كيف يتحقق الرضا بقضاء الله وقدره وما هي علامات عدم الرضا وأسبابه وكيف تكون السعادة في التسليم لله؟
الرضا بقضاء الله وقدره يتحقق عبر سلسلة متصلة: التوكل على الله يولّد التسليم، والتسليم يولّد الرضا. أساس ذلك العقيدة الصحيحة بأن الكون من خلق الله ولا يقع فيه إلا ما أراد، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله. أما علامات عدم الرضا فتظهر في إغلاق باب القلب على الله وفتحه على الدنيا، فيبحث الإنسان عن السعادة في المال والسلطة واللذات فلا يجدها. والسعادة الحقيقية لا تكون إلا بالقناعة والاكتفاء الناتجَين عن الرضا بقدر الله.
- •
هل يمكن أن يكون الإنسان فرحًا في قلبه رغم الأزمات والكوارث التي تحيط به؟
- •
الرضا بقضاء الله وقدره ثمرة سلسلة متصلة تبدأ بالتوكل على الله فالتسليم فالرضا، وهذه السلسلة لا تقوم إلا على العقيدة الصحيحة.
- •
معنى لا حول ولا قوة إلا بالله هو الإقرار بأن الله هو الخالق الحقيقي والفاعل الحقيقي، وأن ما يصيب الإنسان لا يكون إلا بإرادته سبحانه.
- •
المحنة في حقيقتها منحة لأن فيها أجرًا وثوابًا ورفعًا للدرجات وحطًّا للخطايا، وآيات وأحاديث عن الرضا بقضاء الله تؤكد هذا المعنى.
- •
علامات عدم الرضا بقضاء الله تتجلى في إغلاق باب القلب على الله وفتحه على الدنيا، فيجرّب الإنسان المال والسلطة واللذات فلا يجد السعادة في شيء منها.
- •
طريق ترقي النفس من الأمارة إلى الراضية المرضية يمر بالذكر والفكر والتخلية والتحلية، محاطًا بالشريعة والكتاب والسنة.
- 0:27
مقدمة تطرح سؤال معنى الرضا بقضاء الله وكيف تأسى النبي ﷺ به في أشد الأزمات، وتدعو إلى استكشاف طريق الوصول إليه.
- 1:11
يشرح أن الرضا بقضاء الله ثمرة سلسلة تبدأ بالتوكل على الله فالتسليم لمراده، مستشهدًا بالآية الكريمة.
- 2:05
يبيّن أن الرضا بقضاء الله يجعل الإنسان مسرورًا رغم الأزمات، وأن العقيدة والأخلاق مرتبطان ارتباطًا عضويًا في الإسلام.
- 2:43
يُقرر أن العقيدة الصحيحة بأن الكون من خلق الله أساس التوكل، وأن الرضا بالقدر حفيد التوكل لا يوجد بدونه.
- 3:33
يشرح أصلَي العقيدة المتعلقَين بالرضا بقضاء الله وقدره: أن الكون من خلق الله، وأنه لا يقع فيه إلا ما أراد.
- 4:25
يوضح أن عدم خلق الله للشيء يجعل الإنسان يشعر بنقيضه مباشرة، وهو أساس فهم الرضا بالقدر والمكتوب.
- 5:20
يشرح معنى لا حول ولا قوة إلا بالله بوصفه إقرارًا بأن الله الخالق الحقيقي، وأن هذا الفهم أساس الرضا بقضاء الله.
- 6:08
يُقرر أن المحنة منحة حقيقية فيها أجر وثواب ورفع للدرجات، وأن الرضا بقضاء الله يجعل الإنسان فرحًا رغم الضيق.
- 7:04
يضرب مثل المرأة عند الولادة دليلًا على إمكانية اجتماع الألم والفرح، وهو ما يحققه الرضا بقضاء الله.
- 8:07
يبيّن أن تدبر فعل الله في الكون وفهم أن البلاء يرفع الدرجات هو الطريق إلى مقام الرضا بقضاء الله وقدره.
- 8:47
يشرح الفرق بين سؤال اللطف في القضاء ورد القضاء، ويسوق قصة الشيخ وأخته الكفيفة دليلًا على أثر التسليم والرضا.
- 9:42
يروي حديث الأعمى الذي توسل بالنبي ﷺ فرد الله عليه بصره، دليلًا على أثر الدعاء مع التسليم والرضا بقضاء الله.
- 11:08
يُقرر أن التسليم والرضا يحوّلان المحنة إلى منحة بفهم معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ عند وفاة إبراهيم.
- 11:57
يوضح أن الرضا بقضاء الله لا يعني الاستسلام للبلاء بل يجمع بين التسليم والدعاء برفع البلاء، وأن إدراك الحقيقة هو الحاكم.
- 12:44
يبيّن أن الرضا بقضاء الله يولّد الصبر والضراعة ويجعل القلب معلقًا بالله، مما يُكسب العبد الدرجات ومحبة الملائكة.
- 13:26
يُقرر أن الرضا بقضاء الله يُفضي إلى محبة الله للعبد ومحبة الملائكة والخلق له، وهو ما سماه أهل الله سعادة الدارين.
- 14:23
يُجيب بأن الرضا بقضاء الله هو مصدر الطمأنينة الحقيقية رغم الهموم والمشاكل، ويطرح سؤال معنى الرضا المطلق.
- 14:57
يشرح معنى الرضا المطلق من خلال ملاحظة السيدة عائشة للنبي ﷺ، وأن الراضي بقضاء الله يبدو كأن الله يسارع في هواه.
- 15:49
يكشف الناحية الأخرى للرضا بقضاء الله وقدره: أن النبي ﷺ كان موافقًا على كل ما أراده الله سواء في التوسعة أو التضييق.
- 16:49
يُقرر أن أنين المريض تسبيح والمرض في ميزان الحسنات، وأن الرضا بقضاء الله يجعل المؤمن مسرورًا حتى في مرضه.
- 17:40
يستشهد بتسليم النبي ﷺ المطلق لله حتى في فقد إبراهيم ابنه وحمزة عمه، دليلًا على أعلى درجات الرضا بقضاء الله وقدره.
- 18:20
يضرب مثل كسر رباعية النبي ﷺ دليلًا على الرضا المطلق بقضاء الله وقدره، وأن التسليم لفعل الله هو جوهر هذا الرضا.
- 19:11
يُقرر أن البلاء من الله ليس للإهمال بل لكي يستغفر العبد ويتضرع ويرجع إلى ربه، وأن الرضا يجمع التسليم والدعاء.
- 19:55
يُحدد الترتيب الصحيح: التوكل فالرضا فالتسليم فالدعاء، مستشهدًا بحديث الصبر عند الصدمة الأولى وحديث وفاة إبراهيم.
- 20:34
يصف لذة الرضا بقضاء الله كما يصفها الصوفية، ويستشهد بالحديث القدسي عن الانكسار لله، مُقررًا أن الرضا يجمع السعادة والتضرع.
- 21:12
يشرح دعاء النبي ﷺ من الطائف دليلًا على الرضا بقضاء الله والتسليم المطلق، وأن التواضع لله هو الذي يرفع العبد.
- 22:00
يُفسّر معنى التسليم المطلق في دعاء النبي ﷺ من الطائف، مُقررًا أنه جوهر الرضا بقضاء الله وقدره.
- 22:43
يُقرر أن دعاء النبي ﷺ من الطائف يجمع التوبة والتوكل والتسليم والرضا بقضاء الله في سلسلة متكاملة.
- 23:38
يُقرر أن الرضا بقضاء الله وقدره درجة من درجات الإيمان بالقدر وليس معناه كله، مستشهدًا بحديث جبريل عن الإحسان.
- 24:33
يشرح أن للقلب بابًا على الحق وبابًا على الخلق، وأن فتح باب الحق يُدخل الأنوار ويُمكّن من الرضا بقضاء الله.
- 25:29
يُحدد سبب عدم الرضا بقضاء الله في إغلاق باب القلب على الله والغفلة عنه، ويطرح سؤال أسباب عدم الرضا عند أهل الرفاهية.
- 26:29
يُقرر أن من أغلق قلبه على الله يبحث عن السعادة في الدنيا فلا يجدها، وهذا من أبرز علامات عدم الرضا بقضاء الله.
- 27:27
يُقرر أن السعادة الحقيقية في الرضا بقضاء الله والقناعة الناتجة عنه، وأن الإيغال في اللذات يزيد التعاسة لا السعادة.
- 28:26
يُقرر أن الإسراف في اللذات قد يُفضي إلى عجز عن الرجوع، مستشهدًا بالآية الكريمة وإحصائيات الانتحار في المجتمعات الأكثر رفاهية.
- 29:21
يشرح أن النفس الراضية والمرضية مرتبتان من مراتب النفس السبعة، ويبدأ بذكر المرتبتين الأوليين: الأمارة واللوامة.
- 30:18
يُكمل مراتب النفس من الملهمة إلى الراضية المرضية المطمئنة الكاملة، مستشهدًا بآيتَي الشمس والفجر.
- 31:10
يعرض البرنامج القرآني لترقي النفس نحو الرضا بقضاء الله، مُقررًا أن الذكر والفكر هما الركيزتان الأساسيتان.
- 31:46
يُقرر أن التخلية من الصفات القبيحة والتحلية بالصفات الحسنة ضروريتان للوصول إلى الرضا بقضاء الله.
- 32:39
يُقرر أن الإخلاص لله وعدم الفتنة بالنعم والكرامات شرط أساسي في طريق الرضا بقضاء الله.
- 33:41
يُقرر أن الطريق المحاط بالشريعة يُفضي إلى النفس الراضية المرضية وإلى الفهم الدقيق لمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله.
- 34:24
يُقرر أن الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري كلها مغزولة من معنى لا حول ولا قوة إلا بالله.
- 35:02
يُقرر أن ادعاء الحول والقوة يُشوّش على النفس الراضية المرضية، وأن التبرؤ منهما إلى الله هو جوهر معنى لا حول ولا قوة إلا بالله.
- 35:50
يعرض سؤالَي المشاهدَين: حكم جهاز التنفس الصناعي للمريض المتألم، وحكم الأخ الذي قاطع أمه عشرين سنة بسبب الميراث.
