اكتمل ✓
قصص عن إكرام اليتيم وكيفية تحقيقه عملياً في حياتنا - والله أعلم

كيف نحقق إكرام اليتيم عملياً ونترجم النصوص القرآنية والنبوية إلى ممارسة يومية؟

إكرام اليتيم يبدأ بتغيير القلب وإنزاله منزلة الابن، لا بالشكليات. يشمل ذلك إشباعه بالحنان والأمان، وحماية ماله من الاحتيال والإهمال، والسعي لإيجاد أسرة بديلة تمنحه علاقات طبيعية. قال النبي ﷺ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة»، وحذّر القرآن من أن دع اليتيم صفة مكذب الدين.

23 دقيقة قراءة
  • كيف نترجم عشرات الآيات والأحاديث عن اليتيم إلى ممارسة يومية حقيقية لا احتفالات شكلية؟

  • جعل الله نبيه يتيماً حتى يستعين بالله وحده ويكون سيد الموحدين المؤتنسين بربهم.

  • إكرام اليتيم يبدأ بتغيير القلب وإنزاله منزلة الابن، فالحب الحقيقي يُنشئه سوياً ويحميه من الصدام والانعزال.

  • الأسرة البديلة هي الحل الأمثل لرعاية اليتيم لا الدور المؤسسية، شريطة تدريب الأسر على الكفاءة في الرعاية.

  • الأحكام الشرعية تحيط اليتيم بسياج من الحماية: تحريم أكل ماله والاحتيال عليه وإهماله، والمهمل أشد إثماً من السارق.

  • دع اليتيم صفة مكذب الدين فعلياً لأنه من أهل الغفلة عن ذكر الله، وعقوبته الشنار والدمار في الدنيا والنار في الآخرة.

افتتاح الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن يوم اليتيم

[المذيع: الأستاذ/ حسن الشاذلي]: بسم الله الرحمن الرحيم، وما أجمل أن نستفتح بها كل حياتنا، اللهم ارزقنا بركاتها يا رب العالمين.

أهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر.

لنقف معه في يوم اليتيم حول هذه التساؤلات: كيف نكرم اليتيم؟ كيف نحقق ما أوصانا به سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في حق اليتيم؟ وكيف نترجم كل ما جاء من نصوص كثيرة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة حول هذا الموضوع؟

فهناك مواثيق ومبادئ لحقوق الإنسان لم تذكر حقوقًا للطفل اليتيم أبدًا، إلا في إعلان جنيف في مادته الثانية، ولكن في قرآننا الكريم الكثير من النصوص، وفي السنة النبوية الكثير من الأحاديث عن كيفية إكرام اليتيم.

لماذا جعل الله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيماً؟

والعالم يتحدث عن يوم اليتيم ببعض الاحتفالات وبعض المظاهر الشكلية، نجد أنه في إسلامنا الجميل الكثير من النصوص، ولكن في البداية لماذا كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيمًا؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآله وصحبه ومَن والاه.

سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، جعله الله يتيمًا وعلى هذه الهيئة، حتى يكون ابتداءً وانتهاءً في قمة تحقيق ذلك الدعاء الرباني الذي نتلوه في كلِّ ركعة من كلِّ صلاة:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].

قال العلماء إنّ تقديم كلمة «إياك» على الفعل تفيد الاختصاص، أي أن العربي الذي يسمع كلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يفهم منها: إياك نعبدك وحدك. من أين أتى بكلمة «وحدك» التي لم تُذكر؟ جاءت بسبب تقديم «إياك»، فهذا هو الاختصاص، أي أن العبادة مختصة بك، وكذلك أيضًا الاستعانة مختصة بك ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

حكمة يُتم النبي: الاستعانة بالله وحده دون الاعتماد على أحد من البشر

عندما يُخلق الإنسان يتيمًا فإنه يحس بالغربة، وأنه وحيد، وسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم خلقه الله على هذه الصفة حتى لا يعتمد بقلبه على أبٍ ولا أمٍ ولا جدٍ ولا عمٍ ولا من حوله من البشر، وأحاطه بالرعاية والعناية:

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]

فأصبح منذ البداية مستعينًا به وحده بتمام الاستعانة. مات أبوه صلى الله عليه وسلم قبل أن يولد، فوُلد يتيمًا. واليتيم عند الإنسان هو من مات أبوه، أما اليتيم في الحيوان فهو من ماتت أمه.

فالنبي عليه الصلاة والسلام مات أبوه قبل الولادة، حتى يولد من أول يوم وهو يتيم، فيكون في رعاية وعناية الله سبحانه وتعالى، لا يستعين بغيره ولا يأنس بسواه.

الأنس بالله وتعلق قلب النبي بالخلوة في غار حراء

ولذلك عندما كَبُرَ، ووصل إلى سن الخامسة والعشرين، والثلاثين، حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يذهب ويختلي في غار حراء الليالي ذوات العدد، أي لمدة معينة، ويأخذ زاده وزواده [المؤونة] لمدة عشرة أيام، فتنفد، فينزل ليتزود بمثلها.

وهذا يسمى الأنس بالله، والأنس بالله لا يكون من قلب يستعين بغير الله، ولا من قلب قد امتلأ بسواه سبحانه وتعالى.

فأول صفة من صفات اليتيم أنه يستشعر بأن أحدًا ليس حوله، ولا سند له سوى الله. فقلبه صلى الله عليه وسلم خلّاه الله من السوى، أي: نقاه.

التخلية الإيجابية في قلب النبي وعلة كونه يتيماً سيد الموحدين

وهناك يتيمًا يستشعر هذا الشعور، ولكنه لا يسير في هذا المسار، إلا بتوفيق الله وهدايته. فقد يستشعر بالغربة، فيؤثر هذا سلبًا على قلبه.

إذن، فالتخلية كانت مسألة لها ما وراءها، لكنها جاءت مع نبينا على نمط الإيجاب لا نمط السلب، فكان سيد الموحدين صلى الله عليه وسلم سيد المؤتنسين بربه.

ومن هنا كانت علة كونه يتيمًا؛ أنه لا يعتمد على أحد لكنه يعتمد على الله وحده.

