اكتمل ✓
تفسير سورة النساء الآية 94 وأحكام التبيّن والقتال في سبيل الله - تفسير, سورة النساء

ما معنى الآية 94 من سورة النساء وما حكم قتل من ألقى السلام أو نطق بالشهادة في ساحة المعركة؟

الآية 94 من سورة النساء تأمر المؤمنين بالتبيّن قبل الإقدام على القتال في سبيل الله، وتنهى صراحةً عن قتل من ألقى السلام أو نطق بالشهادتين ولو ظُنّ أنه يتعوّذ. وقد أكّد النبي ﷺ هذا الحكم بقوله لمن قتل من نطق بالشهادة: «هلّا شققت عن قلبه؟» مبيّنًا أن العبرة بالظاهر لا بالنوايا الخفية. والقتال المشروع لا يكون إلا في سبيل الله بنية خالصة، ومتى أعلن العدو السلام وجب قبوله لأن السلام هو أساس الإسلام.

3 دقائق قراءة
  • هل يجوز قتل من نطق بالشهادة في ساحة المعركة ظنًّا منك أنه يتعوّذ؟ الآية 94 من سورة النساء تجيب بالنهي القاطع.

  • تُرسي سورة النساء قاعدة التبيّن الكبرى في القتال، إذ يريد الله من المؤمن شعور الفارس النبيل لا شعور المقاتل الجبار.

  • السلام هو أساس الإسلام وتحية المسلمين واسم من أسماء الله، ومتى أعلن العدو السلام وجب قبوله حتى لو خُشي الخداع.

  • النية ركن محوري في الفقه الإسلامي تدخل في سبعين بابًا، وهي التي تُحدد ما إذا كان القتال في سبيل الله أم في سبيل الدنيا.

  • حقيقة العبادة أن نعبد الله كما يريد لا كما نريد، والمؤمن الحق وقّاف عند حدود الله حتى في أشد لحظات المعركة.

  • التاريخ يشهد أن أحدًا لم يهزم المسلمين بخدعة إعلان الإسلام أثناء الحرب، وقصة نابليون مع الشهادتين دليل على معجزة الله للمسلمين.

مقدمة الدرس واستمرار التدبر في سورة النساء وتنظيم شؤون السلم والحرب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه إلى يوم يلقاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، نستمر في طلب الهداية من كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وهو ينظم لنا كل الشؤون وكل الأحوال؛ شأن السلم وشأن الحرب، شأننا فيما بيننا كمؤمنين، وشأننا فيما بيننا وبين الآخرين ممن رفعوا ضدنا السلاح أو ممن طلبوا منا السلام.

قاعدة التبيّن في القتال وشعور الفارس النبيل لا المقاتل الجبار

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94]

فهذه قاعدة كبرى؛ أن الله سبحانه وتعالى يريد منا شعور الفارس النبيل، لا يريد منا شعور المقاتل المأجور، أو شعور المقاتل الجبار الذي بالعدوان والطغيان يملأ الأرض ضجيجًا ويجعلها دمًا يسيل.

هكذا كان شأن العرب [في الجاهلية]، أبا هندٍ فلا تعجل علينا ودعنا ننبئك اليقين، فإننا نورد الرايات بيضاء ونصدرها حمراء قد رُوينا. يعني أن الدم لم يصل إلى الرُّكَب كما يقولون، بل علا فغطى العَلَم.

ما هذه البحار من الدم؟ هذا كان من يتفاخر بقوته ويتباهى بسعيه في الأرض منتصرًا على أعدائه.

تعليم الله المؤمنين الدفاع عن النفس في سبيله وأن السلام أساس الإسلام

ولكن لما جاء ربنا سبحانه وتعالى يعلمنا الدفاع عن النفس جعلنا متعلقين به؛ بأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وجعل الدفاع عن النفس إنما لا بد أن يكون في سبيل الله، وجعل الدفاع عن النفس إنما ليكسر شوكة العدو.

فإذا كُسرت [شوكة العدو] وأراد العدو منا سِلمًا وسلامًا فإننا نلبي له؛ لأن السلام هو أساس الإسلام، وهو تحية المسلمين، وهو آخر كلمة يقولها المصلي، والسلام اسم من أسماء الله واسم من أسماء الجنة، إلى غير ما هنالك من جعل السلام بإزاء الحرب وضدها.

معنى الضرب في سبيل الله وأهمية النية في توجيه الأعمال

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 94]

أما من ضرب في سبيل الشهرة، ومن ضرب في سبيل المصلحة، ومن قاتل في سبيل المال، فهو فيما ضرب من أجله. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا عدّه المسلمون من بعده ركنًا من أركان الإسلام وركنًا من أركان السنة المشرفة:

قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»

النية تدخل في سبعين بابًا من أبواب الفقه؛ في العبادات وفي المعاملات وفي الأنكحة وفي القضايا وفي الشهادات وفي سائر كتب الفقه وفي سائر أقسامه.