- 38:05
يُقرر أن الأبناء لم يخطئوا بإبقاء والدتهم على جهاز التنفس الصناعي، لأن المريض لا يملك القرار النهائي والعلاج مؤلم بطبعه.
- 39:40
يُحدد ما ينفع الوالدة بعد وفاتها: الصدقة عنها وهبة ثواب القرآن والدعاء لها.
- 39:54
يُقرر أن عقوق الوالدين كبيرة من الكبائر، وأن الأخ العاق يرث شرعًا ولا يجوز حرمانه، وحسابه على عقوقه عند الله.
- 40:56
يُقرر أن قطيعة الرحم من شعب الكفر، وأنه لا يجوز تهريب التركة من الأخ العاق لأنه وارث شرعي.
- 42:09
يُقرر أن وصية الأم بعدم حضور ابنها جنازتها ليست وصية شرعية ملزمة ولا تُحرمه من الميراث الشرعي.
- 42:44
تختتم الحلقة بقول إبراهيم بن أدهم: الناس هم العلماء، إشارة إلى أن العلم بالله هو أساس الرضا بقضائه وقدره.
ما معنى الرضا بقضاء الله وكيف نتأسى بالنبي ﷺ في تحقيقه؟
الرضا بقضاء الله هو المعنى الرائع الذي يجعل الإنسان يقول في عز الأزمات: لك الحمد حتى ترضى. والتأسي بالنبي ﷺ يبدأ بفهم كيف كان يواجه الأزمات التي تحيط به من كل مكان وهو مطمئن القلب راضٍ بما قدّر الله. السؤال الجوهري هو: كيف نُوفَّق إلى هذا الرضا ونصل إليه؟
كيف يتولد الرضا بقضاء الله من التوكل والتسليم؟
التوكل على الله يُحدث في نفس الإنسان تسليمًا لمراد الله، وهذا التسليم يتولد عنه الرضا. قال الله تعالى: ﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، فيرضى العبد عن الله كما يرضى الله عنه. والسؤال الحقيقي هو كيف نصل إلى التوكل الذي يولّد التسليم الذي يولّد الرضا.
كيف يكون الإنسان راضيًا مسرورًا رغم الأزمات والكوارث؟
الرضا بقضاء الله يجعل الإنسان مسرورًا حتى وسط الأزمات والكوارث والضيق الشديد، وذلك بفضل التوكل على الله. العقيدة والأخلاق في الإسلام مرتبطان ارتباطًا عضويًا كالعضو الواحد، فالعقيدة الصحيحة هي الأساس الذي يُمكّن الإنسان من التوكل الحق.
ما العقيدة الصحيحة التي تُمكّن الإنسان من التوكل والوصول إلى الرضا بالقدر؟
العقيدة الصحيحة تقول إن هذا الكون من خلق الله ولا يكون في كونه إلا ما أراد. من لم يعتقد هذا وظن أن له حولًا وقوة مستقلة لا يستطيع أن يصل إلى التوكل الصادق على الله. والرضا بالقدر هو حفيد التوكل، فإذا لم يكن التوكل موجودًا لم يتولد التسليم ولم يوجد الرضا.
ما أول أصول العقيدة المتعلقة بالرضا بقضاء الله وقدره؟
أول أصول العقيدة أن هذا الكون الفاني من خلق الله، وله بداية ونهاية، والإنسان يمر فيه من الطفولة إلى الشيخوخة ثم الموت. والثانية أن في هذا الكون لا يكون إلا ما أراد الله سبحانه وتعالى. وهذا يعني أن الضيق الذي يشعر به الإنسان هو لأن الله لم يخلق له الرضا في تلك اللحظة.
ماذا يحدث للإنسان إذا لم يخلق الله له الرضا أو الخير؟
إذا لم يخلق الله للإنسان الرضا شعر بالضيق مباشرة، وإذا لم يخلق له النور كان في ظلمة، وإذا لم يخلق له الحرارة كان باردًا. فإذا لم يخلق الله الشيء شعر الإنسان فورًا بنقيضه. وهذا يعني أن الرضا بالقدر والمكتوب يستلزم فهم أن كل ما يصيب الإنسان من خير أو ضيق هو بإرادة الله.
ما معنى لا حول ولا قوة إلا بالله وكيف يرتبط بالرضا بقضاء الله؟
معنى لا حول ولا قوة إلا بالله هو الإقرار بأن الله هو الخالق الحقيقي والفاعل الحقيقي والقادر الحقيقي والعالم الحقيقي والموجود الحقيقي، وأن الإنسان لا حول له ولا قوة مستقلة. هذا الفهم هو الذي يُمكّن الإنسان من الرضا بقضاء الله، لأنه يعلم أن ما يجري في الكون لا يكون إلا بإرادة الله. من نسي هذا عاش في اضطراب وتعب.
كيف تكون المحنة منحة في حقيقتها وما علاقة ذلك بالرضا بقضاء الله؟
المحنة منحة في حقيقتها لأن الله أرادها، وفيها أجر وثواب ورفع للدرجات وحط للخطايا، حتى إن الشوكة يشتاكها المؤمن له بها أجر. الرضا بقضاء الله يجعل الإنسان فرحًا في قلبه حتى وهو متضايق من الخارج، لأنه يعلم أن ما يُكتب له من الأجر والثواب هو المكسب الحقيقي.
هل يمكن أن يجتمع الألم الشديد والفرح في آنٍ واحد عند الرضا بقضاء الله؟
نعم، يمكن أن يجتمع الألم والفرح في آنٍ واحد، ومثاله المرأة عند الولادة تتألم غاية الألم وتعاين الموت، ومع ذلك هي فرحة بما رزقها الله من الطفل. وكذلك الإنسان الراضي بقضاء الله يكون متضايقًا من الخارج لكنه فرحان في قلبه لعلمه بالأجر والثواب.
كيف يبلغ الإنسان مقام الرضا بقضاء الله وقدره بتدبر فعل الله في الكون؟
من تدبّر فعل الله في الكون وعلم أن البلاء سيؤجَر عليه وسيرفع درجته ويحط خطاياه وسيكون له حياة أبدية في النعيم، أمكنه أن يصل إلى مقام الرضا بقضاء الله وقدره. غير أن الشريعة تنهى عن الدعاء بزيادة البلاء، لأن ذلك غير منتبه، بل يكون الإنسان في حالة رضا دون أن يدعو على نفسه.
ما الفرق بين سؤال رفع البلاء وسؤال رد القضاء وما قصة الشيخ وأخته الكفيفة؟
الشريعة تعلمنا أن نقول عند الابتلاء: يا رب خفّف، ولا نسألك رد القضاء وإنما نسألك اللطف فيه. وفي قصة من قصص الرضا بقضاء الله وقدره أن شيخًا أُصيبت أخته بالعمى فقال: يا رب سلّمنا، ثم دعا الله أن يرد عليها بصرها فردّ الله عليها بصرها. هذا هو التسليم والرضا الذي يفتح باب الإجابة.
ما حديث الأعمى الذي توسل بالنبي ﷺ فرد الله عليه بصره وما دلالته على الرضا بقضاء الله؟
جاء الأعمى إلى رسول الله ﷺ فقال له: إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت فهو خير لك. فأصرّ على الدعاء فعلّمه النبي ﷺ أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، فردّ الله عليه بصره. وهذا الحديث الصحيح أخرجه الترمذي، ويدل على أن الدعاء مع التسليم والرضا بقضاء الله يفتح أبواب الإجابة.
كيف يحوّل التسليم والرضا المحنة إلى منحة وما دور فهم لا حول ولا قوة إلا بالله في ذلك؟
التسليم والرضا يحوّلان المحنة إلى منحة لأنهما مبنيان على فهم معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، أي فهم أنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله وأنه لا بد من التوكل عليه حق توكله. وقد قال النبي ﷺ: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا. والصبر الجميل والاستعانة بالله هما الثمرة العملية لهذا الرضا.
هل الرضا بقضاء الله يعني الاستسلام للبلاء وترك الدعاء برفعه؟
لا، الرضا بقضاء الله لا يعني الاستسلام للبلاء، بل يعني الدعاء برفع البلاء وأن يخلق الله الخير والرفاهية والغنى. الفهم الصحيح من العقيدة هو الذي يساعد على تولّد التسليم في قلب الإنسان والرضا من بعده، وإدراك أن الله هو الذي ابتلى وهو الذي يرفع البلاء هو جوهر هذا الفهم.
كيف يساعد الرضا بقضاء الله على الصبر وتعلق القلب بالله؟
الرضا بقضاء الله يساعد على الصبر وتجاوز المحنة والوصول إلى الضراعة، فيصبح القلب دائمًا معلقًا بالله يضرع له. وكلما ضرع العبد لله كلما فتح الله عليه وثبّت فؤاده وكتب له الدرجات والأجور وحط عنه السيئات. بل إن نظرة الملائكة إلى العبد الراضي تتحسن فيصبح مرضيًّا عنه محبوبًا.
كيف يؤدي الرضا بقضاء الله إلى السعادة في الدارين ومحبة الله للعبد؟
إذا أحب الله عبدًا نادى في الملأ الأعلى: إني أحب فلانًا فأحبوه، فتشيع هذه المحبة في العالم كله حتى تحبه الجمادات والأشياء. وهذه هي السعادة في الرضا بقضاء الله التي سماها أهل الله سعادة الدارين، لأن الراضي عن الله يجد السعادة في الدنيا والآخرة معًا.
هل الرضا بقضاء الله هو الحل للطمأنينة رغم الهموم والمشاكل؟
الرضا بقضاء الله هو الذي يطمئن الإنسان رغم ما يحمله من هموم كثيرة، سواء أكانت مشاكل في الأسرة أم في العمل أم في تحقيق الأهداف. فالحل الحقيقي لكل هذه الهموم يكمن في الرضا، لأنه يُعيد الإنسان إلى الله ويجعله يرى الأمور بمنظور صحيح.
