اكتمل ✓
تفسير سورة النساء آية 95 وجهاد النفس الأكبر وفضل المجاهدين - تفسير, سورة النساء

ما هو جهاد النفس وما الفرق بينه وبين الجهاد الأصغر في سورة النساء؟

جهاد النفس هو الجهاد الأكبر الذي يصاحب المسلم طوال حياته، وسُمي أكبر لأنه مستمر في كل وقت بخلاف القتال الذي ينتهي بانتهاء الحرب. أما الجهاد الأصغر فهو القتال في سبيل الله، وهو نوع من أنواع الجهاد لا كله. وقد بيّن الله في الآية 95 من سورة النساء أن المجاهدين أعلى درجة من القاعدين، مع وعده الحسنى للجميع.

4 دقائق قراءة
  • هل يستوي من يجلس في بيته ومن يخوض غمار الحياة ويتحمل أذى الناس في ميزان الله؟

  • الآية 95 من سورة النساء تُقرر أن المجاهدين بأموالهم وأنفسهم أعلى درجة من القاعدين، مع وعد الله الحسنى للفريقين.

  • الجهاد في الإسلام معنى أوسع من القتال، يشمل المشاركة في بناء المجتمع وتحمل الأذى والدعوة إلى الله بصبر جميل.

  • جهاد النفس هو الجهاد الأكبر لأنه يلازم المسلم في كل لحظة، بينما سُمي القتال أصغر لأنه يمضي في مدة محدودة ثم ينتهي.

  • الدرجات عند الله نسبية كما أن الزمن نسبي، وقد أشار القرآن إلى هذه النسبية قبل أن يكتشفها العلم الحديث.

  • أجر المجاهدين العظيم مرتبط ارتباطًا وثيقًا بإخلاص النية، فكلما خلصت النية لله ازداد الأجر وعظمت الدرجة.

مقدمة الحلقة وتلاوة آية الجهاد والقعود من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه إلى يوم اللقاء.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، وعند قوله سبحانه وتعالى:

﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95]

نسبية الدرجات عند الله تعالى ونسبية الزمن في القرآن الكريم

إذا تحدثنا في حلقة ماضية عن الدرجة [أي درجة التفضيل بين المجاهدين والقاعدين] وأنها ليست كشأن درجات الدنيا، وعلى الرغم من ذلك فإنها نسبية حتى عند ربنا سبحانه وتعالى.

فمرة يعبر ربنا أن اليوم عنده كألف سنة مما نحسب ونعد، ومرة يقول أنه يساوي خمسين ألف سنة:

﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَٱصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 4-5]

كيف يكون اليوم مرة بألف ومرة بخمسين ألف؟ لأن الزمن نسبي كما اكتشفوه أخيرًا مع أينشتاين في النسبية، ورأى أن الزمن نسبي.

اختلاف قياس الزمن باختلاف دوران الأفلاك والكواكب

وأن الزمن الذي قاسوه قديمًا بدوران الأفلاك فإن دورة الأفلاك تختلف من فلك إلى فلك ومن مكان إلى مكان؛ فدورة الأرض ليست كدورة المشتري، ودورة المشتري ليست كعطارد ولا الزهرة ولا غيرها من الكواكب التي هي قريبة منا نطوف جميعًا حول الشمس.

فالدرجة [بين المجاهدين والقاعدين] قد تكون واسعة وقد تكون أقل من ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم حددها بخمسمائة سنة، مسيرة خمسمائة سنة. وما خمسمائة سنة؟ يعني كم هي الخمسمائة سنة؟ أيضًا تختلف ما بين سائر على قدم أو سائر على آلة، أو أنه بسرعة الصوت أو الضوء، أو أنه بإذن الله يقطعها بسرعة هائلة لا يقيسها البشر في حياتهم ولا في خلق الله في كونه.

قدرة الله المطلقة في الخلق بكلمة كن فيكون وأثرها على الزمن

إنما بإذن الله وأمره، إنما يقول للشيء سبحانه وتعالى كن فيكون. والفاء هنا للتعقيب، والتعقيب هنا يأتي ملائمًا وموافقًا وتاليًا من غير زمن للمعقب [أي أن الأمر يتحقق فورًا دون فاصل زمني].

فضل المشاركة في المجتمع على القعود وحديث مخالطة الناس

إذن القاعدون عن المشاركة في المجتمع مع التزامهم بأمر الدين، إلا أنهم أقل درجة عند الله من أولئك الذين يعانون المشاركة [في خدمة المجتمع والدعوة]. إذن فالمشاركة نوع من أنواع الجهاد، والجهاد فيه بذل وفيه تضحية وفيه معاناة وفيه مكابدة.

ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -بأبي هو وأمي- يقول:

«مَنْ خَالَطَ النَّاسَ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ أَحَبُّ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اعْتَزَلَ النَّاسَ»

يبقى أنت أمامك أمران: إما أن تعتزل في بيتك وإما أن تشارك. فإذا اعتزلت فهذا جائز، هذا أنت كفيت خيرك شرك.

