ما الفرق بين العالم الحقيقي ووعاء العلم وكيف تُؤثر التربية في فهم أسرار الشريعة؟
العالم الحقيقي هو من يبحث عن أسرار الأعمال والأقوال ويعتمد على بصيرته وصفاء قلبه، أما من يحفظ دون فهم فهو وعاء للعلم لا عالم. التربية ضرورة لا غنى عنها، إذ إن المعلومات من غير تربية هباء وقد تُضل صاحبها. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه حتى بالنظرة، فيُحدث فيهم ما يوجب التعديل والاستقامة.
- •
هل يكفي حفظ العلم دون فهم أسراره، وما الفرق بين العالم الحقيقي ووعاء العلم الذي يسرد النصوص دون وعي؟
- •
علم التصوف وأحوال القلوب علم نخبة نادر، إذ كان في البصرة مائة وعشرون واعظًا ولم يتكلم في علم اليقين إلا ثلاثة فقط.
- •
العالم الحقيقي يعتمد على بصيرته وصفاء قلبه لا على الكتب والتقليد، ويبحث دائمًا عن أسرار الأعمال والأقوال.
- •
ادعاء الاجتهاد ممن ليس أهلًا له فتنة عمياء، فقول «هم رجال ونحن رجال» قاله أبو حنيفة والشافعي ومالك لا الناشئة الذين لا يعرفون شيئًا.
- •
فضل الصحابة جاء من مشاهدة قرائن أحوال النبي وفيض نور النبوة عليهم، مما يؤكد أن التربية لا تقل عن المعلومات بل تفوقها.
- •
كره الأولون تدوين الكتب حرصًا على الحفظ والتدبر، وكذلك كره أبو بكر جمع القرآن في مصحف أولًا، ثم وافق خوفًا من الضياع.
- 0:29
افتتاح مجلس إحياء علوم الدين للإمام الغزالي والبدء بقراءة كتاب العلم الذي يفتتح به الكتاب.
- 1:12
علم التصوف وأحوال القلوب علم نخبة نادر؛ من بين مائة وعشرين واعظًا في البصرة لم يتكلم فيه إلا ثلاثة.
- 2:05
كثرة الحضور في مجلس العلم دليل على علم الظاهر، وقلتهم دليل على عمق العلم الباطني الخاص بأهل الخصوص.
- 2:42
العالم الحقيقي يعتمد على بصيرته وصفاء قلبه، ويُقلِّد النبي والصحابة مع الحرص على فهم أسرار الشريعة.
- 3:34
من يحفظ العلم دون فهم أسراره وحِكَمه يُسمى وعاءً للعلم لا عالمًا، والعالم الحقيقي يبحث عن أسرار الأعمال.
- 4:17
قصة حافظ المنهاج الذي سُمي حمار المنهج توضح أن الحفظ دون فهم الأسرار يجعل صاحبه وعاءً لا عالمًا.
- 5:49
من استنار قلبه بنور الهداية صار متبوعًا، وابن عباس خالف شيوخه لأن العالم الحقيقي لا يُقيَّد بتقليد غير النبي.
- 6:49
ادعاء الاجتهاد بغير أهلية فتنة عمياء؛ فقول «هم رجال ونحن رجال» قاله الأئمة الكبار لا الناشئة الجاهلون.
- 7:57
الجاهل الذي يدّعي الاجتهاد يبدأ بالزعامة وينتهي بالفتنة، لأن الخطأ في الأساس يُبعده عن الهدف كلما مضى.
- 9:04
فضل الصحابة من مشاهدة النبي وفيض نور النبوة، والتربية ضرورة لأن المعلومات المجردة بلا تربية هباء مُضِل.
- 9:45
النبي كان يربي أصحابه بالنظرة فيُحدث فيهم التعديل، ولذلك عُرِّف الصحابي بأنه من رآه النبي لا من رأى النبي.
- 11:08
كره الأولون تدوين الكتب حرصًا على الحفظ والتدبر، والتصانيف لم تظهر إلا بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة.
