ما هي شروط المناظرة المحمودة وكيف كان الصحابة يتعاملون مع الخلاف والحق؟
المناظرة المحمودة عند الإمام الغزالي تقوم على سبعة شروط أبرزها: ألا يكون ثمة فرض كفاية أهم منها، وأن يكون المناظر مجتهدًا، وأن تكون في مسألة واقعة، وأن تُعقد في الخلوة لا في المحافل. كما يشترط أن يكون طالب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن يظهر الحق على يده أو يد غيره. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم النموذج الأكمل في قبول الحق وإنصاف المخالف.
- •
هل يجوز الاشتغال بالمناظرة وفي البلد فروض كفاية مهملة كالطب والأمر بالمعروف؟
- •
العلم المحمود عند الغزالي هو ما يوصل إلى الله، وما سواه إشغال للزمان بغير واجب الوقت.
- •
حدد الغزالي سبعة شروط للمناظرة المحمودة تشمل الاجتهاد وانتقاء المسائل الواقعة وتفضيل الخلوة على المحافل.
- •
المناظر الذي يخفي دليلاً يعرفه بحجة أنه لا يلزمه ذكره يقع بين الكذب والفسق شرعًا.
- •
كان الصحابة رضي الله عنهم نموذجًا في قبول الحق؛ فعمر قال أصابت امرأة وأخطأ رجل، وعلي قال أصبت وأخطأت.
- •
التوفيق الرباني هو الذي يرشد الإنسان إلى واجب وقته الصحيح، وعلامته الطمأنينة والاستواء بين السر والعلن.
- 0:29
يميز الغزالي في إحياء علوم الدين بين العلم المحمود الموصل إلى الله والعلم المذموم الذي يُشغل الزمان بغير فائدة.
- 1:39
واجب الوقت هو الاشتغال بالباقيات الصالحات، وتضييع الزمان في اللغو خسارة عظيمة يحذر منها أهل الله.
- 2:17
الشرط الثاني للمناظرة المحمودة ألا يوجد فرض كفاية أهم منها، وإلا كان الاشتغال بها معصية.
- 3:12
يُنبّه الغزالي إلى إهمال فروض الكفاية الحيوية كالطب والأمر بالمعروف في مقابل الانشغال بمناظرات نظرية.
- 4:14
حديث أنس عند ابن ماجه يحدد أربع علامات لترك الأمر بالمعروف: المداهنة في الخيار، والفاحشة في الأشرار، وتحول الملك للصغار، والفقه للأراذل.
- 4:44
التوفيق الرباني يرشد إلى واجب الوقت، وعلامته الطمأنينة والسعادة والاستواء بين العمل في السر والعلن.
- 6:13
الشرط الثالث للمناظرة أن يكون المناظر مجتهدًا، أما المقلد فلا فائدة من مناظرته لأن مذهبه معلوم ولا يملك تغييره.
- 7:11
المقلد يستفيد من المباحثة في المسائل ذات الوجهين لمذهبه، لكن المناظرين يتجنبون ذلك ويطلبون مسائل الخلاف المبتوت.
- 7:40
الاختيار الفقهي بين المذاهب شأن السلف الصالح، لكنه يحتاج إلى تمكن وتوفيق رباني ومراعاة للمقاصد والمصالح.
- 8:44
الشرط الرابع للمناظرة أن تكون في مسائل واقعة، والغزالي يذم الطبوليات وهي المسائل الضخمة الصوت الخالية من الفائدة.
- 9:57
الطبوليات مأخوذة من الطبل الأجوف، وتعني تضخيم المسائل الصغيرة، وهو ما يمارسه الإعلام اليوم بتحويل التوافه إلى قضايا.
- 11:00
قاعدة النسب في العربية تقتضي النسب إلى المفرد، مع استثناءات عند الاشتباه ككتبي وأنصاري، أما طبلي فصحيحة لغويًا.
- 12:53
الشرط الخامس تفضيل الخلوة على المحافل في المناظرة، لأن الجمع يثير الرياء والحرص على الغلبة لا على الحق.
- 13:49
المناظرة في الغرف المغلقة تمنع التلاعب والرياء والمباهاة، وهي التطبيق المعاصر لشرط الغزالي بتفضيل الخلوة.
- 14:51
الشرط السادس أن يطلب المناظر الحق كناشد ضالة يرى رفيقه معينًا لا خصمًا ويشكره على تصحيح خطئه.
- 15:29
الصحابة رضي الله عنهم كانوا نموذجًا في الإنصاف؛ فعمر وعلي وأبو موسى قبلوا الحق فور ظهوره دون تردد أو خجل.
- 16:14
قصة أبي موسى وابن مسعود تُجسّد إنصاف طالب الحق؛ إذ قبل أبو موسى التصحيح فورًا حين بيّن ابن مسعود ضرورة اشتراط إصابة الحق.
- 16:51
مناظرو اليوم يجاحدون الحق ويذمّون من أفحمهم، في تناقض صارخ مع الصحابة الذين كانوا يقبلون الحق فور ظهوره.
- 17:41
قصة العالمين في تحرير عبارة الدعاء تُجسّد كيف يقع العلماء في الكبر وتعزيز النفس، خلافًا لنموذج الصحابة في القبول الفوري للحق.
- 19:00
الغزالي يستخلص أن الصحابة كانوا على حال الكمال في قبول الحق، وكلما بحثنا في أحوالهم وجدنا أنفسنا في حاجة إلى الاقتداء بهم.
- 20:05
انتقاص الصحابة دليل على الجهل بأحوالهم، لأن من بحث فيها وجدهم على حال الكمال ووجد نفسه في حاجة إلى الاقتداء بهم.
- 20:40
الشرط السابع حرية الانتقال بين الأدلة، والغزالي يرفض دقائق الجدل المبتدعة التي تمنع هذا الانتقال وتُعيق الوصول إلى الحق.
- 21:39
المناظر الذي يخفي دليلًا يعرفه واقع بين الكذب والفسق، لأن إظهار العلم الشرعي بعد السؤال واجب لازم.
