والله أعلم | فضيلة الدكتور علي جمعة يتحدث عن حدود استفتاء القلب | الحلقة الكاملة
- •حديث "استفت قلبك" صحيح لكنه يتعلق بمنطقة الظن لا القطع، وبالمواقف لا بالأحكام الشرعية.
- •استفتاء القلب يكون في دائرة المباح الواسعة مثل اختيار زيارة الأقارب أو المهنة وليس في الفرائض أو المحرمات.
- •الحلال بيّن والحرام بيّن، ولا مجال لاستفتاء القلب فيهما، فهما معروفان للجميع إلا حديثي العهد بالإسلام.
- •الأحكام الشرعية منها ما هو محل اتفاق ومنها ما هو محل اختلاف، والخلاف الفقهي ليس سببًا للتخيير المطلق.
- •عرض الآراء المختلفة دون ترجيح يؤدي إلى الحيرة، والعالم يجب أن يختار للمستفتي ما يناسب حاله.
- •معايير الاختيار الفقهي تشمل: موافقة المصالح، موافقة المقاصد الشرعية، مراعاة المآلات، عدم مخالفة الإجماع.
- •القلب أحيانًا يكون فوق العقل والعقل فوق السلوك، ومن انعكست عنده هذه المعادلة يعيش في الجحيم.
- •استفتاء القلب معناه "كن حيثما أقامك الله" ضمن دائرة الحلال الواسعة، وليس معناه التلاعب بالأحكام الشرعية.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وطرح موضوع استفتاء القلب
[المذيع]: بسم الله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، والذي تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوا عليه وسلموا تسليمًا.
أهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنسأله: كيف يستفتي المسلم قلبه؟ ومتى؟ ومن يلجأ إذا أراد أن يعرف الحقيقة والحكمة والرأي السديد؟
مولانا الإمام، أهلًا بكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
سؤال المذيع عن حقيقة معنى حديث استفت قلبك ولو أفتاك الناس
[المذيع]: مولانا، يمكن في مستهل هذه الحلقة، والموضوع مهم جدًا، استفتاء القلب، والبعض يدّعي أنه يختار ما يشاء وكما يحلو له إذا كانت هناك آراء كثيرة يسمعها من بعض الشيوخ، من بعض العلماء، ويستند على الحديث: «استفتِ قلبك ولو أفتاك الناس وأفتوك». ما حقيقة هذا المعنى؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث المبارك وهو حديث صحيح، يتكلم عن منطقة الظن وليس عن منطقة القطع، ويتكلم أيضًا عن المواقف وليس عن الأحكام. الظن وليس القطع، المواقف وليس الأحكام.
الفرق بين المواقف الحياتية والأحكام الشرعية في استفتاء القلب
فأزور خالتي اليوم أم عمي، أتفهم؟ هذا ليس له علاقة بالأحكام، هذا عبارة عن معيشة. ألتزم بالنظام الطبي الأول أو بالنظام الطبي الثاني، هذا ليس له علاقة بالأحكام؛ لأن كل هذا في دائرة المباح.
ثم إن هذه الزيارة في نفسها كزيارة مندوبة؛ لأن فيها صلة رحم ولأن فيها كذا وكذا إلى آخره. فالإنسان عندما يقع في هذا الخضم الهائل من الخيارات، وكل هذه الخيارات خارج الأحكام الشرعية، والأحكام تعني ماذا؟ الحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، بالطلب أو أنه يخيّر.
الأحكام الشرعية الخمسة وبيان أن أغلب الشريعة على المباحات
خمسة أحكام: لازم عليك أن تفعل يسمونه واجبًا، وإذا ما فعلت يهدي لك ثوابًا يسمونه مندوبًا، وإياك أن تفعل ما يسمونه حرامًا، وإذا فعلت ما فيه كراهة يعني إذا تركته سأعطيك ثوابًا فيسمونه مكروهًا، والخامس هو المباح.
أغلب الشريعة على المباحات. يعني أنا الآن عندما أبحث عن: حسنًا يا رب، أخبرني أنت ما الذي حرّمته، فلنعدّها فسنجد أنها ليست أكثر من ثلاثين أو أربعين شيئًا: إياك أن تسرق، إياك أن تزني، إياك أن تقتل، إياك أن تكذب، إياك أن تعقّ والديك، إياك أن تستعمل السحر، إياك أن تؤذي الناس، إياك أن تفعل كذا وكذا وكذا.
الطاعات والمباحات وسعة دائرة المباح في حياة المسلم
ستجدها يا ربي، كيف أُرضيك؟ أأصلي؟ أأصوم؟ أأزكي؟ أأحج؟ أأتصدق؟ أأكون طيبًا مع الناس؟ أأكون طيبًا مع ربي؟ يعني أيضًا ثلاثون عبارة.
وماذا عن المباح؟ إنه ألف مؤلفة: أآكل ملوخية أم آكل طعامًا آخر؟ أأشرب أم أسكت عن الشرب؟ وهكذا، مباح مباح. أأزور عمتي كما قلت؟ ولا أزور خالي أو خالتي أو عمي وهكذا، يعني أشياء في هذا المجال.
معنى كن حيثما أقامك الله ومثال الاختيار بين العلم والسياسة
فأنا أريد: كن حيثما أقامك الله، استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون. هذه معناها كن حيثما أقامك الله. أحدهم يقول لي: أنا الآن أعمل في العلم وفي الدعوة وفي كذا وكذا، ومعروض عليّ أن أعمل في حزب سياسي.
حسنًا، أن تذهب إلى حزب سياسي هذا مباح وليس غير مباح. طيب، أنت أقامك الله أين؟ أقامك الله في الدعوة وفي التفرغ للعلم، وأعطِ العلم كلّك يعطيك بعضه. نحن محتاجون إليك في العلم لدرجة أن هذا العالم ربنا سبحانه وتعالى عفا عنه في حضور في سبيل الله وفي حضور واجب العسكرية.
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]
تطبيق استفتاء القلب في الاختيار بين العلم والسياسة
فإذا استفتيت قلبك فقال لي: والله أنا قلبي مع العلم، قلت له: ابقَ مع العلم، فهذا يعني أن الله هو الذي ألهمك هذا الإلهام الطيب.
شخص آخر من ذات نفس الموقف قال لي: لا، أنا قلبي مع السياسة. قلتُ له: حسنًا، سبحان الذي شغل كل قلبٍ بما شغله به. ما دام شغلك بحكاية الحزب وحكاية كذا، فاذهب يا أخي إلى الحزب، فأنت هكذا عقلك مشغول، مشغول، لن ينفعني في الحفظ وفي الأداء وفي التحليل وفي التأليف وفي كذا إلى آخره، شغوف شغوف.