ما معنى الرضا المطلق وكيف لاحظته السيدة عائشة في النبي ﷺ؟
السيدة عائشة لاحظت أن النبي ﷺ كلما رغب في شيء تحقق له فورًا، فقالت له: أرى الله يسارع في هواك. وهذا يعني أن من بلغ مقام الرضا بقضاء الله يظهر للمراقب كأن الله يسارع في تحقيق رغباته، لأن قلبه موافق لإرادة الله في كل حال.
ما الناحية الأخرى لمعنى الرضا بقضاء الله وقدره في سيرة النبي ﷺ؟
الناحية الأخرى هي أن النبي ﷺ كان راضيًا عن كل شيء يُقدّره الله، سواء أكان توسيعًا في الرزق أم تضييقًا. فلا يجري شيء إلا وهو خير، وهذا هو الرزق الإلهي الحقيقي. وقد دعا النبي ﷺ: اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين، تعبيرًا عن هذا الرضا بقضاء الله وقدره.
كيف يكون المرض في ميزان حسنات المؤمن وما علاقة ذلك بالرضا بقضاء الله؟
أنين المريض هو تسبيح عند الله، والله يعطي للمريض ما كان يفعله في حال صحته من أجر وثواب. والمرض يُوضع في ميزان حسنات المؤمن يوم القيامة. فالإنسان الراضي بقضاء الله يكون كالمسرور من المرض لعلمه بهذا الأجر، وهذا ما يجعل المراقب يرى كأن الله يسارع في هواه.
كيف سلّم النبي ﷺ تسليمًا مطلقًا لله حتى في فقد أحبائه؟
النبي ﷺ سلّم تسليمًا مطلقًا لله في كل شيء، بما في ذلك الحزن والألم وفقد إبراهيم ابنه وحمزة عمه. وكان راضيًا بقضاء الله وقدره في كل ذلك، لأنه يعلم أن الله هو الذي خلق وهو الذي يُقدّر، فلا يبقى إلا الرضا والتسليم.
كيف كان رضا النبي ﷺ بقضاء الله وقدره حتى عند كسر رباعيته؟
عندما كُسرت رباعية النبي ﷺ كان راضيًا بقضاء الله وقدره، وكان خائفًا على أمته من عاقبة أفعالهم لا غاضبًا لنفسه. وهذا الرضا المطلق يتولد من التسليم لله في فعله في كونه، فيقول العبد: افعل يا رب في كونك ما شئت، أنا موافق على كل ما تفعله وأدعوك أن تسترني وتخفف عني.
لماذا ينزل الله البلاء على العبد وما الموقف الصحيح منه؟
الله ينزل البلاء على العبد لكي يستغفره ويرجع إليه ويتضرع له وينكسر أمامه، لا ليقول العبد لا يعنيني. فالموقف الصحيح عند المحن هو الرضا بقضاء الله أي التسليم لأمر الله مع الدعاء والتضرع إليه والاستغفار، لا الاستسلام السلبي ولا اللامبالاة.
ما الترتيب الصحيح بين التوكل والرضا والتسليم والدعاء عند البلاء؟
الترتيب الصحيح هو: التوكل أولًا، فالرضا، فالتسليم، فالدعاء. وقد قال النبي ﷺ: الصبر عند الصدمة الأولى، وقال: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا. فالدعاء يأتي بعد الصبر والرضا بمراد الله وفعله، وهذه هي الوظائف التي يحيا بها الإنسان.
ما لذة الرضا التي يصفها الصوفية وما الحديث القدسي المتعلق بالانكسار لله؟
الصوفية يصفون لذة الرضا بأنهم يشعرون بأشياء لو عرفها الملوك لقاتلوهم عليها، لأن الراضي يعيش كالملك مسرورًا من كل شيء. غير أن هذا الانبساط لا يجعله متفاخرًا بل منكسرًا لله، وقد قال الله في الحديث القدسي: أنا عند المنكسرة قلوبهم. فالرضا يجمع بين السعادة والانكسار لله والدعاء في آنٍ واحد.
ما دعاء النبي ﷺ عند رجوعه من الطائف وما دلالته على الرضا بقضاء الله؟
دعاء النبي ﷺ عند رجوعه من الطائف: إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى. وهذا الدعاء يعبّر عن التسليم المطلق لله، فهو يسأل ربه: هل هذا البلاء ترقية أم تدنية؟ فإن كان ترقية فلا أبالي، وإن كان تدنية فاغفر لي. وهذا هو التواضع الذي رفعه الله به.
ما معنى التسليم المطلق في دعاء النبي ﷺ وكيف يُجسّد الرضا بقضاء الله وقدره؟
التسليم المطلق في دعاء النبي ﷺ يعني أنه راضٍ بكل ما يفعله الله به، فحتى لو أتعبه الناس وضربوه فهو مسلّم لأن هذه أرض الله وسماؤه. وقوله: لك العتبى حتى ترضى يعني أنه إن كان البلاء من غضب الله فهو يتوب فورًا، وإن لم يكن من غضب فلا يبالي. هذا هو جوهر الرضا بقضاء الله وقدره.
كيف يجمع دعاء النبي ﷺ من الطائف بين التوبة والتوكل والتسليم والرضا بقضاء الله؟
دعاء النبي ﷺ من الطائف يجمع بين التواضع لله والتوكل عليه والتسليم لفعله والرضا بقضائه. فإن كان البلاء علامة على الغضب تاب واستغفر فورًا، وإن لم يكن من غضب فلا يبالي لأنه مسلّم. والتوكل ينشئ التسليم والتسليم ينشئ الرضا، وهذا الدعاء يُجسّد هذه السلسلة كاملة.
هل الرضا بقضاء الله وقدره هو معنى الإيمان بالقدر أم درجة من درجاته؟
الرضا بقضاء الله وقدره هو درجة من درجات الإيمان بالقدر وليس معناه كله. فالإيمان يبدأ بالتصديق بالقضاء خيره وشره، وهذا يكفي للإيمان. أما الرضا فهو درجة أعلى، كما أن الإحسان درجة أعلى من الإيمان، وقد قال النبي ﷺ في حديث جبريل: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
ما بابا القلب وكيف يؤثر فتح باب الحق أو إغلاقه في الوصول إلى الرضا بقضاء الله؟
للقلب بابان: باب على الخلق وباب على الحق. إذا كان باب الحق مفتوحًا دخلت منه الأنوار وصار القلب ضارعًا متعلقًا بالله، وهذا هو طريق الرضا بقضاء الله. وإذا أُغلق باب الحق وجب على الإنسان أن يعمل عقله ويعلم أن الله يراه، فيستحيي منه ويمتنع عن الخطيئة.
ما أسباب عدم تحقق الرضا بقضاء الله عند من يعيشون في رفاهية ونعمة؟
سبب عدم تحقق الرضا بقضاء الله هو إغلاق باب الحق في القلب وفتح باب الخلق، فيصبح الإنسان غافلًا عن الله. ومن علامات عدم الرضا بقضاء الله أن الإنسان يبحث عن السعادة في الدنيا فلا يجدها، حتى لو كان يملك المال والصحة والأولاد. فبدون الصلة بالله لا يوجد رضا ولا توكل ولا تسليم.
لماذا لا يجد الإنسان السعادة في المال والأولاد والسلطة إذا أغلق قلبه على الله؟
من أغلق باب الحق في قلبه وفتح باب الخلق يبحث عن السعادة في الدنيا فلا يجدها. يجرّب السيارات الفارهة فلا يجد السعادة، ثم الأولاد فلا يجد السعادة، ثم الأكل فلا يجد السعادة. وهذا من علامات عدم الرضا بقضاء الله، لأن السعادة الحقيقية لا توجد إلا في التوكل والتسليم والرضا.
أين توجد السعادة الحقيقية وما علاقتها بالرضا بقضاء الله؟
السعادة الحقيقية توجد في التوكل الذي يولد التسليم الذي يولد الرضا بقضاء الله، وهي القناعة والاكتفاء الناتجان عن هذا الرضا. أما من لا يجد الرضا فيجرّب المال والسلطة والأولاد والصحة فلا ينفعه شيء، بل كلما أوغل في اللذات شعر بتعاسة أكبر وألم أشد.
ما الذي يحدث لمن أسرف في اللذات وأغلق قلبه عن الله وهل يستطيع الرجوع؟
من أسرف في اللذات وأغلق قلبه عن الله يكتشف أن هذا ليس طريق السعادة، لكنه كثيرًا ما لا يستطيع الرجوع لأن الله يحول بينه وبين قلبه. وقد أكدت الإحصائيات النفسية أن أكثر المجتمعات رفاهيةً في أوروبا هي أكثرها انتحارًا، وهذا دليل على أن الرفاهية المادية بدون الرضا بقضاء الله لا تُفضي إلى السعادة.
ما النفس الراضية والنفس المرضية وما مراتب النفس السبعة في الإسلام؟
الراضية والمرضية هما مرتبتان من مراتب النفس السبعة. النفس تبدأ أمارة بالسوء، ثم ترتقي إلى اللوامة التي تلوم صاحبها على تقصيره في الطريق إلى الله. وهذا الترقي هو الطريق إلى الرضا بقضاء الله الذي تُجسّده النفس الراضية المرضية.
ما مراتب النفس من الملهمة إلى الراضية المرضية المطمئنة الكاملة؟
بعد اللوامة ترتقي النفس إلى الملهمة كما في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾، ثم إلى الراضية فالمرضية فالمطمئنة كما في قوله: ﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾، ثم الكاملة. وبعض أهل الله يرون أن الملهمة والراضية والمرضية والمطمئنة والكاملة درجة واحدة.
ما البرنامج القرآني لترقي النفس نحو الرضا بقضاء الله؟
البرنامج القرآني لترقي النفس نحو الرضا بقضاء الله يقوم على الذكر والفكر. الذكر مأخوذ من آيات كثيرة منها: ﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾، وحتى القرآن نفسه اسمه ذكر. والفكر مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾. وهذان الركنان هما أساس الطريق إلى الرضا.
ما دور التخلية والتحلية في الوصول إلى الرضا بقضاء الله وما الصفات التي تعيق ذلك؟
التخلية والتحلية ركنان أساسيان في طريق الرضا بقضاء الله: التخلي من كل قبيح كالكبر والحقد والحسد والغل، والتحلي بكل صحيح كالتواضع والحب. أما الصفات السلبية كالكراهية والعنف فهي التي تعيق الإنسان في الوصول إلى التوكل والتسليم والرضا.