- 12:03
أبو بكر كره جمع القرآن في مصحف خشية الاتكال، ثم وافق بإشارة عمر خوفًا من ضياع القرآن ووقوع النزاع.
- 13:03
التسهيلات التقنية من فهرس القرآن إلى الهاتف أدت إلى اشتداد النسيان، وكلما جاء تسهيل جاء معه نسيان.
- 14:13
سنة الله أن يقلب النقصان إلى زيادة، والختام بالدعاء بفتوح العارفين والأدب مع الله كما ورد في إحياء علوم الدين.
ما موضوع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي وبماذا يبدأ؟
كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي من أعظم كتب الإسلام، ويبدأ بكتاب العلم الذي يُعدّ أساس بناء الكتاب كله. يهدف الكتاب إلى إحياء العلوم الدينية وربطها بالعمل والتزكية.
لماذا يُعدّ علم التصوف وعلم اليقين علم نخبة وليس علم عامة الناس؟
علم التصوف وعلم اليقين وأحوال القلوب علم النخبة لا علم العامة، وقد كان في البصرة مائة وعشرون واعظًا ومدرسًا، ولم يتكلم في علم اليقين وصفات الباطن إلا ثلاثة فقط هم سهل التستري والصبيحي وعبد الرحيم بن يحيى الأسود. هذا يدل على ندرة هذا العلم وصعوبة بلوغه.
لماذا يجلس إلى شيوخ علم الباطن عدد قليل بينما يجلس إلى الوعاظ الآلاف؟
النفيس العزيز لا يصلح إلا لأهل الخصوص، وما يُبذل للعموم فأمره قريب ميسور. لذلك كان يجلس إلى شيوخ علم الظاهر خلق كثير لا يُحصى، بينما لا يتجاوز المجلس الباطني العشرة. كثرة الحضور دليل على أن العلم المبذول ظاهري، وقلتهم دليل على عمق العلم وخصوصيته.
على ماذا يعتمد العالم الحقيقي في علومه وما موقفه من التقليد؟
العالم الحقيقي يعتمد في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه لا على الصحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من غيره. المقلَّد الوحيد هو صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم فيما أمر به، ويُقلَّد الصحابة من حيث إن فعلهم يدل على سماعهم من النبي. ومع ذلك ينبغي أن يكون العالم حريصًا على فهم أسرار الشريعة لا مجرد حفظ ألفاظها.
ما الفرق بين العالم الحقيقي ووعاء العلم الذي يحفظ دون أن يفقه؟
العالم الحقيقي يبحث عن أسرار الأعمال والأقوال ويفهم الحِكَم الكامنة فيها، أما من يكتفي بحفظ ما يُقال دون اطلاع على الحِكَم والأسرار فهو وعاء للعلم لا عالم. ولذلك كان يُقال قديمًا: فلان من أوعية العلم، ولا يُسمى عالمًا من كان شأنه الحفظ المجرد.
ما قصة حافظ المنهاج الذي سماه زملاؤه حمار المنهج وما الدرس المستفاد منها؟
كان رجل شافعي يحفظ متن المنهاج حفظًا تامًا، فإذا سمع أي كلمة منه سرد النص كاملًا دون وعي بالسؤال المطروح، لكنه إذا سُئل سؤالًا مركبًا لم يستطع الإجابة. فسمّاه زملاؤه حمار المنهج لأنه يحمله دون أن يفقهه، وسُمي أيضًا وعاءً ونسخة. الدرس أن الحفظ المجرد بلا فهم لا يُصنع عالمًا.
متى يصير العالم متبوعًا لا يقلد غيره وما موقف ابن عباس من علم الصحابة؟
من كُشف عن قلبه الغطاء واستنار بنور الهداية صار في نفسه متبوعًا مقلَّدًا فلا ينبغي أن يقلد غيره. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما من أحد إلا يُؤخذ من علمه ويُترك إلا رسول الله»، وقد خالف شيخيه زيد بن ثابت وأُبيّ بن كعب في الفقه والقراءة. وقال بعض السلف: ما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال.