خلاصة معنى استفتاء القلب وعلاقته بدائرة المباح الواسعة
فإذا هذه هي القضية، هذه هي: استفتِ قلبك. ماذا يعني استفتِ قلبك؟ يعني كن حيثما أقامك الله، كن حيثما ألهمك الله سبحانه وتعالى بما هو في دائرة واسعة جدًا.
الحلال والحرام هذان أقول لك ثلاثين أربعين سطرًا أو كلمة، وكلهم تجدهم مندرجين في الوصايا العشر التي أنزلها الله على سيدنا موسى، ستجدها مندرجة في الوصايا التي في خطبة الجبل لسيدنا عيسى، وستجدها موجودة في نص كلام سيدنا النبي، فهي من مشكاة واحدة.
وحدة مصدر الشرائع السماوية وإدراك ورقة بن نوفل لذلك
انظر إلى ورقة [بن نوفل] عندما قال له: والله إن هذا والذي نزل على موسى يخرجان من مشكاة واحدة، يعني أدرك أن هذا من عند الله، هذا الأمر من عند الله.
وكذلك الطاعات، عندما جاء الرجل الأعرابي وقال له: أوصني، فقال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص. قال [النبي ﷺ]: أفلح وأبيه إن صدق، لو صدق أنه تمسك بالصلوات الخمس في مواقيتها وكل شيء.
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]
وصام رمضان، وحجّ البيت، وزكّى الذي عليه، وهكذا يكون هذا على الدوام في رضا الله.
حديث الحلال بيّن والحرام بيّن ومعرفة المسلم بالواجبات الظاهرة
طيب، والباقي ماذا؟ استفتِ قلبك. هل أذهب لأستفتي وأقول له: يا رب، هل سأصوم هذه السنة أم لا أصوم؟ لا يا حبيبي، لا تفعل هكذا. لماذا؟ انظر ماذا قال لك النبي:
قال النبي ﷺ: «الحلال بيّن والحرام بيّن»
ماذا يعني ذلك؟ معروف لكل أحد. الواجبات هذه ظاهرة لكل شخص، لا يوجد أحد مسلم لا يعرفها، وإن لم يعرفها فهو حديث عهد بالإسلام، أسلم بالأمس فقط، ولا يعرف أن هناك وضوءًا مثلًا، مستغربًا لأنه لم يكن في ديانته وضوء، فلا يفهم لماذا هذا الوضوء وكيف ومتى. هذا الشخص فقط حديث عهد بالإسلام.
الأمور المشتبهات واستخدام استفتاء القلب في الاختيار بين المباحات
فالحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن تبرأ من الشبهات ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
عندما تأتي لتستخدم الوسائل، يعني أتيت لتخيّر بين أن أذهب لعمتي أو لعمك، فتقول: بلا عمتي، بلا عمي، يا عم آه! لقد بدأت هنا تفعل شيئًا يقترب من قطيعة الرحم.
لكن أنت الآن متاح لك هذه الساعة، إما أن تذهب هنا أو تذهب هناك، أين قلبك؟ أشتاق إلى خالتي، اذهب إلى خالتك بسرعة يا أخي! استفتِ قلبك، كن حيثما أقامك الله، وليس التلاعب بالأحكام الشرعية. فهذا هو القسم الأول وهو المواقف لا الأحكام.
القسم الثاني من استفتاء القلب وهو الأحكام المختلف فيها بين العلماء
نعم، هناك قسم ثانٍ وهو أن هذه الأحكام بذاتها فيها اختلاف وفيها اتفاق، فيها إجماع ليس فيها هناك كلام. الذي تحدثنا عنه هذا الحرام والحلال.
وهناك شخص بعد ذلك فهم النص، من هو هذا الشخص؟ لا بد أن يكون إمامًا كبيرًا، لا بد أن يكون متمكنًا من اللغة، عارفًا بمواطن الإجماع، عارفًا بكذا إلى آخره، فاختلفوا.
نحن عندنا لابن قدامة [المغني] لابن قدامة ألفا مسألة، كل مسألة يُتصور لها حوالي من عشرين إلى ثلاثين صورة.
شرح معنى الصور الفقهية وأمثلة على تفريعات المسائل في الوضوء
[المذيع]: ماذا تعني كلمة صورة يا مولانا؟
[الشيخ]: تعني أن المسألة مثلًا يقول لك: الوضوء بالماء الطاهر المطهر، هذه مسألة. وبعدها يبدأ في عرض الصور فيقول لك: طيب، ماء البئر الذي وقعت فيه دجاجة، هل هو طاهر مطهر؟ هل ماء البحر الذي توجد فيه رغوة طاهر مطهر أم لا؟ وإذا ماتت فيه سمكة، هل هو طاهر مطهر أم لا؟
هذه كلها افتراضات أو وقائع أيضًا، لكن المهم أن هذه مسألة وتحتها ماذا؟ صورها، تحقيق صورها.
حجم الفروع الفقهية في الإسلام وعدد الأحاديث المتعلقة بالأحكام
حسنًا، هذه ألفا مسألة، وتحت كل واحدة قول خمسون صورة، خمسون في ألفين، بكم؟ بمائة ألف.
كله أولًا عندما جاء العلماء ليجمعوا كل ما قيل في الإسلام، كل ما قيل في الإسلام، هنا سنذهب إلى الحنفية والشافعية والمالكية، وجدنا مليونًا ومئتي ألف صورة. لكن انظر، مجموعة في ماذا؟ في ألفي مسألة فقط.
هذه الألفا مسألة لها أدلة ألف وثمانمائة حديث فقط لا غير، من ستين ألف حديث. فماذا عن بقية الأحاديث؟ إنها في الأخلاق.
أحاديث الأخلاق والتزكية وحق الجار في الإسلام بغض النظر عن دينه
قال النبي ﷺ: «والله لا يؤمن من كان شبعان وجاره جائع وهو يعلم»
هذه التزكية، هل انتبهت؟
قال النبي ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه»
قال: أهذا سيدخل في الورثة أم لا؟ إنه يوصيني به! انظر وتأمل، الجار لم يقل المسلم ولا اليهودي ولا غيرهما أبدًا، الجار هو الجار.
قال النبي ﷺ: «اتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»
ولو أن يلقاك بشّ الوجه، يعني التبسم في وجه أخيك صدقة.
