اكتمل ✓
تفسير سورة النساء وأحكام العلاقات الدولية في الآيتين 90 و91 - تفسير, سورة النساء

ما تفسير سورة النساء في الآيتين 90 و91 وما حكم المسلم الذي يقاتل مع جيش العدو؟

تتناول الآيتان 90 و91 من سورة النساء أحكام المسلمين الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية ويريدون الأمان للطرفين. القرآن لم يعِب عليهم موالاة أقوامهم، لكنه أوجب عليهم الاعتزال وكف الأيدي عن قتال المسلمين. أما من انضم لجيش العدو ولم يُلقِ السلام ولم يكف يده، فقد أباح الله قتله لأن الأمر أمر حياة أو موت.

دقيقتان قراءة
  • هل يجوز للمسلم المقيم في بلاد غير إسلامية أن يوالي قومه غير المسلمين؟ القرآن الكريم في سورة النساء لم يَعِب ذلك عليه.

  • تُنظِّم الآيتان 90 و91 من سورة النساء العلاقات الدولية وتضعان أسسًا للقانون الدولي الإسلامي.

  • محمد بن الحسن الشيباني هو أول من وضع القانون الدولي في كتابه السير الكبير، وقد أُغفل ذكره تاريخيًا.

  • المسلمون في بلاد غير إسلامية ينقسمون إلى أصناف: من اعتزل القتال، ومن انسحب، ومن انضم لجيش العدو.

  • من لم يعتزل ولم يُلقِ السلام ولم يكف يده عن قتال المسلمين أباح الله قتله بنص الآية الكريمة.

  • تفسير سورة النساء في هذا الموضع يكشف عن منظومة متكاملة تراعي الانتماء الوطني والديني معًا.

مقدمة حول تنظيم القرآن للعلاقات الدولية في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يُنظِّم شيئًا من العلاقات الدولية في الاجتماع البشري، وأساسًا من أسس القانون الدولي الذي لابد أن يتحكم في القوانين الداخلية؛ حتى تتسق الجماعة البشرية كلها في نسقٍ واحد.

محمد بن الحسن الشيباني أول من وضع أسس القانون الدولي

ومعلوم أن أول من وضع القانون الدولي هو محمد بن الحسن الشيباني في كتابه الماتع الكبير [السِّيَر الكبير]، ذكر فيه أحكامًا كانت فيما بعد أساسًا لهذا القانون.

إلا أنه قد أُغفِل ذِكره على عادة الناس في إغفال جهود المسلمين عبر القرون في سائر العلوم. والمسلمون صابرون على ما أصابهم الله من إنكارٍ من الناس؛ فقد أنكروا الله سبحانه وتعالى وما قدروا الله حق قدره، فمن المعقول أن يُنكروا أيضًا المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، سيُغنينا الله من فضله ورسوله.

وصف حال المسلمين الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية ويريدون الأمان للطرفين

يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يضع لنا أسس تلك العلاقات:

﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: 91]

جماعة من الناس تعيش في دولٍ أخرى غير الدول الإسلامية، يريدون ألا يعتدوا علينا، ويريدون ألا يرفعوا ضدنا السلاح، ويريدون أن يأمنوكم. وفي الوقت نفسه لا يستطيعون بطبيعة الحال أن يخرجوا على أوطانهم ولا أن يثوروا على أقوامهم.

فإن البلاد — هذه البلاد التي يعيشون فيها — أصلًا ليست بلادًا مسلمة، ولا تريد ولا تعرف عن الإسلام شيئًا. وهو [أي ذلك المسلم] وُلِد هناك فوجد نفسه وسط قومه، إلا أنه آمن بالله ورسوله ودخل الإسلام، أو كان أبوه مسلمًا فانتسب إلى الإسلام. ولما قرأ فيه وآمن به واقتنع بمبادئه وأحكامه، فإنه يريد أن يُؤمِّننا، ولكن أيضًا يريد أن يأمن قومه.