كيف نترجم النصوص القرآنية والنبوية في إكرام اليتيم عملياً؟

[المذيع]: مولانا الإمام، في مواثيق حقوق الإنسان والطفل التي تحدثوا فيها كثيرًا، لم يذكروا الطفل اليتيم إلا في مادة فرعية؛ فكيف نترجم كل هذه المعاني الموجودة في عشرات الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة؟

قال رسول الله ﷺ: «أنا وكافلُ اليتيمِ كهاتَيْنِ في الجَنَّةِ» [سنن أبي داود: 5150]

فكيفَ نُحقِّقُ إكرامَ اليتيمِ مِن خلالِ هذهِ المعاني والنصوصِ المقدَّسةِ؟

[الشيخ]: النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يأمرُ المجتمعَ بأكملِهِ، أقرباءَ اليتيمِ والبعيدينَ عنهُ، أنْ يقوموا مقامَ العنايةِ والرعايةِ بدلًا عمَّن قد افتقد مِن مُساندةٍ ومُساعدةٍ يحتاجُها. يطيع ذلك مَن وفقه الله.

إنزال اليتيم منزلة الابن وإشباعه بالحنان والأمان

وقد لا يوفق إلى هذا الخير العميم كثير من الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم وضع اليتيم موضعًا في العناية والرعاية دائمًا. فينبغي عليك أن تنزله منزلة الابن، وهذه تنزله منزلة الأم، فتكون أمًا له، وهذه تنزله منزلة الخالة له، وهذا ينزله منزلة [العم]، وهكذا.

فيتربى هذا الطفل اليتيم ويشعر بإشباع الحنان والأمان، فلا يكون قلقًا ولا خائفًا ولا متوجسًا ممن حوله، ويشعر أيضًا بمزيد من الحنان.

ثواب وضع اليد على رأس اليتيم وبث الطاقة الإيجابية فيه

النبي صلى الله عليه وسلم جعل مجرد وضع يدك على رأس اليتيم فلك بكل شعرة تحت كفك حسنة وثواب. عندما تضع يدك على رأس اليتيم هكذا [وأشار الشيخ بيده]، فتشعره [اليتيم] بالحنان والأمان.

فبعدد الشعر الذي تحت يديك هذا الذي يعلمه الله وحده، هذه الآلاف المؤلفة من الشعرات لك بها ثواب، مضروب في عشرة أضعافه، وقد يضاعفها إلى سبعمائة حسب نيتك لو أنك تفعل هذا لله.

كل هذه طاقات إيجابية، وطاقات حب تُشعر الولد اليتيم أو البنت بقيمتهم.

تعليم اليتيم أن يُتمه صفة من صفات النبوة وتخفيف ألم الفقد عنه

وعلينا أن نُعلِّم اليتيم الآن أنه: هنيئًا لك، ما أسعدك أن الله قد وضعك في صفة من صفات النبوة:

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ﴾ [الضحى: 6]

فهنيئًا لك، ما أسعدك أيها الولد أو البنت أن الله سبحانه قد وضعك مثل النبي، فيشعر الصبي بهذا الشرف، وبشيء من نشوة الانتصار أو ما شابه ذلك. فيعطله هذا عن ألم الفقد.

فالفقد موجود بالفعل، لكنه من قبل الله سبحانه وتعالى يُعد اختبار وابتلاء يختبر به الناس: هل ستطيع أو تعصى؟ ولها تكملة [جزاء] في اليوم الآخر بالثواب أو بالعقاب.

الأحكام الشرعية التي أحاط الله بها اليتيم من رعاية وحماية لماله

وماذا نفعل [بالطفل اليتيم] إذن؟

سنجد أن الله يقف معه، ويستره ويحيطه بمجموعة من الأحكام: فقد أمرنا الله بالعطاء والرعاية، وحذرنا وحرَّم علينا أن نقترب من ماله، وحرَّم علينا أن نكسر خاطره:

﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:

  1. 10].

كما حرَّم علينا أن نحتال عليه، كأن ندخله مثلًا في تجارة بماله، ثم نهمل فيها ونخسرها عند عمد، لكي تذهب هذه الخسارة إلى جيوبنا [أموالنا الخاصة]، فتكون المستندات سليمة وكأننا بُرَآء ولم نفعل شيئًا ظاهرًا، ولكن فيما بيننا وبين الله، نحن قد فعلنا شيئًا محرمًا، والكثير من أمثال هذه الحيل التي تُستخدم للاحتيال على اليتيم.

أربعة واوات من الحتوف: الوصية والوكالة والوديعة والوقوف

كانوا قديمًا يقولون: أن هناك أربعة واوات من الحتوف، أي أربعة من حرف الواو [و]: الوصية، والوكالة، والوديعة، والوقوف [جمع وقف]، فهذه الأمور يجب أن تحرص عليها كثيرًا.

-أولها: إذا أقامك الله ناظرًا للوقف، فاحذر أن يغريك المال، احذر فأنت تتعامل الآن في ملك الله، ولكن ملك الله لا يتيح لك السرقة ولا الإهمال، وإلى آخره من المحظورات.

ثانيًا: الوديعة: فلو أن شخص ما وضع عندك ظرف أموال كوديعة بصفة أمانة ثم سافر، ثم أصبحت أنت في ضائقة مالية، ففكرت أن تفتح الظرف وتستخدم أموال الوديعة بدلاً من الاقتراض من جارك إلى أن يعود صاحب الوديعة فتكون قد دبرت المال ووضعته مكانه بدون علم أحد.

لكن القول الصحيح: أبدًا لا تفعل ذلك، با اترك الوديعة كما وضعتها، ولا تأخذها إلا بإذن صاحبها، ثم ترجعها إليه، فيعطيك صاحب الوديعة بنفسه وكأنك استعرتها منه مرة أخرى.

خطورة الواوات الأربعة وثواب حفظها والأمانة فيها عند الله

-ثالثًا: الوصية: وهي التي تخص الأطفال اليتامى، ومن الأربعة واوات من الحتوف.

-رابعًا: الوكالة: فإذا كنت وكيلًا فلا تخن وكالة الموكل لك، وإياك أن تهمل؛ لأن الوكيل كالأصيل.

فهذه الأربعة لا تعني ألا تفعلها، لا، بل تعني أن تكون حريصًا جدًّا وأنت تفعلها، لدرجة أن بعضهم قال: من أخذ هذه الأربعة ففي عقله شيء، أي: أنه يكلف نفسه ما لا يطيق، شأنه كشأن المجانين.