كيف يؤثر الإخلاص لله وعدم الالتفات إلى ما سواه في تحقيق الرضا بقضاء الله؟
الإخلاص لله وعدم الالتفات إلى ما سواه شرط أساسي في طريق الرضا بقضاء الله، كما قال تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾. ومن ذلك عدم الفتنة بالإشراقات والكرامات والرؤى، كما لا يُفتن بالمال والقوة والعلم. فهذه كلها نعم من نعم الله، والمؤاخذة تكون عند استعمالها في غير ما هي له.
كيف يؤدي الطريق المحاط بالشريعة إلى فهم معنى لا حول ولا قوة إلا بالله والرضا بقضاء الله؟
الطريق الذي يشتمل على الذكر والفكر والتخلية والتحلية والقصد الموجه يكون محاطًا بالشريعة بالكتاب والسنة، وهذا هو الذي يؤدي في النهاية إلى النفس الراضية المرضية وإلى الفهم الدقيق لمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله. وقد قال النبي ﷺ: لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش.
ما علاقة الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله؟
ابن عطاء الله السكندري ألّف الحكم العطائية وهي أكثر من مائتي حكمة، وكلها في حقيقتها تعني لا حول ولا قوة إلا بالله. فكل حكمة من هذه الحكم مغزولة من هذه الكلمة العظيمة، وكلما تعمّق الإنسان في أي حكمة وفصّل فيها وصل إلى لا حول ولا قوة إلا بالله.
كيف يُشوّش ادعاء الحول والقوة على النفس الراضية المرضية والوصول إلى الرضا بقضاء الله؟
كثير من الناس يرون لأنفسهم حولًا وقوة مستقلة، وهذا يُشوّش على النفس الراضية المرضية ويعيق الوصول إلى مراقي العبودية والتخلية والتحلية والذكر والفكر. فمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله هو التبرؤ من الحول والقوة الذاتية والاعتراف بأنها لله وحده، وهذا هو الطريق إلى الرضا بقضاء الله.
هل يُعدّ وضع المريض على جهاز التنفس الصناعي رغم ألمه إيذاءً له، وما حكم الأخ الذي قاطع أمه عشرين سنة؟
وضع المريض على جهاز التنفس الصناعي رغم ألمه لا يُعدّ إيذاءً لأن المريض لا يملك القرار النهائي والعلاج مؤلم في الغالب. أما الأخ الذي قاطع أمه عشرين سنة فعقوق الوالدين كبيرة من الكبائر مذكورة بعد الشرك بالله مباشرة.
هل يخطئ الأبناء بإبقاء والدتهم على جهاز التنفس الصناعي رغم ألمها وإشارتها بإزالته؟
لا، الأبناء لم يخطئوا في إبقاء والدتهم على جهاز التنفس الصناعي، لأن المريض لا يملك القرار النهائي في علاجه. والعلاج مؤلم دائمًا والهدف منه الصلاحية والشفاء لا الإيلام. وقد ثبت أن النبي ﷺ نفسه كان يُعطى الدواء رغم إشارته بعدم الرغبة فيه.
ما الذي يمكن فعله للوالدة بعد وفاتها لتستفيد في الآخرة؟
يمكن فعل كل أنواع الخير للوالدة بعد وفاتها: الصدقة عنها، وهبة ثواب قراءة القرآن لها، وإشراكها في الدعاء. هذه الأعمال تنفع الميت وتصله ثوابها بإذن الله.
ما حكم الأخ الذي قاطع أمه عشرين سنة وهل يرث منها؟
عقوق الوالدين كبيرة من الكبائر مذكورة بعد الشرك بالله مباشرة ومن السبع الموبقات. والأخ العاق سيرث شرعًا من تركة والدته لأنه وارث من الورثة، ولا يجوز حرمانه من الميراث. وحسابه على عقوقه عند الله، ولعله يتوب قبل الموت.
هل قطيعة الرحم من أعمال الكفر وهل يجوز تهريب التركة من الأخ العاق؟
قطيعة الرحم من شعب الكفر وليست من شعب الإيمان، وكل المعاصي من شعب الكفر وكل الطاعات من شعب الإيمان. ولا يجوز شرعًا تهريب التركة من الأخ العاق لأنه وارث شرعي، والأفضل ترك الأمر لله لأن كل ما فعله سيكون في ميزان سيئاته يوم القيامة إن لم يتب.
هل وصية الأم بعدم حضور ابنها جنازتها تُعدّ وصية شرعية ملزمة وهل تحرمه من الميراث؟
وصية الأم بعدم حضور ابنها جنازتها ليست وصية شرعية ملزمة، ولا تُحرمه من الميراث. هي تعبير عن آساها وعن عقوق ولدها ومدى جرمه وغضب الله عليه. وعند الانتقال إلى ظواهر الحقوق والواجبات يُعطى الوارث حقه الشرعي.
بماذا وصف إبراهيم بن أدهم الناس الحقيقيين؟
سُئل إبراهيم بن أدهم عن الناس فقال: هم العلماء. وهذه الكلمة تُلخّص روح الحلقة كلها، إذ إن العلم بالله وبقضائه وقدره هو الذي يُفضي إلى الرضا بقضاء الله والسعادة الحقيقية.
الرضا بقضاء الله وقدره ثمرة التوكل والتسليم المبنيَّين على العقيدة الصحيحة، وهو وحده مصدر السعادة الحقيقية.
الرضا بقضاء الله وقدره لا يتحقق بمجرد الأمنيات، بل هو نتيجة سلسلة عقدية متصلة: الإيمان بأن الكون من خلق الله ولا يقع فيه إلا ما أراد يُفضي إلى التوكل الحق، والتوكل يُفضي إلى التسليم، والتسليم يُفضي إلى الرضا. وفهم معنى لا حول ولا قوة إلا بالله هو مفتاح هذه السلسلة كلها، إذ قال النبي ﷺ إنها كنز من كنوز العرش.
أما علامات عدم الرضا بقضاء الله فتبدأ بإغلاق باب القلب على الله وفتحه على الخلق، فيجرّب الإنسان المال والسلطة واللذات فلا يجد السعادة في شيء منها، بل يزداد تعاسةً كلما أوغل في الملذات. وقد أكدت الإحصائيات النفسية أن أكثر المجتمعات رفاهيةً هي أكثرها انتحارًا. وطريق الخروج هو ترقي النفس عبر الذكر والفكر والتخلية والتحلية، محاطًا بالشريعة، حتى تبلغ النفس مرتبة الراضية المرضية.
أبرز ما تستفيد منه
- الرضا بقضاء الله حفيد التوكل ولا يوجد بدونه.
- المحنة منحة حقيقية فيها أجر وثواب ورفع للدرجات.
- لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش وأساس الرضا.
- السعادة الحقيقية لا توجد في المال والسلطة بل في الرضا بقدر الله.
- طريق ترقي النفس إلى الراضية المرضية يمر بالذكر والفكر والتخلية والتحلية.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن معنى الرضا
[المذيع]: أسعد الله أوقاتكم بكل خير، وأهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.
دعونا نتأمل هذا المشهد لسيدنا صلى الله عليه وسلم والأزمات تحيط به من كل مكان ويقول:
«إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى» [الطبري: 554].
كيف نتأسى بهذا الخلق؟ كيف نُوفَّق إلى الرضا؟ يا ربنا لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد دائمًا أبدًا.
مولانا الإمام: كيف نرضى وكيف نُوفَّق إلى هذا المعنى الرائع؟
ما هو الرضا يا مولانا؟
التوكل على الله يولّد التسليم والتسليم يولّد الرضا
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هناك ما يُسمى بالتوكل على الله، هذا التوكل على الله يُحدث في نفس الإنسان تسليمًا لمراد الله.
هذا التسليم بمراد الله يتولد عنه الرضا.
﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]
يرضى عن الله كما أن الله يرضى عنه.
[المذيع]: أنا أرضى عن الله؟ كيف؟
[الشيخ]: سأقول لك كيف نصل إلى التوكل الذي يولّد التسليم الذي يولّد الرضا. هذا هو سؤالك: كيف أصل إلى الرضا؟
كيف يكون الإنسان راضيًا مسرورًا رغم الأزمات والكوارث
أي أنني راضٍ مسرور. ما الذي أسعدك؟ ها أنت قد نزلت عليك أزمات، وأتتك كوارث، وأصابك ضيق شديد، وأنت مسرور، من أي شيء؟
نعم، أنا راضٍ. كيف يتأتى هذا؟ إنه التوكل على الله. فالعقيدة والأخلاق في ديننا مرتبطة ارتباطًا عضويًا كما يقولون في الأدبيات، أي ارتباطًا شديدًا كالعضو الواحد بالعقيدة.
العقيدة الصحيحة أساس التوكل: الكون من خلق الله ولا يكون فيه إلا ما أراد
العقيدة تقول أن هذا الكون من خلق الله، ولا يكون في كونه إلا ما أراد. إذا لم يعتقد هذه العقيدة وفكّر لنفسه أنه له حول وقوة، وأنه فاعل، وخالق، وقادر، فإنه حينئذٍ لا يستطيع أن يصل إلى التوكل الصدق الحق على الله.
فلا يمكن أن يتولد التسليم، فلا يمكن أن يوجد هذا الرضا. فالرضا هو حفيد التوكل؛ عندما لا يكون التوكل موجودًا ولا يكون أبناؤه موجودين، فكيف سيتواجد الحفيد؟ إذن لا توجد هذه السلسلة.
أصل العقيدة: الكون الفاني من خلق الله ولا يقع فيه إلا ما أراد سبحانه
إذن، أول شيء العقيدة التي تقول أن هذا الكون الفاني الذي له بداية وله نهاية، والذي يُولد أحدنا فيه ويشبّ من طفل إلى شاب إلى كهل إلى شيخ إلى هرم فيموت، أن هذا الكون هو من خلق الله. هذه أول العقيدة التي نعرفها جميعًا، ان هذا الكون من خلقه.