أصناف هؤلاء المسلمين وموقف القرآن من موالاتهم لأقوامهم

هذا الحال يجب علينا أن نتأمل فيه؛ أنه يريد أن يأمننا وأن يأمن قومه. هؤلاء أصناف، فيمكن أن نقول إنهم ليسوا على قلب رجلٍ واحد وليسوا على صنفٍ واحد، بل منهم هؤلاء ومنهم هؤلاء.

﴿كُلَّ مَا رُدُّوٓا إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: 91]

أي أنهم — هذه الفئة — لأنه [تعالى] كان يتحدث في الآية السابقة:

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ﴾ [النساء: 90]

أي في فئةٍ بيننا وبينهم ميثاق.

﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: 90]

لا يريدون لا أن يخرجوا من القومية والوطنية، ولا يريدون أيضًا أن يخرجوا من أمة الإسلام وأن يَكُرُّوا على المسلمين بالقتل.

الطائفة الثالثة وموقف القرآن من عدم إنكار موالاة أقوامهم

هناك طائفة ثالثة هذه التي نتحدث عنها. ونلاحظ هنا أن الله لم يَعِبْ عليهم أنهم يريدون أن يوائموا قومهم ولا أن يكونوا معهم، لم يَنْهَهُم عن ذلك.

﴿كُلَّ مَا رُدُّوٓا إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: 91]

يعني كلما عُرِض عليهم أمرٌ من الفتنة وإحداث الحرب ضد المسلمين، ترددوا وذهبوا وجاءوا وقالوا وعادوا وانقسموا قسمين:

  1. قسمٌ فضَّل أن يُقاتل المسلمين، وفضَّل وطنيته على انتمائه لأمة المسلمين.

  2. وقسمٌ فضَّل أن يعتزل وأن ينسحب، وأن الانسحاب أحد الحلول الناجعة في هذا الموقف.

حكم من لم يعتزل القتال ولم يُلقِ السلام وانضم لجيش العدو

فهو لا يريد أن يكون ضد وطنه وله هذا [الحق]، ولا يريد أن يكون ضد المسلمين وله هذا [الحق].

﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ [النساء: 91]

فسيبقى في طائفةٍ ستعتزل وطائفةٍ لا تعتزل. فلنبقَ في طائفة من لم يعتزل؛ فهو لم يعتزل.

﴿وَيُلْقُوٓا إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ﴾ [النساء: 91]

ما اعتزل ولم يُقدِّم السلام على الحرب، بل انضم لجيش العدو المتوجه إلى بلاد المسلمين لقتالهم.

﴿وَيَكُفُّوٓا أَيْدِيَهُمْ﴾ [النساء: 91]

هذه درجات إذن؛ ويكفوا أيديهم.

﴿فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَـٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 91]

حكم المسلم الذي يأتي مع جيش العدو ولا يكف يده عن القتال

يبدو أنه ليس فيها صعوبة؛ إذا جاء [أحدهم] يعتدي عليَّ فسأقتله ولو كان مسلمًا، لأنه وإن جاء مع جيش وطنه، وإن لم أُنكر عليه وطنيته، إلا أنه كان يمكن أن يعتزل وأن يعتذر عن الحضور في هذا الجيش.

فإذا أُتِيَ به رغمًا عنه، فإنه يجب عليه أن يكفَّ يده. فإذا لم يكفَّ يده ولم يُلقِ السلام، فإنه حينئذٍ حلال القتل؛ لأن الأمر هنا أمر حياةٍ أو موت، أمر نصرٍ أو هزيمة، أمر عدوانٍ أو رفعٍ للعدوان، وليس فيه فِصال.

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

من هو أول من وضع أسس القانون الدولي وفق ما جاء في تفسير سورة النساء؟

محمد بن الحسن الشيباني

ما اسم الكتاب الذي وضع فيه محمد بن الحسن الشيباني أحكام القانون الدولي؟

السير الكبير

ماذا تصف الآية 91 من سورة النساء بقولها ﴿يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾؟

مسلمين يعيشون في بلاد غير إسلامية ويريدون الأمان للطرفين

إلى كم قسم انقسمت الطائفة التي أُركست في الفتنة كلما عُرضت عليها؟

قسمين

ما الحكم الشرعي فيمن انضم لجيش العدو ولم يُلقِ السلام ولم يكف يده عن قتال المسلمين؟

