وما زال هذا المسلسل القذر مستمرًا لم يتوقف.

فما الذي كان؟ كان أن زاد المسلمون فأصبحوا أكثر أهل الملل عددًا! الله! أهذا كلام معقول؟ ما هذا الأمر المثير للغيظ!

حرب الإبادة المستمرة ضد المسلمين منذ ألف وخمسمائة سنة والإسلام ينتشر

حرب مستمرة منذ ألف وخمسمائة سنة بالإبادة الجسدية؛ فأبادوا المسلمين في الأندلس، وأبادوا المسلمين في روسيا، وأبادوا المسلمين في الهند والصين، وأبادوا المسلمين وما يزالون يبيدونهم إلى يومنا هذا.

وتسلّطوا على بلاد المسلمين فاستعمروها، وتسلّطوا عليهم فسرقوا الناس واستعبدوهم. ذنوب أمريكا كلها قادمة من المسلمين في غرب إفريقيا.

ألا توجد فائدة؟ ما هذه الواقعة؟ إنها أمر يثير الغيظ! أليس من الواجب أن يحنّ قلبك على هؤلاء الناس؟ هؤلاء الناس لا يعرفون ماذا يفعلون، ماذا؟ مساكين!

عجز الأعداء عن إيقاف انتشار الإسلام رغم كل المحاولات

حسنًا، قاتلونا وقتلناكم، جوّعونا وجوّعناكم، استعمروا واستعمرناكم، ومستمر وليس هناك فائدة. حسنًا، جعلوا المسلمين كسالى فأصبح المسلمون كسالى، وخوّفوهم فأصبحوا خائفين، والإسلام ينتشر! الله!

وبعد ذلك، لا إله إلا الله. حسنًا، ماذا سنفعل؟ هيّا نجلس للصلاة وندعو لأجل هذا أو ذاك ليرضى عنا يا رب! خيّبنا [أنفسنا]! فهو ربنا، هو الذي فعل ذلك.

ماذا أفعل إذن؟ فليذهبوا ويحققوا مع الله! هل سيبارزون الله بالمعصية؟ لأننا نحن لا شأن لنا، نحن أغلب خلق الله وأكسل خلق الله، ولم نترك شيئًا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وخلّفناها في أنفسنا، وما زال الإسلام ينتشر.

تساؤل عن حال الأمة لو عادت إلى حب النبي واتباع سنته

إذن وبعد ذلك، ماذا لو عدنا — يعني هكذا همسًا — ماذا سيحدث؟ وماذا لو أحببناه [النبي ﷺ] في قلوبنا فانطبع هذا في سلوكنا، ماذا سيحدث حينها؟

هذا إذا كانت الحالة متردية ولا نعرف ماذا نفعل، يا لها من حال! فما بالك لو أن القلوب قد صفت، ولو أن القلوب قد جعلته صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة أمامها بأنواره وتقف عند أقدامه.

من خصائص الأمة الإسلامية وحدة الصيام والقبلة والكتاب والنبي والتوحيد

من خصائص هذه الأمة أن جعلها الله واحدة في شهر صيامها، وفي قبلتها، وفي كتابها، وفي نبيها، وفي توحيد ربها سبحانه وتعالى.

فليس هناك نبيّ بعد ذلك النبي، وليس هناك كتاب يُضمّ إلى ذلك الكتاب، وليس هناك قبلة يتشتت حولها المسلمون، وليس هناك شهر يختلفون في صومه؛ فبعضهم يصوم رمضان وآخر يصوم شوال؟ أبدًا!

ومما أنعم الله به على هذه الأمة أن كانت أمة توحيد فكانت أمة وحدة، كانت أمة متميزة فأصبحت أمة واحدة متحدة، فكانت أمة متفردة، أي أنها فريدة متميزة.

