برنامج إحياء علوم الدين | حـ10 | التكبر | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 10 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ10 | التكبر | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 10 | أ.د علي جمعة

22 دقيقة
  • الكبر مرض قلبي له مظهر باطن وآخر ظاهر، فالباطن خلق نفسي، والظاهر يظهر في أعمال الجوارح.
  • الكبر يمثل عقبة كؤود تحول بين العبد وأخلاق المؤمنين كلها، وعندما يدخل القلب يُطبع عليه ويصير الإنسان جبارًا.
  • عرّف النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بأنه بطر الحق وغمط الناس، أي استصغارهم واحتقارهم.
  • من أسباب الكبر: العلم، والعبادة، والحسب والنسب، والجمال، والمال، والقوة والسلطة والجاه.
  • حذر الإسلام من الكبر لقوله تعالى: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في النار ولا أبالي".
  • يقابل الكبر التواضع الذي يزيد صاحبه عزة، كما قال النبي: "ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".
  • التواضع الحقيقي هو في غير مسكنة أي لا يظهر الإنسان التذلل المتكلف.
  • أمر الإسلام بالتواضع ونهى عن التفاخر والتمييز العنصري.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن الكِبر

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين.

يسعدنا ويشرفنا أن نكون مع حضراتكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة العالم الجليل الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا ومرحبًا، أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: فضيلتكم يا سيدنا في الحلقة الماضية من إحياء علوم الدين كنا نتحدث عن العُجْب، وفضيلتكم قلتم لنا أن العُجْب والكِبر وجهان لعملة واحدة. نريد اليوم أن نتحدث عن الكِبر يا سيدنا؟

تعريف الكِبر الباطن والظاهر والفرق بينهما

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، عليه الصلاة والسلام. الكِبر منه ما هو باطن ومنه ما هو ظاهر.

الباطن هو عبارة عن شيء يقوم في القلب، مرض من أمراض القلوب، الباطن هو عبارة عن خُلُق نفسي. لكن الظاهر يتأتى في أعمال الجوارح؛ يعني شخص يرفع رأسه هكذا وينظر إليك باستعلاء، هذا هو الكِبر الظاهر، كِبر ظاهر.

قد لا يكون في قلبه شيء، نعم، لكن عادةً ما يكون أن هناك شيء ما. لكن من الممكن أن تكون حركاته هكذا، فيقال لك: الله، لماذا هذا الشخص متكبر! هو جالس يضع رِجلًا على رِجل مثلًا هكذا، هو ليس متكبرًا ولا شيء، إن قلبه يذكر ربنا، نعم، ولكن هيئته هكذا، عادته هكذا، مشيته هكذا، طريقته هكذا.

النهي عن الكِبر ظاهراً وباطناً وقصة أبي دُجانة في التبختر عند الجهاد

الكِبر عندما جاء النهي عنه، نُهي عنه في الظاهر والباطن؛ يعني قالوا: لا تتكبر ظاهرًا ولا تتكبر باطنًا. ما شاء الله، كان أبو دُجانة يمشي هكذا متبخترًا بكبرٍ وما إلى ذلك، فقال [النبي ﷺ]: هذه مشية لا يحبها الله إلا في هذا الموطن، موطن الجهاد في سبيل الله.

كان يتبختر في الميدان، كان يتبختر هكذا، نعم؛ لأن ذلك يجعل الناس تشعر بالعزة والكرامة وما إلى ذلك. فهو ليس المقصود به التكبر في الأرض، وإنما المقصود به شحذ الهمم، ما شاء الله، نعم، إنما الأعمال بالنيات.

النهي القرآني عن المشي في الأرض مرحاً والأمر بالتواضع والسكينة

لكن حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من هذا ومن ذاك، نعم.

﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: 37]

لا تمشِ هكذا، ما هذا التباهي والتفاخر الشديد؟ امشِ في الأرض بالسكينة والهدوء والتواضع، بحيث أنه إذا نظر الناس إليك ذكروا الله، لا إله إلا الله، يعني يتذكرون ربنا.

