سورة البقرة | حـ 88 | آية 63 : 65 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 88 | آية 63 : 65 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • تفسير الآيات في سورة البقرة حول طلب الله من بني إسرائيل أخذ الكتاب بقوة والالتزام بأحكامه ثم توليهم بعد ذلك.
  • التأكيد على أهمية الاستمرار على العمل الصالح، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم دائم العمل الصالح.
  • وصف كمال النبي محمد صلى الله عليه وسلم في سلوكه، وشهادة زوجاته التسع على حسن خلقه في السر والعلن.
  • توجيهات نبوية مهمة في الاستمرار على العمل الصالح: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
  • الموازنة في العبادة وعدم تكليف النفس ما لا تطيق، والنهي عن التطرف في الالتزام.
  • التذكير بأن التولي بعد الالتزام يوجب غضب الله، لكن فضل الله ورحمته سببان في عدم معاجلة العصاة بالعقوبة.
  • ذكر قصة أصحاب السبت الذين احتالوا على أمر الله فمسخهم قردة خاسئين، كعبرة لمن لا يلتزم بأوامر الله.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة تفسير آية أخذ الميثاق من بني إسرائيل في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات، مع قوله تعالى في سورة البقرة، بعد أن قال لهم [أي لبني إسرائيل]:

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 63]

هذه رقم واحد، أي آمنوا به كله، آمنوا به كله على حدٍّ سواء.

﴿وَٱذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: 63]

أي طبِّقوا ما فيه، واجعلوه ثقافةً شائعةً بينكم ومكوِّنًا لعقولكم.

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 63]

تولي بني إسرائيل بعد الالتزام وأهمية المداومة على العمل الصالح

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم﴾ [البقرة: 64]

«ثم» للترتيب مع التراخي؛ يعني هم [بنو إسرائيل] عملوا ماذا؟ آمنوا وقرَّروا أن يأخذوه بقوة، وذكروا ما فيه طاعةً لله، جميل هكذا، ولكن لم يستمر هذا الحال.

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ»

وكانت تصفه السيدة عائشة رضي الله عنها فتقول: كان عمله دائمًا مستمرًا، يعني دائمًا بصورة مستمرة.

كمال النبي ﷺ في سيرته وعبادته وشهادة أزواجه على استقامته

وعندما تقرأ سيرته صلى الله عليه وسلم تجد إنسانًا كاملًا، لا أعرف كيف فعل هذا إلا أن يكون هو المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؛ فلم يدع ليلةً إلا قامها، ولم يفعل شيئًا واحدًا يُعاب عليه.

وتزوَّج تسعًا من النساء بعد الأسرة، وفي الأسرة لم يتزوج إلا امرأةً واحدةً وهي خديجة رضي الله عنها. وبعد أن تمَّت الأسرة وتزوَّجت البنات، والذين ماتوا والذين عاشوا وهكذا إلى آخره، تزوَّج تسعًا.

والمرأة أعرف بزوجها من كل أحد؛ لأنها تراه في كل الأحوال، والمرأة تدرك من الرجل ما لا يدركه أحدٌ في العالمين. فإذا بتسع نساء لم يعرفن كيف يجدن عليه هفوةً بليلٍ أو نهار، صلى الله عليه وآله وسلم.

شهادة أمهات المؤمنين بكمال النبي ﷺ وشفافيته في السر والعلانية

تسعٌ وكنَّ يحببنه ويعظِّمنه ويوقِّرنه في نفوسهن، حتى إن السيدة سودة رضي الله عنها تقول: أُعطي ليلتي لعائشة، ولكن اتركني على ذمتك حتى ألقى الله وأنا من أمهات المؤمنين.

فنقلنَ لمن بعدهم، لمن بعد أجيال الصحابة، نقلنَ لمن بعدهم حالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في السر والعلانية، بالليل والنهار. ولم تكن واحدةً يكذِّبها الناس، بل كنَّ تسعًا. ولم تكن واحدةً تحبه فتستر عليه، بل كنَّ تسعًا. ولم تكن واحدةً، وهؤلاء التسع لم يصدر منهن إلا مزيدُ محبةٍ فيه صلى الله عليه وسلم.

هذه يسمُّونها الآن الشفافية؛ فكان أكثر الناس شفافيةً، وكان ظاهره كباطنه وباطنه كظاهره، وكلاهما على حدِّ الإنسان الكامل والأسوة الحسنة.

مشكلة عدم الاستدامة في العبادة والمخرج النبوي من الملل والانقطاع

ثم هذه [الآية] تقف عندها؛ معناها أنه [التولِّي] عملٌ [متكرر]، وهناك أناسٌ يعملون هكذا: يصلُّون ولا يستديمون في الصلاة، يذكرون ولا يستديمون في الذكر، تفعل الخير للناس ثم تملّ.