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]

كرم الله بالأمة وإبراز قبر النبي وصدق وعده بالتوبة والمغفرة

هذه الأمة أكرمها الله فصدقها:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]

انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى، كيف سنعمل إذا ضاع قبره؟ كانت ستصبح الأمور منتهية ولا معنى لها. تأمّل في الكون، والوحي بأيدينا، نحن الذين دوّنا المصحف فحافظنا عليه.

ما غيرنا كان أكثر ولم يعرفوا كيف يحافظون على شيء. أما نحن فقد وجدنا الشيخ الحصري يقرأ القرآن مثل الشيخ الروكي الذي يقرؤه في أفريقيا، ومثل الشيخ عبد المتعالي الهندي الذي يقرؤه في الهند، هو نفسه! يصحّح للطفل إذا أخطأ في المصحف، هو ليس فيه نسختان: مزيدة ومنقحة.

قصة طريفة عن رجل طلب مختصر القرآن من مكتبة صبيح

في مكتبة اسمها صبيح، جاء رجل من الأرياف، فضحكوا عليه وقالوا له: أتريد أن تحفظ القرآن؟ فقال: أنا لا أعرف. فقالوا له: يوجد شيء اسمه مختصر القرآن، اذهب وأحضره واحفظه، فهو سهل، أسهل من القرآن.

فلما نزل هنا [إلى القاهرة]، ذهب المسكين إلى مكتبة صبيح، رحمهم الله، وقال له: هل لديك مختصر القرآن؟

حسنًا، جلس [صاحب المكتبة] وأخذ يفكر: ماذا أفعل به؟ أأضربه أم أعلّمه أم أعطيه للشيخ؟ وبينما هو يفكر، دخل شخص يسأل عن الكتاب، فقال له: هل لديك مختصر صحيح مسلم للمنذري؟ فقال له [صاحب المكتبة]: خذ هذا [الرجل الذي يسأل عن مختصر القرآن].

القرآن لا يتبدل ولا يتغير وليس فيه اختصار ومنّة الله بإبراز قبر النبي

فالذي سأل عنه كان مختصر القرآن، فاعتبره [صاحب المكتبة] أنه [يسأل عن] مختصر صحيح مسلم هكذا؛ لأنه ماذا سيفعل؟ قال له: خذ هذا، هو مختصر مسلم؛ لأنه ما زال لا يعرف أن القرآن لا يتبدّل ولا يتغيّر وليس فيه اختصار وليس فيه أي شيء.

من [نعم] الله علينا بإبراز قبر نبيه، وتقف أمام المواجهة الشريفة وتقول له: ادعُ ربنا أن يغفر لي، عليه الصلاة والسلام.

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ﴾ [النساء: 64]

قومٌ ربنا وأبرزوا قبره إلى الآن.

دعاء النبي ألا يكون قبره وثنًا وحماية الله للأمة من عبادة محمد

والنبي يقول:

«اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»

يريد [النبي ﷺ] أن يبيّن لك أن هذا الرجل العظيم الذي اسمه سيدنا محمد، إذا دعا استجاب الله له. قامت الأمة بفعل كل خسّة من بعده، إلا أنها لم تعبد محمدًا.

بعضهم عبد سيدنا عليًّا، وبعضهم كفر، وبعضهم... ما يوجد طائفة أبدًا عبدَت سيدنا محمد. هذا من عند الله؛ لم يكن ممكنًا أن يقلّد الناس المسيحيين والبوذيين وغيرهم ويقولوا: لماذا نحن بالذات؟

﴿ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]

لم يُقلَّد، ولم يكن هناك خمسة أو ستة أشخاص يتخبطون في أفكارهم ويعبدون محمدًا أبدًا، تشريفًا له.

حماية الله للمسلمين وستره عليهم وجعلهم أمة تسجد وتجتمع وتعرف قبر نبيها

هذا غير وارد. من عند الله أم لا؟ نعم، إنها من الله. هذا أمر يثير الجنون يا إخواننا! لو كانت هذه الحوادث والأحداث والأفراد ليست من عند الله، بل من عند غير الله، لأصبح الأمر مجنونًا حقًا.