نعم، وليس يتذكرون الأبالسة والفراعنة والمفسدين في الأرض، لا، بل إنما يتذكرون الله. وخيركم من إذا نظر الناس إليه فذكروا الله؛ يعني ينظرون إليه هكذا فيقولون: لا إله إلا الله، انظر كم هذا الرجل جميل، انظر كيف عليه سَمْت، انظر كيف أن الإيمان يا أخي يشع من [وجهه]، انظر النور على وجهه، انظر النور.

هذا الكلام له واقع، نحن نشاهد أن الناس الطيبين يظهرون أمام الناس بأنهم طيبون.

حديث لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر وبيان خطورته

فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر»

لا إله إلا الله، وفي رواية ثانية: «من كان في قلبه مثقال ذرة، مثقال حبة من خردل». وقلنا قبل ذلك أن حبة الخردل هذه تساوي ماذا؟ الجرام ستة آلاف حبة، حبة خردل ستة آلاف حبة، أي إن حبة خردل تساوي ستة من ستة آلاف من الجرام، ستة من ستة آلاف، يعني ستة من ستة آلاف، أي واحد من ستة آلاف، واحد من ستة آلاف، واحد على ستة آلاف من الجرام، من هذا الجرام.

يعني شيء بسيط يا أخي، لكن الكِبر في الحقيقة يَحول [بين العبد وبين الخير].

قاعدة أن الكِبر عقبة كؤود تحول بين العبد وأخلاق المؤمنين

انظر إلى القاعدة الآن: الكِبر يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها، كأنه عقبة كؤود.

منشأ الكِبر استحقار غيري؛ أبصله هكذا وأزدريه وأستصغره وأحتقره، فيحدث عندي الكِبر. ولذلك قال رسول الله ﷺ لما قالوا: يا رسول الله، أحدنا يحب أن يكون ثوبه جميلًا وأن يكون نعله جميلًا، قال:

قال رسول الله ﷺ: «هذا ليس الكبر، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس»

يعني أنك تتكبر على الخلق بمعنى أنك تستصغرهم، بمعنى أنك تحتقرهم، بمعنى أنك أنت تنظر إليهم من عُلُوٍّ. نعم، يقولون عليها هكذا، وعُلُوٍّ هنا مضمومة، ليست من عَلٍ، نعم تصح من عَلٍ، لكن الأفصح من عُلُوٍّ، نعم من عُلُوٍّ، يعني من عُلُوٍّ أو من مكان عالٍ، من مكان عالٍ فينظر إليه من عُلُوٍّ هكذا.

الآية القرآنية في صرف المتكبرين عن آيات الله وأن الكِبر يمنع كل خلق حسن

لا، نحن يجب علينا أن نهتم بتخلية القلب عن الكِبر. ربنا قال:

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَـٰفِلِينَ﴾ [الأعراف: 146]

انظر، هذا هو الكِبر. الكِبر عقبة كؤود تمنع من كل أخلاق المؤمنين، كما قلنا هذه القاعدة العظيمة: الكِبر عقبة كؤود تمنع أو تحول بين المرء وبين أخلاق المؤمنين.

يريد أن يكون [متخلقًا بأخلاق المؤمنين]، يعني لن تتحلى بشيء، انتهى الأمر، ما دام الكِبر ساكنًا في القلب.

الطبع على القلب بسبب الكِبر وتحول المتكبر إلى جبار

فلما يدخل الكِبر القلب - والعياذ بالله تعالى - يحدث أنه يُطبع على القلب، يُطبع على القلب يعني يُختم عليه. الطبع على القلب هذا يجعل القلب قاسيًا ويجعل الإنسان جبارًا.