لماذا لا يجوز للناشئة قول «هم رجال ونحن رجال» وما خطورة ادعاء الاجتهاد بغير أهلية؟
قول «هم رجال ونحن رجال» قاله أبو حنيفة والشافعي ومالك لأنهم من طبقة الأئمة الكبار الذين بلغوا أعلى درجات العلم والتزكية. أما الناشئة الذين لا يعرفون شيئًا عن أنفسهم فلا يصلح فيهم هذا الكلام أبدًا. وقد شهد لمالك سبعون عالمًا من أهل المدينة قبل أن يُفتي، والفتنة العمياء الصماء في البلاد جاءت ممن يدّعون العلم وليسوا يعرفون منه شيئًا.
كيف يتحول من يدّعي الاجتهاد بغير أهلية من طالب علم إلى زعيم ثم إلى فتنة؟
يأخذ الغِرّ الجاهل كلام الأئمة الكبار ويُقيم في نفسه مقام الاجتهاد وهو لا يعرف شيئًا، فيصير زعيمًا ثم تنقلب الزعامة إلى بلطجة ثم إلى ما هو أسوأ. الخطأ كان من البداية حين ركب قطارًا يظنه يوصله إلى هدفه فإذا به يبتعد عنه كلما مضى الوقت. وهذا يؤكد أن أبا حنيفة قال ذلك لأنه رأى أنسًا وهو من التابعين، لا لأنه ناشئ مبتدئ.
ما سبب فضل الصحابة على غيرهم ولماذا لا تكفي المعلومات بدون تربية؟
فضل الصحابة جاء من مشاهدتهم قرائن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتلاق قلوبهم بأمور أُدركت بالقرائن، وفاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم في الأكثر من الخطأ. والتربية لا بد منها ولا تكفي المعلومات وحدها، فالمعلومات من غير تربية هباء وقد تُضل صاحبها وتصل به إلى طريق مسدود.
كيف كان النبي يربي أصحابه بالنظرة وما تعريف الصحابي المبني على ذلك؟
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربي بالنظرة، أي ينظر إلى الصحابي فيُحدث فيه ما يوجب التعديل والاستقامة، وهذا ما يسميه أهل الله التربية بالنظرة. ولذلك عرَّف العلماء الصحابي بأنه من رآه رسول الله لا من رأى رسول الله، لأن الأعمى قد لا يرى النبي لكن النبي رآه فأثّر فيه. والعين لها سر وأثر كما في فراسة الخيل.
لماذا كره الأولون تصنيف الكتب وتدوين الأحاديث وما الحكمة من ذلك؟
كره الأولون كتب الأحاديث وتصنيف الكتب لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ والقرآن والتدبر والتفكر، وقالوا: احفظوا كما كنا نحفظ. والكتب والتصانيف محدثة لم تكن في زمن الصحابة وصدر التابعين، وإنما حدثت بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة وبعد وفاة جميع الصحابة وجِلّة التابعين.
لماذا كره أبو بكر الصديق جمع القرآن في مصحف ثم وافق على ذلك؟
كره أبو بكر الصديق وجماعة من الصحابة جمع القرآن في مصحف وقالوا: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله؟ وخافوا اتكال الناس على المصاحف وتركهم للحفظ والتلقين. ثم أشار عمر رضي الله عنه وبقية الصحابة بالكتابة خوفًا من تخاذل الناس ووقوع نزاع لا يوجد أصل يُرجع إليه، فانشرح صدر أبي بكر لذلك وجمع القرآن في مصحف واحد.
كيف أثّرت التسهيلات التقنية كالحاسوب والهاتف على حفظ القرآن الكريم؟
لما ظهر فهرس القرآن الكريم عاب المشايخ عليه لأنه يُغني عن الحفظ، ولما جاء الحاسوب والهاتف واشتد الوصول السريع إلى الآيات اشتد النسيان في الناس إلا من رحم الله. كلما جاء تسهيل جاء معه نسيان، وهذا يؤكد أن الأولين كانوا يريدون العلم العملي المحفوظ في الصدور لا المكتوب في الكتب فقط.