لقد ستر الله المسلمين وطمأن قلوبهم، وهو يطبطب عليهم، وجعلهم أمة تسجد، وجعلهم أمة تجتمع، وجعلهم تعرف قبر نبيها، وحماهم من عبادته، وحفظ لهم الكتاب وكأنه قد نُزِّل الآن.

أليس كل هذا كرمًا؟ وأنت أمام هذا الكرم ماذا تفعل؟ تخرّ ساجدًا، عيناك تدمع وتقول له: ياه، ما أجملك يا رب! هكذا.

الحمد لله على نعمة الإسلام والثناء عليه كما أثنى على نفسه

وتقول له: ياه، من غير حول مني ولا قوة أخرجتني مسلمًا! فالحمد لله رب العالمين، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت أنت على نفسك.

ستقول له: ماذا تحمد الآن؟ فالحمد لا يكفي، ولكن تقول له: أنت كما أثنيت على نفسك، وتنتهي.

فيوم الجمعة يوم مبارك يدلّنا على أن الله قد فضّل بعض الأماكن على بعض. المسجد وما فيه مواضع للذكر، ليست كالأسواق التي تشهد الأيمان الكاذبة والحلفان الباطل والنجاسات والقاذورات الظاهرة والباطنة.

فضل الكعبة المشرفة وأماكن استجابة الدعاء فيها والطواف حول البيت الحرام

الكعبة، كما ورد في الحديث، النظر إليها عبادة، والنظر إلى الكعبة عبادة. وبابها يُسمّى الملتزم؛ لأنه مكان يُلتزم عنده للدعاء حيث يُستجاب الدعاء، تمسك به وتدعو فلا بدّ أن يُستجاب لك.

وكذلك تحت الميزاب، ومن صلّى في حِجر إسماعيل، ومن وقف مقابل الحجر الأسود الأسعد. إنها أماكن طاهرة جميلة.

ومن وقف على الصفا، ومن وقف على المروة وهو يسعى بينهما، وهو يطوف حول البيت الحرام كطواف الملائكة حول العرش. مكان!

تفضيل بعض الزمان على بعض وفضل يوم الجمعة وساعة الإجابة فيه

فكما فُضِّل بعض المكان على بعض، كذلك فُضِّل بعض الزمان على بعض. ففُضِّل يوم الجمعة على سائر الأيام، وفُضِّلت ساعة في يوم الجمعة على سائر ساعاته، على سائر ساعات الأسبوع.

قال رسول الله ﷺ: «إن في الجمعة لساعة لا يصادفها عبد يصلي فيدعو ربه إلا استجاب الله له»

وكان سيدنا عمر [بن الخطاب] رضي الله عنه يقول: إن صاحب الحاجة يمكث اليوم كله [ينتظر تلك الساعة].

لقد اختلفوا أين هذه الساعة؟ فأخفى الله هذه الساعة في يوم الجمعة كما أخفى غيرها في غيرها.

حكمة إخفاء الله لأشياء عظيمة في أشياء أخرى لتحقيق العبادة الكاملة

أخفى [الله] اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى حتى تذكر بكل الأسماء الحسنى. وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس. وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وساعة الإجابة في الثلث الأخير من الليل.

وأخفى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. وأخفى الصغائر في الذنوب لكي تترك الذنوب كلها.

أين الصغائر وأين الكبائر؟ قال لك: لا أعرف. حسنًا، إذن اترك الذنوب كلها! لا تحتقرنّ ذنبًا صغيرًا، فإن الجبال تتكون من الحصى الصغير.

إخفاء ولي الله بين الناس والتحذير من الاستخفاف بأحد

ووليّ الله بين الناس أكثر خفاءً. وليّ الله بين الناس — فهذا الشخص الذي أمامك قد يكون وليًّا من أولياء الله — فاحذر، احذر!