- 22:42
قواعد الجدل المبتدعة لا تُسقط وجوب إظهار العلم الشرعي عند السؤال، والامتناع عن ذكر ما يُعلم يجعل صاحبه كاذبًا أو فاسقًا.
- 23:21
مناظرات الصحابة كانت قائمة على حرية الانتقال بين الأدلة وإعانة المناظر، خلافًا لآداب الجدل المبتدعة التي وضعها المتأخرون للمماحكة.
ما الفرق بين العلم المحمود والعلم المذموم عند الإمام الغزالي؟
العلم المحمود عند الغزالي هو الذي يوصل إلى الله سواء مباشرة أو بواسطة، أما ما سواه فهو مذموم. كل علم لا يوصل إلى الله يُعدّ إشغالًا للزمان الذي لا يبقى. وهذا التمييز هو المحور الذي يدور حوله كتاب العلم في إحياء علوم الدين.
ما معنى واجب الوقت عند أهل الله وكيف يرتبط بالباقيات الصالحات؟
واجب الوقت عند أهل الله هو أن يشغل الإنسان نفسه بالباقيات الصالحات وبما يوصله إلى الله. من ملأ أوقاته باللغو وغير النافع فقد ضيّع فرصة عظيمة. وقد أشار القرآن الكريم إلى أن من صفات المؤمنين المفلحين الإعراض عن اللغو.
ما الشرط الثاني للمناظرة المحمودة عند الغزالي وما مثاله؟
الشرط الثاني هو ألا يرى المناظر فرض كفاية أهم من المناظرة، فإن رأى ما هو أهم وفعل غيره عصى. ومثاله من يرى جماعة عطاشى يشرفون على الهلاك وهو قادر على إنقاذهم فيشتغل بتعلم الحجامة بحجة أنها فرض كفاية. وجود حجامين آخرين في البلد لا يُسقط الإثم عمن أهمل الأهم.
ما فروض الكفاية المهملة التي يُنبّه إليها الغزالي في مقابل الاشتغال بالمناظرة؟
يُنبّه الغزالي إلى أن الطب من أبرز فروض الكفاية المهملة، إذ يندر وجود طبيب مسلم مؤهل في كثير من البلاد ولا يرغب الفقهاء في الاشتغال به. كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية مهمل، حتى إن المناظر قد يشهد الحرير ملبوسًا في مجلسه ويسكت. ويناظر في مسائل نظرية لا تقع بينما تُهمل الفروض العملية الحية.
ما الحديث النبوي الذي يذكره الغزالي عن ترك الأمر بالمعروف وما علامات ذلك؟
روى أنس رضي الله عنه أنه سُئل النبي صلى الله عليه وسلم متى يُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: إذا ظهرت المداهنة في خياركم، والفاحشة في أشراركم، وتحوّل الملك في صغاركم، والفقه في أراذلكم. رواه ابن ماجه بإسناد حسن. وهذه العلامات الأربع تُشير إلى حال فساد الأمة.
كيف يعرف الإنسان أنه يقوم بواجب وقته وما علامة التوفيق الرباني في ذلك؟
التوفيق الرباني هو الذي يرشد الإنسان إلى واجب وقته الصحيح. علامة ذلك أن يشعر بالطمأنينة والسعادة فيما يفعل، وأن يزول عنه الكبر والحرص على النظر إلى الآخرين. ومن أوضح العلامات أن يستوي عنده العمل في السر والعلن، فلا يفعل في العلن ما لا يفعله في السر.
ما الشرط الثالث للمناظرة وما حكم من ليس له رتبة الاجتهاد في المناظرة؟
الشرط الثالث أن يكون المناظر مجتهدًا يفتي برأيه لا بمذهب بعينه، كما كان الصحابة والأئمة. أما من ليس له رتبة الاجتهاد وهو حكم أهل العصر فلا فائدة له في المناظرة، لأن مذهبه معلوم وليس له الفتوى بغيره. وإذا ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له تركه لأنه غير مستقل بالاجتهاد.
ما الأجدى للمقلد في المباحثة الفقهية إذا لم يكن مجتهدًا؟
الأجدى للمقلد أن تكون مباحثته في المسائل التي فيها وجهان أو قولان لصاحب مذهبه، لأنه ربما يفتي بأحدهما فيستفيد من البحث ميلًا إلى أحد الجانبين. لكن المناظرين لا يسلكون هذا المسلك، بل يتركون المسائل ذات الوجهين ويطلبون المسائل التي يكون الخلاف فيها مبتوتًا.
ما الاختيار الفقهي وما شروطه عند الإمام الغزالي؟
الاختيار الفقهي هو اختيار الأقوى من أقوال المذاهب المختلفة بناءً على المقاصد والمصالح ومراعاة المآلات، وكان هذا شأن السلف الصالح. يُنبّه الغزالي إلى أن هذه المرتبة تحتاج إلى مزيد آلة وتمكن وهي فضل من الله. من تمرّس بالفقه يُدرك أنه يُفتح له ما لم يُفتح لغيره، لكن هذه المرتبة تحتاج إلى رجال قلّما يوجدون.
ما الشرط الرابع للمناظرة وما المقصود بالطبوليات التي يذمّها الغزالي؟
الشرط الرابع ألا يناظر إلا في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع غالبًا، كما كانت مشاورات الصحابة. أما الطبوليات فهي المسائل ذات الصوت العالي التي يطلبها المناظرون لاتساع مجال الجدل فيها لا لطلب الحق. والمقصود في الحق أن يُقصر الكلام ويُبلغ الغاية على القرب لا أن يطول.
ما أصل كلمة الطبوليات وما علاقتها بظاهرة تضخيم المسائل في الإعلام؟
الطبوليات مأخوذة من الطبل الذي يُسمع من بعيد لكنه أجوف لا شيء فيه، والصواب لغويًا أن يُقال طبليات نسبة إلى المفرد طبلة. وهذه الظاهرة تتجلى في عصرنا في تحويل المسائل والتوافه إلى قضايا كبرى، وهو ما يقوم به الإعلام قيامًا فائقًا. فالطبوليات إذن هي تحويل الحبة إلى قبة.