﴿ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]

يا لطيف! انظر إلى الكلمة «كذلك»، يعني يعني شيئًا أن يطبع الله على كل قلب متكبر جبار، على كل قلب متكبر يطبع ربنا على قلبه، ويترك الكبر بداخله فيضيع شيئًا فشيئًا، ويتحول المتكبر إلى جبار، يتحول المتكبر إلى جبار.

جميل، ربط الاثنين مع بعضهما في الآية هي أنه عندما يُطبع على كل قلب متكبر يصبح جبارًا.

الجبار العنيد وخيبته وبغض الله للمستكبرين

[المذيع]: وقد أصبحت وصفًا واحدًا أن المتكبر يصبح جبارًا كما أوضحت لنا فضيلتك سيدنا، أن التواصل بينه وبين باقي الخلق قُطِع.

[الشيخ]: بالطبع، نعم، أصل هذا الجبار ماذا يحدث فيه؟ يحدث فيه؟ العِناد، يحدث فيه الخيبة؛ لأنه ضد، ضد التيار الذي قدره الله، الذي خلق هكذا.

﴿وَٱسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15]

الجبار لن يُفلح أبدًا، نعم.

﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: 23]

نعم، فلنرَ ما الذي يحبه الله وما الذي لا يحبه الله. الله لا يحب المستكبرين.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]

يا لطيف!

الحديث القدسي في نزاع المتكبر مع الله في الكبرياء والعظمة

[المذيع]: حسنًا، وبعد ذلك؟

[الشيخ]: يعني لا الدنيا نافعة ولا الآخرة نافعة. حسنًا، وإذا كان هذا عقبة كؤود، وإذا كان هذا يطبع على القلب، وإذا كان هذا يؤدي إلى التجبر الذي يكرهه الله، وإذا كان هو نفسه يعني ربنا يكرهه، وإذا كان هذا فيه نزاع مع الإله في الحديث القدسي يقول الله تعالى:

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي» رواه البخاري

ولا أبالي، لا إله إلا الله، يا لطيف! انظر إلى كلمة «ولا أبالي» هذه، والحديث هذا صحيح أخرجه البخاري.

نعم، فيها أن الله على كل شيء قدير. هكذا أنت ستضيع نفسك، ولا أبالي بعمله، يعمل ولا أي شيء، تكبّر، لست أريد منه شيئًا، ولا أبالي أيضًا بعذابه، ولا أبالي بأخذه، ولا أبالي به؛ لأنه ضيّع نفسه.

التواضع والعفو يزيدان العبد عزة ورفعة عند الله

جميل، في مقابل الكِبر هناك التواضع، نعم، هناك سيدنا [النبي ﷺ] وهو يعلمنا ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزة»

عندما أعفو عنك، فأنت أخطأت في شيء أو أنا أخطأت فيك وأنت عفوت عني، لن تزداد إلا عزة، نعم، ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزة.

«وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»

[المذيع]: على خلاف الناس يا سيدنا الآن الذين يقولون إن هذا الرجل يقلل من شأني، أنا يجب أن آخذ حقي بذراعي.

[الشيخ]: النبي يوضح لنا أن التواضع والعفو يجعلان الإنسان عزيزًا. هذا مسكين، نعم مسكين الذي يقول هكذا، حكاية هذا مسكين لا يفهمها، نعم لا يفهمها.

حديث طوبى لمن تواضع في غير مسكنة وأنفق مالاً جمعه في غير معصية

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «طوبى لمن تواضع في غير مسكنة، وأنفق مالًا جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة» أخرجه البيهقي

أي أنه لا يُظهر ذلك [التواضع] لأنه شخص متواضع ولا حول له، هذا يفعل هكذا لله. طوبى لمن تواضع في غير مسكنة، وأنفق مالًا جمعه في غير معصية، ما شاء الله.

ليس عندما جمعه وأصبح غنيًا ذهب ليتمادى في المعاصي، لا، وإنما أنفق في سبيل الله، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، أخرجه البيهقي.