ولكن طبعًا في المقابل هناك ثواب عظيم إذا حفظ هذه الواوات الأربعة:

  • فسيكون بالتأكيد أمينًا عند الله وكفى بها.

  • سيكون أمينًا عند الله في اليتيم، وكفى بها.

  • سيكون أمينًا على مال الله في الوقف، وكفى بها.

  • سيكون أمينًا عند الله في الوكالة، وكفى بها.

فكلُّ واحدة من هذه تفتح له بابًا في الجنة يدخل منه، ولكن خطرها عظيم، ومغرياتها كثيرة، فكانت هذه الواوات من الأمور التي يحذر منها الناس، وفي نفس الوقت يدعو إليها الشرع.

شرف اليتيم بالتشبه بصفة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم

[المذيع]: ما أشرفك أيها اليتيم حين تتشبه بصفة من صفات سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، صلوا عليه وسلموا تسليمًا.

تقرير عن يوم اليتيم ونظرة المجتمع السلبية تجاه الأيتام في المدارس

تقرير مصور:

[مديرة إحدى دور الأيتام: حسنات محمد]: بالنسبة لاسم يوم اليتيم، فأنا أحب أن أسميه يوم لكلِّ فاقدي الرعاية الأسرية. فهذه كلمة أقل وطأة من كلمة اليتيم، لكنني أيضًا لست معترضة على مصطلح اليتيم؛ فالأيتام أنفسهم يعلمون أن هذا اليُتم هو مثل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

أيضًا نسمع أشياء غريبة في المدارس والإعلانات، مثلًا يا جماعة الخير من لديه ملابس قديمة لا يحتاجها فليُحضرها؛ لأننا سنزور دُور الأيتام. فالحمد لله، أولادنا أو في أغلب دور الأيتام الحمد لله في خير: الخير في أمتي إلى يوم الدين.

ونحن والحمد لله نحن مبسوطين وكل شيء على ما يرام، ولكننا نتمنى الزيارة، والطبطبة على اليتيم، والإحساس به.

أيضًا نظرة المجتمع: فمثلًا تقول إحداهن لابنها: لا تكلمه لأنه يتيم! أيضًا إدارة المدرسة، فكل الأطفال يشاكسون في المدارس، ولكن عندما يكون أحد المشاكسين [يتيمًا] فتقول إدارة المدرسة: لا، هذا يجب أن يُطرد، فالكثير من الأولاد مشاغبون، ولكن اليتيم لا يجد أحدًا ليدافع عنه، ولقد قلنا قبل ذلك: لو كان هذا الطفل اليتيم له أهل، فلن يستطيع أحد أن يقول له [شيئًا]، أو أن يقول له اخرج من هنا.

شهادات الأيتام عن أهمية الزيارة والمشاركة وطلبهم المزيد من التواصل

المراسلة: هل تفرحين عندما يأتي أحد لزيارتك هنا؟، وماذا تحبين أن تقولي لهم؟

[طفلة بالدار 1]: نعم أفرح، وأطلب أن يأتوا إلينا كثيرًا ويشاركوننا.

[طفل بالدار 2]: سأقول لهم شكرًا لأنهم يزوروننا، وليتهم يزوروننا أكثر لأننا نفرح بهؤلاء الناس.

[طفل بالدار 3]: عندنا يأتي أحد لزيارتنا، يرسمون البهجة على وجوهنا. لهذا أقول لهم أن يأتوا ويشاركونا في الأمور التي نقوم بها.

[طفلة بالدار 4]: لا أشعر بمعاملة مختلفة من الناس، ولكن أحيانًا عندما تكون هناك مسألة مثلًا بيني وبين وزميلة معي في الفصل، فيدققون معي أنا بالذات، وصدقيني فلا تدقيق معها، ولكن لأني من دار [أيتام] فلا بد أن أتنحى جانبًا، ويجب أن أحضر والدتي أو أغادر المدرسة وما إلى ذلك.

آراء الناس في كيفية إكرام اليتيم وأسباب ابتعاد البعض عن العطف عليه

[المراسلة]: كيف يمكن للفرد أن يقوم بإكرام اليتيم؟

[مواطن 1]: بأن يجلب له مثلًا هدية، فربما يكون لك قريبًا يتيمًا، فلا تتركه لهذا الإحساس السيئ أن ليس لديه أب أو أم.

[مواطن 2]: على قدر الاستطاعة بأي شيء كان، فهو يتيم يحتاج إلى أي مساعدة، سواء بالملابس أو بالمال أو بزيارته.

[مواطن 3]:

قال رسول الله ﷺ: «أنا وكافلُ اليتيمِ كهاتَيْنِ في الجَنَّةِ» [سنن أبي داود: 5150]

فليس في الأمر نقاش، فكيف سنكرمه أكثر من ذلك وقد تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم؟

[المراسل]: ما سبب ابتعاد الناس عن العطف على اليتيم؟

[مواطن 1]: من الممكن أن تكون الظروف المعيشية والفقر هي السبب مثلًا، فربما يحصل الشخص على قوت يومه بصعوبة، أو يحصل على حاجته بمشقة، فالظروف الاقتصادية قد تكون سبب البعد عن موضوع اليتيم هذا.

انشغال الناس عن اليتيم وعدم العطف حتى على الأقربين

[مواطن 2]: قد يكون لأنه لا توجد أموال كافية لهذه الأشياء أبدًا في هذه الأيام، فيقول الشخص: أنا أملك فقط ما يكفيني. فيا أخي لماذا لا تعطيه؟ فكما تأكل أنت وأطفالك، أطعم يتيمًا معك.

[مواطن 3]: إحدى الجمعيات اتصلوا بي اليوم وقالوا: إنهم يحتاجون أموالًا أو ملابس للتبرع، فقلت لهم: نحن نحتاج لمن يتبرع لنا!

[مواطن 4]: لا، الأمر ليس مسألة بُعد أو شيء من هذا القبيل، قد يكون انشغالًا فقط، ولكن البُعد المتعمد عن اليتيم غير معقول، فلا يمكن أن أجد طفل يتيم أمامي وأتركه.

[مواطن 5]: الإنسان الآن لا يعطف على أخيه الذي يرقد في السرير بجواره، فكيف يعطف على اليتيم في الشارع الذي لا يعرفه!