يبدو هكذا حرًّا [بسيطًا]، لا، أنت الذي حرّ [بسيط]، هو ليس حرًّا ولا شيء، الله أعلم. فدعها تمضي هكذا، لا تتدخل، لا ترفع ذيلك [لا تتكبّر]، دعها تمضي هكذا بشكل جميل.

إذا أخفى [الله] أشياء في أشياء، ففي ساعة في يوم الجمعة لا يصادفها عبد يصلي.

الأقوال في تحديد ساعة الإجابة يوم الجمعة بعد العصر وبين الخطبتين

فكانوا يقولون إنها بعد العصر. قالوا: يا بعد العصر في صلاة؟ قال: لا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جلس بعد الصلاة يسبّح وكذا فهو في صلاة»

فتكون هذه صلاة، أي امتداد، يعني امتداد الجلسة التي بعد الصلاة.

وقيل إنها عندما يجلس الخطيب بين الخطبتين؛ لأنه عندما يدعو في خطبة النعت — الخطبة الثانية في الجمعة اسمها خطبة النعت — كأنك تصف فيها ربك بما يستحق وتدعوه، هي مُصمّمة هكذا لتدعو فيها. فيسمّيها العلماء خطبة النعت، يعني الصفة.

الدعاء بعد خطبة النعت رجاء موافقة ساعة الإجابة يوم الجمعة

في خطبة النعت قال [العلماء]: تأتي بعد ذلك ساعة، فتقوم فتلحق أن تدعو لنفسك وتقول: لعلها تكون ساعة الإجابة، يا رب تكون هذه ساعة الإجابة.

فيوم الجمعة يوم عظيم الشأن، تسعى فيه إلى الصلاة.

ومن تخلّف عن الصلاة بلا عذر، ما هو العذر إذن؟ المطر، المرض، كبر السن. قالوا: السمنة [المفرطة]؛ شخص بدين جدًا، خمسمائة رطل، لا يستطيع الحركة، لا يقدر على النزول، ولو نزل وصعد قد يُصاب بنوبة قلبية. ليس بالضرورة أن يكون ذلك من كثرة الأكل، ربما يكون مسكينًا يعاني من الغدد.

حكم صلاة الجمعة لمن لا يستطيع الحركة وهل هي صلاة مستقلة أم بديل عن الظهر

المهم إنه مفرط في السمنة، لا يستطيع أن يتحرك. قالوا: هذا لا تجب عليه صلاة الجمعة.

صلاة ظهر الجمعة هذه مستقلة بذاتها أو أنها بديل عن الظهر؟ الراجح أنها مستقلة بذاتها هكذا. ولذلك الإمام أحمد [بن حنبل] أخذ حديث مسلم أنه يجوز صلاتها في وقت الضحى؛ حديث: «نصلي وبعد أن نصلي نذهب، كان لم يؤذَّن للظهر بعد».

وتجد الجماعة السعوديين يسيرون على هذا المذهب؛ عندما تذهب إلى الرياض تجدهم ينهون صلاة الجمعة في الساعة الحادية عشرة والنصف أو نحو ذلك. انتهوا من الجمعة وخلاص.

جواز صلاة الجمعة قبل الظهر عند بعض العلماء والخروج من الخلاف

حسنًا، ربما هذا جائز، والذي نقوم به بانتظار أذان الظهر يكون أفضل وأجمل لكي نخرج من الخلاف. إنما إذا فعله أحد فهم مسلمون طيبون.

وهذا يدلّ [على] أنها صلاة مستقلة؛ لأنها لو كانت تابعة للظهر تمامًا ما كان فيها خلاف، وما كان يجوز أن تؤدّى قبل صلاة الظهر.

الخوف [من الأعذار المسقطة لصلاة الجمعة]، مثل أن يكون هناك مظاهرات أو إطلاق نار في الشارع أو ما شابه ذلك، فلا تذهب لصلاة الجمعة. أما من غير عذر، فقم، وليسامحك الله في المرة الأولى.