العودة من الفاصل واستكمال شرح حديث طوبى ومعنى كلمة طوبى

[المذيع]: حسنًا، هل يمكن يا سيدنا نتوقف عند هذا الحديث ونعود بعد الفاصل لنستكمل الأنوار التي نستخرجها من هذا الحديث.

فاصل، ونعود إليكم فابقوا معنا، فاصل ثم نواصل.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. وحلقة اليوم عن الكِبر.

قبل أن نذهب إلى الفاصل يا سيدنا، كانت فضيلتك تشرح لنا أو تخبرنا عن الحديث النبوي الشريف: «طوبى لمن تواضع لله في غير مسكنة».

[الشيخ]: نعم، طوبى اسم من أسماء الجنة. ولذلك عندما ألّف المؤلفون حول أفلاطون، ألّف [أفلاطون] الجمهورية وآخر ألّف المدن الفاضلة، فيقول لك هذا طوبائي؛ يعني يريد أن يجعلنا نعيش في الجنة، نعم، يعني على غير قوانين الدنيا.

شجرة طوبى في الجنة ومسيرة خمسمائة سنة تحت ظلها

فطوبى هي الجنة أو هي شجرة في الجنة، شجرة في الجنة، ما شاء الله، لكنها شجرة كبيرة بعض الشيء، مسيرة السائر فيها خمسمائة سنة، خمسمائة سنة تمشي تحت ظل ورقها.

نعم، يعني شيء كبير هكذا بحيث أنه عندما أسير على قدمي آخذ خمسمائة سنة، ما شاء الله! انظر كم يبلغ حجمها، هذه يمكن حسابها، نعم.

لكن طوبى، فطوبى هذه شيء مثل ماذا؟ النعمة التامة أو مثلًا الجنة، نعم.

شرح شروط نيل طوبى من التواضع والإنفاق ومخالطة أهل الفقه والحكمة

[المذيع]: حسنًا، هل ستكون هذه الطوبى خاصتي أو سأدخلها إذا كان اسمًا من أسماء الجنة؟

[الشيخ]: لمن تواضع في غير مسكنة ولم يُذِلّ نفسه ولم يفعل ذلك، وأنفق مالًا جمعه في غير معصية. جمعه ليس من غير معصية، لا، هو قد جمعه جمعًا سليمًا، لكنه أنفقه في غير معصية، في غير معصية.

ورحم أهل الذل والمسكنة الحقيقية، المسكنة غير المُتكَلَّفة، وخالط أهل الفقه والحكمة، ما شاء الله.

وهذه هي آفة من آفات العصر الذي نعيش فيه، أن الناس لم تخالط أهل الفقه والحكمة، إنما خالطت أهل الدعوة والتصدر. لا بد أن تسأل أهل الذكر، ولابد أن تخالط أهل الذكر.

أهمية مخالطة أهل العلم وأن كل عائلة كان لها شيخ في مصر

كان عندنا في مصر منذ خمسين سنة فقط، كل عائلة لها شيخ، نعم، تخالطه لأجل الحديث، تخالطه وتسمع منه، يأخذون أنوارًا هكذا، ويأخذون علمًا صحيحًا، علمًا صحيحًا موثقًا.

نعم، ففي الحقيقة إن الشرع نهانا عن الكِبر، وهذا الكِبر أحيانًا يؤدي إلى الإسراف، والله لا يحب الإسراف ولا المسرفين.

﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

وسيدنا النبي فيما أخرجه البخاري:

قال رسول الله ﷺ: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سَرَفٍ ولا مَخِيلة، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» رواه البخاري

لكن لا يحب الإسراف، إنه لا يحب المسرفين. هذا مبدأ عام في الشريعة أتى من هذا.