ما قاعدة النسب في اللغة العربية وما استثناءاتها ككتبي وأنصاري؟
القاعدة في اللغة العربية أن النسب يكون إلى المفرد لا إلى الجمع، فيقال ملكية لا ملوكية، ودولي لا دُوَلي. والاستثناء يكون عند الاشتباه في المعنى، كقولنا كُتُبي لأن كتابي ينصرف إلى أهل الكتاب، وأنصاري لأن نصيري يشتبه بمذهب معروف. أما طبولي فلا اشتباه فيها فيصح قول طبلي.
ما الشرط الخامس للمناظرة ولماذا تُفضَّل الخلوة على المحافل العامة؟
الشرط الخامس أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إلى المناظر من المحافل وحضور الأكابر والسلاطين. الخلوة أجمع للفهم وأحرى بصفاء الذهن وإدراك الحق. أما حضور الجمع فيحرك دواعي الرياء ويوجب الحرص على نصرة النفس محقًّا كانت أم مبطلة.
لماذا تُعدّ المناظرة في الغرف المغلقة أمرًا مهمًا في العصر الحاضر؟
المناظرة في الغرف المغلقة مهمة لأسباب متعددة: منع التلاعب بالكلام وتقطيعه وتركيبه، ومنع الرياء والسمعة، ومنع المباهاة والافتخار. من أراد الحق فإنه يريده في أي مكان، لكن من أراد إثارة الضوضاء فإنه لا يقبل المناظرة الهادئة. وهذا التعبير المعاصر يُجسّد الشرط الخامس الذي وضعه الغزالي.
ما الشرط السادس للمناظرة وما معنى أن يكون طالب الحق كناشد ضالة؟
الشرط السادس أن يكون المناظر في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه. يرى رفيقه معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرّفه الخطأ وأظهر له الحق. كما يشكر من نبّهه إلى ضالته في طريق آخر ولا يذمّه.
كيف كان الصحابة رضي الله عنهم نموذجًا في قبول الحق والإنصاف في المناظرة؟
كان الصحابة نموذجًا فريدًا في قبول الحق؛ فعمر رضي الله عنه قال أصابت امرأة وأخطأ رجل حين ردّت عليه في خطبته. وعلي رضي الله عنه قال لمن صحّح له أصبت وأخطأت، وتلا قوله تعالى وفوق كل ذي علم عليم. وأبو موسى الأشعري قال لا تسألوني وهذا الحبر بين أظهركم حين استدرك عليه ابن مسعود.
ما قصة أبي موسى الأشعري وابن مسعود في مسألة القتال في سبيل الله وما الدرس منها؟
سُئل أبو موسى الأشعري عن رجل قاتل في سبيل الله فقُتل فقال هو في الجنة. فاعترض ابن مسعود وقال إن قُتل فأصاب الحق فهو في الجنة، مشيرًا إلى ضرورة اشتراط أن يكون على الحق. فقال أبو موسى الحق ما قال. وهذا هو إنصاف طالب الحق الذي يقبل التصحيح فور ظهوره.
كيف يختلف حال مناظري اليوم عن حال الصحابة في قبول الحق؟
يختلف حال مناظري اليوم اختلافًا جذريًا؛ إذ يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه ويجتهد في مجاحدته بأقصى قدرته. ويذمّ من أفحمه طوال عمره ولا يستحيي من تشبيه نفسه بالصحابة في تعاونهم على النظر في الحق. وهذا التناقض الصارخ يكشف البون الشاسع بين أدب الصحابة وحال المتأخرين.
ما الدرس المستفاد من قصة العالمين في تحرير عبارة الدعاء وما علاقتها بكلام الغزالي؟
القصة تُجسّد ما يُنبّه إليه الغزالي من أن العلماء قد يقعون في فخ الكبر وتعزيز النفس حتى في أبسط الأمور. فالعالم الأول أطلق ما كان حقه التقييد بالخير، فاعترض عليه الثاني، فدخلا في نقاش ساعة في تحرير العبارة. والمشابهة مع قصة ابن مسعود وأبي موسى واضحة، لكن الفارق أن أبا موسى قبل التصحيح فورًا بينما استمر النقاش هنا.
ما الدرس الذي يستخلصه الغزالي من مقارنة حال الصحابة بحال المتأخرين في قبول الحق؟
الغزالي يُنبّه إلى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا على حال الكمال في قبول الحق؛ فحين أطلق أحدهم ما كان حقه التقييد رجع على الفور وقال لا تسألوني وهذا الحبر فيكم. وكلما بحثنا في أحوال الصحابة وجدناهم على الكمال ووجدنا أنفسنا في حاجة إلى هذا الكمال. وهذا يجعل الاقتداء بهم ضرورة لا خيارًا.
لماذا يُعدّ انتقاص الصحابة أو سبّهم دليلًا على الجهل بحقيقة أحوالهم؟
من ينتقص الصحابة أو يسبّهم يكشف أنه لم يقرأ عنهم أو لم يعرفهم حق المعرفة. لأن كل من بحث في أحوال الصحابة من غير قصد وجدهم على حال الكمال في العلم والأخلاق والإنصاف. ووجد نفسه في المقابل على حال يحتاج إلى هذا الكمال، مما يجعل الانتقاص جهلًا صريحًا لا موقفًا علميًا.
ما الشرط السابع للمناظرة وما دقائق الجدل المبتدعة التي يرفضها الغزالي؟
الشرط السابع ألا يمنع المناظر معينه من الانتقال من دليل إلى دليل ومن إشكال إلى إشكال كما كانت مناظرات السلف. ويرفض الغزالي دقائق الجدل المبتدعة كقول المعترض هذا لا يلزمني ذكره أو هذا يناقض كلامك الأول. لأن الرجوع إلى الحق مناقض للباطل ويجب قبوله في أي وقت.
