اكتمل ✓
تفسير آية المستضعفين في سورة النساء وعفو الله ورحمته بالعاجزين - تفسير, سورة النساء

من هم المستضعفون الذين عفا الله عنهم في سورة النساء وما معنى عسى ومعنى عفوًّا غفورًا؟

المستضعفون الذين عفا الله عنهم هم من لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا حقيقةً وفعلًا، لا من يقدر ويتهاون. وعسى من الله ليست احتمالًا بل يقين بالعفو والمغفرة. واسم الله العفوّ الغفور يجمع بين ترك الذنوب كلها وإتمام الحسنات كلها، وهذا لا يكون إلا من الله الكريم.

4 دقائق قراءة
  • هل يكفي ادعاء الاستضعاف للإفلات من المسؤولية أم أن الله يحاسب على القدرة الفعلية؟

  • المستضعفون الذين عفا الله عنهم هم من انغلقت عليهم الحيلة والسبيل حقًّا لا ادعاءً.

  • الهجرة المشروعة مشروطة بالأخذ بالأسباب القانونية والكونية، ومن يخالفها ضرره أبلغ من بقائه.

  • التكليف في الإسلام على قدر الاستطاعة، والاعتراض على قدر الله بعد استنفاد الأسباب معصية.

  • التربية الصوفية علَّمت الرضا والتسليم والتوكل وفرَّقت بين القدرة والعجز الحقيقي.

  • عسى من الله يقين لا احتمال، واسمه العفوّ الغفور يجمع ترك الذنوب كلها وإتمام الحسنات كلها.

مقدمة تفسير آية المستضعفين في سورة النساء ورحمة الله بالعاجزين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى بعدما بيَّن أن هناك سؤالًا ومسؤوليةً لمن أعطاه الله القدرة، وأنه لا يكفيه أن يدَّعي الاستضعاف؛ فالله سبحانه وتعالى من رحمته يبيِّن لنا أن الأمر يتعلق بالسلطة والقدرة التي أعطاها الله لك، من قدرة جسدك على الحركة، أو عقلك على التفكير، أو نفسك على استيعاب الأمور.

فيقول [الله تعالى]:

﴿إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]

في حالة حقيقية فعلية من الاستضعاف، أنك لا تقدر على فعل شيء حقًّا على وجهه.

الهجرة لا تكون بمخالفة سنن الكون وقوانين المجتمع

ليس الأمر أنك لكي تهاجر عليك أن تخالف سنن الكون أو تخالف سير المجتمع. فكيف يسير المجتمع وسنن الكون على قدميه في زمنٍ لم تعد فيه طرقٌ ولا أدوات تؤهلك للمشي على قدميك، فتضلَّ في الطرقات وتموت لأنك خالفت سنة الله في كونه؟

أو أنك تخالف القوانين؛ الآن القوانين تقول لك: لا تدخل البلد الفلاني إلا بتأشيرة، فتذهب أنت هكذا من غير تأشيرة! ما هذا يا أخي؟ أليس من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغمًا كثيرًا؟ لا ينفع هذا الكلام، أنت تخالف إما سير الكون وإما سير المجتمع، وهذا لا ينفع.

التكليف بالهجرة مشروط بالقدرة الفعلية على الأسباب المشروعة

ولذلك نبَّهنا [الله تعالى] تنبيهًا مستقلًّا في الآيات المستقلة على هذا، أن هذه المقدرة للقادر فعلًا؛ قادرٌ أنه يستخرج جواز سفر، وقادرٌ على أن يحصل على تأشيرة، وقادرٌ أن يحصل على تذكرة لكي يركب وسيلة نقل رسمية ويذهب بها إلى البلد الذي يريد أن يذهب إليه، وقادرٌ على أن ينجح هناك على كذا وكذا.

حسنًا، إذا كان الأمر يحتاج إلى هجرة أمنٍ أو هجرة إيمان أو إلى طلب علم أو إلى برٍّ بالوالدين أو إلى طلب رزق أو كذلك، إنما يأخذ بعضه بطريقة غير شرعية، يعني ماذا؟ يعني مخالفة لسنة الله في كونه أو مخالفة لسير المجتمع.

من يهاجر بطريقة غير مشروعة ضرره أبلغ من بقائه في مكانه

ويذهب [أحدهم] يطلب [العمل] من غير عقد عمل ومن غير نظام، هذا خارج [عن المشروع]؛ فيُقال له: اقعد، هذا أفضل، فأنت ضررك سيصبح ضررًا أبلغ من السكوت.

هكذا سأعفو عنك:

﴿إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: 98]

نعم، لا يقدرون وليس لديهم حيلة. تعني ماذا؟ تعني أن تفكِّر، أي فكِّر وتدبَّر، فوجدتها مُقفلة. فحسب، يجب أن تفكِّر. حسنًا، فكَّرت ووجدتها مغلقة.

معنى انغلاق الحيلة والسبيل وأن الله هو من قدَّر ذلك

وعندنا في مصر هكذا تعبير يقول لك: هذه مغلقة مثل السِّيجة [لعبة شعبية]، يعني تأتي بها هنا، تأتي بها هنا، لا توجد فائدة، انغلقت معك. نعم، مغلقة السِّيجة.