فضل إعانة المحتاج وحديث منيحة العنز وأربعين خصلة تدخل الجنة
إعانة العاني صدقة، شخص غير قادر على رفع المقطف على رأسه، أقوم أنا بمساعدته لله. نعم، هذه من خصال تدخل الجنة.
روي أن الله سبحانه وتعالى جعل أربعين خصلة أعلاها منيحة العنز، العامل بخصلة منها رجاءً لثوابها أو تصديقًا بموعودها يدخله الله بها الجنة.
ما هي منيحة العنز؟ هي أن تكون معي عنزة صغيرة، فأعطيتها لك لتشرب من لبنها وتعيدها في آخر النهار. يا سلام! ما أيسر ذلك! إنها ليست شيئًا كبيرًا، فماذا فعلت حقًا؟ شيء قليل من اللبن، فقط قليل من اللبن أخذتهم وأخذتهم من بين فرثها ودمها الذي أرسله الله، فأنت لم تفعل شيئًا أصلًا.
الصحابة لم يحصوا إلا خمس عشرة خصلة من الأربعين وسعة فضل الله
قال [النبي ﷺ]: هذه في قائمة أولها هكذا منيحة العنز، الله قال أربعين خصلة. فيقول لك: الصحابة جلسوا لكي يعدّوا الأربعين فلم يحصوا إلا خمسة عشر.
قال له: ماذا تعني؟ يعني ماذا يُجدي؟ الأربعون خُلقًا أدون من منيحة العنز: تتبسم في وجه أخيك، تلقى أخاك بوجه طلق، الكلمة الطيبة حسنة، يعني مثلًا تُسلّم عليه، مثلًا تُثني عليه، مثلًا ما هو أقل من ذلك.
لكنهم لم يستطيعوا أن يجدوا إلا خمس عشرة خصلة فقط. إذن فضل الله واسع! وانظر إلى الأخلاق، هذه كلها هي التي تشغل الأحاديث كلها.
نسبة أحكام الحلال والحرام من مجموع الفروع الفقهية في الإسلام
الألفين مسألة التي يوجد فيها مليون صورة في كل كتب المسلمين من أولها إلى آخرها، سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا، مليون ومئتي ألف منها.
كم منها في الحلال والحرام؟ لا يزيدون عن مئة، منهم خمسون يقولون لك: لا، وخمسون يقولون لك: لازم. انظر، جعلناهم ثلاثين بالإضافة قليلًا قُلنا أربعون، ثم قليلًا قُلنا ماذا؟ خمسون.
يعني، يعني، لأنه لا يوجد شيء، يعني، يعني، نحن لو تأملنا سنجدها خمسة. هذه الفروض يعني نستطيع أن نعدّها، نستطيع أن نعدّها.
مثال الاختلاف الفقهي في معنى لامستم النساء بين أبي حنيفة والشافعي
نعم، لكن استفتِ قلبك، أصبح هناك مجال اختلفوا فيه. اختلفوا في ماذا؟ اختلفوا عندما يأتي ويقول:
﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [النساء: 43]
فيعني تتوضأ أو لا تتوضأ. فأبو حنيفة قال: لا، لامستم النساء هذه لا تتوضأ؛ لأن لامستم هذه تعني جامعتم، فتكون جنابة لا يصح [الوضوء فقط].
أما الشافعي فقال: لا، لامس يعني سلّم عليها أو ما شابه، امرأة أجنبية سلّم عليها [فينتقض الوضوء]. حسنًا، إذن فيها وجهان. لماذا؟ لأجل:
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ [البقرة: 228]
قروء هذه ماذا تعني؟ الطهر أو الحيض، اللغة فيها هكذا وفيها هكذا.
رأي الإمام الشعراني في أن جميع أقوال الأئمة صحيحة كوجوه المكعب
طيب، ماذا نفعل؟ ما هو الاحتياط؟ أو ما هو الواجب؟ أو ما هو كذا؟ خلاف، ظلوا يختلفون في أشياء مثل هذه، أشياء أشياء تفسيرية.
فالأشياء التفسيرية هذه أحيانًا، فجاء سيدنا الإمام الشعراني وقال شيئًا جميلًا جدًا جدًا لم يلتفت إليه أحد، ويحل كل هذا. قال: يا جماعة كله صحيح.
قلنا له: ما معنى كله صحيح؟ أليس الأئمة الأربعة أحيانًا يختلفون على ثمانية عشر وجهًا؟ كله صحيح؟ قال: كله صحيح. قلنا له: كيف؟ اشرحها لنا. قال: أترون المكعب؟ أليس له وجوه؟ كلها وجوه المكعب، فكذلك هذه وجوه الحق.
تطبيق ميزان الرخصة والعزيمة عند الإمام الشعراني في المسائل الخلافية
حسنًا، ماذا نفعل يا سيدنا الإمام الشعراني؟ قال: حسب حالتك. إذا سلّمت على امرأة وأمامك وقت المغرب وسيضيق عليك الوقت وما إلى آخره، فصلِّ على الفور على مذهب أبي حنيفة [الذي لا يرى انتقاض الوضوء باللمس].
إذا استطعت أن تتوضأ ونحن ما زلنا موجودين، وإلا فدعها كما هي. وهكذا، إذن إذا كان هذا ما نتحدث فيه، فاستفتِ قلبك في خلال الميزان [بين الرخصة والعزيمة].
آراء الناس في التقرير حول استفتاء القلب وربطه بالإيمان والخبرة
[المذيع]: هذا [المعنى نفهمه] أكثر حينما نعرف أن قلبه يطمئن ويستفتي قلبه إذا التبست عليه الأمور، يعني إذا كان هناك حديث قيل أو شيء قيل ولم يستقر في القلب، فلا يستطيع أن يستفتي قلبه. أما إذا استقر في القلب فيستفتي قلبه.
[السائل]: أليس المفترض أن العقل يكون هو دائمًا المسيطر؟ يعني كل شيء لابد أن يكون فيه قلبك وعقلك؛ لأنك لو كنتِ تمشين بعقلك فقط، حتى وإن كنتِ تفعلين الشيء الصحيح لكنكِ لستِ سعيدة به. ولكن عندما يكون الاثنان معًا، تكونين مقتنعة وفي نفس الوقت سعيدة.
استفتاء القلب مرتبط بالمخزون الديني وقرب الإنسان من الله
بل إنكِ تفعلين أيًّا كان، أي أنكِ تستفتين قلبكِ وتسيرين وراءه أيضًا، لكن بالتأكيد تأخذين أيضًا رأي الدين والعلماء.