ما حكم المناظر الذي يدّعي معرفة دليل ويرفض ذكره بحجة أنه لا يلزمه؟
المناظر الذي يدّعي معرفة دليل ويرفض ذكره لا يخلو من حالين: إما أنه لا يعرفه وإنما يدّعيه ليُعجز خصمه فهو فاسق كذّاب عصى الله بدعواه معرفة هو خالٍ عنها. وإما أنه صادق في معرفته فقد فسق بإخفاء ما عرفه من أمر الشرع وقد سأله أخوه المسلم ليفهمه. فهو في الحالين واقع في الإثم.
هل قواعد الجدل المبتدعة تُسقط وجوب إظهار العلم الشرعي عند السؤال؟
لا، قواعد الجدل المبتدعة لا تُسقط الواجب الشرعي. إظهار ما عُلم من علوم الدين بعد السؤال عنه واجب لازم بالشرع بلا خلاف. وقول المعترض لا يلزمني معناه لا يلزمني في شرع الجدل الذي ابتدعناه بالتشهي والرغبة في الاحتيال، وإلا فهو لازم بالشرع. فالامتناع عن الذكر يجعله إما كاذبًا وإما فاسقًا.
كيف كانت مناظرات الصحابة والسلف قائمة على إعانة المناظر وحرية الانتقال بين الأدلة؟
كانت مناظرات الصحابة والسلف قائمة على ذكر كل ما يخطر لهم كما يخطر والنظر فيه بحرية تامة، دون منع من الانتقال من دليل إلى دليل أو من قياس إلى أثر أو من خبر إلى آية. وكانوا يعلمون أن المناظر معين لا خصم لأنهما يبحثان عن الحق معًا. أما ما وضعه المتأخرون من آداب فهي للمماحكة لا لطلب الحق.
المناظرة المحمودة تقوم على طلب الحق لا الغلبة، وشروطها السبعة تجعل الصحابة نموذجها الأكمل.
آداب المناظرة وشروطها عند الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين تنبني على أصل واحد: أن يكون المناظر طالبًا للحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر على يده أو يد غيره. ومن أبرز هذه الشروط ألا يكون ثمة فرض كفاية أهم من المناظرة، كالطب والأمر بالمعروف، وأن تُعقد في الخلوة لا في المحافل درءًا للرياء والتلاعب.
يكشف الغزالي أن المناظر الذي يخفي دليلًا يعرفه بحجة أنه لا يلزمه ذكره واقع بين الكذب والفسق شرعًا، لأن إظهار ما عُلم من علوم الدين بعد السؤال واجب لازم. وفي المقابل، ضرب الصحابة رضي الله عنهم المثل الأعلى في الإنصاف؛ إذ كانوا يعينون مناظريهم ويرجعون إلى الحق فور ظهوره، بعيدًا عن الكبر والمجاحدة.
أبرز ما تستفيد منه
- العلم المحمود هو ما يوصل إلى الله، وما سواه إشغال للزمان بغير واجب الوقت.
- من شروط المناظرة المحمودة تقديم فروض الكفاية الأهم عليها كالطب والأمر بالمعروف.
- إخفاء الدليل الشرعي بعد السؤال عنه كذب أو فسق، لا مجرد أسلوب جدلي.
- الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعينون مناظريهم ويقبلون الحق فور ظهوره دون تردد.
- التوفيق الرباني علامته الطمأنينة والاستواء بين العمل في السر والعلن.
مقدمة الدرس وموضوع العلم المحمود والمذموم في كتاب الإحياء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الأئمة حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، وهو ما يزال يتحدث في كتاب العلم الذي صدّر به هذا الكتاب [الإحياء].
ما زال يتحدث عن العلم المحمود والعلم المذموم وما يتردد بينهما، وملخص ما يقول: إن العلم المحمود هو الذي يوصل إلى الله، وأن ما سواه إنما هو نافلة؛ فإن كان يوصل إلى الله ولو بواسطة فبها ونعمت، وإلا فهو مذموم وإشغال للزمان الذي لا يبقى.
واجب الوقت عند أهل الله وضرورة الاشتغال بالباقيات الصالحات
الزمان لا يبقى؛ [فالاشتغال بغير ما ينفع] إشغال للزمان بغير واجب الوقت. وأهل الله يتكلمون عن واجب الوقت، وواجب الوقت أن تشغل نفسك بالباقيات الصالحات، بشيء يوصلك إلى الله.
فإذا أنت لغوت وملأت الأزمان بغير هذا فقد ضيعت على نفسك فرصة عظيمة.
﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]
ومن صفات هؤلاء المؤمنين:
﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]
الشرط الثاني للمناظرة المحمودة: تقديم فروض الكفاية الأهم على المناظرة
نعم، اقرأ.
[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
الثاني: ألا يرى فرض كفاية أهم من المناظرة؛ فإن رأى ما هو أهم وفعل غيره عصى بفعله. وكان مثاله مثال من يرى جماعة من العطاش أشرفوا على الهلاك وقد أهملهم الناس، وهو قادر على إحيائهم بأن يسقيهم الماء، فاشتغل بتعلم الحجامة وزعم أنه من فروض الكفايات.
ولو خلا البلد منها لهلك الناس، وإذا قيل له: إن في البلد جماعة من الحجّامين وفيهم كفاية، فيقول: هذا لا يُخرج هذا الفعل عن كونه فرض كفاية.
إهمال فروض الكفاية المهمة كالطب والأمر بالمعروف والاشتغال بالمناظرة
فحال من يفعل هذا ويهمل الاشتغال بالواقعة الملمّة بجماعة العطاش من المسلمين كحال المشتغل بالمناظرة، وفي البلد فروض كفايات مهملة لا قائم بها.
فأما الفتوى فقد قام بها جماعة، ولا يخلو بلد من جملة الفروض المهملة، ولا يلتفت الفقهاء إليها. وأقربها الطب؛ إذ لا يوجد في أكثر البلاد طبيب مسلم يجوز اعتماد شهادته فيما يُعوَّل فيه على قول الطبيب شرعًا، ولا يرغب أحد من الفقهاء في الاشتغال به.
وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو من فروض الكفايات، وربما يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهدًا للحرير ملبوسًا ومفروشًا وهو ساكت، ويناظر في مسألة لا يتفق وقوعها قط، وإن وقعت قام بها جماعة من الفقهاء.
حديث أنس في ترك الأمر بالمعروف وعلامات فساد الأمة
ثم يزعم [المناظر] أنه يريد أن يتقرب إلى الله تعالى بفروض الكفايات.
وقد روى أنس رضي الله عنه أنه قيل: يا رسول الله، متى يُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
«إذا ظهرت المداهنة في خياركم، والفاحشة في أشراركم، وتحوّل الملك في صغاركم، والفقه في أراذلكم» رواه ابن ماجه بإسناد حسن.
التوفيق الرباني في إدراك واجب الوقت وعلاماته
[الشيخ]: إذن هو [الإمام الغزالي] يتحدث عن واجب الوقت؛ فدائمًا الإنسان يكون مدركًا لواجب الوقت. وعندما فهم بعض الناس هذه القضية أيضًا تحايلوا عليها وبدأوا يختلفون في واجب الوقت.
ولذلك فغاية المراد من رب العباد التوفيق الرباني؛ فإن التوفيق الرباني هو الذي يرشدك إلى واجب وقتك. وكلما وفقك الله سبحانه وتعالى إلى واجب وقتك الصحيح، كلما شعرت بالطمأنينة، وكلما شعرت بالسعادة فيما تفعل، وكلما شعرت بأنك تؤدي ما عليك، وكلما زال عنك قضية الكبر وقضية النظر إلى الآخرين.
هناك بعض الناس ينظرون إلى الآخرين، يريد أن يجادل معه طوال النهار والليل، فتعرف أنك لست قائمًا بواجب الوقت. أما إذا شعرت أنك تفعل شيئًا في السر كما تفعله في العلن، وأن الأمر استوى عندك، فهذا هو واجب الوقت الذي ينبغي أن يقوم فيه.
الشرط الثالث للمناظرة: أن يكون المناظر مجتهدًا يفتي برأيه لا بمذهب بعينه
نعم.
[الشيخ محمد وسام]: الثالث: أن يكون المناظر مجتهدًا يفتي برأيه لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما، حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي وأفتى بما ظهر له، كما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم والأئمة.
فأما من ليس له رتبة الاجتهاد -وهو حكم كل أهل العصر- وإنما يفتي فيما يُسأل عنه ناقلًا عن مذهب صاحبه، فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه، فأي فائدة له في المناظرة ومذهبه معلوم وليس له الفتوى بغيره؟
وما يُشكل عليه يلزمه أن يقول: لعل عند صاحب مذهبي جوابًا عن هذا؛ فإني لست مستقلًا بالاجتهاد في أصل الشرع.
المباحثة في المسائل ذات الوجهين أو القولين لصاحب المذهب الواحد
ولو كانت مباحثته عن المسائل التي فيها وجهان أو قولان لصاحبه لكان أشبه به؛ فإنه ربما يفتي بأحدهما فيستفيد من البحث ميلًا إلى أحد الجانبين.
ولا يرى المناظرات جارية فيها قط، بل ربما ترك المسألة التي فيها وجهان أو قولان وطلب مسألة يكون الخلاف فيها مبتوتًا.
الاختيار الفقهي بين المذاهب وحاجته إلى التمكن والتوفيق
[الشيخ]: وهذا هو قضية الاختيار الفقهي، وكان هذا شأن السلف الصالح. والإمام الغزالي ينبّه إلى أن مرتبة الاختيار الفقهي تحتاج إلى مزيد آلة وإلى مزيد نظر وإلى تمكّن في هذا، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
ومن تمرّس بالفقه يدرك هذا المعنى، ويدرك أنه يُفتح له ما لم يُفتح لغيره، وأنه عندما يختار بين أبي حنيفة وبين الشافعي فإن المسألة تكون أوضح في ترتيب المقاصد وفي تحصيل المصالح وفي مراعاة المآلات ونحو ذلك.
فالاختيار الفقهي من عادة السلف الصالح، إلا أنه يحتاج إلى رجال قلّما يوجدون.
الشرط الرابع للمناظرة: أن تكون في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع
[الشيخ محمد وسام]: الرابع: ألا يناظر إلا في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع غالبًا؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم ما تشاوروا إلا فيما تجدّد من الوقائع أو ما يغلب وقوعه كالفرائض.
ولا نرى المناظرين يهتمون بانتقاد المسائل التي تعمّ البلوى بالفتوى فيها، بل يطلبون الطبوليات التي تُسمع فيتسع مجال الجدل فيها كيفما كان الأمر.
وربما يتركون ما يكثر وقوعه ويقولون: هذه مسألة خبرية، أو هي من الزوايا وليست من الطبوليات. فمن العجائب أن يكون المطلب هو الحق ثم يتركون المسألة لأنها خبرية ومدرك الحق فيها هو الأخبار، أو لأنها ليست من الطبول فلا نطيل فيها الكلام. والمقصود في الحق أن يُقصَر الكلام ويُبلَغ الغاية على القرب، لا أن يطول.
توضيح لغوي لكلمة الطبوليات والنسبة إلى المفرد في اللغة العربية
[الشيخ]: اعترض اللغويون على الطبوليات هذه، وإنما عندما نريد النسب ننسب إلى المفرد، إلا إذا حدث خلل في المعنى. فطبول جمع طبلة، أي طبلي.
وكانوا يطلقون عليها الطبليات، والطبليات جاءت من هذه المسائل ذات الصوت العالي التي تُسمع من بعيد كالطبل، ثم إن الطبل نفسه أجوف لا شيء فيه.