هذه خاصة بماذا؟

﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]

لا يعرفون شيئًا، انغلقت معه. من الذي قدَّر على أولئك ذلك؟ أولئك الأقفال: الله. من الذي منعهم من فتح سبيل أو من إدراك حيلة؟ الله.

فأصبحت المسألة قد انقلبت إلى شيء آخر وهو التسليم والرضا بأمر الله، فتبقى جالسًا في مكانك، هذا أمر الله هكذا.

الاعتراض على قدر الله معصية والمؤمن يمضي بالأسباب ثم يسلِّم

الجماعة الكبار آباؤنا وأمهاتنا كانوا يقولون: هل هو يريد أن يغيِّر الكون أم ماذا؟ وكان هذا في ذاته أي ممنوع، وكأنه معصية، وهو الاعتراض على أمر الله.

[فالله] الذي أعطاك قوةً ومكَّنك وأباح لك وأتاح لك وفتح لك أن تمضي في المسائل بأسبابها أولًا؛ تشارك وتأمر وتنهى، ولكن إذا ضُيِّق عليك ورأيت أن هناك تهديدًا على نفسك ومالك وعرضك وما إلى ذلك، فامضِ بما استطعت، وما لم تستطع:

﴿إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: 98]

هذه واحدة: لا قدرة لها. فإذا كان التكليف على قدر الاستطاعة كما قلت.

دور التربية الصوفية في تعليم الرضا والتسليم والتوكل على الله

﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]

لا يوجد أحد حتى جاء فحملهم وقال له: تعال أنا سأيسِّر لك هذا الأمر، أنت لست قادرًا بنفسك ولكنني سأقول لك.

ولذلك جاءت التربية التي ربَّاها المشايخ والمرشدون للأفراد عبر التاريخ عن طريق التصوف جاءت في غاية الأهمية:

  • كيف يعلِّمك الرضا.

  • كيف يعلِّمك التسليم.

  • كيف يعلِّمك حقيقة التوكل.

  • كيف يعلِّمك فيتَّضح للإنسان الفرق بين القدرة وفتح السبيل والهداية، وبين الضعف الذي يفقد فيه الحيلة ويفقد فيه السبيل.

﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 98]

معنى عسى من الله يقين في العفو والمغفرة لا احتمال

﴿فَأُولَـٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 99]

وعسى من عند الله يعني انتهى الأمر، أصبحنا من عند ربنا. عسى خاصَّتنا [نحن البشر] عسى أن أفعل لك، يعني ربما وربما، لكن عسى خاصة ربنا يقين.

عسى الله أن يعفو عنهم: انتهى، يعني عفا الله عنهم. عسى الله يعني عفا الله عنهم. لكن هذه «عسى» عندنا [في لغة البشر] يعني يمكن ويمكن، نعم عندنا صحيح يمكن ويمكن في المستقبل، نحن في كلامنا [البشري]. أما كلام الله فعسى منه تبقى يقينًا من رحمته.

معنى اسم الله العفو الغفور وسعة رحمته بعباده

فالله واسع، لا يناله منا لا ضرٌّ ولا نفع.

﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 99]

ما هذه الحلاوة! عفوًّا غفورًا: يعفو ويعفو عن كثير ويغفر.

«عفوًّا» هذا يقول لك ماذا؟ إنها من الأضداد. يعني ماذا من الأضداد؟ يعني لها معنيان متضادان:

  • عفا أي ترك الشيء تركًا تامًّا.

  • وعفا أي فعل الشيء فعلًا تامًّا.

انظر هذه سمَّوها الأضداد، مثل الأضداد هكذا يسمُّونها: «سليم» [تعني] مريض وصحيح، الاثنان في اللغة اسمهما ماذا؟ سليم.

شرح معنى عفا بين الترك التام والزيادة التامة في اللغة العربية

انظر «عفا»: عندما يقول النبي ﷺ:

«أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى»

يعني أعفوا: اتركوا [اللحى تنمو]. وعفا [في قوله تعالى]:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾ [الأعراف: 199]

آه، العفو هنا يعني الزيادة. إذن «عفا» يعني الترك التام، و«عفا» يعني الزيادة التامة عكسها.

فربنا سبحانه وتعالى عفوُّه، طيب وعفوُّه هنا يعني ماذا؟ يعني يترك ذنوبك كلها ويأخذ حسناتك كلها، الاثنان معًا.

عفو الله يجمع بين ترك الذنوب وإتمام الحسنات وهذا لا يكون إلا من الله

وهذا ينفع؟ قال: في قبيل البشر لا ينفع، في قبيل الله ينفع. أتدرك ذلك؟

فاحمدوا ربكم أن لكم ربًّا كريمًا.