النية هي التي توجه العمل والمؤمن يقف عند أمر الله في القتال

النية هي التي توجه العمل، وهي التي لا بد أن نخلصها لله رب العالمين. النية هي التي تجعل الضرب في الأرض إن كان في سبيل الله أو كان في غير سبيل الله.

وإذا كان الضرب في سبيل الله فهو يلتزم بكلمة الله، ولذلك يكون المؤمن حينئذ وقّافًا عند أمر الله؛ إذا أمره الله سبحانه وتعالى بأمر توقف عنده والتزم به.

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

قصة الصحابي الذي قتل من نطق بالشهادة وتوجيه النبي له بعدم شق القلوب

فإذا قاتلنا [عدوًّا] ثم جاء بعدما قطع يدي [أحد المسلمين] ولاذ بشجرة وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإنه يحرم عليّ قتاله.

فيقول الصحابي للنبي [صلى الله عليه وسلم]: يا رسول الله، إنما قالها تعوّذًا، أي حتى يتقي القتال وحتى يضحك عليّ ويخدعني.

فقال ﷺ: «هلّا شققت عن قلبه؟»

أي نفسٌ نبيلة تستطيع أن تتوقف عندما يأمرها الله سبحانه وتعالى بالتوقف! وهذا الذي يفعل هذا [أي العدو] كان يريد قتلي، بل وقتل أخي بجواري، وبالرغم من ذلك أقف عند حد الله سبحانه وتعالى، وأعبد الله كما يريد لا كما أريد أنا.

حقيقة العبادة أن نعبد الله كما يريد لا كما نريد والالتزام بأحكامه

وهذه حقيقة الطاعة وهذا حقيقة العبادة؛ أن نعبد الله سبحانه وتعالى كما يريد لا كما نريد. كما نريد ستدخل الأهواء والشهوات والرغبات والأفكار، ولكن كما يريد [الله] إنما هو الالتزام بأحكام الله سبحانه وتعالى.

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: 94]

إذن فكلمة «في سبيل الله» معناها أنها منزّهة عن المصالح والمقاصد الدنيوية، وأنها مرتبطة بقضية خلق الله لهذا الكون.

مقاصد الجهاد في سبيل الله العبادة والعمارة وتزكية النفس وقبول السلام من العدو

يريد [الله] منا العبادة، يريد منا العمارة، يريد منا تزكية النفس. هذه المناحي الثلاثة التي بُني عليها القرآن، والتي بلّغها رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة، هو الذي نريد أن نبلغه للناس وأن نجاهد في سبيل الله من أجله.

فإذا قال أحدهم [من الأعداء]: إنني ألقي إليكم السلام، فلا بد لنا من قبول ذلك، حتى لو أصابنا منه الضرر، وحتى لو أصابنا منه العدوان، وحتى لو افترضنا أن ذلك سيكون نوعًا من الخداع والخصومة.

شهادة التاريخ بأن أحدًا لم يهزم المسلمين بخدعة إعلان الإسلام أثناء الحرب

والأمر الغريب العجيب أن التاريخ يشهد أن أحدًا لم يستطع أن يهزم المسلمين عبر تلك الخدعة؛ فيقول لهم أثناء الحرب: إنني قد آمنت بالله ورسوله وانتهى الأمر الذي بيننا وبينكم وإنني قد أسلمت، فإذا هم سلّموا كرّ عليهم بالقتل. لم يحدث هذا أبدًا، بالرغم من معلومية هذا [الحكم الشرعي]، وأن القرآن ليس فيه سر، وأن الدين لا يخفى شيئًا، إلا أنها من معجزة الله للمسلمين الدائمة أنه لم يفعل ذلك أحد قط.

قصة نابليون بونابرت وعجزه عن النطق بالشهادتين للاستيلاء على المسلمين

بل إنهم لما عرضوا على نابليون بونابرت عندما دخل [مصر]: إنك إذا أردت أن تستولي على العباد فاشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فحسب.

قال: ثم ماذا؟ قالوا: ولا شيء، اشهد فقط بلسانك. فلم يستطع أن يشهد بلسانه، ولم يرضَ أن يفعل هذا!

فسبحان الله!