فسُمّيت مثل هذه الأشياء التي تحدث في عصرنا الحاضر: تحويل المسائل إلى قضايا، وهذا يقوم به الإعلام قيامًا فائقًا، وهو تحويل المسائل والتوافه والحبة إلى قبة. فهذه الطبوليات.
قاعدة النسب إلى المفرد واستثناءاتها مثل كتبي وأنصاري
لكن في اللغة تكون الطبليات؛ لأن الطبول إنما هي جمع. ولذلك خطّأوا هذه: سيارة ملوكية، وقالوا: قل ملكية نسبة إلى الملك ليس إلى الملوك. وهذا معرض دولي نسبة إلى الدولة وليس إلى الدول، فلا تقل دُوَلي يكون خطأ.
قالوا: إلا إذا كان فيما يشتبه، كما أطلقنا على بائع الكتب والمشتغل بنشرها كُتُبي؛ لأنني لو أفردت يكون كتابي وينصرف الذهن إلى أصحاب الكتب السابقة كاليهود والنصارى، فنقول كُتُبي وكُتُبي هذه جمع.
وكذلك أطلقوا على الصحابة من أهل المدينة فقالوا: هذا أنصاري، وأنصاري بمعنى أنه هو نصير، فكان يقول نصيري فيشتبه بهذا المذهب المعروف ونحو ذلك.
فهناك استثناءات الغرض منها تحرير المقال، لكن طبولي ليس فيها تحرير مقال. فإذا قلنا طبلي تصح أيضًا. إذن فالنسبة تكون للمفرد، هذه هي القاعدة، إلا إذا حدث اشتباه فنذهب بالاشتباه مثل كُتُبي وأنصاري فتبقى جمعًا أيضًا.
الشرط الخامس للمناظرة: أن تكون في الخلوة أحب من المحافل العامة
[الشيخ محمد وسام]: والخامس: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه وأهم من المحافل وبين أظهر الأكابر والسلاطين؛ فإن الخلوة أجمع للفهم وأحرى بصفاء الذهن والفكر وإدراك الحق.
وفي حضور الجمع ما يحرّك دواعي الرياء ويوجب الحرص على نصرة كل واحد نفسه، محقًّا كان أو مبطلًا. وأنت تعلم أن حرصهم على المحافل والمجامع ليس لله، وأن الواحد منهم يخلو بصاحبه مدة طويلة فلا يكلمه، وربما يقترح عليه فلا يجيب.
وإذا ظهر مقدَّم أو انتظم مجمع لم يغادر في قوس الاحتيال منزعًا حتى يكون هو المختص بالكلام.
أهمية المناظرة في الغرف المغلقة لمنع التلاعب والرياء
[الشيخ]: ولذلك عندما دُعينا كثيرًا للمناظرة [قلنا]: ناظرونا في الغرف المغلقة ونجلس للمناظرة أنا وأنت. أما أن تأتي لتشوّش على الناس وتقوم بتعديل المناظرة وتقطع الكلام وتركبه وتصنعه، لا.
فأضيف أيضًا إلى هذا الرياء والسمعة، كذلك أضيف إليها التلاعب، مما يجعل ما يُسمّى الغرف المغلقة -هذا التعبير المعاصر- أمرًا مهمًّا، ليس فقط لمنع التلاعب بل أيضًا لمنع المباهاة والافتخار وما إلى ذلك.
وهذا أمر مهم؛ لأن من أراد الحق فإنه يريده، ولكن من أراد إثارة هذه الضوضاء فإنه لا ينام.
الشرط السادس للمناظرة: أن يكون طالب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين يده ويد غيره
نعم.
[الشيخ محمد وسام]: السادس: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرّق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرّفه الخطأ وأظهر له الحق.
كما لو أخذ طريقًا في طلب ضالته فنبّهه صاحبه على ضالته في طريق آخر، فإنه كان يشكره ولا يذمّه ويكرمه ويفرح به.
نماذج من إنصاف الصحابة في قبول الحق: عمر وعلي وأبو موسى وابن مسعود
فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم، حتى إن امرأة ردّت على عمر رضي الله عنه ونبّهته إلى الحق وهو في خطبته أمام جمع من الناس، فقال: أصابت امرأة وأخطأ رجل.
وسأل رجلٌ عليًّا رضي الله عنه فأجابه، فقال [الرجل]: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا. فقال [عليّ رضي الله عنه]: أصبتَ وأخطأتُ،
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
واستدرك ابن مسعود على أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، فقال أبو موسى رضي الله عنه: لا تسألوني عن شيء وهذا الحَبْر بين أظهركم.
قصة سؤال أبي موسى الأشعري عن القتال في سبيل الله وتصحيح ابن مسعود له
وذلك لما سُئل أبو موسى [الأشعري رضي الله عنه] عن رجل قاتل في سبيل الله فقُتل، فقال: هو في الجنة -وكان أمير الكوفة-.
فقام ابن مسعود رضي الله عنه فقال: أعيده على الأمير فلعله لم يفهم. فأعادوه عليه فأعاد الجواب [نفسه]. فقال ابن مسعود رضي الله عنه: وأنا أقول: إن قُتل فأصاب الحق فهو في الجنة [أي يُشترط أن يكون على الحق].
فقال أبو موسى رضي الله عنه: الحق ما قال. وهكذا يكون إنصاف طالب الحق.
حال المناظرين اليوم مقارنة بإنصاف الصحابة في قبول الحق
ولو ذُكر مثل هذا الآن لأقلّ فقيه لأنكره واستبعده وقال: لا. وقال: لا يحتاج إلى أن يُقال أصاب الحق؛ فإن ذلك معلوم لكل أحد.
فانظر إلى مناظري زمانك اليوم: كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل منه، وكيف يجتهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذمّ من أفحمه طوال عمره.
ثم لا يستحيي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على النظر في الحق.