أهمية الرعاية الأسرية لليتيم والفرق بينها وبين الدور المؤسسية

[المذيع]: ربما بعض المعاني التي يتم ترجمتها بشكل من أشكال الاهتمام باليتيم، هي فكرة الرعاية الأسرية التي تفضلت بها الأستاذة (آية حسام)في التقرير، وأيضًا فكرة زيارة الأيتام الموجودين في المراكز والدور المختلفة، حيث يقول الاطفال: أن زيارة الناس لهم مهمة جدًّا، ولكن البعض يوضح لنا فكرة أنه يتعمد الاهتمام به لأنه يتيم. فما رأي فضيلتكم في كل ما سبق في التقرير؟

[الشيخ]: كل ما ورد في التقرير ناتج من تحويل المعاني الاجتماعية والعلاقات والمراكز التي كانت في السابق تقوم بها الأسرة والمجتمع الكبير إلى مؤسسات، فبرزت [ظهرت] مؤسسات للأيتام وللمسنين، ونحو ذلك، وذلك لازدياد الناس وانشغالهم وتعقد الحياة وما إلى ذلك.

المؤسسات ضرورية لكن الحل الأمثل هو الأسرة المستضيفة لا الدار

في بعض الأحيان هذه المؤسسات تكون ضرورية؛ لأن بدونها يضيع الطفل ويضيع العجوز المُسن. لكنها على كل حال ليست هي الحل الأمثل .

فالحل الأمثل أن يعيش المسن وسط أهله، وأن يعيش اليتيم وسط أهله. هذا هو الذي عرفته البشرية وجربته: وهي الأسرة المستضيفة ،وليست الدار.

فالدار أقرب ما تكون للشدة العسكرية، يعني الضبط والربط وما إلى ذلك، ولكن الأسرة فيها معانٍ أخرى لن تظهر [في الدار].

أهمية العلاقات الاجتماعية لليتيم وتدريب الأسر البديلة على الرعاية

لأنهم في الأسرة لهم علاقات اجتماعية، ويذهبون إلى الأفراح، ويذهبون إلى العزاءات، ويقومون بواجبات اجتماعية، وما إلى ذلك.

فهذا أمر مهم جدًّا، وهو أن الدور الموجودة نشأت للحاجة فقط، ولكن الأفضل منها أن نعود مرة ثانية لتدريب الأسر على الاستضافة، سواء كانت استضافة الكبير أو استضافة اليتيم.

والمشكلة التي واجهتنا أن الأسرة البديلة ليس لديها الكفاءة للرعاية، فمثلًا عندما أضع عندها شخصًا مسنًا لا يعرفون كيف يعتنون به، فلا يعرفون كيفية استحمامه أو كيف يقومون بتنظيفه أو تغيير ملابسه، ولا يعرفون كيفية فعل ذلك مع الطفل.

لذلك يجب على مثل هذه الأسر أن يكون لديها تدريب مسبق ودليل إرشادي لهم عمليًّا ونظريًّا في كيفية مواجهة هذه الحالة.

هدف الأسرة البديلة إنشاء الحنان والأمان وكيفية ممارسة الدور الطبيعي مع اليتامى

ولذلك المسن نفسه قد يقول: حسنًا، خذوني إلى أخف الضررين، إلى المؤسسة [أي دار المسنين]. وكذلك الطفل إن أحسن التعبير سيقول نفس هذا الكلام عندما لا نستطيع أن نمنحه هدف الأسرة البديلة وهو إنشاء الحنان والأمان، وإنشاء الرعاية والعناية، وإنشاء العلاقات الطبيعية التي لا بد للإنسان أن يحيا فيها.

[المذيع]: كيف نمارس هذا الدور مع اليتامى بطريقة طبيعية بحيث لا نشعرهم كما قالوا في التقرير بأنهم يشعرون من البعض باهتمام متعمد تجاههم لأنهم أيتام؟

وكيف نحقق كلام سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «أنا وَكافلُ اليتيمِ في الجنَّةِ كَهاتين ، وأشارَ بأصبُعَيْهِ يعني : السَّبَّابةَ والوسطى» [سنن أبي داود: 5051]

كيف أترجم ذلك إلى معنى حياتي وطبيعي، وإلى ممارسة يومية؟

القضية قضية قلب: تغيير القلب نحو اليتيم لا الشكليات

[الشيخ]: المسألة ليست إثبات حالة، سأصل إلى هذا بكل سهولة إذا تغير قلبي. فالحكاية ليست تمثيلية، بمعنى أنني اقول: لقد قررت أنني سوف أذهب لليتيم وأضع يدي اليمنى على رأسه من أجل الثواب، فهذا بالفعل يعتبر مسألة شكلية محضة.

لا، بل جرب أن تحبه من قلبك، فستجد نفسك تحتضنه، وستجد نفسك فرحًا، وسينظر إليك اليتيم فيجد وجهك طلقًا بشوشًا.

فالقضية قضية قلب. فكلام سيدنا النبي هذا لكي يتحرك قلبك، وليس لكي تحرك يدك فقط. فلو تحركت يدك وقلت له وأنت تُظهِر له أنَّكَ تَشفُقُ عليه: " يالك من مسكين لأنك يتيم"، فإن هذا يُسبِّبُ لليتيم تأثيرًا سلبيًا وطاقةً سلبيةً وليست إيجابية.

إذن وماذا بعد؟

الحب الحقيقي لليتيم يخرجه سوياً ويحل المشكلة من جذورها

ومتى ستكونُ الطاقةُ إيجابيةً؟ عندما تُحِبُّهُ من قلبِكَ. جرب ذلك وأنزله منزلة ابنك، ثم تصرف على هذا الأساس، فسيشعر الصبي بأن هناك من يحبه، وبأن هناك من يقف خلفه.

فينشأ سويًا، لا أن ينشأ وهو يفكر في الصدام والانتقام والمواجهة والانعزال، إلى آخر ما هنالك من الآثار السلبية لهذه الطريقة الشكلية.

أما الإجابة على سؤالك: فقط غيِّر قلبك. اجعل قلبك مليئًا بحب اليتيم، فالحب سيجعلك قلقًا عليه، وسيجعلك تسأل عنه، وسيجعل مثلًا تلك السيدة التي تعلق قلبها باليتيم، تسأل عنه في الثانية عشرة ليلًا، لأنها شعرت أنه مثل ابنها تمامًا.

فإذا أنزلته هذه المنزلة ستشعر به هذه المشاعر، وحينها تُحل المشكلة.