يُؤخذ ويُقتل حيث ثُقف

ما الذي لم يَعِبه القرآن الكريم على المسلم المقيم في بلاد غير إسلامية؟

موالاة قومه والبقاء معهم

ما الشرط الذي يجب على المسلم المُكرَه على الحضور في جيش العدو الوفاء به؟

أن يكف يده عن قتال المسلمين

ما المقصود بـ﴿كُلَّ مَا رُدُّوٓا إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ في سورة النساء؟

أنهم يتردون في الفتنة كلما عُرض عليهم إحداث الحرب ضد المسلمين

ما الحل الذي وصفه القرآن بأنه ناجع لمن لا يريد قتال المسلمين ولا الخروج على وطنه؟

الانسحاب والاعتزال

لماذا أُغفل ذكر محمد بن الحسن الشيباني في تاريخ القانون الدولي؟

على عادة الناس في إغفال جهود المسلمين عبر القرون

ما الموضوع الرئيسي الذي تعالجه الآيتان 90 و91 من سورة النساء؟

تعالجان أحكام العلاقات الدولية وتضعان أسسًا للقانون الدولي الإسلامي، خاصة فيما يتعلق بالمسلمين المقيمين في بلاد غير إسلامية.

من هو محمد بن الحسن الشيباني وما أهميته في تاريخ القانون الدولي؟

هو أول من وضع القانون الدولي في كتابه السير الكبير، الذي تضمن أحكامًا كانت أساسًا لهذا القانون فيما بعد، وإن أُغفل ذكره تاريخيًا.

ما معنى ﴿يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾؟

تصف مسلمين في بلاد غير إسلامية يريدون ألا يعتدوا على المسلمين وألا يرفعوا ضدهم السلاح، وفي الوقت ذاته لا يستطيعون الخروج على أوطانهم.

هل عاب القرآن على المسلم في بلاد غير إسلامية موالاة قومه؟

لا، القرآن الكريم في سورة النساء لم يَعِب عليه ذلك ولم ينهه عنه، بشرط ألا يقاتل المسلمين.

إلى كم صنف تنقسم الطائفة التي أُركست في الفتنة؟

تنقسم إلى قسمين: قسم فضّل قتال المسلمين ووطنيته، وقسم فضّل الانسحاب والاعتزال.

ما الدرجات الثلاث التي ذكرتها الآية 91 قبل إباحة القتل؟

الاعتزال، وإلقاء السلام، وكف الأيدي عن القتال. فمن لم يفعل هذه الدرجات الثلاث أُبيح قتله.

ما حكم المسلم الذي أُتي به رغمًا عنه في جيش العدو؟

يجب عليه كف يده عن قتال المسلمين، فإن لم يفعل ولم يُلقِ السلام فهو حلال القتل.

لماذا وصف القرآن الأمر بأنه لا فصال فيه عند قتال من لم يعتزل؟

لأن الأمر أمر حياة أو موت، ونصر أو هزيمة، وعدوان أو رفع للعدوان، مما يستوجب الحسم دون تردد.

ما المقصود بـ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ﴾؟

تشير إلى فئة من الناس تنتسب إلى قوم بين المسلمين وبينهم عهد وميثاق، فيُعامَلون بموجب ذلك الميثاق.

ما الهدف من تنظيم القرآن للعلاقات الدولية في سورة النساء؟

الهدف أن تتسق الجماعة البشرية كلها في نسق واحد، وأن يكون القانون الدولي الإسلامي حاكمًا على القوانين الداخلية.

ما الفرق بين من اعتزل القتال ومن انضم لجيش العدو في حكم الآية 91؟

من اعتزل فلا سبيل عليه، أما من انضم لجيش العدو ولم يُلقِ السلام ولم يكف يده فقد أباح الله أخذه وقتله.

كيف يمكن للمسلم في بلاد غير إسلامية أن يوفق بين انتمائه الوطني وانتمائه الديني؟

بالاعتزال عن القتال ضد المسلمين وكف يده عنهم، دون أن يُطالَب بالخروج على وطنه أو الثورة على قومه.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!