قصة العالمين في تحرير عبارة الدعاء وأثر الكبر في المناظرة
[الشيخ]: حدث أن كان هناك اثنان، وكانا رحمهما الله من العلماء، فقال أحدهما عندما لقيني: يا شيخ علي، أعطاك الله كل ما تتمناه. فاعترض عليه أخوه العالم الثاني وقال: لعله يتمنى الشر، فلا بد أن تقول: اللهم أعطه كل ما يتمنى في الخير.
أي مشابه لقصة سيدنا ابن مسعود [مع أبي موسى الأشعري]؛ فهناك قيد يجب أن تقيّده للخير. فردّ عليه وقال: أعلم أنه لا يتمنى إلا الخير. فقال له: وهل تعلم الغيب؟
ودخلوا في مناقشة لمدة ساعة في تحرير العبارة وفي تصحيح كلام كل منهم. فيبدو أنهم ليس لديهم اطلاع على [كلام] سيدنا الشيخ الغزالي.
الدرس المستفاد من كمال الصحابة وخطورة الانتقاص منهم
ففي بعض الأحيان انتهى الأمر بسهولة: يقول له في الخير وانتهى، ونتفق ونذكر الله في موضوع آخر. لكن أحيانًا من كثرة العلم وتمكّنه الشديد، أحيانًا تعزّ عليه نفسه أنه نسي كلمة في الخير أو كذلك إلى آخره، أو أطلق ما كان حقه التقييد.
فينبّهنا الإمام الغزالي على أمور تقع فعلًا، ولكن انظر إلى حال كمال الصحابة: أنه لما حدث عنده هذا وأطلق ما كان حقه التقييد رجع على الفور، بل إنه قال: لا تسألوني وهذا الحبر فيكم، وانتهى الأمر.
فإذا كلما اطلعنا كلما وجدنا حال الصحابة على حال الكمال، كلما اطلعنا على شيء جديد نرى أن حال الصحابة على حال الكمال.
الرد على من ينتقص الصحابة وبيان جهلهم بحقيقة أحوالهم
فيعزّ علينا الناس الذين يشتمون الصحابة؛ لأنكم هكذا تكونون كأنكم لم تقرؤوا عن الصحابة أو لم تعرفوا الصحابة.
وهذا هو الحال مع من ينتقص الصحابة أو ينتقدهم أو يسبّهم أو ما إلى ذلك. يبقى يعني نشعر بالجهل؛ لأننا كلما بحثنا عن الصحابة من غير قصد وجدناهم على حال الكمال، ووجدنا أنفسنا على حال يحتاج إلى هذا الكمال.
الشرط السابع للمناظرة: عدم منع المناظر من الانتقال بين الأدلة
نعم.
[الشيخ محمد وسام]: السابع: ألا يمنع معينه في النظر من الانتقال من دليل إلى دليل ومن إشكال إلى إشكال؛ فهكذا كانت مناظرات السلف.
ويخرج من كلامه جميع دقائق الجدل المبتدعة فيما له وعليه، كقوله: هذا لا يلزمني ذكره، وهذا يناقض كلامك الأول فلا يُقبل منك. فإن الرجوع إلى الحق مناقض للباطل ويجب قبوله.
وأنت ترى أن جميع المجالس تنقضي في المدافعات والمجادلات، حتى يقيس المستدل على أصل بعلة يظنها، فيُقال له: ما الدليل على أن الحكم في الأصل معلّل بهذه العلة؟ فيقول: هذا ما ظهر لي، فإن ظهر لك ما هو أوضح منه وأولى فاذكره حتى أنظر فيه.
إصرار المعترض على عدم ذكر ما يعرفه وبيان أنه إما كاذب أو فاسق
فيصرّ المعترض ويقول: فيه معانٍ سوى ما ذكرته وقد عرفتها ولا أذكرها إذ لا يلزمني ذكرها. ويقول المستدل: عليك إيراد ما تدّعيه وراء هذا. ويصرّ المعترض على أنه لا يلزمه.
ويتوخّى مجالس المناظرة بهذا الجنس من السؤال وأمثاله، ولا يعرف هذا المسكين أن قوله: إني أعرفه ولا أذكره إذ لا يلزمني كذبٌ على الشرع.
فإنه إن كان لا يعرف معناه وإنما يدّعيه ليُعجز خصمه فهو فاسق كذّاب، عصى الله تعالى وتعرّض لسخطه بدعواه معرفة هو خالٍ عنها. وإن كان صادقًا فقد فسق بإخفائه ما عرفه من أمر الشرع، وقد سأله أخوه المسلم ليفهمه وينظر فيه.
وجوب إظهار العلم الشرعي عند السؤال وبطلان قواعد الجدل المبتدعة
فإن كان [ما ذكره المعترض] قويًّا رجع إليه، وإن كان ضعيفًا أظهر له ضعفه وأخرجه عن ظلمة الجهل إلى نور العلم.
ولا خلاف أن إظهار ما عُلم من علوم الدين بعد السؤال عنه واجب لازم. فمعنى قوله: لا يلزمني، أي في شرع الجدل الذي أبدعناه بحكم التشهّي والرغبة في طريق الاحتيال والمصارعة بالكلام لا يلزمني، وإلا فهو لازم بالشرع.
فإنه بامتناعه عن الذكر إما كاذب وإما فاسق.
مناظرات الصحابة كانت قائمة على حرية الانتقال بين الأدلة وإعانة المناظر
فتفحّص عن مشاورات الصحابة ومفاوضات السلف رضي الله عنهم: هل سمعت فيها ما يضاهي هذا الجنس؟ وهل منع أحد من الانتقال من دليل إلى دليل، ومن قياس إلى أثر، ومن خبر إلى آية؟
بل جميع مناظراتهم من هذا الجنس؛ إذ كانوا يذكرون كل ما يخطر لهم كما يخطر، وكانوا ينظرون فيه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
فقد كانوا على علم بأدب الاختلاف وأدب المناظرة. وما وضعه المتأخرون من آداب إنما هي للمماحكة ولقلة الكلام في بعض الأحيان، ولكن المثال الأتمّ هو ما كان عليه الصحابة: من أن الإنسان يعين مناظره؛ لأنهما يبحثان عن الحق.