[السائل]: علماء من الأزهر، هو الإنسان طبيعي في أي شيء يستفتي فيه، أنت الدين الإسلام، أنت تشعر أن شيئًا ما صحيح أو خاطئ، ضميرك ينبهك، فقلبك هو الذي يعرف عن التصرف الذي تقوم به.
[السائل]: يستطيع أن يفعل هكذا عندما يكون قريبًا من الله، أي متعود أن يتحدث مع الله في حالات الحيرة. يستطيع الإنسان أن يستفتي قلبه بقدر ما يملك في داخله من مخزون ديني وتديّن بالطبع، فإن علاقة الإنسان بربه تُمثل مخزونًا يحتاجه في وقت الضرورة.
استفتاء القلب في أوقات الشدة والحيرة ودور الإيمان والخبرة
وبالتالي، يستطيع الإنسان أن يستفتي قلبه في أوقات معينة، خاصة عندما يكون في موقف معين أو حدث معين.
[السائل]: نعم، ممكن طبعًا جدًا، هو لو تفكيره أصلًا بمن يستفتي، فهو يستفتي قلبه أكثر من عقله حتى في الدين سيفعل هكذا. يعني ممكن أن تكون هناك مسألة يراها العقل بمنظور معين، لكنه قرر أن يصغي إلى قلبه أكثر.
[السائل]: وقت الشدة الذي يقع فيه الإنسان، يستفتي قلبه في أي أمور ولا يتخذها هكذا فجأة، لا يأخذها بتروٍّ وبراحة، نتيجة خبرته ونتيجة إيمانه بالله ودينه، سيعرف.
تعليق الشيخ على ربط الناس بين استفتاء القلب والمواقف دون الأحكام
[المذيع]: في استفتاء قلبه هذا. أهلًا بكم أعزائي المشاهدين. مولانا الإمام، تنوعت إجابات الناس في التقرير التي شاهدناها مع فضيلتكم الآن، والبعض ربط استفتاء القلب مع الإيمان الذي في القلب، يعني ربطوه بشكل كبير جدًا مع الخبرة أيضًا في الحياة. هل استقامت واستقام هذا الكلام مع المعنى الحقيقي لاستفتاء المسلم لقلبه؟
[الشيخ]: كلهم أولًا يتحدثون عن المواقف دون الأحكام. كلهم حينما يقولون لك: عندما تقع في شيء ما، حتى واحد منهم صرّح بكلمة موقف. نعم، أي جرت على لسانه الكلمة نفسها.
الأحكام الشرعية القطعية لا علاقة لها بالخبرة ولا مجال فيها للاستفتاء
كلهم يتحدثون عن قضية، والأحكام لا علاقة لها بالخبرة. فالصلاة فريضة، ولا مجال للخبرة فيها، لا خبرة في المعلومة، لا ريب فيها. السرقة حرام يعني حرام، والرشوة حرام يعني حرام، ليس فيها مجال للخبرة.
لا ننظر هل الرشوة ستجلب لنا خيرًا أم لن تجلب خيرًا، وماذا ستفعل، أو هل سيكون فيها بركة أم لا. هذا ليس بالتجربة، لا.
ولذلك هم كلهم صحيحون. لماذا؟ لأنهم يتكلمون في دائرة المواقف وليس في دائرة الأحكام. والذي لم يذكروه هو الأحكام المختلف فيها التي لها - كما يقول الإمام الشعراني - رخصة وعزيمة، هي دائرة بين الرخصة والعزيمة.
خطورة عرض الآراء الفقهية المتعددة على العوام وإصابتهم بالحيرة
ولذلك عندما نأتي ونقول للناس: هذه أحكام، أنت تعرفها أم لا تعرفها، يعلمها العالمون أم لا يعلمها. عندما تأتي لتخاطب الناس وتقول لهم: على فكرة، يجوز أن تلمس ويجوز ألا تلمس، يجوز أن تُسلّم ويجوز ألا تُسلّم، كل الخيارات أمامك، خذ منها ما تريد.
فإن الناس تُصاب بالحيرة. مرة كنت في الحج وكان هناك أستاذ يرى أن عرض الآراء بهذا الشكل أمام الناس [هو الصواب]، والناس فعرض، فوجدت النساء يبكين في الحج. لماذا يبكين؟ لا نعرف ماذا نفعل! هذا يقول: افعل ما تفعله.
حكمة العوام في قولهم إذا أردت أن تحيره خيّره وأدب المفتي في الإجابة
حكاية «افعل ما تفعله» هذه خطيرة جدًا؛ لأنها تصيب الناس بالحيرة. ولذلك العوام بحكمتهم وخبرتهم يقولون لك: إذا أردت أن تحيّره، خيّره.
هو يأتيك في موقف سريع: هل يصلح أم لا؟ أنت تعلم أن في هذا الأمر أقوالًا، قل له: يجوز يا سيدي. وعندما يسألك شخص آخر عن العكس، قل له: يجوز. هل تفهم؟
لكن إذا اخترت الطريقة نفسها للعرض، فإنها تؤدي إلى الحيرة، لا إلى العلم أو إلى الحب أو غير ذلك إلى آخره.
الأثر السلبي لطريقة التخيير والتفلت من الدين باسم الاختلاف الفقهي
هناك طائفة أخرى من الناس عندما تقول له أن في هذا الأمر أقوالًا متعددة، فإنه يجعل هذا ليس تطبيقًا وحبًا وشغفًا في طاعة الله، بل تفلتًا من دين الله. يقول لك: حسنًا، ما دام هناك اختلاف، فأنا سأفعل ما أريده.
هذا هو الأثر السلبي لهذه الطريقة، وهي طريقة التخيير. فالعالِم عنده شيء اسمه الاختيار الفقهي. لدينا خمسة وثمانون مذهبًا، ولدينا مليون ومائتا ألف فرع فقهي، ونحن نعلم أشياء كثيرة.
مثال الكلب بين الشافعي ومالك وكيفية الاختيار الفقهي الصحيح للمفتي
فعندما يأتي أحدهم ويسألني: هل الكلب نجس أم غير نجس؟ لا أقول له: قال الشافعي إنه نجس، وقال مالك إنه ليس نجسًا، فافعل ما تشاء. لا أجيب بهذه الطريقة.
وإنما أجيب فأقول له: ما الذي تريده؟ قال: أنا ضرير وعندي كلب، وأريد أن أجلب كلبًا. أقول له: اجلبه، وقلّد مالكًا.