ما سنة الله في تحويل النقصان إلى زيادة وما الدعاء الختامي المأخوذ من إحياء علوم الدين؟
سنة الله سبحانه وتعالى أنه كلما صنع شيئًا يؤدي في الظاهر إلى النقصان أداه في النهاية إلى الزيادة، فما يبدو نقصًا يتحول بأمر الله إلى زيادة في الحفظ والعلم. والدعاء الختامي المأخوذ من إحياء علوم الدين هو سؤال الله فتوح العارفين به وأن يُعلّمنا الأدب معه.
العلم الحقيقي بصيرة وتربية لا حفظ مجرد، والمعلومات بلا تربية هباء قد تُضل صاحبها وتُفضي إلى فتنة.
علم اليقين وأحوال القلوب علم نخبة نادر لا يصلح للعموم؛ ففي البصرة كان مائة وعشرون واعظًا ولم يتكلم في مرتبة الإحسان إلا ثلاثة. والعالم الحقيقي من يعتمد على بصيرته وصفاء قلبه ويبحث عن أسرار الأعمال والأقوال، أما من يحفظ النصوص دون فهم فهو وعاء للعلم لا عالم، بل سُمي قديمًا نسخة أو حمار المنهج.
التربية ركن لا يُستغنى عنه في طريق العلم؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه حتى بالنظرة فيُحدث فيهم التعديل، وفاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم من الخطأ. وادعاء الاجتهاد ممن ليس أهلًا له فتنة عمياء، إذ قول «هم رجال ونحن رجال» قاله أبو حنيفة والشافعي ومالك بعد أن شهد لهم سبعون عالمًا، لا الناشئة الذين لا يعرفون شيئًا عن أنفسهم.
أبرز ما تستفيد منه
- علم التصوف وأحوال القلوب علم نخبة لا يصلح للعموم.
- الحافظ دون فهم وعاء للعلم لا عالم حقيقي.
- التربية ضرورة لا تُعوَّض بالمعلومات المجردة.
- ادعاء الاجتهاد بغير أهلية مصدر الفتنة العمياء.
- سنة الله أن يقلب النقصان إلى زيادة في حفظ العلم.
افتتاح الدرس مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب إحياء علوم الدين، وفي أوله كتاب العلم، نعيش مع الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. اتفضل اقرأ.
[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ورضي عنه، ونفعنا الله وعلومكم في الدارين، آمين، بكتابه إحياء علوم الدين.
قلة المتكلمين في علم اليقين وأحوال القلوب في البصرة
[الشيخ محمد وسام]: ولذلك قيل إنه كان في البصرة مائة وعشرون متكلمًا في الوعظ والتذكير، ولم يكن من يتكلم في علم اليقين وأحوال القلوب وصفات الباطن إلا ثلاثة: سهل التستري، والصبيحي، وعبد الرحيم بن يحيى الأسود.
[الشيخ]: إذن فعلم التصوف علم النخبة وليس هو علم عامة الناس، وهذا أمر يغفل عنه كثير من الناس. علم التصوف دائمًا هو قليل؛ مائة وعشرون واحدًا من الوعاظ المشهورين المدرسين المتصدرين، لكن منهم ثلاثة فقط هم الذين يتكلمون في مرتبة الإحسان.
النفيس العزيز لا يصلح إلا لأهل الخصوص دون العموم
[الشيخ محمد وسام]: وكان يجلس إلى أولئك الخلقُ الكثير الذي لا يُحصى، وإلى هؤلاء عددٌ يسير قلما يتجاوز العشرة؛ لأن النفيس العزيز لا يصلح إلا لأهل الخصوص، وما يُبذل للعموم فأمره قريب.
[الشيخ]: عندما تجد الحكاية هكذا بالآلاف وكذلك إلى آخره، تعرف أن الحكاية تعني بالظاهر [أي أن العلم المبذول هو علم الظاهر]. لما تجد حوله عشرة أو عشرين، تعرف أن هذا هو الصحيح [أي العلم الباطني الحقيقي] في هذا العصر.