عقوبة ترك صلاة الجمعة ثلاث مرات متتالية والطبع على القلب

ثالث مرة، الثالثة، ما هي ثابتة؟ من أين جاء الناس بهذه الأمور؟ الذي يطلّق المرأة الثالثة لا يمكن أن ترجع إليه زوجته، والذي يتغيّب ثلاث مرات متتالية عن صلاة الجمعة يُطبع على قلبه والعياذ بالله.

وما ضرر طبع القلب هذا؟ أنك تبقى شهورًا تذكر الله حتى يُمحى هذا الطبع. مثل عندما يكتب المرء بالحبر، وعندما يكتب بماذا؟ بالرصاص. الرصاص قابل للمسح بسرعة، لكن الحبر لا تستطيع مسحه، تظلّ تحكّه حتى يتمزّق الورق.

معنى الطبع في اللغة وعلاقته بالتنجيس وربطه بمفهوم التطبيع مع إسرائيل

ومعنى الطبع في اللغة هكذا هو التنجيس والتدنيس. طبع على قلبه يعني أن هناك شيئًا غير نظيف وُضع على قلبه.

ولذلك عندما جاءت — انظر إلى العلاقة — بين إسرائيل وقالوا: نريد أن نفعل ماذا؟ تطبيع! يعني التنجيس، أتفهم؟ هذا من عند الله، وما شأني بذلك، هكذا اللغة.

ماذا يعني التطبيع؟ التنجيس! قال: بعد أن جعلوها دماءً ويقتلون أبناءنا في فلسطين، قال: ما زلنا نُطبِّع؟ أيّ تطبيع؟ يعني نُنجِّس! فقل ما تقول، ولن نتأثر. إننا لا نتقبّل هذا التطبيع.

رفض التطبيع مع إسرائيل لأنهم أمة مجرمة تذبح الأطفال والشيوخ

فما مدى طوله؟ ثلاثون سنة حتى الآن، وها هو يدخل في الثلاثين. لماذا لم نطبِّع معهم؟ لأنهم مجرمون، أمة مجرمة، أمة تذبح الأطفال والشيوخ في دير ياسين وفي كفر قاسم وفي كل مكان.

في البوسنة كانوا يحرقون المساجد، والملحدون الذين هناك والذين هم الصرب. والمسلمون أغلقوا الكنائس وتركوها، قالوا: ديننا لا يسمح بأن نحرق الكنائس؛ لأن ديننا لا يسمح لنا بشتم سيدنا عيسى.

حسنًا، فمن يشتم سيدنا عيسى منّا ماذا يكون؟ كافر! وكذلك الأمر مع سيدنا موسى.

أدب المسلمين في عدم الرد على الإساءة لنبيهم بشتم أنبياء الآخرين

ولكن عندما يسيئون أدبهم على سيدنا محمد سيد الخلق، هل يجوز أن نردّ عليهم بشتم نبيهم؟ لا يجوز!

انظر، انظر كيف نحن أناس راقون ومتحضرون! انظر كيف أننا لا نستطيع أن نسيء إلى آدابهم كما يسيئون إلى آدابنا.

كيف ربّى الله المسلم؟ ماذا علّمه ربه؟ نحن متربّون حقًا. ومن يتطاول على سيدنا رسول الله فهو قليل الأدب وغير متربٍّ. أما المسلم فقد رباه ربه.

لذلك سكتنا وضبطنا أنفسنا وقال [الدين]: اسكت! الحقيقة هكذا: أن هذا الرجل عظيم الذي اسمه سيدنا عيسى، وأن هذا الرجل عظيم الذي اسمه سيدنا موسى، هذا كليم الله حاضر؛ لأننا أصحاب حق وحقيقة.