أفضلية من يشارك ويتحمل الأذى على من يقعد في بيته

حسنًا، وبعد ذلك من الذي أفضل منك يا عزيزي؟ الذي ينزل لكي يتحمل أذى هذا وبلاء هذا، مع الصبر الجميل، مع التبليغ الحسن، مع المشاركة الفعالة.

إذن أنت جالس وهو مجاهد، هذه هي القضية.

اتساع معنى الجهاد ليشمل القتال وبناء المجتمع في السلم

إذا اتسع إذن معنى الآية، فهل يؤثر هذا الاتساع على المعنى المتبادر بالبطلان؟ عندما وسعنا المعنى أصبح ليس من أفراده القتال في سبيل الله أبدًا [أي لم يُلغَ القتال]؛ فما هو القتال إلا مشاركة في الدفاع عن الأوطان، أو في رفع الطغيان، أو في صد العدوان. وفي السلم أيضًا بناء المجتمع مشاركة.

إذا صورة القتال التي لم يُنص عليها [في الآية صراحةً] إنما تبادرت إلى أذهاننا من ربطنا الشديد بكلمة الجهاد في سبيل الله والقتال دائمًا في أذهاننا، في ربط ما بين الجهاد وما بين القتال. ولكن الجهاد معنى أوسع من القتال؛ يشمل القتال ويشمل أيضًا غير القتال.

الفرق بين الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر وسبب التسمية

رجعنا من الجهاد الأصغر [وهو القتال] إلى الجهاد الأكبر [وهو جهاد النفس]. نعم، يبقى القتال هذا نوع من أنواع الجهاد وليس كل الجهاد، إلا وهو جهاد النفس.

سُمي [القتال] أصغر لا لتافهته أو لقلته، بل لأنه يمضي مدة قليلة شهرًا أو شهرين وتنتهي الحرب. وسُمي [جهاد النفس] أكبر لأنه هو الذي يصاحب كل الناس كل الوقت ويبقى في الزمن.

لكن أهمية القتال مهمة، والدفاع وصون الحرمات وصون حوزة البلاد والعباد مهم. لكن الجهاد الأكبر هو أن تجاهد في الله حق جهاده:

﴿وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]

وعد الله الحسنى للقاعدين والمجاهدين وترغيبه في المشاركة

وهنا بعد أن قرر [الله تعالى] أن للقاعدين وللمجاهدين الحسنى:

﴿وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [النساء: 95]

إذا هو [القاعد] لا يفعل منكرًا، إنما هو نزع يده من المشاركة. إذا يريد الله سبحانه وتعالى أن يدفعه دفعًا عن طريق الترغيب للمشاركة، وهذا الدفع ليس إلزامًا بقدر ما هو بيان للأفضل دنيا ودينًا.

تسلية الدعاة إلى الله عند تعرضهم للأذى وترغيبهم في الصبر

وهذا يُسلّي الدعاة إلى الله؛ لأن الدعاة إلى الله عندما يلقون الأذى من خلق الله فإنهم قد يملّون، وتحدثهم أنفسهم أن يذهبوا إلى أراضيهم أو بقرهم أو دورهم أو بيوتهم، وأن يمكثوا فيها متمتعين بحلاوة الحياة الدنيا وبزهرة شبابهم وبأهليهم وأولادهم.

ما هذا البلاء ولماذا ولمصلحة من؟ لمصلحتك أنت، لمصلحتك أنت، الذي تبني لنفسك بيتًا في الجنة.

الحكمة في بناء الآخرة والعمل لحياة أبقى وأعلى وأحسن

وهنا تأتي المسألة أنك لا تبحث عن دنيا تصيبها ولا عن راحة تتمتع بها، ولكنك تبحث عن تأسيس في جسرك هذا [أي الحياة الدنيا] الذي تعبر به إلى الآخرة، لحياة أخرى هي الأبقى والأعلى والأحسن.

فمن الحكمة -والعاقل خصم نفسه- أن تبني لنفسك بيتًا في الجنة كل حين أو كل يوم أو كل لحظة.

تفضيل الله المجاهدين أجرًا عظيمًا وارتباط عظمة الأجر بالنيات

وهنا يقول ربنا:

﴿وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95]

وفتحها أجرًا عظيمًا. وما مقداره؟ مقداره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنيات:

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»

فالنيات في خلوصها ووضوحها في قلب المسلم تختلف؛ فهناك نية خالصة تامة لله وهذا فيها أجر عظيم وفضل عميم، وهناك نية يشوبها شيء من التردد أو من الخوف أو من الكسل أو من شيء من هذا أو من الدنيا، وحينئذ تقل درجة العظمة ويقل هذا الأجر.