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

من هم المستضعفون الذين استثناهم الله من المسؤولية في سورة النساء؟

من لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا حقيقةً وفعلًا

ما الموقف الشرعي من الهجرة بدخول بلد أجنبي بغير تأشيرة رسمية؟

غير جائزة لأنها مخالفة لسير المجتمع وسنن الكون

ما الشرط الأساسي لوجوب الهجرة على المسلم القادر؟

أن يكون قادرًا على الأسباب المشروعة كاملة من وثائق ووسائل نقل رسمية

ما حكم الاعتراض على قدر الله بعد استنفاد الأسباب المتاحة؟

معصية

ما الذي تُعلِّمه التربية الصوفية للفرد وفق ما جاء في تفسير الآية؟

الرضا والتسليم وحقيقة التوكل والفرق بين القدرة والعجز

ما معنى عسى في كلام الله تعالى بخلاف استخدامها في كلام البشر؟

تعني اليقين والقطع

ما ظاهرة الأضداد في اللغة العربية كما وردت في شرح اسم الله العفوّ؟

أن الكلمة الواحدة تحمل معنيين متضادين

ما المعنيان المتضادان لكلمة عفا في اللغة العربية؟

الترك التام والزيادة التامة

ما الذي يجمعه عفو الله للعبد وفق تفسير الآية؟

يترك ذنوبه كلها ويأخذ حسناته كلها معًا

ما معنى قوله ﷺ أعفوا اللحى؟

اتركوا اللحى تنمو

ما الموقف الصحيح حين يجد المسلم أن كل الحلول مغلقة أمامه حقًّا؟

التسليم والرضا بأمر الله والبقاء في مكانه

من الذي يُقدِّر انغلاق الحيلة والسبيل على المستضعف وفق تفسير الآية؟

الله سبحانه وتعالى

ما الفرق بين المستضعف الحقيقي والمستضعف الادعائي في سورة النساء؟

المستضعف الحقيقي هو من لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلًا فعلًا بعد التفكير والتدبر، أما المستضعف الادعائي فهو من يملك القدرة ويتهاون أو يدَّعي العجز دون حقيقة.

بم ربط الله المسؤولية في آية المستضعفين؟

ربط الله المسؤولية بالسلطة والقدرة التي أعطاها لكل إنسان، سواء كانت قدرة جسدية أو عقلية أو نفسية.

لماذا تُعدّ الهجرة بمخالفة قوانين الدخول إلى البلدان غير مشروعة؟

لأنها مخالفة لسير المجتمع وسنن الكون، وضررها يكون أبلغ من البقاء، ولا تُعدّ هجرة في سبيل الله بالمعنى الصحيح.

ما الأسباب المشروعة التي يجب توافرها لوجوب الهجرة على القادر؟

القدرة على استخراج جواز سفر والحصول على تأشيرة وتذكرة سفر رسمية والنجاح في البلد المقصود، كل ذلك بطريقة مشروعة.

ما الحكمة من قول الله تعالى ﴿لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا﴾؟

تُبيِّن الآية أن العجز المعفوّ عنه هو العجز المزدوج: عجز عن التحيُّل والتفكير في الحلول، وعجز عن إيجاد أي طريق للخروج.

ما الفرق بين عسى في كلام البشر وعسى في كلام الله؟

عسى في كلام البشر تعني الاحتمال وربما، أما عسى في كلام الله فهي يقين وقطع، فقوله ﴿عسى الله أن يعفو عنهم﴾ يعني أن الله عفا عنهم فعلًا.

ما مثال الأضداد في اللغة العربية الذي ضُرب في شرح اسم الله العفوّ؟

كلمة سليم التي تعني المريض والصحيح معًا في اللغة العربية، وهي مثل كلمة عفا التي تحمل معنيين متضادين.

ما معنى ﴿خذ العفو﴾ في سورة الأعراف؟

العفو هنا يعني الزيادة، أي خذ ما زاد وفضل من أموال الناس وأخلاقهم دون تكلُّف.

كيف يجمع اسم الله العفوّ بين معنيين متضادين في آنٍ واحد؟

يترك الله ذنوب العبد كلها تركًا تامًّا، ويأخذ حسناته كلها أخذًا تامًّا، وهذا الجمع بين الترك والإتمام لا يكون إلا من الله.

لماذا يُعدّ عفو الله الجامع بين ترك الذنوب وإتمام الحسنات أمرًا لا يُتصوَّر في قبيل البشر؟

لأن البشر لا يستطيعون الجمع بين ترك شيء تركًا تامًّا وفعله فعلًا تامًّا في آنٍ واحد، وهذا خاص بكمال الله وسعة رحمته.

ما الدور الذي أدَّته التربية الصوفية في تعليم المسلمين التعامل مع العجز؟

علَّمت التربية الصوفية الرضا والتسليم وحقيقة التوكل، وفرَّقت بين القدرة وفتح السبيل وبين الضعف الذي تنغلق فيه الحيلة والسبيل.

ما الواجب على المسلم حين يتعرض للضيق والتهديد على نفسه وماله؟

يمضي بما استطاع من الأسباب المتاحة، فإذا عجز حقًّا سلَّم أمره لله ورضي بقدره دون اعتراض.

ما دلالة ختم الآية باسمَي الله العفوّ الغفور معًا؟

الختم بالعفوّ الغفور يدل على سعة رحمة الله وأنه يعفو عن كثير ويغفر، وأن الله واسع لا يناله من عباده ضرٌّ ولا نفع.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!