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما القاعدة الكبرى التي تُرسيها الآية 94 من سورة النساء في شأن القتال؟

التبيّن قبل الإقدام على القتال

ما الشعور الذي يريده الله من المؤمن في القتال وفق تفسير سورة النساء؟

شعور الفارس النبيل

ما الحكم الشرعي في قتل من نطق بالشهادتين في ساحة المعركة؟

يحرم مطلقًا ولو ظُنّ أنه يتعوّذ

ما قول النبي ﷺ للصحابي الذي قتل من نطق بالشهادة؟

هلّا شققت عن قلبه؟

في كم بابًا من أبواب الفقه تدخل النية وفق ما ورد في تفسير سورة النساء؟

سبعين بابًا

ما مقاصد الجهاد في سبيل الله الثلاثة التي بُني عليها القرآن؟

العبادة والعمارة وتزكية النفس

ما الذي يعنيه تعبير «في سبيل الله» في سياق القتال وفق تفسير الآية 94 من سورة النساء؟

التنزّه عن المصالح الدنيوية والارتباط بقضية خلق الله

ما الآية القرآنية التي تنهى عن الاعتداء في القتال وتُقرّر أن الله لا يحب المعتدين؟

آية من سورة البقرة 190

ما الذي عُرض على نابليون بونابرت حين دخل مصر؟

أن يشهد بلسانه فقط أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها في قصة نابليون وعجزه عن النطق بالشهادة؟

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾

ما حقيقة العبادة في الإسلام وفق ما يُقرّره تفسير سورة النساء؟

أن نعبد الله كما يريد لا كما نريد

ما الذي يُقرّره تفسير سورة النساء بشأن قبول سلام العدو؟

يجب قبوله حتى لو خُشي الخداع

ما معنى قوله تعالى ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ في الآية 94 من سورة النساء؟

تعني التثبّت والتحقق قبل الإقدام على القتال، وهي قاعدة كبرى تُلزم المؤمن بالتبيّن حتى لا يقع في قتل من لا يحل قتله.

ما الفرق بين الفارس النبيل والمقاتل الجبار في تفسير سورة النساء؟

الفارس النبيل يلتزم بأحكام الله ويقف عند حدوده في القتال، أما المقاتل الجبار فيملأ الأرض دمًا وضجيجًا بالعدوان والطغيان كما كان شأن الجاهلية.

لماذا يجب قبول سلام العدو حتى لو خُشي أنه خداع؟

لأن السلام هو أساس الإسلام وتحية المسلمين واسم من أسماء الله، والالتزام بحكم الله مقدّم على الحسابات الدنيوية حتى لو أصاب المسلمين ضرر.

ما الحديث النبوي الذي عدّه المسلمون ركنًا من أركان الإسلام والسنة؟

حديث «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهو الذي يُحدد مشروعية الأعمال بحسب النية.

في أي أبواب الفقه تدخل النية؟

تدخل النية في سبعين بابًا من أبواب الفقه تشمل العبادات والمعاملات والأنكحة والقضايا والشهادات وسائر أقسام الفقه.

ما الآية التي تنهى عن قول «لست مؤمنًا» لمن ألقى السلام؟

قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾.

ما الثلاثة مناحٍ التي بُني عليها القرآن ويسعى الجهاد إلى تحقيقها؟

العبادة والعمارة وتزكية النفس، وهي المقاصد الحقيقية للجهاد في سبيل الله.

ما دلالة عجز نابليون عن النطق بالشهادتين؟

هو تجلٍّ لقوله تعالى ﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، إذ حال الله بينه وبين النطق بكلمة الحق حتى لو كانت مجرد حيلة.

ما الذي يُثبته التاريخ بشأن خدعة إعلان الإسلام أثناء الحرب؟

التاريخ يشهد أن أحدًا لم يستطع قط أن يهزم المسلمين بهذه الخدعة، وهو من معجزة الله الدائمة للمسلمين.

ما الآية التي تُقرّر النهي عن الاعتداء في القتال؟

قوله تعالى ﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ من سورة البقرة.

ما الغاية من الدفاع عن النفس في الإسلام وفق تفسير سورة النساء؟

الغاية هي كسر شوكة العدو فحسب، فإذا كُسرت وأراد العدو السلام وجب تلبيته، لأن الإسلام لا يُجيز الحرب من أجل الغلبة والسيطرة.

ما معنى أن يكون المؤمن «وقّافًا عند أمر الله» في القتال؟

يعني أنه يلتزم بأحكام الله ويتوقف عند حدوده حتى في أشد لحظات المعركة، فلا يقتل من نُهي عن قتله ولا يعتدي حين نُهي عن الاعتداء.

ما السبب الذي جعل الصحابي يقتل من نطق بالشهادة؟

ظنّ الصحابي أن العدو قالها تعوّذًا ليتقي القتال ويخدعه، لكن النبي ﷺ أنكر عليه ذلك بقوله: «هلّا شققت عن قلبه؟»

ما الفرق بين العبادة كما يريد الله والعبادة كما يريد الإنسان؟

العبادة كما يريد الله هي الالتزام بأحكامه بعيدًا عن الأهواء، أما العبادة كما يريد الإنسان فتدخلها الشهوات والرغبات والأفكار الشخصية.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!