إنزال اليتيم منزلة الأبناء من أجل رضا الله في الآخرة

فالمشكلة تكمن في أن نغير قلوبنا، وأن ننزل هؤلاء الأطفال منزلة أبناءنا كما أمرنا الله، وذلك من أجل أنفسنا في الآخرة، ومن أجل رضا الله عنا.

صور القسوة على اليتيم وحرمانه من حقوقه في الميراث وجزاء ذلك

[المذيع]: مولانا، دعني أسأل حول: كيف نهتم باليتيم ولا نقسو عليه؟ فمن ضمن صور القسوة على اليتيم أنه أحيانًا بعض الإخوة عندما يموت إخوتهم يقسون على أولادهم اليتامى ويحرمونهم من حقوقهم في الميراث وفي الحياة كما نرى في الدراما المصرية. فنريد أن نوجه لهم كلمة، بدايةً من القسوة، ونهايةً بمنع الحقوق، ونقول لهم ما جزاء هذا العمل عند ربنا سبحانه وتعالى.

[الشيخ]:

﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ * فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ﴾ [الماعون: 1-2]

فهذا يشير إلى أن صفة مكذب الدين هو أنه ﴿ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ﴾مباشرة، فهذه الآية تلو الأولى مباشرة: ﴿فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ﴾!

دع اليتيم صفة المكذب بالدين والغافل عن ذكر الله

أنت تَدُع اليتيم يا أخانا بأكل ماله، أو عدم رعايته، أو بالقسوة عليه، أو باستغلاله. أتعلم ماذا يعني ذلك؟ يعني أنك تُكذب بالدين!

فالدين يقول لك:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

والدين يقول لك أيضًا:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

فقلبك غير مطمئن؛ لأنك لا تذكر الله، فأنت من أهل الغفلة. والذي يكذب بالدين هو ذلك الذي حُجب قلبه، فأصبح من أهل الغفلة، فلا شيء سيؤثر فيه ولا سينفعه. سنقدم له الموعظة وسيستمع إليها، ويستمر في هذه المعصية، لا يرضى أن يستجيب أو أن يتأثر.

أهل الغفلة مكذبون بالدين فعلياً يطلبون الدنيا بدل ذكر الله

وكونه من أهل الغفلة فسيؤدي به هذا إلى أن يصبح مكذب بالدين فعليًا، لا لفظيًا ولا شكليًا.

فالدين قال له: اذكر ربك، فهذا الذكر سيطمئن قلبك. فقال: لا، لن اذكر ربي، وقلبي قلق، ولكي أُسكن قلبي [أطمئنه] فأنا أريد الدنيا، وهذه هي الفرصة التي أمامي لآخذ الدنيا، فلا تشوشوا تفكيري.

فهذا هو من يدع اليتيم، وهي صفة مَن يكذب بالدين. الدين الذي هو: ذكر الله:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]

فهذا الذي يدع اليتيم غافل، ولا ينتبه إلى شيء إطلاقًا، ولا يوجد أي شيء سيؤثر فيه، لا موعظة ولا غيرها.

عقوبة أكل مال اليتيم بالشنار والدمار في الدنيا والنار في الآخرة

لذلك فلن نقول له شيء كما سألت حضرتك، بل الله هو الذي سيقول له. ولذلك يدخل عليهم أكل مال اليتيم بالشنار والدمار.

الشنار: أي الهلاك في أولادهم وفي صحتهم وفي ذكراهم بعد أن يموتوا. سبحان الله! فإن آكل مال اليتيم إنما يأكل في بطنه النار على حقيقتها الحسية في الدنيا، فكل ما ينزل بطنه هو نار تشتعل فيه في الدنيا، وأما الآخرة فهذه قضية أخرى.

فالسبب في أنه يدع اليتيم هو الغفلة عن ذكر الله، ولو أنه ذكر الله لأحاطه الله سبحانه وتعالى بشيء من العناية.

الذكر الحقيقي ينهى عن الفحشاء والمنكر وأهل الغفلة لا تنفعهم موعظة

والذكر هنا له عمل فبالذكر ينتهي عن الفحشاء والمنكر؛ فالله قد جعل هذا هو أثر الذكر.

أما الذي يصلي ولا فائدة، والذي يذكر بلسانه دون قلبه بلا فائدة، فهؤلاء من أهل الغفلة الذين لن تؤثر فيهم موعظة.

[المذيع]: إذن، فالبداية كما أشار مولانا هي أن نغير القلب تجاه اليتيم.

حكم جمع التبرعات باسم الأيتام وضرورة حسن الإدارة والإخلاص

[المذيع]: مولانا، البعض يستغل الأيتام ويجمع تبرعات باسم الأيتام، فما الموقف من هذا؟

[الشيخ]: لا بأس، فكما أقول لك إن هذه التنظيمات جاءت من أجل سد الفجوة التي نتجت من كثرة السكان، ومن عدم قيام الأسرة والعائلة بواجبها.

ولكن مع حسن الإدارة، والقوة في الخدمة، وإخلاص الدين لله، ومع أن تكون هذه الأعمال بالنيات، فإنه يكون قد أدى ما عليه.

وأي شخص يتخذ جمع التبرعات وسيلة [للاحتيال]، سيكون من آكلي مال اليتيم. فعندما أعطيه مالًا وأقول له أوصله إلى اليتيم، فلا يوصله، يكون قد أكل مال اليتيم؛ لأنني عندما أخرجت من عندي مالًا أصبح ملكًا لليتيم، فهو إما أكلها أو لم يوصلها أو فرّط فيها.

المهمل الذي يضيع مال اليتيم أخس من السارق وإضاعة المال مصيبة

وهذا الشخص الذي قد أكل وشرب بمال اليتيم، فهو خسيس. ولكن الأخس منه هو الذي يهمل اموال اليتيم حتى تضيع هذه الأموال، فلا يستفيد بها شخصيًا، ولا حتى اليتيم يستفيد بها. فهذا أخس من الحرامي [اللص] الأول، إنه المُهمل.

فانظر، كيف أن المهمل أخس من الحرامي. فالحرامي [على الأقل] قد نفع نفسه أو زوجته أو أولاده - والعياذ بالله تعالى - ولكنه صرفهم في شيءٍ نافعٍ لبعض البشر. أما الثاني فأضاع المال.