يوم الجمعة من كرم الله على الأمة المؤدبة والمؤدب يُكرم ولا يُعذب

حق والحقيقة إن كل هذا من يوم الجمعة. نعم، الله! لأن الله قد أكرمنا به.

حسنًا، لماذا أكرمنا؟ لأننا مؤدبين! والمؤدب نعطيه جائزة ولا نشدّد عليه، نعطيه جائزة، والمؤدب نرحمه ولا نعذّبه.

بسم الله الرحمن الرحيم، ربك هو يكلّمك، يقول لك ماذا؟ بسم الله الرحمن الرحيم، وليس بسم الله الرحمن المنتقم! يقول لك: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني سأغمرك في رحمتي.

الشيخ سيد: نعم يا حبيبي، يا رب! هي ربٌّ يقول لي: سأغمرك في رحمتي! يا حبيبي، يا رب رحمة!

﴿وَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الشورى: 5]

آداب يوم الجمعة عند الإمام الغزالي واستحباب الغسل والنظافة والتبكير

وبعد ذلك جلس سيدنا الشيخ الإمام الغزالي يخبرنا أن هناك أمورًا وآدابًا كلها تُظهر أن المسلم رجل مؤدب، شخص مؤدب، هكذا مسلم.

لماذا؟ ماذا يقول من هذه الآداب؟ يُستحب الغسل فيه؛ حين تذهب تغتسل. انظر النزاهة، انظر النظافة، انظر الحلاوة!

تغتسل يوم الجمعة حيث تكون الدنيا مزدحمة، لا نريد العرق وما شابه وتكون متضايقًا. قم فاغتسل وخذ من شعرك وقلّم الأظافر. إنه والله ذاهب نظيفًا، وليست يداه مليئة بالقاذورات.

يأخذ من شعره ويذهب مبكرًا إلى الجامع. قم واذهب هكذا، استرح قليلًا، من أجل هذه تكون في أمر جميل داخلًا وخارجًا.

الذكر والتلاوة قبل الصلاة والخشوع كتهيئة للنفس يوم الجمعة

يجلس يذكر، يجلس يصلي، يجلس يتلو، يسير هكذا يؤدّب نفسه. ليس يلعب كرة وهو ذاهب ويمرّر الكرة، لا! إنه ذاهب بخشوعه هكذا.

إذن ما فائدة هذا الخشوع؟ ينظّم النفس. وتنظيم النفس ماذا يفعل؟ يهدّئ البال. وتهدئة البال ماذا تفعل؟ تُحضِر الخشوع في الصلاة.

هذه تهيئة للخشوع في الصلاة، متواضعًا مبادرًا إلى ندائه تعالى.

آداب الدخول إلى المسجد وعدم تخطي الرقاب وصلاة تحية المسجد

وبعد ذلك لا يتخطى رقاب الناس إلا إذا وجد فجوة قصّر الناس في ملئها، لكي يأتي الناس ويترك مكانًا لغيره. ولكن يجب ألا يستخفّ بالأمر ولا يركب رقاب الناس؛ لأن هذا يُعتبر فيه أنانية.

وإذا دخل المسجد ركع ركعتين [تحية المسجد] ولو الإمام يخطب — وهذا مذهب الشافعية — ولا يمرّ بين يدي الناس، بل يجلس إلى أقرب أسطوانة، أدبًا.

واحد نفسيته هادئة، لا يريد أن يشاكس مع أحد، نظيف في الخارج، نظيف في الداخل.

حكم الكلام أثناء خطبة الجمعة وحديث من قال لصاحبه أنصت فقد لغا

وبعد ذلك تبدأ الخطبة فيستمع للموعظة.

قال رسول الله ﷺ: «من قال لصاحبه والإمام يخطب: أنصت، فقد لغا» رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم

قال: ومن لغا فلا جمعة له. هذا أخرجه كثيرون، أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم.