اعتماد العالم على بصيرته وصفاء قلبه لا على الكتب والتقليد
[الشيخ محمد وسام]: ومنها أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب، ولا على تقليد ما يسمعه من غيره. وإنما المقلَّد [الوحيد الذي يُقلَّد] صاحبُ الشرع صلوات الله عليه وسلام فيما أمر به وقاله.
وإنما يُقلَّد الصحابة رضي الله عنهم من حيث إن فعلهم يدل على سماعهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم إذا قلَّد صاحبَ الشرع صلوات الله عليه وسلامه في تلقي أقواله وأفعاله بالقبول، فينبغي أن يكون حريصًا على فهم أسراره [أسرار الشريعة].
الفرق بين العالم الفاهم ووعاء العلم الذي يحفظ دون فهم
[الشيخ محمد وسام]: فإن المقلد إنما يفعل الفعل لأن صاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم فعله، وفعله لا بد وأن يكون لسرٍّ فيه، فينبغي أن يكون شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال.
فإنه إن اكتفى بحفظ ما يُقال كان وعاءً للعلم ولم يكن عالمًا. ولذلك كان يُقال: فلان من أوعية العلم، وكان لا يُسمى عالمًا إذا كان شأنه الحفظ من غير اطلاع على الحِكَم والأسرار.
قصة حافظ المنهاج الذي سماه زملاؤه حمار المنهج لحفظه دون فهم
[الشيخ]: إذن، فهو نسخة. يسمونه — كان عندنا مشايخنا — نسخة. يعني ماذا؟ نسخة البخاري، ما هو حافظ البخاري، فنسخة مثل نسخة توضع في المكتبة، ولكن غير فاهم وغير واعٍ، ولكنه حافظ تمامًا. فكانوا يسمونه من ضمن الوعاء، وكانوا يسمونه نسخة.
ومما هو لطيف وظريف في هذا المقام أن أحدهم كان شافعيًا يحفظ المنهاج، فكنتُ إذا سألته عن أي لفظ موجود داخل المنهاج يتلو لك طوال المنهج دون وعي بالسؤال. يعني أنه دائمًا يجيب؛ أي تقول له عن الزواج فيقول لك: إن الزواج سنة مستحبة للقادر عليها، ويفعل لك هكذا [أي يسرد العبارة كما هي]، أي أن هذه هي عبارة المنهج.
تأتي له بأي كلمة فحسب فيقول هكذا [يسرد النص]، لذلك أسماه زملاؤه حمار المنهج؛ فهو يحمل المنهاج فقط ولكنه لا يفقه. يوجد شيء: إذا سألته سؤالًا مركبًا لا يجيب عليه ولا يعرفه، لكنه يعرف هذا الحفظ والوعي [الظاهري] وما إلى ذلك، فسُمي وعاءً وسُمي نسخة وسُمي بغير ذلك.
من كُشف عن قلبه الغطاء صار متبوعًا ولا يقلد غيره
[الشيخ محمد وسام]: ومن كُشف عن قلبه الغطاء واستنار بنور الهداية صار في نفسه متبوعًا مقلَّدًا، فلا ينبغي أن يقلد غيره. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما:
«ما من أحد إلا يُؤخذ من علمه ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»
وقد كان [ابن عباس] تعلَّم من زيد بن ثابت الفقه، وقرأ على أُبيّ بن كعب، ثم خالفهما في الفقه والقراءة جميعًا.
وقال بعض السلف:
«ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلناه على الرأس والعين، وما جاءنا عن الصحابة رضي الله عنهم فنأخذ منه ونترك، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال»
التحذير من ادعاء الاجتهاد لمن ليس أهلًا له والفتنة الناتجة عن ذلك
[الشيخ]: هذا كلام الأئمة وليس يصلح فيه للناشئة أن يقولوا: نحن رجال وهم رجال، أبدًا. الناشئة هؤلاء لا يعرفون شيئًا عن أنفسهم أبدًا. هذه الفتنة العمياء الصماء الموجودة في البلاد والعباد — ليس فقط بلادنا — بلاد جاءت من هؤلاء الناس الذين يدّعون العلم وليسوا يعرفون منه شيئًا أصلًا.