انظر الفرق بين العرضين! هكذا هو خلاص، هو معه فتوى من عالِم عنده قواعد الاختيار ولديه قدرة على الاختيار، ولم يُعرَض الأمرُ في صورةٍ مُحيّرةٍ تجعلُ الناسَ تَمَلُّ مِنَ الدينِ ومِنَ الدنيا معًا.
كتاب الميزان الكبرى للإمام الشعراني وأصله من كتاب رحمة الأمة للعثماني
وهذه هي القضيةُ الأساسيةُ. فيقولُ الإمامُ الشعرانيُّ الذي ألّفَ كتابًا لطيفًا جدًا، أخذَهُ مِن عالِمٍ كبيرٍ قبلَهُ كان اسمُهُ الشيخُ العثمانيُّ.
فالعثمانيُّ ألّفَ كتابًا اسمُهُ [رحمةُ الأمةِ في اختلافِ الأئمةِ]. فجاءَ الشيخُ الشعرانيُّ ورأى في المنامِ سيدَنا الخضرَ وقالَ، قال له: ما الميزان الذي صنعه رحمة الأمة هذا؟
قال له: الميزان هو أن الأمر بين الرخصة والعزيمة. إذا كنت ستتوضأ فهذا بالعزيمة، وإذا لم تتوضأ فهذا بالرخصة. إذا لم تقتنِ كلبًا فهذا عزيمة، وإذا اقتنيت الكلب فهذه رخصة. كل المسألة هكذا.
مشكلة العصر في جهل الناس بميزان الرخصة والعزيمة وأسلوب العرض المحيّر
فقام وألَّف كتابًا على نهج كتاب العثماني وأسماه [الميزان الكبرى]. كيف؟ فهم الشريعة كل هذا، والناس كانت في المساجد في الصلوات الخمس يتعلمون كثيرًا.
اليوم مشكلتنا هي أن الناس لا تعرف الميزان الكبرى، وهذه هي النقطة الأولى. كما أن هناك تيارًا من العرض الذي يصل إلى حالة الحيرة ولا يصل إلى حالة التعليم.
فهناك فرق كبير جدًا بين الحيرة والتعليم. وهذا ما يؤدي إلى أنه ليس كل الناس على مستوى واحد، وليس كل الناس تقبل هذا النمط من أنماط التلقي.
الإسلام ليس فيه كهانة ولا أسرار والمساجد مفتوحة للجميع
لكن أبدًا نحن ليس عندنا كهانة، ونحن ليس عندنا أسرار. لا يوجد شيء اسمه الأسرار في الإسلام، ولا احتكار، ولا عالم يحتكر.
والمسجد مفتوح للمسلم وغير المسلم. أنت أتعلم أن جولدزيهر [المستشرق المجري] درس عندنا في الأزهر وكان اسمه الشيخ الذهبي؛ لأن شعره ذهبي هكذا. وصحح للشيخ الشوني مسألة في الميراث كان الشيخ الشوني قد ارتبك فيها، فقال له: لا، هذا كذا وكذا، فقال له: صحيح يا بني.
فمساجدنا مفتوحة للمسلم ولغير المسلم أصلًا.
صفاء الإسلام من التحيز والعنصرية وأمثلة من العلماء والصالحين
ولذلك وهذه وإن كانت طبعًا تدل على صفاء المسلمين وعدم وجود أسرار أصلًا عندهم، ولا كهانة ولا تحيّز.
يقول لك: حسنًا، أَمَن هو أسمر لا يدرس عندي؟ لا، فالذي هو أسمر كان منهم لقمان، وكان منهم بلال، وكان منهم فلان وعلان. إذ ذو النون المصري التقي النقي كان أسمر، كان نوبيًا.
وبالتالي ليس لدينا هذه الأمور. حسنًا، فماذا أفعل أنا إذن؟ أخدم الناس. بماذا أخدمهم؟ بإزالة الحيرة وبالعرض والاختيار وبالتعليم. علّموا.
واجب العالم خدمة الناس بإزالة الحيرة وعدم تخييرهم بين الأدوية كالطبيب
ولذلك هذا هو واجبي. فعندما يأتي الطبيب تذهب إليه، يقول لك: والله يمكنك أن تأخذ الدواء الفلاني أو الدواء العلاني أو الدواء الآخر، واختر أنت. لا يصح غير ذلك.
والله والله لا يصلح؛ لأنك ستُتعِب من أمامك. وقد تعبوا فعلًا، فجلست مع هؤلاء النساء [في الحج] وخلال خمس دقائق أجبت على عشرين سؤال: افعل أو لا تفعل.
وحسنًا هكذا، قالوا: ما دامت المسألة واضحة هكذا، فلماذا يُفعل بنا هكذا؟ أي نظام الحيرة.
الفرق بين سلطة العلم وسلطة الكهانة ودور العالم كخادم للشريعة
الحيرة من أجل التوهم أن علماء الدين كهنة للدين، ومن أجل توهم أنهم يريدون لأنفسهم سلطانًا دون السلطان الذي وهبهم الله له وهو سلطة العلم، لا سلطة الكهانة.
هذه سلطة العلم، وهي أنك تملك مبادئ وقواعد وتعريفات، لديك نظام ومفتاح تستطيع به أن تقرأ فيما لا يستطيع غيرك أن يفهم هذا المقروء. وهو متاح وليس هناك سر، ولكن هناك علم.
نحن خدام للشريعة ولسنا متسلطين بالشريعة، نحن خدام للشريعة ولنا الفخر أن نكون خدامًا للشريعة.
الاختيار على مستوى المفتي وتاريخ المذهب الحنفي في مصر
[الشيخ]: الاختيار على مستويين: اختيار المفتي. قصتنا في مصر أننا كنا حنفية تبعًا للدولة العثمانية، وظللنا حنفية خمسمائة سنة. وما زلنا إلى الآن هناك قانون يقول لك: أيها القاضي، احكم بالراجح من مذهب الحنفية إذا لم تجد نصًا في القانون.
بعد ذلك ابتدأ القانون يأخذ من الحنفية ومن غيرها. وأول من فعل هذا سيدنا الشيخ محمد عبده. محمد عبده أصلًا كان مالكيًا لكنه تحنّف، يعني كان درس أولًا المذهب المالكي، ولذلك في الإجازة الخاصة به تجد كلمة المالكي ثم الحنفي.