ولذلك قال [النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: « إنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُم ثَلاثًا: قيلَ وقال، وإضاعةَ المالِ، وكَثرةَ السُّؤالِ.» [البخاري: 1477]

فإضاعة المال هذه مصيبة، تساوي تمامًا تضييع المال على جميع المستويات. كالتفريط في المال الذي نراه أحيانًا، أما هذا مصيبته أكبر من مصيبة المختلس والمغتصب والحرامي برغم أن مصيبتهم قد تٌعد من الكبائر، وأنها توجب لعنة الله سبحانه وتعالى عليهم. ولكن الأشد منهم هو المهمل الذي يضيع المال.

يوم اليتيم تذكير وانطلاقة لا مجرد احتفال شكلي سنوي

[المذيع]: مولانا الإمام، يوم اليتيم هو يوم نحتفل فيه باليتيم، وهو نوع من أنواع تذكير الناس باليتيم. فكيف نجعل الموضوع ليس مجرد احتفاء شكلي كما تقول فضيلتك، ولكن نجعله في إطار برامج عملية ونفعية وطبيعية في الحياة؟

[الشيخ]: عندما وافقنا على يوم اليتيم ودعونا إليه، ثم بعد ذلك أنشأنا ما يُسمى بيوم اليتيم العربي مع جامعة الدول العربية.

وكل هذه الأمور عندما عُرضت علينا ووافقنا عليها وبدأناها مع بعض الجمعيات مثل جمعية الأورمان، وكان لها ريادة في هذا المجال: فنشأ يوم اليتيم المصري ويوم اليتيم العربي ويوم اليتيم الدولي.

الهدف من يوم اليتيم الانطلاق لا الوقوف عنده كما في المولد النبوي ويوم الأم

إن الهدف من كل هذه الاشياء هو التذكير. انها البداية؛ فهيا بنا نلتفت إلى هذا المعنى، ليس لأجل أن نقف عند هذا اليوم، بل لأجل أن ننطلق من هذا اليوم.

فهناك فرق بين أننا نجعل يومًا في السنة لمعنى معين مثل الاحتفال بيوم الأم، وبيوم المعاق، وبيوم بالمرأة وما إلى ذلك. فهذه أيضًا هي البداية.

ونحن في مولد سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام دائما نقول لهم: يا جماعة حب النبي هذا ركن من أركان الإيمان، فلا يصح الإيمان أصلًا بدونه:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

حب النبي ركن من أركان الإيمان وقصة سيدنا عمر في حب النبي

فحب النبي هذا هو ركنٌ من أركان الإيمان، قال [النبي ﷺ]:

«لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى أكونَ أحَبَّ إليه مِن ولَدِه ووالِدِه والنَّاسِ أجمَعينَ» [صحيح مسلم: 44]

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

«يا رَسولَ اللهِ، لَأنتَ أحَبُّ إليَّ مِن كُلِّ شَيءٍ إلَّا مِن نَفسي».

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ».

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي.

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الآنَ يَا عُمَرُ» [صحيح البخاري: ].

وفي رواية قال له: فما قلتُها إلا لِأعلمَ الناسُ.

فإذن، هو ركنٌ من أركان الإيمانِ. وقضيةُ الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف هذا الذي لا يعجبهم.

الانطلاق من يوم اليتيم لجعل السنة كلها اهتماماً ورعاية لليتيم

نعلّم الناس فيه أن تبدأ شيئًا في الحب، كأن تبدأ في قراءة السيرة، وفي المحافظة على صيغ الصلوات المرتبة على الأيام مثل دلائل الخيرات، وكنوز الأسرار، وسعادة الدارين، ومثل الكتب التي ألفها العلماء في الصلاة على النبي.

كذلك في يوم الأم: ابدأ صفحة جديدة مع أمك، وإذا كنت لم تنتبه فانتبه.

وكذلك في يوم اليتيم نقول للناس: ابدأ الاهتمام باليتيم، واجعل السنة القادمة مليئة بالاهتمام باليتيم ورعايته، ابحث عنه، وانظر في مشاكله، اتخذ يتيما تحت كفالتك.

[المذيع]: ما أجمل أن نستمع القول فنتبع أحسنه.

أسئلة من المشاهدين: الأستاذة زينب والأستاذة أماني والأستاذ محمد

[السائلة: زينب]: يا شيخنا، أنا سيدة أبلغ من العمر خمسة وسبعين سنة، لدي سؤالان، السؤال الأول: الله هو الذي يُعطي وليس أنا الذي أُعطي، فأنا من فترة أتبرع لمستشفيات الأطفال مرضى القلب ومرضى السرطان، فكنت أريد أن أعرف هل هذه صدقة جارية؟

حكم التبرع لمرضى الأطفال وهل يعتبر صدقة جارية وحكم التبرع للأورمان

[الشيخ]: نعم، صدقة جارية.

[السائلة: زينب]: الأمر الثاني: إعلان جمعية الاورمان الخاص باليتيم يجعلني أبكي، فطلبت من ابنتي أنا تأخد من نقودي وتتبرع لهم، فقالت لي ابنتي: لا، بل لا بد أن تذهبي بنفسك لتتأكدي، فهل هذه الأموال يا فضيلة الشيخ تصل بالفعل، أم أنني أترك أمري لله ولا أشارك في هذه الأمور؟

[الشيخ]: نعم، تصل يا حاجة زينب، وتصل تمامًا، والإدارة جيدة وتعمل في أمانة الله، والحمد لله، فلا تخافين على أموالك؛ لأنهم يعملون بجدية في هذه الجمعية، وأثر عملهم واضح في فعل الخير. فهذه الجمعية أو المؤسسة من المؤسسات الفعّالة.

سؤال الأستاذة أماني عن حكم إجهاض الجنين بسبب النزيف المستمر

[السائلة: أماني]: حملت على الوسيلة (منع الحمل) منذ أربعين يومًا تقريبًا، لكنني يا مولانا عندي نزيف يومي وبكثرة، وأنا لا أريد أن أفعل شيئًا حرامًا. فهل لو أجهضت الجنين يعتبر حرام أم حلال؟

[الشيخ]: حلال يا أماني

سؤال الأستاذ محمد عن كفارة اليمين المعقد وحكمها الشرعي

[السائل: محمد]: منذ ستة عشر عامًا بالضبط تزوجت، وحلفت يمينًا معقدًا، ولم أكن أعرف ما هو نظامه بالضبط، وكان أخو زوجتي يأتي إلى بيتي ويسبب لي مشاكل، فذات يوم طردته، ثم حلفت بالطلاق وقلت غاضبًا لزوجتي: "عليَّ الطلاق وتكوني حرمانة علي زي أمي وأختي إذا جاء أخوكِ هنا مرة أخرى وسأذهب بك إلى بيت أهلك، فلست أدري هل هناك كفارة لهذا اليمين، أم ماذا أفعل؟

[الشيخ]: تُطعم عشرة مساكين، وليس عليك شيء.