فأما هؤلاء الذين قالوا: «فهم رجال ونحن رجال»، هذا أبو حنيفة، هذا الشافعي، هذا مالك الذي يقول هكذا وشهد له سبعون من أهل المدينة من علماء المدينة وأجازوه بالفتوى. يعني أخذ سبعون شهادة — سبعون دكتوراه — الإمام مالك حتى يتكلم في الفقه.
وأمثال الشافعي يقول في أبي حنيفة:
«الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة»
خطورة ادعاء المساواة بالأئمة ممن لا يملك أهلية الاجتهاد
[الشيخ]: وضعٌ ثانٍ: هؤلاء هم الذين قالوا «فهم رجال ونحن رجال»؛ لأنهم من طبقتهم. هذا أبو حنيفة رأى أنسًا [بن مالك]، يعني من التابعين، يُعدّ من التابعين ولم يروِ [عنه] لكنه رآه. فهؤلاء وأمثال هؤلاء هم الذين يقولون هذا الكلام.
فيأخذه المسكين الغِرّ ويُقيم في نفسه [الاجتهاد] وهو لا يعرف شيئًا عن أمر نفسه، ثم بعد ذلك فجأة يصير زعيمًا، ثم الزعامة تنقلب إلى أنه بلطجي، ثم يتحول من بلطجي إلى حرامي. الله، ما هذا؟
نعم، هذه هي البداية؛ كان الخطأ من البداية أنه ركب قطار أسوان ظنًا أنه يذهب إلى الإسكندرية، وكلما مضى الوقت ابتعد عن الهدف وابتعد عما يريد، إن شاء [الله]. نعم.
فضل الصحابة بمشاهدة قرائن أحوال النبي وأهمية التربية مع العلم
[الشيخ محمد وسام]: وإنما فضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واعتلاق قلوبهم بأمور أُدركت بالقرائن، فسددهم ذلك إلى الصواب من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة؛ إذ فاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم في الأكثر من الخطأ.
[الشيخ]: إذن لا بد من التربية ولا تكفي المعلومات. والمعلومات من غير تربية هي هباء، وقد تُضل، وقد تصل بالإنسان إلى طريق مسدود. فلا بد من التربية.
تربية النبي صلى الله عليه وسلم بالنظرة وتعريف الصحابي بمن رآه النبي
[الشيخ]: وأثر هذه التربية كان شديدًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أنه ثبت أنه كان يربي بالنظرة؛ أي ينظر إليك هكذا فيُحدث فيك شيئًا يمنعك من الكذب على الشريعة.
ويقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نظر إلى واحد منهم أحدث فيه ما يوجب التعديل. وهذا ما يسميه أهل الله بالتربية بالنظرة.
فالنظرة لها وضع ولها أثر، وكما عرفنا الفِراسة أنها النظر إلى عين الخيل فتعرف حالها، فالعين لها سر وفيها سر حتى في الخيل. ولذلك لما عرَّفوا الصحابي عرَّفوه بأنه من رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس من رأى رسول الله؛ لأنه قد يكون ضريرًا فلا يرى رسول الله، لكنه رسول الله رآه. فيقولون: من رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
كراهة الأولين لتصنيف الكتب وتدوين الأحاديث حرصًا على الحفظ والتدبر
[الشيخ محمد وسام]: وإذا كان الاعتماد على المسموع من الغير تقليدًا غير مرضي، فالاعتماد على الكتب والتصانيف أبعد. بل الكتب والتصانيف محدثة؛ لم يكن شيء منها في زمن الصحابة وصدر التابعين، وإنما حدثت إلا بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة، وبعد وفاة جميع الصحابة وجِلّة التابعين رضي الله عنهم، وبعد وفاة سعيد بن المسيب والحسن وخيار التابعين.
بل كان الأولون يكرهون كتب الأحاديث وتصنيف الكتب؛ لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتفكر، وقالوا: احفظوا كما كنا نحفظ.