أقسام الكِبر وأسبابه منها العلم والعبادة والحسب والنسب

[المذيع]: سيدنا، في ناس متصورة أن الكِبر يكون فقط بالجاه والنفوذ أو بالمال. هل هناك أقسام أو أشياء وأسباب تجعل الإنسان متكبرًا غير المال وغير الجاه أو معهما يعني؟

[الشيخ]: هناك أسباب كثيرة للكبر أو يمكن أن نقول عليها أقسام للكبر:

منها العلم، العلم يتكبر بعلمه - أعوذ بالله - ولذلك في حديث يعني يقول أنه يوم القيامة سيؤتى بالعالِم والقارئ والمجاهد ويدخلون النار. وطبعًا هذا الحديث عجيب الشأن، أول ثلاثة يدخلون النار، كيف هذا؟ هذا شهيد وهذا عالِم من مداد العلماء وما إلى ذلك. قال لك: لا، الأمر يتعلق بالنية والقلب، فالحديث طويل ومعروف.

السبب الثاني: العمل والعبادة، أي ولذلك قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم»

لا إله إلا الله.

وقال رسول الله ﷺ: «التقوى هاهنا» وأشار إلى صدره

وربنا قال:

﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]

الكِبر بالحسب والنسب وقصة أبي ذر مع بلال رضي الله عنهما

السبب الثالث: الحسب والنسب، الذي نسمعه: أنت لا تعرف أنا ابن من؟ أنت لا تعرف مع من تتحدث؟ نعم.

قال [أبو ذر رضي الله عنه]: قاولت رجلًا، يعني أبو ذر يقول هكذا: قاولت رجلًا، قاولت رجلًا يعني تحدثت معه، نعم، قاولت رجلًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا ابن السوداء، يا ابن السوداء.

يبدو أنه سيدنا بلال، نعم، أغضب سيدنا أبو ذر في أمرٍ ما، وتبادلا كلامًا حادًا أثناء جلوس سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام. فقال أبو ذر لبلال: يا ابن السوداء، ذلك لأن أبا ذر كان عربيًا غفاريًا، وكانت العرب تفتخر بنفسها وترى أنها أعلى مكانة من الأجناس المحيطة بها.

نعم، فقال له: يا ابن السوداء معيّرًا إياه بأصله الحبشي.

غضب النبي ﷺ من التمييز العنصري وتواضع أبي ذر الشديد توبةً

فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليه الصلاة والسلام، وقال:

قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل»

عليه الصلاة والسلام، انظر! انظر! انظر الآن! هذا هو هدم العنصرية حقًا وهدم التمييز العنصري.

فقال أبو ذر: فاضطجعت، فنزل إلى الأرض، لا إله إلا الله، يعني انظر! انظر! انظر هذا التأثير، ما هذا؟ قلب أبي ذر، آه الحمد لله. ثم نام على الأرض تحت رِجل بلال، لا إله إلا الله.

نام هكذا على الأرض مباشرةً هكذا، يقول له: ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل. بعدما رأى الغضب في عينيه والغضب في وجهه عليه الصلاة والسلام.

فقال: فاضطجعت وقلت للرجل: قم فطأ على خدي، يا إلهي، ضع قدمك على وجهي هكذا؛ لأن هذا ابن البيضاء وأنت ابن السوداء، قدمك فوق رقبتي؟ مزيد من التواضع لكي يغطي موقف الكِبر الذي صدر منه.

تأثير توبة أبي ذر على بلال ونقاء قلوب الصحابة من الكِبر

ما هذا؟ ماذا يفعل هذا؟ كيف يعني؟ يعني لم يقل له متأسف يا سيدي، لا، لم يقولوا هكذا. لقد ذهب ونام على الأرض، وتقلّب، أي أنه لم يستطع أن يستقيم بطوله، فذهب ونام على الأرض، ووضع خده على الأرض ونظر إليه هكذا.

هذا المشهد يجعل بلالًا يبكي حقًا، نعم، صاحب الحق؛ لأنه [أبو ذر] غلط في حقه، ذهب وافترش الأرض، وقال له: طأ على خدي، لا إله إلا الله.