ثم الثانية: أن في هذا الكون لا يكون فيه إلا ما أراد الله سبحانه وتعالى. ماذا يعني هذا؟ يعني أنا الآن أشعر بضيق، هذا يعني أن الله لم يخلق لي الرضا.
إذا لم يخلق الله الشيء شعر الإنسان بنقيضه مباشرة
وعندما لا يخلق الله لي الرضا سأكون في ضيق. إذا لم يخلق الله لي النور سأكون في ظلمة، وإذا لم يخلق لي الحرارة سأكون باردًا. فإذا لم يخلق الله سبحانه وتعالى الشيء، فسأشعر مباشرة بنقيضه.
ربنا لم يُقدّر لي الخير، فأنا في شر. ربنا لم يُقدّر لي الراحة، فأنا في تعب. إذن وماذا أفعل؟
ولذلك يقول لك بعض الفلاسفة : أن الله لا يخلق الشر. ليس أنه لا يخلق الشر فقط، بل هو لا يخلق الخير. ولا يخلق النور، ولا يخلق ابني، إنه لا يخلقه إذن أنا ليس لدي ابن.
حقيقة لا حول ولا قوة إلا بالله وأن الله هو الخالق الحقيقي والفاعل الحقيقي
فالله سبحانه وتعالى خلّاق، ولكنه لم يخلق لي أنا هذا. إذن فهذه هي الحقيقة: لا حول ولا قوة إلا بالله.
عرفنا أنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، فعرفنا أنه لا حول لي ولا قوة. وما الحول والقوة إلا بيد من؟ إلا بالله. الله هو الخالق الحقيقي والفاعل الحقيقي والقادر الحقيقي والعالم الحقيقي والموجود الحقيقي.
إذا نُسي هذا الكلام، سأعيش المشكلة، فيقول: هذه مشكلة وأنا متضايق ومضطرب ومتعب.
المحنة منحة في حقيقتها لأن فيها أجرًا وثوابًا ورفعًا للدرجات
افترض أنني أتذكر أن ما أنا فيه [من محن] إنما هو لأن الله أراده، فأقول له: أنت أردت هذا يا ربي. لماذا؟ وأرجع للشريعة فأجد: حتى الشوكة يشتاكُها المؤمن له بها أجر.
[المذيع]: الله! هذه فرصة يا مولانا؟
[الشيخ]: هذه فرصة، هذه منحة، ولكنني أراها من داخلها محنة، إنما هي في حقيقتها منحة. لماذا؟ لأنني جالس يُكتب لي درجة عند الله، وجالس يُكتب لي ثواب عند الله، وتُوضع عني آثام كنت قد اقترفتها عند الله.
بهذه الضيقة نعم بهذا الضيق، فأكون فرحًا وإن كنت متضايقًا، ولكني فرحان. وهذا ممكن.
مثال المرأة عند الولادة: الألم الشديد مع الفرح العميق بالنعمة
وقد قالوا: إن المرأة عندما تلد تتألم غاية الألم وتعاين الموت، متعبةً وتصرخ، ومع ذلك فهي فرحة فرحًا لأن الله رزقها بالطفل.
هذا الطفل الرضيع تحبه حبًا غير مبرر، تحبه حبًا عميقًا سواء وُلد غير مكتمل النمو أو وُلد مكتمل النمو، سواء وُلد بحالة صحية سيئة، تحبه وتبذل النفس والنفيس لرعايته والاعتناء به.
كل هذا الألم، ألم يجعلك تكرهينه؟ لا.
من تدبر فعل الله في الكون وعلم أن البلاء يرفع درجته بلغ مقام الرضا
فكذلك الإنسان إذا تدبر فعل الله في الكون وأن هذا سوف يؤجَره، وسوف يرفع درجته به، وسوف يحط عنه خطاياه، وسوف يكون له بذلك حياة أبدية في النعيم، من الممكن يقول: يا رب زِدني.
لكن الذي يبلغ مبلغ الإيمان لا يقول هذا، ولا يدعو على نفسه بالزيادة، وإنما يكون في حالة رضا.
حتى الذي يقول: يا رب زِدني، هذا غير منتبه.
أيصح أن تقول لله: ربنا أتعسني أكثر مما أنا متعب، أتعبني؟!
لا، لا تقل هذا.
الشريعة تعلمنا سؤال اللطف في القضاء لا رد القضاء وقصة شيخ دعا لأخته الكفيفة
إذن، الشريعة تقول لك [عند الابتلاء] قل: يا رب خفّف.
«لا نسألك رد القضاء وإنما نسألك اللطف فيه».
كان مشايخنا، يقولوا يا ربّ. أحد مشايخنا أُصيبت أخته بضرر في عينها، أي أصبحت عمياء. فقال: يا ربّ، أنت حكمت أن تُصاب بالعمى، وقد اصبحت عمياء، سلّمنا. يا ربّ، رُدّ عليها بصرها. فردّ الله عليها بصرها!
ما هذا؟ ما الذي يحدث؟ إنه التسليم والرضا.
قصة الأعمى الذي توسل بالنبي ﷺ فرد الله عليه بصره
ولكن بإزاء هذه المصيبة وهو أن البنت الصغيرة ذات التسع سنوات أُصيبت عينها، ماذا نفعل بها؟ ندعو الله أن يشفيها فشفاها، يرد عليها بصرها فرد عليها بصرها.
جاء الأعمى إلى رسول الله وقال له: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرد الله عليّ بصري. فقال له:
«إن شئت دعوتُ لك، وإن شئت صبرت فهو خير لك» [الترمذي: 3578].
أي فلتصبر لان الله سبحانه وتعالى من أخذ حبيبتيه جازاه بهما الجنة.
قال له: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرد عليّ بصري، فأنا أريد أن أرى. قال:
«توضأ فأحسن الوضوء ثم صلِّ ركعتين وقل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه فيّ» [الترمذي: 3578]
فرد الله عليه بصره. أخرجه الترمذي وهو حديث صحيح. توسل فيه الأعرابي هذا أو الشخص الضرير هذا، هو توسل فيه بسيدنا النبي فاستجاب الله دعاءه. وفي الطبراني أن عثمان بن حنيف فعل هذا في مكرمة مع عثمان بن عفان.
التسليم والرضا يحولان المحنة إلى منحة بفهم لا حول ولا قوة إلا بالله
أمامنا شيء مهم جدًا وهو التسليم والرضا الذي يحوّل المحنة إلى منحة؛ لأنه فهم لا حول ولا قوة إلا بالله، فهم أنه لا يكون في هذا الكون إلا ما أراد الله، فهم أنه لا بد من التوكل على الله حق توكله.
فينتج من هذا التوكل تسليم بقدر الله، حتى لو كنت حزينًا، او غيره.
قال رسول الله ﷺ: «إنَّ العَينَ تَدمَعُ، والقَلبَ يَحزَنُ، ولا نَقولُ إلَّا ما يَرضى رَبُّنا، وإنَّا بفِراقِكَ يا إبراهيمُ لَمَحزونونَ» [صحيح البخاري: 1303]
وأمامنا الصبر،
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: 18].
الدعاء برفع البلاء وليس الاستسلام له وأهمية فهم العقيدة في تولد الرضا
الدعاء برفع البلاء ليس الاستسلام للبلاء ولا شيء من هذا القبيل، بل هو الدعاء برفع البلاء وبأن يخلق الله لنا الخير والرفاهية والغنى. فاللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.
ولكن هذا الحال وهذا الفهم من العقيدة هو الذي يساعد على تولّد التسليم في قلب الإنسان والرضا من بعده.
[المذيع]: الحاكم هنا يا مولانا هو إدراك الحقيقة، إدراك أن الله هو الذي ابتلاني وهو الذي يرفع عني هذا البلاء؟
[الشيخ]: هو هذا تمامًا، إدراك الحقيقة، فهذا جزء من العقيدة.
الرضا يساعد على الصبر والضراعة ويجعل القلب معلقًا بالله دائمًا
[المذيع]: سأرتاح يا مولانا بعد ذلك [معرفة ان الله هو الذي ابتلاني وانه هو من يرفع عني البلاء]؟
[الشيخ]: هذا سيساعدك على الصبر، وتجاوز المحنة، وعلى أن تصل إلى ما يُسمى بالضراعة والقلوب الضارعة. سيصبح قلبك دائمًا معلقًا بالله، يضرع له.
كلما يضرع له كل ما يفتح الله عليك، وكل ما يثبت الله فؤادك، وكل ما يكتب الله سبحانه وتعالى لك الدرجات والأجور، ويحط عنك السيئات، فتتحسن حتى أوضاعك أمام الملائكة. ستختلف نظرة الملائكة إليك، وسيرونك كرجل مرضيّ عنه محبوب.
إذا أحب الله عبدًا نادى في الملأ الأعلى فأحبه العالم كله
وإذا أحب الله عبدًا نادى في الملأ الأعلى: إني أحب فلانًا فأحبوه، فتأخذها الملائكة وتشيعها في العالم كله.
تخيّل أن العالم المحيط بك يحبك، هذه الجمادات والأشياء التي أمامنا تحبك سيحدث ذلك فرقًا.
ولذلك سماها أهل الله سعادة الدارين.
[المذيع]: عين الرضا عن كل عيب كليلة، وعين السخط تبدي لك المساويا. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.
الرضا هو الذي يطمئن الإنسان رغم الهموم والمشاكل في الحياة
[المذيع]: كيف نكون مرتاحين بالرغم من أن على أكتافنا همومًا كثير؟.
والذي يقول إنه غير قادر على مفارقة ابنه، أو التي تقول إنها غير قادرة على مفارقة ابنها، ولديّ مشاكل. لم أستطع الوصول إلى هذه الوظيفة أو لم أستطع تحقيق ما في ذهني. هل الحل هنا يكمن في الرضا؟
[الشيخ]: الرضا هو الذي يطمئن الإنسان.
أتعلم ما معنى الرضا؟
السيدة عائشة ترى أن الله يسارع في هوى النبي ﷺ ومعنى الرضا المطلق
[الشيخ]: السيدة عائشة كانت تلاحظ حال سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وتلاحظ أنه وكأنه كلما رغب في شيء تحقق ذلك الشيء، فقالت له: أرى الله يسارع في هواك!