إدخال محمد عبده الأئمة الأربعة في احتياجات العصر ومعايير الاختيار الفقهي
فمحمد عبده أراد أن يدخل الأئمة الأربعة في احتياجات العصر. نعم، وكان له سلف صالح في الدولة التركية كان اسمه أسعد أفندي، وأسعد أفندي أيضًا دخل لكن شيئًا ما، فرعًا أو فرعين أو ثلاثة، شيئًا مثل ذلك أدخلهم من غير المذهب الحنفي؛ لأنهم أوفق لمصالح العباد والبلاد.
هذا هو المعيار الأول: أنه يجب أن تكون الحاجة الخاصة بي وأنا أفتي بها وأختار أن تكون موافقة للمصالح.
المعيار الثاني: أن تكون موافقة للمقاصد الشرعية، تترتب عليها مرادات الشرع من الاستقرار والأمن والسلام، ومن صورة الإسلام الرائقة الفائقة اللطيفة، وليس من تشويه الإسلام.
معيار مراعاة المآلات وعدم الخروج عن الإجماع في الاختيار الفقهي
المعيار الثالث: مراعاة المآلات. أنا عندما سأفتي الفتوى هذه أو سأختار هذا الاختيار الذي سيؤدي إلى طريق خير أم إلى طريق شر؟ إذا كان إلى طريق شر فلنتركه.
[المذيع]: هذه هي المآلات يا مولانا؟
[الشيخ]: هذه المآلات، ما الذي سيحدث غدًا نتيجة لما تقوله؟ فإذن مراعاة المقاصد والمصالح والمآلات.
رقم اثنين: ألا أخرج عن الإجماع. لقد قلنا كله هذا في ظني، كله فيما لا إجماع فيه.
رقم خمسة: أن يكون هذا الاختيار ليس مخالفًا للغة العرب، اللغة التي هي الأداة. وهذا يحتاج إلى تعمق شديد جدًا.
العوام يحتاجون العلماء لأنهم لا يملكون أدوات الاختيار الفقهي
وهو الذي يجعلنا نقول إن العوام ليس لديهم هذه الأداة، إنهم بالكاد لا يستطيعون قراءة القرآن ولا سماعه حتى، فهم يستنجدون بنا.
فنحن نقدم خدمة، نحن خدام للشريعة ولسنا متسلطين بالشريعة، نحن خدام للشريعة ولنا الفخر أن نكون خدامًا للشريعة.
فمثل هذه النقاط وغيرها - لأن هذه تُعمل لها حلقات - هي التي تتعلق بكيفية الاختيار الفقهي. يعني هذه الأشياء تراعي الواقع؛ لأن عدم إدراك الواقع يؤدي إلى مصائب.
الحيرة بين عرض الآراء المتعددة وضرورة الاختيار الفقهي المنضبط
[المذيع]: فمثل هذه النقاط وغيرها - لأن هذه تُعمل لها حلقات - هي التي تتعلق بكيفية الاختيار الفقهي. يعني هذه الأشياء تراعي الواقع؛ لأن عدم إدراك الواقع يؤدي إلى مصائب.
أقول أنا فيما أكدت عليه نؤكد عليه مرة ثانية في قول منفصل، يعني نحن في حيرة بالفعل ما بين خطاب يؤكد يأتي ربما ممن يتصورهم الناس أنهم علماء ويقولون للناس عشرات الآراء، ويأتي الآخر ليختار فيقع في حيرة أكثر.
طيب، أختار ماذا؟ أنا ليس لدي الأدوات التي أزن عليها هذا الرأي، ماذا أفعل؟ القول الفصل في هذا: كيف أختار ولمن أستمع ومن أسأل؟
تحذير الإمام القرافي من تطبيق النصوص على واقع مختلف عن واقعها
يقول الإمام القرافي: هناك من ينظر إلى الكتب ويأخذ منها الكلام ويطبقه على واقع غير الواقع الذي كُتِب فيه هذا الكلام، فيكون ضالًا مضلًا.
إليك بعض المفاتيح الخاصة بقضية الاختيار الفقهي في المسألة، حيث إنني أمتلك دربة وعلمًا ووعيًا وعمقًا أستطيع به أن أميز حكاية المآلات وحكاية كذا. يسمونها في الإدارة بالإنجليزية Creative Imagination، يعني التصور الخلاق المبدع.
الاختيار الفقهي يحتاج تدريبًا وعلمًا وشيخًا وخطورة ترك الدين لكل عابر سبيل
صحيح أن العقل الذي يعمل، وهذا لا يأتي هكذا، أي لا ينزل من السماء لكل خلق الله، بل بالتدريب، بالتدريب وبالعلم. هذا التدريب يحتاج أيضًا إلى شيخ يعلمني، وأنا أفعل ذلك لكي أضم خبرته إلى [خبرتي].
فالمسألة هذا الأمر دين، وهذا الدين مهم. وها نحن رأينا عندما ابتعدنا عن الدين ظهر لنا بعض الإرهابيين السيئين هؤلاء، والجماعة الإرهابية والتي ليست إرهابية، وكل واحد قفز في مكانه.
هذا ما سيحدث إذا تركنا الدين لكل عابر سبيل.
قال النبي ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»
أسئلة من المشاهدين على صفحة الفيسبوك حول استفتاء القلب
[المذيع]: سؤالنا على صفحة الفيسبوك: متى يلجأ الشخص إلى استفتاء قلبه؟ مولانا الإمام، جاءتنا الكثير من المداخلات أو التفاعلات في صفحة الفيسبوك.
الأستاذة عائشة تقول: على ما أعتقد، عندما يكون هناك أكثر من رأي لمسألة واحدة، وقتها نستفتي قلبنا ونأخذ الرأي الذي يناسبنا طالما هو بعيد عن الفرائض، والله أعلم.
الأستاذة عزة: عند الحيرة فدائمًا يخطر ببالي كلمة استفتِ قلبك، وأتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يرشدنا دائمًا إلى الطريق الصحيح.
الأستاذة هديل تقول: إن استفتاء القلب ينبغي أن يكون دائمًا في كل شيء، ليس بالضرورة فقط عندما تختلف الآراء الفقهية.
الأستاذ محمد عمر يقول: عند اتخاذ قرار متنازع بين القلب والعقل، فالقلب أصدق.
تعليق الشيخ على إجابات المشاهدين وإدراكهم الفرق بين الأحكام والمواقف
[الشيخ]: كما نحن نرى أن كثيرًا منهم أدرك القضيتين، أدرك الفرق بين الأحكام والمواقف، وأدرك الفرق بين القطعي والظني. ولذلك فهذه كلها إجابات موفقة، والحمد لله رب العالمين.