هذه الرواية فيها زيادات في روايات أخرى، نعم، يقول لك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له:

قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية»

يعني التمييز العنصري من الجاهلية، مرفوض في الإسلام.

عفو بلال عن أبي ذر ونقاء قلوب الصحابة من الكِبر والتفاخر بالجمال كسبب للكبر

وفي رواية أخرى أن سيدنا بلال عفا عنه، نعم، قال له: حسنًا، نحن لا نقصد، هذه كلمة خرجت على لسانه هكذا وكذا. ما هذه الناس التي تحب بعضها؟ ما هذه القلوب؟ إنها قلوب طاهرة من الكِبْر، ما شاء الله.

الكِبْر هنا جرى على لسانه في لفظه «يا ابن السوداء» متغيظًا منه وليس شيئًا آخر، لا يجد ما يقول له. ولكن انظر إلى التصرف السريع وكيف يدل على نقاء القلب واستعداده للتلقي.

سبب آخر من أسباب الكبر، ويمكن أن تقول إنه قسم من أقسامه، هو التفاخر بالجمال، نعم، أن يكون المرء معجبًا بنفسه، أي معجبًا بجماله. وطبعًا هذا يكثر في السيدات؛ لأن الجمال مقصود في المرأة، والجمال هو [ما] المرأة تحبه، فتفتخر به على نحو صحيح. لكن أيضًا هو موجود في الرجال، نعم، موجود أيضًا في الرجال ولكن ربما بطريقة أقل قليلًا.

الكِبر بالمال والقوة والسلطة والنفوذ وخطورة التمسك بالكرسي

النوع الخامس: الكِبر بالمال، قد تحدثنا عنه.

السادس: الكِبر بالقوة والسلطة والجاه والنفوذ؛ يعني تجد أنه متكبر بجسده، أنا رجل ألعب حديدًا، لدي عضلات، أو السلطة أو النفوذ، نعم النفوذ.

وتجده زاهدًا يا أخي، تجده يتعشى جبنًا، نعم، وزاهدًا في الدنيا، إنما ليس زاهدًا في السلطة، نعم، الكرسي الذي جلس عليه لا يريد أن يتركه، ولو جادله عليه أحد لقتله، نعم.

تكبره كبير جدًا، ولكنه ليس في المال، هذا لم يأتِه في المال، لا يجمع المال، لا يقتل، لكن لا أحد ينزع منه السلطان أبدًا.

نماذج من الجبابرة الزاهدين في المال المتمسكين بالسلطة وأنواع الكبر الأخرى

[المذيع]: أنت قلت تعبيرًا جميلًا جدًا أنه من الممكن أن يكون يتعشى قطعة جبن بخبز ناشف، لكن لا أحد يأخذ الكرسي الذي يجلس عليه.

[الشيخ]: ورد هذا عن كثير من الجبابرة؛ يعني الناس التي كانت جبارة جدًا وتأكل كسرة خبز فقط، لا تهمه هذه الحكاية، ليست لديه كبرياء ولا شهوة للنساء، وليست لديه شهوة للطعام، وليست لديه شهوة للملبس، فهو يرتدي أي شيء، ولكن السلطة لا! إن هذه العملية خطيرة جدًا، فهذا أيضًا من أبواب الكِبر.

حسنًا سيدنا، الوقت مع فضيلتك يمضي. هناك بالطبع كِبر يكون بالعدد أو بالذرية أو بالأولاد والجاه وما إلى ذلك، والحاشية وغيرها إلى آخره.

ختام الحلقة والدعاء للشيخ علي جمعة والتوديع

[المذيع]: نعم، حفظك الله يا سيدنا ونفعنا بعلمك وزادك علمًا ونفع المسلمين بعلم فضيلتك يا مولانا. الوقت يمضي، ووقت الحلقة قد انتهى.

اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على هذا الجهد من فضيلته وعلى هذا العلم.

على وعد باللقاء مع فضيلته إن شاء الله في حلقات قادمة من برنامجكم إحياء علوم الدين، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.