فما المخرج من ذلك؟

قالوا [العلماء]:

  1. التدريب رقم واحد.
  2. لا تكلِّف نفسك ما لا تطيق رقم اثنين.
  3. افعل الأقل ولو دام؛ أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ.

انتبه إلى أن في المستقبل لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل وترك [ثم انقطع].

النصائح النبوية في التوازن بين الهمة والطاقة وعدم الغلو في العبادة

تبقى النصيحة هنا أن:

قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يملُّ حتى تملُّوا، فليعبد أحدكم ربه على قدر طاقته»

على قدر ما يقدر، لا تكلِّفوا أجسامكم ما لا تطيق.

فتبقى هناك همَّة وليس هناك كسل، وكان [النبي ﷺ] يستعيذ من العجز والكسل. وفي نفس الوقت ليس هناك إفراطٌ وغلو ثم بعد ذلك نقصان؛ هذا [يعني] فتطرَّفوا في الأخذ والذكر، ممتاز.

هل تستطيع أن تستمر؟ قال: لا. وابتدأ إذن ينسحب من دائرة الالتزام.

التولي عن أمر الله يستوجب غضبه ولكن فضله ورحمته يشملان العباد

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 64]

والتولِّي هذا يستوجب في الحقيقة غضبَ الله، هذا التولِّي يستوجب غضب الله، والله سبحانه وتعالى لا يحب هذا. ولو أمسكت بالقرآن ما يحبه الله وما لا يحبه الله لأنشأت معيارًا للتصرفات السليمة وللمنهج السليم.

﴿فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ [البقرة: 64]

إذ يعلِّمنا ربنا أنه لا يأخذ الناس أخذًا، وأنه يغفر ويتجاوز عن السيئات، ويتجاوز عن كثير، ويعفو عن كثير.

رحمة الله بعباده وإعطاؤهم الفرصة وتطبيق ذلك في الإدارة والتعامل

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: 64]

في رحمة، ولذلك لم يأخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدر، وأعطاهم فرصة.

وهذه يمكن أن تفيدنا في الإدارة؛ أنه ليس أول من يخطئ تأتي إليه مباشرةً فصله، لا! يجب أن تصبر عليه وتعطيه فرصةً ثانية، وربما فرصةً ثالثة.

وحتى العامة يقولون لك: الثالثة ثابتة، الثالثة ثابتة. جاؤوا بها من الطلاق؛ الأولى ماضية والثانية ماضية لأن فيها رجعة، الطلقة الثالثة لا، ما فيها رجعة حتى تنكح زوجًا غيره.

فقال [الله تعالى]:

﴿فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ [البقرة: 64]

قصة أصحاب السبت الذين اعتدوا فمسخهم الله قردة خاسئين

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ [البقرة: 65]

يعني يذكِّرهم بما هو شائعٌ عندهم؛ أولئك الذين لم يصبروا على الأخذ التام والإيمان التام، لم يصبروا على الفعل التام والامتثال التام، ثم تولَّوا.

فتولَّوا بأن عصوا الله سبحانه وتعالى عندما أمرهم أن يتركوا كل الأعمال في يوم السبت ولا يعملوا، ابتدؤوا يحتالون على هذا النهي ويحاولون بكل طريقة أن يفعلوا هذا.

﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ [البقرة: 65]

أقوال المفسرين في حقيقة المسخ إلى قردة وإمكانه العقلي بقدرة الله

أغلب المفسرين يقولون: فعلًا هؤلاء تحوَّلوا إلى قردة، أي في الصباح الباكر وجد نفسه قردًا، نظر في المرآة وجد نفسه قردًا.

وهذا ممكن؛ إن الله على كل شيء قدير. يوجد شيء يسمَّى الإمكان العقلي؛ من ناحية الإمكان العقلي الله يفعل ما يشاء، من ناحية الإمكان العقلي هذا بسيطٌ في حق الله، فالله إذا أراد أن يفعل هذا فعله.

فهل هذا المسخ يمكث مثل القرود التي في حديقة الحيوانات؟ قيل: لا، فإنه ينقطع نسلها وتموت بعد ثلاث [ليالٍ]، ينقطع نسلها ولا تتكاثر. هذا القرد الذي تحوَّل إلى مسخ لا يتكاثر؛ لقد حدث له تحوُّلٌ نسمِّيه في علم الأحياء تحوُّلًا أيضيًّا، وهذا التحوُّل الأيضي يموت من هذا التحوُّل، لا يمكث فوق ثلاث ليالٍ.

رأي بعض المفسرين في أن المسخ تشبيهي وخاتمة بالتحذير من غضب الله

ولذلك بعض المفسرين يقولون: يعني «كونوا قردةً خاسئين» كأنه يسبُّهم وليس أنه تحوُّلٌ فعلي.

وعلى كل حال، سواء كان هذا أو ذاك، فإن هذا فيه مظهرٌ لغضب الله، ونعوذ بالله من غضب الله.

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.