إشارة أهل الله إلى أن القلب فوق العقل والعقل فوق السلوك
في إشارة كان أهل الله يرشدون إليها أن القلب دائمًا فوق العقل، وأن العقل فوق السلوك. وأنه لو انعكس الحال فأسكت السلوكُ العقلَ حين الخلاف، وأسكت العقلُ القلبَ حين الخلاف، يبقى الإنسان أقرب إلى البهيمية والدونية منه إلى الإنسانية والآدمية التي أسجد الله الملائكة لآدم من أجلها.
[المذيع]: نفهمها يا مولانا، لكن تريد دائمًا أن يكون القلب فوق العقل.
[الشيخ]: نعم، فلو اختلفا يغلب القلب. القلب هو: أنا مطمئن.
مثال تطبيقي على تغليب القلب على العقل في الفرق بين الفضيحة والنصيحة
وهنا يُفسر: استفتِ قلبك ولو أفتاك المفتون أو أفتاك الناس وأفتوك. قلبي يقول إن هذه فضيحة وليست نصيحة في هذا الوقت.
لو أنني أعلنت هذا الإعلان فستكون فضيحة، وعقلي يقول لي: أحصل هذا أم لم يحصل؟ قلت له: حصل. فقال لي: حسنًا، لماذا لا تقول؟ أليست الشفافية تقتضي ذلك؟
لكنني في قرارة قلبي أشعر بالإثم، قلبي من الداخل يشعر أنني سأخرب البيت وأسكب الزيت بالكلام الفارغ الذي سأقوله. أهذا حق أم ليس بحق؟ هو حق، لكن لم يحن أوانه.
حكمة سيدنا علي في مراعاة الأوان والأشخاص والمكان عند الكلام
ولذلك كان سيدنا علي [رضي الله عنه] يقول: ليس كل كلام آن أوانه، فإذا آن أوانه، فليس كل كلام حضر أشخاصه، ومن حضر أشخاصه فليس كل كلام لاءم مكانه. وهكذا.
يعني الحكمة:
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
عندما يعلو القلب الذي هو الشعور الإنساني الداخلي أن هذه فضيحة يا أخي وليست نصيحة، ولو كان العقل يقول بأن هذه شفافية وهذا حق ووقع فعلًا، فلماذا لا؟ لا، في بعض الأشياء الستر أولى فيها.
فضل الستر في الإسلام وحديث النبي عن المجاهرة بالمعصية
الستر أولى.
قال النبي ﷺ: «من ستر مؤمنًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة»
كيف الكلام الذي تقوله هذا؟ ولذلك:
قال النبي ﷺ: «فإذا رأى أحدكم أخاه على ذنب فليستره ولو بهدبة ثوبه»
الله! يعني ليست كل الحقائق تُقال. والتفحش - يغفر الله للجميع إلا للمجاهرين.
قال [الصحابة]: ومن المجاهر يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ: «الرجل يفعل الذنب بالليل، يستره الله، فيقوم ويقول: فعلت كذا وكذا»
كأنه يفتخر بالمعصية، وفي هذا نوع من أنواع الاستهانة بالمعصية.
إقالة ذوي الهيئات عثراتهم والفرق بين الستر والتستر على الذنوب
[المذيع]: أو التفاخر يا مولانا، تفاخر.
[الشيخ]: لكن الذي يستر، له أجر عظيم. وليس هذا معناه أن الذنب جيد أو أننا نتستر على الذنوب، لا.
قال النبي ﷺ: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»
يعني ذوي الهيئات منّا، لا داعي للفضيحة التي تتم، ولكن عاقبوهم إذا تم أنه خالف وما إلى ذلك.
كان أساتذتنا في الإدارة قديمًا يقول لنا: لو كان أحدهم منحرفًا ماليًا فلا تسكت له، اطردوه فورًا وأنت في المراحل الانتقالية. لكن لو كان أحدهم مقصرًا إداريًا، علّمه، ليس تطرده، لا، علّمه. هذا مقصر، هذا مقصر، نعم، وفي جانب إداري.
أمر الدين بالستر والحكمة وعلو القلب على العقل وروح القانون
هل تفهم كيف؟ ومن هنا بدأ علماء الإدارة بناء الشبكة الإدارية بين العمل والناس، وتحدثوا عن الإدارة بالأهداف، وتحدثوا عن أشياء كثيرة جدًا في هذا المجال.
هي لو دخلنا فيها: أمر الدين بالستر، وأمر الدين بالحكمة، وأمر الدين بأن يعلو القلب على العقل. يعلو القلب على العقل أحيانًا نحن نستعملها، فيقول لك: يا أخي لا بد من روح القانون وليس من نص القانون. أي هذه هي أن يعلو القلب على العقل.
وكذلك العقل على السلوك: أنا لدي شهوة أريد قضاءها، فعقلي يقول: لا، خليك واعيًا، لا، ليست بهذه الطريقة، هذا حرام أو هذا خطأ، لا المكان يسمح ولا الزمان يسمح، لا، اسكت. فيسكت.
انقلاب الهرم بين القلب والعقل والسلوك يؤدي إلى الجحيم
لكن لو ترك الإنسان نفسه هكذا حرًا طليقًا، تتحكم سلوكياته في عقله ويتحكم عقله فيه، فينعكس الحال: بدلًا من أن يكون القلب في الأعلى وبعده العقل وبعده السلوك، أصبح السلوك هو الذي فوق وبعده العقل وبعده القلب. الهرم انقلب.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هذا تجده يعيش في جحيم، يعيش في جحيم دائمًا.
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
وأحيانًا من هؤلاء الناس يقولون لنا: نحن نعيش في الجحيم ولا نعرف كيف نخرج. صحيح، نعم بالطبع، لن تستطيع الخروج إلا بإذن الله. اللهم استرنا بسترك الجميل الذي سترت به وجهك عن الناس.
أسئلة من المشاهدين عبر الهاتف
[المذيع]: مولانا، اسمح لنا، معنا اتصالات هاتفية. معنا الأستاذة أمة الله والأستاذة حسناء والأستاذ حسام والأستاذة شروق.
يا أستاذة أمة، أهلًا بكِ.
[السائل]: السلام عليكم.
[المذيع]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
[السائل]: بارك الله في فضيلتك، إذا ما جئتكم، اللهم بارك في فضيلتك. وآمين يا رب العالمين، فهو مبشر وغير منفر. اللهم بارك فيك يا رب. آمين.