[السائل]: وهذا الأخ، هل يأتي لبيتي مرة أخرى، أم تذهب إليه أخته؟

[الشيخ]: يمكنه أن يأتي، لأنك انتهيت وأطعمت العشرة مساكين.

[السائل]: هل أطعم العشرة مساكين بنفسي، أم أنه يمكنني التبرع لإحدى الجمعيات أو دور الايتام بصك إطعام؟

[الشيخ]: نعم يمكنك، فكلاهما صحيح.

حكم استضافة يتيم لمن لا ينجب وكيفية جعل الشقة صدقة جارية للأيتام

[المذيع]: سؤال في الرسائل النصية مولانا: هل يمكن أن نستضيف يتيمًا في بيتنا أنا وزوجي لأننا لا ننجب؟

[الشيخ]: نعم، ممكن.

[السائلة: سحر]: أريد فقط أن أستفتسر من حضرتك استفتسارين: الأول: لقد ورثت مالًا كثيرًا جدًّا من والدي، زوجي كان موظفًا في الحكومة، وهو إنسان محترم. كنت أساعده في مصاريف المدارس والجامعات وكل شيء، فاعتاد على ألا ينفق عَليّ. طبعًا الآن أموالي قلت جدًّا، لم يبق معي الكثير من المال.

ومنذ سنتين أصابني مرض مناعي، وأتلقى العلاج وأدفع للاطباء ولمساعدة المنزل من مالي الخاص، وهو ينفق بشكل جيد جدًّا لا يمكنني إنكاره ولكن في البيت وعلى أولاده، إلا أنا للأسف، فلا يعطيني شيئًا على الإطلاق.

حكم إخراج الزكاة لمن لا يملك مالاً كافياً وأولوية الفرض على السنة

ولذلك لا أستطيع أن أخرج زكاتي، للأسباب التي ذكرتها لحضرتك، ولكنني أتصدق بقدر جيد والحمد لله على قدر ما أستطيع، وأرضى الأيتام والحمد لله.

فهذا هو أول سؤال، ما هو عقابي عند الله إذا لم أُخرج الزكاة؟ حيث إن الأموال لا تتوفر معي باستمرار، ولكن عندما تتوفر لدي أموال أقوم بالتصدق.

[الشيخ]: لا تخرجين صدقة، وأخرجي الزكاة أولًا، لأن الصدقة تُحسب من الزكاة، أنت مخطئة، فأنتِ لا تفعلين شيئًا حرامًا، ولكنكِ تفعلين شيئًا غريبًا، فأنت وكأنكِ تتركين الفرض وتصلين السنن!

فالذي تفعلينه بالضبط: وكأنه عندما يأتي أذان الظهر فلا تصلين الظهر، ولكنكِ تصلين ركعتين، ثم ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمان أو عشرة ركعات سنة، ولكنك لم تصلي الظهر.

فبدلًا من العشر ركعات سنة التي تصلينها، صلِّ أربعًا لفرض الظهر أنا أخبرك بهذا لكي تتداركي عدم معرفتك بالخطأ وتتبعي الكلام الذي أقوله لك.

كيفية حساب الزكاة على الفائدة وحكم الصلاة بآيات طويلة من القرآن

فزكاتك في السَّنة محسوبة [معلومة]، فإذا صار معك مال في الشهر الثالث، أو في الشهر الرابع، فتخرجين جزء من الزكاة، ثم تسجلين ذلك في دفتر، فلو مثلًا مقدار زكاتك عشرة آلاف، وقد أخرجت ألفين، ثم بعد فترة أخرجتِ ثلاثة، ثم ألفين، ثم ثلاثة، فستجدين أن الزكاة قد انتهت.

[السائلة: سحر]: أنا الآن المبلغ المتبقي معي قليل جدًّا، بالكاد أعيش منه. فهل أخرج الزكاة على أساس المبلغ أم على الفائدة التي تخرج؟

[الشيخ]: أخرجيها عشرة في المائة على الفائدة 10% التي تخرج من المبلغ الأصلي.

[السائلة: سحر]: سؤال آخر: كنت قد سمعت حضرتك في إحدى الحلقات تقول: أنه يمكنني أن أصلي الفرض بالقراءة من المصحف، فهل هذا ممكن؟ لأنني أختم القرآن كل فترة، وأحب أن أصلي بـ "يس" قراءة من المصحف.

[الشيخ]: نعم، بالطبع ممكن.

سؤال الأستاذة منى عن حكم الأخذ من مال يتيم تكفله بسبب ضائقة مالية

[المذيع]: يسأل أحدهم، لدينا شقة، وأريد أن أجعلها صدقة جارية للأيتام أو لكبار السن، فما جزاء هذا؟ وكيف؟

[الشيخ]: هذا يُسمى الصدقة الجارية. ونقوم بذلك عن طريق تسليمها لمؤسسة من المؤسسات المهتمة بالأيتام، فتقوم بتحويلها إلى دار أيتام، وتقوم هي بتنظيمها وإدارتها والإنفاق عليها.

[السائلة: منى]: أكفل طفلًا ووهبت له شقة من مالي الخاص، وسعر هذه الشقة ارتفع والحمد لله، وأقوم بتأجيرها لصالحه الآن قانون جديد، وأضع له أموال الإيجار فورًا في البنك، ومنذ ستة أشهر أمر بضائقة لأنني متعبة، وأيضًا زوجي مريضًا، فأخذتُ من هذه الأموال، وأشعر أن هذا حرام.

فهذه الأموال إذا لم أستطع ردها، أو إذا توفاني الله ولم أجد من يسدها بدلًا مني فماذا أفعل؟ أريد أن أعرف فأنا لا أنام.

حكم من أخذ من مال اليتيم لضرورة والله يذكرك ويرعاك

[الشيخ]: سددي عندما تتوفر لك الأموال.