أما هذه الزيادة «ومن لغا فلا جمعة له» فإنهم لم يخرّجوها. شيخ مشايخنا الشيخ أحمد بن الصديق الغماري جلس يبحث عنها، وكان من كبار المحدّثين، فلم يجدها.

قصة الشيخ الغماري ووجود سند حديث ومن لغا فلا جمعة له في تاريخ واسط

ثم بعد ذلك كان [الشيخ أحمد بن الصديق الغماري] هنا عند الخانجي في شارع عبد العزيز، فوجد نسخة من تاريخ واسط لبحشم — تاريخ واسط لشخص اسمه بحشم — فوجد الحديث مسندًا فيه وفيه الزيادة: «ولم تكن جمعة له».

فقال لبائع الكتب — الله يرحم الجميع —: أشتري هذا. قال له: نحن نطبعه يا مولانا. فقال له: أشتريه بوزنه ذهبًا! يعني يضعه هكذا وينظر كم مقدار الذهب ويعطيه وزنه ذهبًا.

قال له: الله! اشتره بوزنه ذهبًا؟ هذا أنا كنت سأعطيك هدية لو كانت ثقيلة عليّ قليلًا. لكن لماذا؟ قال له: وجدت فيه سندًا لم أجده في كتب الحديث. انظر كيف كانوا يحبون سنة رسول الله!

قصة الشيخ أحمد بن الصديق مع الشيخ محمد أمين البغدادي ورؤية أنوار النبوة

الشيخ أحمد بن الصديق كان يحفظ خمسين ألف حديث. زار الشيخ محمد أمين البغدادي هنا [في مصر]، وزاروه في خلوته في الظاهر جشنكير.

وجاؤوا ليصعدوا، فقال له [الشيخ محمد أمين]: تفضّل يا سيدي أحمد بن الصديق. هو الصغير ومحمد أمين كبير. فأصبح أحمد يقول لمحمد: تفضّل يا سيدي، اصعد أنت أولًا لأنك الكبير.

قال [الشيخ محمد أمين]: اخرجوا، وأنا أرى نور النبوة يتلألأ في صدرك! ما هو حافظٌ للأحاديث بأسانيدها وكان من كبار الحفاظ.

قالوا: إذا كنتُ أرى بعيني الآن أنوار النبوة تتلألأ في صدرك، فكيف أخرج؟ انتبه!

من يرى أنوار النبوة في صدر حافظ الحديث يكون وليًا كبيرًا

إن من يرى أنوار النبوة في صدر الحافظ للحديث النبوي يكون وليًّا كبيرًا جدًا — هو الثاني [الشيخ محمد أمين] — انتبه للكلام!

وإنما يقول: كيف أخرج وأرى تتلألأ أنوار النبوة في صدرك؟ رضي الله تعالى عنهم. ولم يرضَ أن يخرج، فخرج الشيخ أحمد بن الصديق.

ودعا له الشيخ محمد [أمين البغدادي]، دعا لمن؟ للشيخ أحمد بن الصديق. شيخ توفي سنة أربعين، والآخر توفي سنة ستين، أي بين وفاتيهما عشرون سنة.

نور سنة رسول الله في صدر حافظ الحديث وأهمية الجمع بين الظاهر والباطن

إذن هي سنة رسول الله. ما الذي نستفيده؟ نعم، هذا مات وهذا مات وهذا مات، لكن هذا نور! فعندما يكون حافظًا للنور يصبح شيئًا آخر.

كيف أخرج وأرى نور النبوة يتلألأ في صدرك؟ أنوار النبوة التي هي الأحاديث والسنة.

فجلس رضي الله تعالى عنه يبيّن لنا هذه الآداب التي تعني أنه لا بدّ من الجمع بين الظاهر الطاهر وبين الباطن النقي. فلا هذا يُغني عن ذاك، ولا هذا يحلّ محل هذا أبدًا.

فالظاهر والباطن أخوان بهما التقوى. وهكذا يعلّمنا أهل الله رضي الله تعالى عنهم.