أنا أراقبكما من الخارج، وأنت حين تريد شيئًا معينًا فيحدث فورًا.
كما في:
عبدي أطعني تكن عبدًا ربانيًا تقول للشيء كن فيكون.
كأنك حصلت على استجابة الدعاء التامة.
الناحية الأخرى للرضا: النبي ﷺ موافق على كل ما أراده الله
فأهل الله وهم يدرسون هذا الحديث: [أرى الله يسارع في هواك] قالوا: ولكن يبدو أنه حصل العكس. الأمور جارية، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راضٍ عن كل شيء.
أنت يا رب الذي خلقت هذا، فوسّع علينا الأرزاق. نعم، أنا أريد الرزق أن يُوسَّع، فضيّقها علينا، لا بأس لا يجري شيءٌ إلا وهو خير، هذا هو الرزق الإلهي.
قال رسول الله ﷺ: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين» [ابن ماجه: 4126]
فأعطاني الصحة، نعم، لكي أصلي وأعمل وأصوم وما إلى ذلك.
المرض في ميزان الحسنات وأنين المريض تسبيح عند الله
وأعطاني [الله عز وجل] المرض، إن أنين المريض هو تسبيح، والله تعالى يعطي للمريض ما كان يفعله في حال صحته.
ذلك أن ربنا سيأجرني وسيجعل هذا المرض في ميزان حسناتي يوم القيامة. راضٍ، كأنه مسرور من المرض.
فالإنسان عندما يصل إلى مرحلة الرضا، يظهر للمراقب له أن الله يسارع في هواه.
[المذيع]: نفس المشهد مع السيدة عائشة.
[الشيخ]: ولكن من ناحية أخرى. إن السيدة عائشة ترى أن سيدنا الرسول كلما يرغب في شيء يحققه له الله، إعكسها تجد أن كل ما أراده الله فالنبي موافق عليه.
تسليم النبي ﷺ المطلق لله حتى في فقد إبراهيم ابنه وحمزة عمه
فلننظر ماذا فعل النبي؟ سلّم تسليمًا مطلقًا.
أي أن كل شيء جيد، بما في ذلك الحزن، وبما في ذلك الألم. بما في ذلك أنه فقد إبراهيم ابنه، وفقد حمزة عمه.
لكنه راضٍ، كيف؟ أليس الله هو الذي خلق؟ نعم، حسنًا أنا راضٍ.
رضا النبي ﷺ عند كسر رباعيته وخوفه على أمته من عاقبة أفعالهم
هل يُفلح قوم أدموا فم نبيهم؟ والله لن يُفلحهم أبدًا. ولكن عندما كُسرت رباعيته [رسول الله صلى الله عليه وسلم]، كان راضيًا.
هو خائف عليهم. هو يقول لهم، هكذا ستذهبون إلى الجحيم، وأنتم أحرار. فهو يحاول إبعادهم عن النار، لكنه راضٍ.
فهذا الرضا المطلق هو الذي يتولد من قضية التسليم لله فعله في كونه. افعل يا رب في كونك ما شئت، أنا لست متبرمًا ولا معترضًا، أنا موافق على كل ما تفعله، وأدعوك يا رب أن تسترني، وأن تخفف عني، وأنك كذا.
البلاء من الله ليس للإهمال بل ليستغفر العبد ويتضرع ويرجع إلى ربه
في الوقت نفسه [اي التسليم لله وفعله مع الدعاء والتضرع اليه]. لأنك لو أنه أنزل عليك البلاء فقلت لا يعنيني، فهذه مرحلة أخرى سيئة: كأنك لا تبالي.
لقد فعلت ذلك لك لتستغفرني، لتستغفر الله، لترجع إليه، لتتضرع إليه، لتنكسر أمامه، ، لا لتقول لي أنا لا يهمني.
ولذلك عندما تحدث المحن نرضى، أي نُسلّم أمرنا وندعو الله.
الصبر عند الصدمة الأولى والدعاء بعد الرضا بمراد الله سبحانه وتعالى
ولذلك:
قال رسول الله ﷺ: «إنَّ العَينَ تَدمَعُ، والقَلبَ يَحزَنُ، ولا نَقولُ إلَّا ما يَرضى رَبُّنا، وإنَّا بفِراقِكَ يا إبراهيمُ لَمَحزونونَ». [صحيح البخاري: 1303].
انما:
قال رسول الله ﷺ: «الصَّبرُ عِندَ الصَّدمةِ الأولى» [صحيح البخاري: 1302].
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18].
وإنما الدعاء بعد هذا الصبر والرضا بمراد الله سبحانه وتعالى وبفعله.
هكذا يكون الحال:
-
التوكل،
-
فالرضا،
-
فالتسليم،
-
فالدعاء.
هذه هي الوظائف التي يحيا بها الإنسان.
الصوفية يصفون لذة الرضا بأنها لو عرفها الملوك لقاتلوهم عليها
الجماعة الصوفية تقول: إنا نشعر بأشياء لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها، من اللذة ولأنه يعيش كالملك،لماذا؟ لأنه راضٍ عن كل شيء، مسرور من كل شيء.
هل هذا الانبساط يجعله يعيش نوعًا من أنواع التفاخر؟ لا ، إنه منكسر.
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند المنكسرة قلوبهم» [الأسرار المرفوعة: 137]
فهو منكسر لله ويدعو الله في نفس الوقت مع التسليم والرضا بالخير.
دعاء النبي ﷺ عند رجوعه من الطائف ومعنى إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي
[المذيع]: مولانا الإمام، سيدنا النبي في عز الأزمة وهو راجع من الطائف: «إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى».
[الشيخ]: انظر إلى التسليم!
يا رب، أنت تفعل هذا بي ترقية أم تدنية؟ فإن كنت تفعله ترقية فلا أبالي، وإن كنت تفعله بي تدنية فاغفر لي.
إذن هو تواضع لله، فرفعه. وهو يخاطب ربنا: أدّبه ربه فأحسن تأديبه، صلى الله عليه وآله وسلم.
معنى التسليم المطلق في دعاء النبي ﷺ وأن الرضا بقدر الله هو جوهر الإسلام
فإن لم يكن بك عليّ غضب، هل هذا ناتج من غضب؟ لا، ليس من غضب. اذن لا أبالي، أنا مسلّم وراضي.
أتعبوني، ضربوني، وماذا أفعل؟ أنا مسلّم. هذه أرضه وهذه سماؤه، ماذا أفعل؟ أأخرج من سمائه أو من أرضه؟
وإن كان بك عليّ غضب
«فلك العتبى حتى ترضى» [: ].
التوبة والاستغفار عند البلاء والتواضع الذي يولد التوكل والتسليم والرضا
إذا كان بك عليّ غضب، سبحانك أتوب إليك. إذا كانت هذه [افعال الله بي] علامات لأني أتضرع إليك بالمغفرة، أنا أفعل هذا فورًا.
إذا كانت هذه ليست عن غضب، والله ولا أبالي. فهذا التواضع، فلم يحكم هو. فهذا الدعاء [إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى] فيه توكل على الله، والتوكل ينشئ التسليم، والتسليم ينشئ الرضا.
هذا الدعاء الذي سلّم فيه أمره لله، فحدث هذا الرضا لقدر الله وفعل الله.
هل الرضا بالقضاء والقدر هو معنى الإيمان بالقدر خيره وشره
[المذيع]: مولانا، فضيلتك تعلمنا الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره. هل معنى من معاني الإيمان هو الرضا بهذا القضاء والقدر خيره وشره؟
[الشيخ]: لا، هو درجة من درجاته. إن الإيمان له بداية، وهو التصديق. فالإنسان الذي يصدّق بالقضاء خيره وشره مؤمن؛ لأنني لا أكلّف الناس ما لا تطيق.
ولأنه عندما قال له في حديث جبريل: ما الإحسان؟
قال: «أن تعبد الله كأنك تراه».[صحيح البخاري: 50]
ولكنه لم يتركها هكذا، بل قال:
«فإن لم تكن تراه» [صحيح البخاري: 50]،
أي أن هناك طائفة أخرى من الناس لن تستطيع أن تصل إلى درجة أن تعبد الله كأنك تراه.
بابا القلب: باب الحق وباب الخلق وأثرهما في الوصول إلى الرضا
«فإن لم تكن تراه، فانه يراك» [صحيح البخاري: 50].
إذا لم يكن لديك استحضار تام بقلبك الضارع المفتوح على الله سبحانه وتعالى ليلًا نهارًا، فاعلم بعقلك أن هناك إلهًا. أي أننا انتقلنا هنا من القلب إلى العقل.
إذا كان قلبك لا يعمل، فليعمل عقلك؛ لأن كل البشر لديهم عقل، أما الذي ليس لديه عقل فقد سقط عنه التكليف، ولا يوجد خطاب له.
وهنا للقلب بابان:
-
باب على الخلق،
-
وباب على الحق.
فإذا كان باب الحق مفتوحًا، فحينئذٍ تدخل منه الأنوار، وقلبك ضارع متعلق بالله سبحانه وتعالى.
إغلاق باب الحق يمنع التوكل والتسليم والرضا ويجعل الإنسان غافلًا
لكن لو كان [باب الحق] مغلقًا فيجب عليك أن تفكر وتعلم أن الله يراك. ولذلك كلما تذكرته كلما استحييت منه، وامتنعت عن الخطيئة، والأذى، وغير ذلك.
ومن غير هذا التصور لا يوجد رضا، فلا يوجد تسليم، فلا يوجد توكل، فلا يوجد باب مفتوح على الخالق سبحانه وتعالى، وحينئذ يكون غافلًا.