[السائلة: منى]: أخاف أن أموت ولا أجد من يسددها له بدلًا عني، وأنا لدي ولدان آخران، لكنهما متسامحين في هذا الأمر [غير معترضين]، فأنا وهبتها وهما وقعا عليها وقد تنازلت عنها له [لمن أكفله]، لتكون له فيما بعد.

[الشيخ]: الله عزَّ وجلَّ متذكرك دائمًا ويذكرك يا منى الآن، أما عبارة «يفتكرك» فلا أعرف من أين يأتون بها! فالله تعالى يذكرك الآن. ولذلك أنت في معية الله سبحانه وتعالى.

فعندما يرزقك الله بمال فسدديه، وإن لم يرزقك بمال فحسبك أنك أعطيت الشقة للولد وانتهى الأمر على ذلك.

ختام الحلقة والشكر لفضيلة الشيخ علي جمعة والمشاهدين

[المذيع]: مولانا الإمام، الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أشكرك شكرًا جزيلًا، وأعزائي المشاهدون، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

لماذا جعل الله سيدنا رسول الله ﷺ يتيماً؟

حتى يستعين بالله وحده ولا يعتمد على أحد من البشر

ما الذي يفيده تقديم «إياك» في قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟

الاختصاص أي أن العبادة والاستعانة مختصتان بالله وحده

ما الحل الأمثل لرعاية اليتيم وفق ما ورد في الحلقة؟

الأسرة البديلة المستضيفة المدربة على الرعاية

ما وصف القرآن الكريم لمن يدع اليتيم؟

مكذب الدين

ما الواوات الأربعة من الحتوف التي يجب الحرص عليها؟

الوصية والوكالة والوديعة والوقف

من هو الأخس في التعامل مع مال اليتيم: السارق أم المهمل؟

المهمل لأنه يضيع المال دون أن ينتفع به أحد

ما ثواب وضع اليد على رأس اليتيم؟

حسنة بكل شعرة تحت الكف وقد تضاعف إلى سبعمائة ضعف

ما كفارة اليمين المعقد الذي يتضمن الحلف بالطلاق؟

إطعام عشرة مساكين

ما نسبة الزكاة على الفائدة البنكية؟

10%

ما الفرق الجوهري بين دار الأيتام والأسرة البديلة؟

الأسرة البديلة تمنح اليتيم علاقات اجتماعية طبيعية وحناناً لا تجده في الدار

ما الهدف الحقيقي من إحياء يوم اليتيم سنوياً؟

التذكير والانطلاق نحو اهتمام مستمر طوال العام

ما حكم من يتصدق ولا يخرج الزكاة؟

يترك الفرض ويصلي السنن وهو خطأ شرعي

ما معنى الأنس بالله وكيف تجلى في حياة النبي ﷺ؟

الأنس بالله هو امتلاء القلب بالله وحده دون سواه، وتجلى في النبي ﷺ بتعلقه بالخلوة في غار حراء الليالي ذوات العدد، لأن قلبه خلا من الاعتماد على البشر منذ يتمه.

ما الفرق بين اليتيم عند الإنسان واليتيم عند الحيوان؟

اليتيم عند الإنسان هو من مات أبوه، أما اليتيم في الحيوان فهو من ماتت أمه.

ما الآية القرآنية التي تُشعر اليتيم بالشرف وتخفف عنه ألم الفقد؟

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ من سورة الضحى، إذ تجعل اليتيم يشعر بأنه يشارك النبي ﷺ في صفة من صفات النبوة.

ما الآية التي تحرم قهر اليتيم؟

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ من سورة الضحى.

ما عقوبة آكل مال اليتيم في الدنيا؟

يدخل عليه الشنار والدمار: الهلاك في أولاده وصحته وذكراه، وإنما يأكل في بطنه النار على حقيقتها الحسية في الدنيا.

لماذا تُعدّ دور الأيتام أقرب للشدة العسكرية؟

لأنها تقوم على الضبط والربط والنظام المؤسسي، وتفتقر إلى معاني الحنان والأمان والعلاقات الاجتماعية الطبيعية التي توفرها الأسرة.

ما الشرط الأساسي لنجاح الأسرة البديلة في رعاية اليتيم؟

أن تتلقى الأسرة تدريباً مسبقاً ودليلاً إرشادياً عملياً ونظرياً يؤهلها للتعامل مع اليتيم أو المسن بكفاءة.

ما الفرق بين الاهتمام الحقيقي باليتيم والاهتمام الشكلي؟

الاهتمام الشكلي يُشعر اليتيم بالشفقة المصطنعة فيبث فيه طاقة سلبية، أما الاهتمام الحقيقي فيبدأ بمحبته من القلب وإنزاله منزلة الابن فيبث فيه طاقة إيجابية.

ما حكم استخدام الوديعة في الضائقة المالية دون علم صاحبها؟

لا يجوز مطلقاً، يجب ترك الوديعة كما وضعت ولا تُؤخذ إلا بإذن صاحبها ثم تُرد إليه.

ما الحديث النبوي الذي يُحرّم إضاعة المال؟

قال رسول الله ﷺ: «إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» رواه البخاري.

ما حكم جعل شقة صدقة جارية للأيتام وكيف يتم ذلك؟

جائز ومستحب، ويتم بتسليمها لمؤسسة مهتمة بالأيتام تحولها إلى دار أيتام وتتولى تنظيمها وإدارتها والإنفاق عليها.

ما الحديث النبوي الذي يجعل حب النبي ﷺ شرطاً للإيمان؟

قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» رواه مسلم.

ما الذي يجعل الغافل عن ذكر الله مكذباً بالدين فعلياً؟

لأن الدين يأمره بذكر الله الذي يطمئن القلب، فحين يرفض الذكر ويلجأ إلى الدنيا لإسكات قلقه يكون قد رفض الدين عملياً وإن لم ينطق بالكفر.

ما حكم التبرع لجمعيات الأيتام عبر صك إطعام بدلاً من الإطعام المباشر؟

جائز وصحيح شرعاً، كلاهما مقبول سواء أطعم بنفسه أو تبرع لجمعية خيرية بصك إطعام.

ما الذي يحدث لليتيم حين ينشأ دون حب حقيقي ورعاية طبيعية؟

ينشأ وهو يفكر في الصدام والانتقام والمواجهة والانعزال، وهي آثار سلبية ناتجة عن الطريقة الشكلية في التعامل معه.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!