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما تعريف العلم المحمود عند الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين؟
العلم الذي يوصل إلى الله مباشرة أو بواسطة
ما الشرط الثاني للمناظرة المحمودة عند الغزالي؟
ألا يرى المناظر فرض كفاية أهم من المناظرة
ما فروض الكفاية المهملة التي يذكرها الغزالي في مقابل الاشتغال بالمناظرة؟
الطب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ما الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه عن ترك الأمر بالمعروف؟
إذا ظهرت المداهنة في خياركم والفاحشة في أشراركم وتحوّل الملك في صغاركم والفقه في أراذلكم
ما الشرط الثالث للمناظرة المحمودة عند الغزالي؟
أن يكون المناظر مجتهدًا يفتي برأيه لا بمذهب بعينه
ما الشرط الرابع للمناظرة المحمودة عند الغزالي؟
أن تكون المناظرة في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع غالبًا
ما المقصود بالطبوليات في كلام الغزالي؟
المسائل ذات الصوت العالي التي تُطلب لاتساع الجدل لا لطلب الحق
ما الشرط الخامس للمناظرة المحمودة عند الغزالي؟
أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه من المحافل العامة
ما الشرط السادس للمناظرة المحمودة وكيف يصف الغزالي طالب الحق؟
أن يكون طالب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر على يده أو يد غيره
ما الحكم الشرعي للمناظر الذي يدّعي معرفة دليل ويرفض ذكره؟
هو إما فاسق كذّاب إن لم يعرفه أو فاسق بإخفائه إن عرفه
ما الشرط السابع للمناظرة المحمودة عند الغزالي؟
ألا يمنع معينه في النظر من الانتقال من دليل إلى دليل
ما القاعدة اللغوية في النسب في العربية وما استثناؤها؟
النسب يكون إلى المفرد إلا إذا حدث اشتباه في المعنى
ما تعريف واجب الوقت عند أهل الله؟
واجب الوقت هو أن يشغل الإنسان نفسه بالباقيات الصالحات وبما يوصله إلى الله، فمن ملأ وقته باللغو ضيّع فرصة عظيمة.
ما علامات التوفيق الرباني في إدراك واجب الوقت؟
علاماته الطمأنينة والسعادة فيما يفعل، وزوال الكبر والحرص على النظر إلى الآخرين، والاستواء بين العمل في السر والعلن.
لماذا يُعدّ الطب من فروض الكفاية المهملة في زمن الغزالي؟
لأنه لا يوجد في أكثر البلاد طبيب مسلم يجوز اعتماد شهادته شرعًا، ولا يرغب أحد من الفقهاء في الاشتغال به رغم أهميته.
ما مثال الغزالي على من يُهمل فرض كفاية أهم ويشتغل بالمناظرة؟
مثاله من يرى جماعة عطاشى يشرفون على الهلاك وهو قادر على إنقاذهم فيشتغل بتعلم الحجامة بحجة أنها فرض كفاية.
ما حكم من ليس له رتبة الاجتهاد في المناظرة الفقهية؟
لا فائدة له في المناظرة لأن مذهبه معلوم وليس له الفتوى بغيره، وإذا ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له تركه.
ما الاختيار الفقهي وما شرطه الأساسي؟
الاختيار الفقهي هو اختيار الأقوى من أقوال المذاهب بناءً على المقاصد والمصالح والمآلات، وشرطه التمكن والتوفيق الرباني وهو فضل الله يؤتيه من يشاء.
لماذا تُفضَّل الخلوة على المحافل في المناظرة؟
لأن الخلوة أجمع للفهم وأحرى بصفاء الذهن وإدراك الحق، بينما حضور الجمع يحرك دواعي الرياء ويوجب الحرص على نصرة النفس.
ما موقف عمر رضي الله عنه حين ردّت عليه امرأة في خطبته؟
قال عمر رضي الله عنه أصابت امرأة وأخطأ رجل، وهذا نموذج في قبول الحق من أي مصدر جاء.
ما الآية التي تلاها علي رضي الله عنه حين قبل التصحيح من رجل سأله؟
تلا قوله تعالى: وفوق كل ذي علم عليم، وقال للرجل أصبت وأخطأت.
ما الدرس الذي استخلصه أبو موسى الأشعري من استدراك ابن مسعود عليه؟
قال أبو موسى الأشعري لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم، وقبل تصحيح ابن مسعود فورًا وقال الحق ما قال.
ما الفرق بين آداب مناظرات الصحابة وآداب الجدل التي وضعها المتأخرون؟
مناظرات الصحابة كانت قائمة على إعانة المناظر وحرية الانتقال بين الأدلة وطلب الحق، أما آداب المتأخرين فهي للمماحكة والاحتيال لا لطلب الحق.
ما معنى قول المعترض لا يلزمني ذكر هذا الدليل من الناحية الشرعية؟
هو لازم بالشرع لأن إظهار ما عُلم من علوم الدين بعد السؤال واجب لازم، وقوله لا يلزمني يعني فقط في شرع الجدل المبتدع لا في الشرع الحقيقي.
ما أصل كلمة طبوليات وما الصواب اللغوي فيها؟
مأخوذة من الطبل، والصواب اللغوي طبليات نسبة إلى المفرد طبلة، لأن قاعدة النسب تقتضي النسب إلى المفرد لا إلى الجمع.
لماذا يُعدّ انتقاص الصحابة دليلًا على الجهل بأحوالهم؟
لأن كل من بحث في أحوال الصحابة من غير قصد وجدهم على حال الكمال في العلم والأخلاق والإنصاف، فانتقاصهم يكشف عدم المعرفة بهم.
ما الفرق بين المناظرة في الغرف المغلقة والمناظرة في المحافل العامة؟
الغرف المغلقة تمنع التلاعب بالكلام والرياء والمباهاة والافتخار، بينما المحافل العامة تحرك دواعي الرياء وتجعل كل مناظر يحرص على نصرة نفسه لا على الحق.