[المذيع]: مولانا الإمام، دعني أسأل من ناحية أخرى: ما الذي لا يجعل الناس راضية؟ وهنا لا نتحدث عن فكرة الألم والمشكلة والأزمة، بل أناس لديهم أموال وتعيش مرتاحة، مما نراه بعين البشرية القاصرة هذه، وفي النهاية لا تجدها راضية. ما سبب عدم تحقق الرضا في الحياة؟
إغلاق باب الحق وفتح باب الخلق يجعل الإنسان يبحث عن السعادة في الدنيا فلا يجدها
[الشيخ]: غافل [واصفا من لا يرضى مع تنعمه بنعم الله]، قفل باب الحق سبحانه وتعالى. عندما نغلق باب الحق ونفتح باب الخلق يصبح أمامنا سؤال: كيف أكون سعيدًا؟
هذا يجعلني أقول: سأكون سعيدًا عندما أركب سيارات فارهة، فأركب ثم لا أجد السعادة. وبعدها أقول: ربما عندما يكون عندي ولد، فأتزوج وأنجب الولد فلا أجد في ذلك السعادة.
ربما في الأكل، فلا اجد فيه سعادة. إذن ما هي السعادة؟ كيف أجد هذه السعادة؟
السعادة الحقيقية بالتوكل والتسليم والرضا لا بالمال والسلطة واللذات
السعادة بالتوكل الذي يولد التسليم الذي يولد الرضا. هذه هي السعادة: القناعة والاكتفاء الذي يحدث بالرضا.
لا يوجد رضا، لا توجد سعادة. أنا لأنني فتحت باب الخلق أصبحت أجرّب: المال لم ينفع، السلطة لم تنفع، الولد لم ينفع، الصحة لم تنفع. إذن ماذا؟
وكثير جدًا من الذين أغلق الله عليهم قلوبهم ووضع عليها الران يحاولون ويسيرون في قصة اللذات، وكلما يوغل في اللذات كلما يشعر بتعاسة أكبر وأكثر، بل وألم.
الله يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع الرجوع وأكثر المجتمعات رفاهية أكثرها انتحارًا
وهنا يبدأ يتعجب [من أسرف في الملذات]، ويكتشف أن هذا ليس الطريق إلى السعادة، فنقول له: ارجع. والله كثير جدًا منهم قال لي: لست قادرًا أن أرجع من الطريق [الخاطئ] الذي سرت فيه.
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
إلى هذا الحد أنه يمشي في الطريق حتى يحول الله بينه وبين قلبه فلا يستطيع حتى الرجوع وهو يتألم.
[المذيع]: حتى الإحصائيات والدراسات النفسية تقول إن أكثر المجتمعات رفاهية في أوروبا تحديدًا أو المجتمعات الغربية هي أكثر المجتمعات التي تشهد حالات انتحار. فاصل ونعود.
سؤال المذيع عن النفس الراضية والنفس المرضية ومراتب النفس السبعة
مولانا الإمام، هذا يجعلني أسأل: ما هي النفس الراضية والنفس المرضية؟
[الشيخ]: الراضية والمرضية هذه عبارة عن مراتب من مراتب النفس السبعة؛ النفس إما أن تكون:
-
أمارة بالسوء، ثم بعد ذلك إذا ترقّت فتكون:
-
لوامة تلوم صاحبها على أفعال أو على تقصير يقصّر فيه في الطريق إلى الله.
ترقي النفس من الأمارة إلى الملهمة فالراضية فالمرضية فالمطمئنة فالكاملة
- ثم تصبح ملهمة:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ [الشمس: 8].
ثم بعد ذلك تترقى إلى:
-
الراضية
-
فالمرضية
-
فالمطمئنة:
﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28].
- ثم بعد ذلك الكاملة.
الراضية والمرضية هذه تعني أنها درجة من درجات النفس.
وبعض أهل الله يقولون إن الملهمة والراضية والمرضية والمطمئنة والكاملة كلها درجة واحدة. يعني هي ثلاث درجات: إما
-
أمارة،
-
لوامة،
-
ملهمة.
برنامج ترقي النفس المأخوذ من القرآن: الذكر والفكر والتخلية والتحلية
كيف أصل إلى ذلك؟ فوضعوا برنامجًا مأخوذًا من القرآن. هذا البرنامج قالوا فيه إن الطريق في ترقي النفس محاط بالذكر والفكر.
﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]
﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
يعني القرآن كله ذكر:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
حتى القرآن اسمه ذكر.
الذكر والفكر والتخلية والتحلية طريق ترقي النفس من الأمارة إلى الراضية المرضية
والتفكر:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191]
الذكر والفكر. وفي هذا الطريق الذي يترقى الإنسان فيه من الأمارة إلى اللوامة إلى الملهمة التي منها الراضية والمرضية: الذكر والفكر، والتخلية والتحلية.
التخلي والتحلي: تخلٍّ من كل قبيح: الكبر، الحقد، الحسد، والغل. والتحلي بكل صحيح: التواضع والحب وهكذا.
والصفات السلبية هذه: الكراهية والعنف وما إلى ذلك، هي التي تعيق الإنسان في الوصول إلى هذا التوكل والتسليم والرضا.
الإخلاص لله وعدم الالتفات إلى ما سواه وعدم الفتنة بالنعم والكرامات
أيضًا عندهم [أهل الله] أن الله مقصود الكل فلا تلتفت إلى ما سواه:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]
ومعنى عدم الالتفات في هذا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى: كثير من الإشراقات. الإشراق هذا نعمة فلا تقف عندها.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
كما أنك لا تُفتن بالمال ولا بالقوة ولا بالعلم ولا تُفتن بنعم الله المختلفة، كذلك لا تُفتن لا بالكرامات ولا بالرؤى ولا بهذه الأشياء كلها.
الإشراقات هذه نِعَمٌ من نِعَم الله، وكذلك المال ، والصحة ، والعلم. إنما متى تُؤاخذ عليها؟ عندما تستعملها في غير ما هي له.
الطريق إلى الله محاط بالشريعة والكتاب والسنة ويؤدي إلى فهم لا حول ولا قوة إلا بالله
هذا الطريق الذي يشتمل على الذكر والفكر، التخلية والتحلية، القصد الموجه من غير التفات، يكون محاطًا بالشريعة بالكتاب والسنة.
هذا هو الذي يؤدي في النهاية إلى الراضية والمرضية، هذا هو في النهاية الذي يؤدي إلى الفهم الدقيق لكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول ولا قوة إلا بالله"، يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري:
قال رسول الله ﷺ: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش» [البخاري: 2992].
هكذا النص.
الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري كلها منسوجة من لا حول ولا قوة إلا بالله
فجاء ابن عطاء الله السكندري وهو من أولياء الله، مدفون في سفح المقطم في القاهرة، وألّف الحكم العطائية، أكثر من مائتي حكمة كلها تعني لا حول ولا قوة إلا بالله.
انظر الى أفصح العرب. كلها تكلموا وانبهر الناس بها وشرحوها وفصّلوها. وكلما تتعمق في حكمة وتفصّل فيها وترى أصولها تصل إلى لا حول ولا قوة إلا بالله. كل حكمة مغزولة من لا حول ولا قوة إلا بالله.
سيد البشر ﷺ نصح الأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين
سيد البشر، أدى الأمانة ونصح للأمة، وجاهد في سبيل الله ورفع الغمة حتى أتاه اليقين عليه الصلاة والسلام. ما هذا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز العرش.
كثير جدًا من الناس ترى لنفسها حولًا وقوة، وهذا يؤدي إلى التشويش على النفس الراضية المرضية، والتشويش على الوصول إلى مراقي العبودية، والتشويش على التخلية والتحلية والذكر والفكر.
[المذيع]: اللهم إني أبرأ من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك.
أسئلة من المشاهدين: سؤال عن إيذاء الأم بجهاز التنفس الصناعي وسؤال عن أخ قاطع أمه عشرين سنة
[المذيع]: أستاذة نادية أهلًا بك.
[السائلة]: أنا والدتي كانت مريضة، وقبل أن تُتوفى دخلت المستشفى يومين في العناية المركّزة، فوضعوها على جهاز التنفس الصناعي، وكانت تتألم منه ولا تريده، وكانت تشير إلى أن يُزال. نحن لم نسمع كلامها وسمعنا كلام الأطباء، وتوفّيت. نحن بذلك نكون آذيناها لأنها كانت تتألم من جهاز التنفس جدًا؟ وماذا أفعل لها أنا وإخوتي -نحن أربع بنات- لكي تستفيد بعد الممات؟
[المذيع]: أستاذة مها، سؤال حضرتك.
[السائلة]: لي أخ كان يحب أمي جدًا إلى أن تزوج، ومنذ عشرين سنة قاطع أمي تمامًا بسبب الميراث وما شابه، مع أنها أعطته حقه وزيادة، ومع ذلك لم يصلح العلاقة معها ولم يرضَ أن يكلمها.
أوصت أمي قبل وفاتها أن أخي هذا لا يحضر جنازتها ولا يتقبل العزاء فيها، ونحن بالتالي لا نريده أن يرث فينا نهائيًا. فلا أعرف هل هذا حرام أم حلال؟ وهي أيضًا كانت قد سألت شيخًا في الأزهر إذا حرمته من شيء، قال لها: لا حتى لا تزيدي حقده أكثر.
هي توفّيت الحمد لله، وهي تبتسم ابتسامات وتضحك. وقالت لنا لا إله إلا الله محمد رسول الله.
أنا أريد أن أعرف ماذا يمكن أن يفعل ربنا به بعد الذي فعله بها؟ وهو يريد أن يرث فيها.
حكم وضع المريض على جهاز التنفس الصناعي وما يفعله الأبناء لأمهم بعد وفاتها
[المذيع]: أستاذة نادية تقول: هل نحن آذينا والدتنا بفكرة التنفس الصناعي هذا؟
[الشيخ]: لا، لا يوجد إيذاء ولا شيء؛ لأن المريض لا يملك القرار النهائي. ونحن نفعل هذا ليس بغرض إيلامه، ودائمًا العلاج مؤلم، ونحن نرجو له الصلاحية.
وكان سيدنا رسول الله مرة في حمى ومرض وأرادوا إرغامه على أخذ الدواء، فكان يشير إليهم أن هذا يؤلمه، وهم يصرّون. فبعدما قام واسترد عافيته
قال لهم: «ألَم أنهَكُم أن تَلُدُّوني؟ قُلنا: كَراهيةَ المَريضِ للدَّواءِ، فقال: لا يَبقى أحَدٌ في البَيتِ إلَّا لُدَّ وأنا أنظُرُ إلَّا العبَّاسَ؛ فإنَّه لم يَشهَدْكُم.» [صحيح البخاري: 4458]
اي سأفعل بكم كل ما فعلتموه بي، لتعلموا مدى الذي أنتم فعلتموه. وفعل فيهم هذا أو حاول أشياء بسيطة هكذا.