وإن كان عظيمًا في نفسه إلا أن العظمة تختلف باختلاف النيات، وإنما الأعمال بالنيات. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما الذي سُمي الجهاد الأكبر في الإسلام؟

جهاد النفس

لماذا سُمي القتال في سبيل الله الجهاد الأصغر؟

لأنه يمضي في مدة محدودة ثم ينتهي

ما الحديث النبوي الذي يُفضّل مخالطة الناس على اعتزالهم؟

من خالط الناس وصبر على أذاهم أحب عند الله ممن اعتزل الناس

ما الذي يرتبط به مقدار الأجر العظيم للمجاهدين وفق الآية 95 من سورة النساء؟

النيات وإخلاصها لله

ما الآية القرآنية التي تأمر بالجهاد في الله حق جهاده؟

سورة الحج

ما موقف الإسلام ممن يعتزل الناس ويجلس في بيته دون أن يرتكب منكرًا؟

هو جائز لكنه أقل درجة ممن يشارك

ما الذي يُشير إليه القرآن الكريم بقوله إن اليوم عند الله كألف سنة أو خمسين ألف سنة؟

أن الزمن نسبي وليس مطلقًا

ما الذي يشمله الجهاد في سبيل الله وفق تفسير الآية 95 من سورة النساء؟

القتال والدعوة والمشاركة في بناء المجتمع

ما الفائدة التي يجنيها الداعية من صبره على أذى الناس وفق المحتوى؟

يبني لنفسه بيتًا في الجنة

ما دلالة الفاء في قوله تعالى كن فيكون؟

فاء التعقيب الدال على الفورية دون فاصل زمني

ما الذي يجعل الدرجة بين المجاهدين والقاعدين نسبية وليست ثابتة؟

نسبية الزمن واختلاف النيات والأحوال

كيف وصف النبي ﷺ المسافة بين درجة المجاهدين والقاعدين؟

مسيرة خمسمائة سنة

ما الفرق الجوهري بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر؟

الجهاد الأكبر هو جهاد النفس ويستمر مع المسلم طوال حياته، أما الجهاد الأصغر فهو القتال وينتهي بانتهاء الحرب في مدة محدودة.

ما الآية التي تأمر بالجهاد في الله حق جهاده وفي أي سورة وردت؟

قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، وهي في سورة الحج آية 78.

ما الحديث النبوي الوارد في فضل مخالطة الناس والصبر على أذاهم؟

قال النبي ﷺ: «من خالط الناس وصبر على أذاهم أحب عند الله ممن اعتزل الناس».

ما الحديث النبوي المتعلق بارتباط الأجر بالنية؟

قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

هل وعد الله القاعدين عن المشاركة بالحسنى في سورة النساء؟

نعم، قال تعالى: ﴿وكلًا وعد الله الحسنى﴾، فالقاعد الذي لا يرتكب منكرًا موعود بالحسنى، لكن المجاهد أعلى منه درجة.

ما المقصود بنسبية الزمن في القرآن الكريم؟

القرآن يُشير إلى أن اليوم عند الله قد يكون كألف سنة أو كخمسين ألف سنة، مما يدل على أن الزمن نسبي وليس مطلقًا، وهو ما أثبته أينشتاين لاحقًا.

ما المعنى الواسع للجهاد في الإسلام وفق تفسير الآية 95 من سورة النساء؟

الجهاد يشمل القتال دفاعًا عن الأوطان ورفعًا للطغيان، وفي السلم يشمل بناء المجتمع والمشاركة الفعالة فيه والدعوة إلى الله.

لماذا يُعدّ الصبر على أذى الناس نوعًا من جهاد النفس؟

لأن الصبر على الأذى يتطلب بذلًا وتضحية ومعاناة ومكابدة، وهي صفات الجهاد الحقيقي الذي يُقرّب من الله ويرفع الدرجة.

كيف تؤثر النية على عظمة أجر المجاهد؟

كلما خلصت النية لله وكانت تامة ازداد الأجر وعظمت الدرجة، وكلما شابها تردد أو كسل أو حظ دنيوي قلّت درجة العظمة.

ما المقصود بقول العاقل خصم نفسه في سياق الجهاد والآخرة؟

يعني أن العاقل يُحاسب نفسه ويختار ما يبني له حياة أبقى في الآخرة، فيُضحي براحة الدنيا الزائلة في سبيل بناء بيت في الجنة.

ما الفرق بين دوران الأرض ودوران المشتري وما علاقته بنسبية الزمن؟

دورة الأرض تختلف عن دورة المشتري وعطارد والزهرة، مما يعني أن الزمن المقاس بدوران الأفلاك يختلف من فلك لآخر، وهذا يُجلّي نسبية الزمن.

ما الهدف من ترغيب الله للقاعدين في المشاركة دون إلزامهم بها؟

الهدف بيان الأفضل دنيا ودينًا، فالله يدفعهم دفعًا نحو المشاركة عن طريق الترغيب لا الإلزام، لأن المشاركة تعود بالنفع على الفرد والمجتمع.

ما الذي يُسلّي الدعاة إلى الله عند تعرضهم للأذى؟

يُسلّيهم أن صبرهم على الأذى هو لمصلحتهم أنفسهم، إذ يبنون بذلك بيتًا في الجنة، والمعاناة في سبيل الله استثمار في الحياة الأبقى والأعلى والأحسن.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!