سؤال أمة الله عن حكم الأموال التي أنفقتها على طفل تكفلت به هل هي دين عليها
[السائل]: فضيلة الإمام، أنا كان يشغلني أمر عندما كان سني ثلاثين سنة سأعمل، كنت موظفة وفي مكانة طيبة وراتب جيد، وكان معي أولادي من زوجي الذي ما زلت معه حتى الآن، وتكفلت بطفل كان عمره أيام.
فضيلة الإمام، لقد تكفلت به وهو الآن عمره تقريبًا خمسة وعشرون سنة. تكفلت به، فضيلتكم، عندما كان الراتب الخاص بي إذا قارنته بزوجي يكفي الحال، والأولاد كانوا في مدارس خاصة، فكنت مضطرة أن أعمل وأساعدهم.
نعم، عندما تكفلت بالطفل استقلت، تركت عملي لكي أستطيع رعاية طفلي؛ لأنه كان صغيرًا وكان يحتاج إلى حضن أمه وحمايتها.
تفاصيل سؤال أمة الله عن الأموال التي جاءت باسم الطفل المكفول
نعم، فعندما تفرغت له، بقيت في المنزل، فكنت أعتمد على زوجي وحده فقط. وأما أهلي، فكانت أمي في كل فترة تعطيني مثلًا مبلغًا بسيطًا على أساس أنني أستطيع الإنفاق على الولد مع إخوته.
حسنًا، السؤال ماذا يا إخوة؟ كما في السؤال، نحن الآن عندما وصل لهذا السن والسنوات التي مضت كلها، الأموال التي كانت تأتي باسمه، نعم، أو تأتي له هو من أختي أو من أمي، هل هي دين في ذمتي أم يكفيني أن أعمل له شقة يتزوج فيها مثل إخوته وأرعاه بها يعني؟
تكفيني عن أن أعتذر؛ لأنني حتى لا أتذكر المبالغ، فهي لم تكن مبالغ كبيرة.
جواب الشيخ لأمة الله بأن ما أنفقته ليس دينًا وأنها تفعل الخير
[السائل]: حسنًا، فضيلة الإمام.
[المذيع]: نعم، ولكن يا أماه أنت الآن جاءت مبالغ وتم صرفها عليه.
[السائل]: فضيلة الإمام، أنا سأقول لحضرتك: كانت مثلًا مصاريفه في المدرسة أكثر من النقود التي تعطيها له.
[الشيخ]: حسنًا، إذن أنت متآثمة على أي شيء وما هذا؟ أما أن تجلبي الآن له شقة لأنه ابنك من أبيه [بالكفالة] من زوجته، يعني من أبيه بالكفالة وليس من أبيه.
[السائل]: يعني فضيلة الشيخ، أهله رفضوا أن يستلموه بعد وفاة الأم والأب، لم يحدث شيء.
[الشيخ]: أنت تفعلين الخير.
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
طمأنة الشيخ لأمة الله بأن خوفها وسواس وأن الأموال ليست دينًا عليها
[السائل]: أنا خائفة أن المبالغ هذه تكون دينًا في رقبتي.
[الشيخ]: وهذا ليس دينًا أصلًا. أنت لديك وسواس. أنت الآن الخوف من ربنا سبحانه تعالى، نعم، الخوف من ربنا يقف عند حدود الله وليس يقف عند وسواس النفس.
انتبه إلى الأموال التي جاءت عبر تاريخه مائتي ألف جنيه، المصاريف الخاصة بالمدرسة ثلاثمائة ألف جنيه، فقد انتهت أمواله وذهبت وانتهى الأمر.
أريد أن أفعل له شيئًا، أريد أن أفعل له شيئًا الآن من عندي، لا بأس. من أبيه، من أبيه. اللهم بارك فيك يا سيدتي، من أبيه، من الجيران، من أي شيء. أنت ستكونين سببًا في دفع هذا الخير إلى الواقع وإلى التنفيذ، ولكن ليس هناك ما يدعو للخوف يا أمل، لا تخافي. الله يمد في عمرك ويزيد بك ويجعلك من الصالحين، والله يكثر من أمثالك يا حاجة أمل.
سؤال الأستاذ حسام عن زكاة المرتبات الشهرية
[المذيع]: الأستاذ حسام على الهاتف، الأستاذ حسام أهلًا بك.
[السائل]: أهلًا أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: تفضل بالسؤال.
[السائل]: السلام عليكم.
[المذيع]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
[السائل]: أنا فقط كنت في بداية المكالمة أسأل عن الزكاة، شيء في الزكاة يعني، لكن موضوع الحالة، هل يمكنني تغيير السؤال؟
[المذيع]: لا أبدًا، تفضل اسأل كما تريد.
[السائل]: نعم، شكرًا. أنا لو شخص راتبه مثلًا ألف وخمسمائة في الشهر وهو دخله هكذا، فيصبح مثلًا مطالبًا أن يخرج زكاة معينة عليه أم لا؟
جواب الشيخ بأن المرتبات التي تُصرف لا زكاة عليها
[الشيخ]: المرتبات لا علاقة لها بالزكاة. افترض أنك تأخذ عشرة آلاف في الشهر وتصرفهم، لا علاقة للزكاة بذلك.
[المذيع]: السؤال المحدد، يعني السؤال الثاني لا يتطلب زكاة.
[السائل]: نعم، حسنًا تمامًا. السؤال الثاني يا سيدنا، يعني أن أستشير عقلي أو مثلًا قلبي في أمر فيه اختلاف.
[الشيخ]: في المواقف، أستشير عقلك: هل أذهب إلى خالتي أم إلى عمتي؟ أستشير عقلك: هل أقرأ هذا الكتاب أم لا أقرؤه؟ أستشير عقلك: هل أذهب إلى العمل الفلاني أم لا أذهب إليه؟ أستشير عقلك وأستشير قلبك.
سؤال الأستاذة شروق عن عقاب من ترك بناته ولا ينفق عليهن
[المذيع]: نعم، معي الأستاذة شروق. يا أستاذة شروق، أهلًا بكِ.
[السائل]: نعم، أحضرتك. تفضلي يا أستاذة شروق، تفضلي يا سيدتي. هل يمكنني التحدث مع الدكتور علي جمعة؟
[المذيع]: بكل سرور، تفضلي يا سيدتي.
[السائل]: لو سمحت، أنا أريد أن أستفسر فقط عن رجل ترك أربع بنات ولا يصرف عليهن، ماذا يكون عقابه عند الله؟
[الشيخ]: سيدخل النار.
[المذيع]: أشكرك يا أستاذة شروق.
خاتمة الحلقة والتوديع
[المذيع]: هيئة لنا فيكم، شكرًا لكم مشاهدينا الكرام، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