إن المريض يكون متضايقًا. فأنا أقول لنادية: لا، أنتم لم تخطئوا في هذا.
ما يُفعل للوالدة بعد وفاتها من صدقة وقراءة قرآن ودعاء
السؤال الثاني الخاص بماذا نفعل لها [لامهم المتوفاة]؟ كل أنواع الخير: اعملوا لها صدقة، كلما قرأتم القرآن هبوا ثوابه لها، كلما دعوتم أشركوها معكم في الدعاء، وهكذا.
حكم الأخ الذي قاطع أمه عشرين سنة وعقوق الوالدين كبيرة من الكبائر
[المذيع]: أخو استاذة مها الذي قطع والدته عشرين سنة يا مولانا.
[الشيخ]: هذا حسابه عند ربه، وعقوق الوالدين كبيرة من الكبائر، يعني مذكورة بعد الشرك بالله مباشرة، من السبع الموبقات.
إنما مها عليها أن تهتم بنفسها مع ربها، لا أن تلتفت إلى أخيها الذي أجرم هذا الإجرام وتريد هي أن تقوم بمحاسبته أو ما شابه ذلك.
وما دام هناك تركة للوالدة فهذا الأخ سيرث، ولعله يتوب إلى الله قبل الفوت والموت، أو لا يتوب هو حر. فهذه مسألة بيد ربنا وقدره.
قطيعة الرحم من شعب الكفر والأخ العاق يرث شرعًا ولا يجوز حرمانه
لكن أن يتزوج فيمكث عشرين سنة مقاطعًا لأمه، هذا من أعمال الكفر وليس من أعمال الإيمان. نحن لا نكفّره، لكن هذا من أعمال الكفر. كل المعاصي من شعب الكفر، وكل الطاعات من شعب الإيمان.
فما يفعله هو يا مها، من شعب الكفر. لكن هو سيرث؛ لأنه وارث من الورثة.
تقولين أننا لا نريده أن يرث منا أيضًا؟ هو بالطبع يرث معكم فيها [أم السائلة المتوفاة]هذه قضية. أما يرث منا، منا هذه معناها أنكم ليس عندكم ذكور، يكون هناك فقط بنات. أيضًا هذا ليس أمرًا شرعيًا أن تبحثي عن شيء تُهربي به التركات من هذا الأخ الفاسق أو المنحرف. اتركيها لله؛ لأنه إن لم يتب إلى الله سبحانه وتعالى سيكون كل هذا في ميزان سيئاته يوم القيامة.
وصية الأم بعدم حضور الابن جنازتها ليست وصية شرعية ولا تحرم الميراث
[المذيع]: كيف يتعاملون مع ما يشبه وصية الأم التي تقول لهم: لا يحضر جنازتي؟
[الشيخ]: وهذا ليس فيه توصية، ما هي بوصية، ولا يُحرم الميراث أيضًا.
هي تقول شيئًا تعبّر بها عن آساها، وعن عقوق هذا الولد، ومدى جرمه، وعن غضب الله عليه، شيء من هذا القبيل.
ولكن عندما ننتقل إلى ظواهر الحقوق والواجبات، سنعطيه حقه وليذهب بعيدًا به.
خاتمة الحلقة وكلمة ابن أدهم عن الناس والعلماء
[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم مولانا.
[الشيخ]: أهلا وسهلا بكم.
[المذيع]: سُئل إبراهيم بن أدهم عن الناس فقال: هم العلماء. إلى اللقاء.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الترتيب الصحيح لسلسلة الوصول إلى الرضا بقضاء الله؟
التوكل ثم التسليم ثم الرضا ثم الدعاء
ما معنى قول النبي ﷺ: لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش؟
أنها إقرار بأن الله هو الخالق الحقيقي والفاعل الحقيقي وأن الإنسان لا حول له مستقل
ما الذي وصفه الصوفية بأنه لو عرفه الملوك لقاتلوهم عليه؟
لذة الرضا بقضاء الله والانكسار له
ما الذي قاله النبي ﷺ للأعمى الذي طلب منه الدعاء لرد بصره؟
قال له: إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت فهو خير لك، ثم علّمه دعاء التوسل
ما أول أصلَي العقيدة المتعلقَين بالرضا بقضاء الله وقدره؟
أن الكون من خلق الله وأنه لا يقع فيه إلا ما أراد
ما الحديث القدسي الذي يُقرر أن الله مع المنكسرة قلوبهم؟
أنا عند المنكسرة قلوبهم
ما الذي لاحظته السيدة عائشة في النبي ﷺ فقالت: أرى الله يسارع في هواك؟
أن النبي كلما رغب في شيء تحقق له فورًا بسبب رضاه التام بقضاء الله
ما الأركان الأربعة لبرنامج ترقي النفس المأخوذ من القرآن؟
الذكر والفكر والتخلية والتحلية
ما الذي ألّفه ابن عطاء الله السكندري وما مضمونه؟
الحكم العطائية وهي أكثر من مائتي حكمة كلها تعني لا حول ولا قوة إلا بالله
ما حكم الأخ الذي قاطع أمه عشرين سنة من حيث الميراث؟
يرث شرعًا لأنه وارث من الورثة وحسابه على عقوقه عند الله
ما الذي يحدث للإنسان الذي يُغلق باب قلبه على الله ويبحث عن السعادة في الدنيا؟
يجرّب المال والسلطة واللذات فلا يجد السعادة بل يزداد تعاسة
ما الذي تعلّمنا إياه الشريعة أن نقوله عند الابتلاء بدلًا من سؤال رد القضاء؟
لا نسألك رد القضاء وإنما نسألك اللطف فيه
ما تعريف الرضا بقضاء الله وكيف يتولد؟
الرضا بقضاء الله هو ثمرة سلسلة تبدأ بالتوكل على الله الذي يُحدث التسليم لمراد الله، والتسليم يتولد عنه الرضا. وهو درجة من درجات الإيمان لا معناه كله.
لماذا وصف العلماء الرضا بأنه حفيد التوكل؟
لأن الرضا لا يتولد مباشرة بل يأتي عبر واسطة التسليم، فالتوكل يلد التسليم والتسليم يلد الرضا، فكان الرضا حفيد التوكل لا ابنه المباشر.
ما الأصلان العقديان اللذان يُمكّنان الإنسان من الرضا بقضاء الله وقدره؟
الأول: أن هذا الكون من خلق الله. الثاني: أنه لا يقع في هذا الكون إلا ما أراد الله سبحانه وتعالى.
ما معنى قول العلماء إن المحنة منحة في حقيقتها؟
المحنة منحة لأن فيها أجرًا وثوابًا ورفعًا للدرجات وحطًّا للخطايا، حتى إن الشوكة يشتاكها المؤمن له بها أجر عند الله.
ما الفرق بين سؤال رد القضاء وسؤال اللطف في القضاء؟
سؤال رد القضاء يعني طلب إلغاء ما قدّره الله، وهو غير مشروع. أما سؤال اللطف في القضاء فيعني طلب التخفيف والرحمة مع التسليم بما قدّره الله، وهو المشروع.
ما مراتب النفس السبعة بالترتيب؟
الأمارة بالسوء، ثم اللوامة، ثم الملهمة، ثم الراضية، ثم المرضية، ثم المطمئنة، ثم الكاملة. وبعض أهل الله يرون أن الملهمة والراضية والمرضية والمطمئنة والكاملة درجة واحدة.
ما بابا القلب وما أثر كل منهما في الرضا بقضاء الله؟
للقلب باب على الحق وباب على الخلق. إذا فُتح باب الحق دخلت الأنوار وصار القلب ضارعًا متعلقًا بالله وتحقق الرضا. وإذا أُغلق باب الحق وجب العمل بالعقل والعلم بأن الله يرى.
ما دلالة دعاء النبي ﷺ من الطائف: إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي؟
يدل على التسليم المطلق لله، فهو يسأل ربه: هل هذا البلاء ترقية أم تدنية؟ فإن كان ترقية فلا يبالي، وإن كان من غضب الله تاب واستغفر فورًا. وهذا التواضع هو الذي رفعه الله به.
ما الذي قاله النبي ﷺ عند وفاة ابنه إبراهيم وما دلالته؟
قال: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون. وهذا يدل على أن الرضا بقضاء الله لا يمنع الحزن الطبيعي لكنه يمنع قول ما لا يرضى الله.
لماذا تكون أكثر المجتمعات رفاهيةً أكثرها انتحارًا؟
لأن الرفاهية المادية بدون الرضا بقضاء الله لا تُفضي إلى السعادة الحقيقية. من أغلق قلبه على الله وبحث عن السعادة في الدنيا يزداد تعاسةً كلما أوغل في اللذات، وقد يحول الله بينه وبين قلبه فلا يستطيع الرجوع.
ما حكم وضع المريض على جهاز التنفس الصناعي رغم إشارته بعدم الرغبة فيه؟
لا إيذاء في ذلك، لأن المريض لا يملك القرار النهائي في علاجه، والعلاج مؤلم بطبعه والهدف منه الصلاحية والشفاء لا الإيلام.
ما الأعمال التي تنفع الميت بعد وفاته؟
الصدقة عنه، وهبة ثواب قراءة القرآن له، والدعاء له وإشراكه في الدعاء. هذه الأعمال تصل إلى الميت وتنفعه بإذن الله.
ما علاقة الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله؟
الحكم العطائية أكثر من مائتي حكمة كلها مغزولة من معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، وكلما تعمّق الإنسان في أي حكمة وصل إلى هذه الكلمة العظيمة.
ما الصفات السلبية التي تعيق الوصول إلى الرضا بقضاء الله؟
الكبر والحقد والحسد والغل والكراهية والعنف، وهي التي تعيق الإنسان في الوصول إلى التوكل والتسليم والرضا. والتخلص منها يُسمى التخلية، وهي ركن أساسي في برنامج ترقي النفس.