كراهة أبي بكر لجمع القرآن في مصحف ثم موافقته خوفًا من الضياع
[الشيخ محمد وسام]: ولذلك كره أبو بكر الصديق وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم تصحيف القرآن [أي جمعه] في مصحف، وقالوا: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وخافوا اتكال الناس على المصاحف.
وقالوا: نترك القرآن يتلقاه بعضهم من بعض بالتلقين والإقراء ليكون هو شغلهم وهمهم. حتى أشار عمر رضي الله عنه وبقية الصحابة بكَتْب القرآن خوفًا من تخاذل الناس وتكاسلهم، وحذرًا من أن يقع نزاع فلا يوجد أصل يُرجع إليه في كلمة أو قراءة من المتشابهات. فانشرح صدر أبي بكر رضي الله عنه لذلك، فجمع القرآن في مصحف واحد.
تعليق الشيخ على جمع القرآن وأثر التسهيلات التقنية على حفظ القرآن
[الشيخ]: فكل هذا بإذن الله. أما بالفكر البشري فكانوا لا يريدون الكتابة ولا يريدون الكتاب، ويريدون العلم العملي إن صح التعبير. لكن الله وفقهم أن يُصحِّفوا المصحف [أي يكتبوه]، أن يكتبوا المصحف في مكان مرجع يرجعون إليه.
وكلما تقدم الناس كلما حاولت المحاولات الإبعاد عن الكتاب. فلما خرج فهرس القرآن الكريم، عاب المشايخ عليه وقالوا: هذا يجعل المشايخ تنسى القرآن، وإذا أراد أي آية فيفتح الفهرس على الفور وهو جالس، وكان قديمًا يحافظ على الحفظ حتى يستحضرها.
فلما ظهر الحاسوب وأصبح في لحظات على الهاتف تأتي الآية، اشتد النسيان في الناس إلا من رحم ربي. فكلما يأتي التسهيل يأتي معه النسيان.
سنة الله في تحويل النقصان إلى زيادة والدعاء بفتوح العارفين
[الشيخ]: فيأتي شيء مع هذا النسيان وشيوعه، وهو أمر الله بالحفظ، فترى أن الله سبحانه وتعالى قلب المسألة مرة أخرى واشتد الحفظ. ففي هذه الموجات نرى أن الله سبحانه وتعالى كلما صنع شيئًا يؤدي إلى النقصان أدى إلى الزيادة.
ولكنه في الأصل هكذا يؤدي إلى النقصان، لكن فجأة نراه أنه هو ذلك الذي أدى إلى النقصان يؤدي إلى الزيادة مرة أخرى.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا، كما هو وارد هنا في إحياء علوم الدين: فتوح العارفين به، وأن يعلمنا الأدب معه. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
كم كان عدد المتكلمين في الوعظ والتذكير في البصرة مقارنة بمن يتكلم في علم اليقين؟
مائة وعشرون واعظًا وثلاثة في علم اليقين
من هم الثلاثة الذين كانوا يتكلمون في علم اليقين وأحوال القلوب في البصرة؟
سهل التستري والصبيحي وعبد الرحيم بن يحيى الأسود
ما الذي يُميز العالم الحقيقي عن وعاء العلم وفق ما جاء في إحياء علوم الدين؟
البحث عن أسرار الأعمال والأقوال والاعتماد على البصيرة
لماذا سمّى زملاء حافظ المنهاج بـ«حمار المنهج»؟
لأنه كان يحفظ المنهاج كاملًا لكنه لا يفقه ولا يجيب على الأسئلة المركبة
ما الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما في شأن الأخذ من علم العلماء؟
ما من أحد إلا يُؤخذ من علمه ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم
من الذين يصح في حقهم قول «هم رجال ونحن رجال» وفق السياق الذي ذُكر؟
الأئمة الكبار كأبي حنيفة والشافعي ومالك
كم عدد العلماء الذين شهدوا للإمام مالك وأجازوه بالفتوى قبل أن يتكلم في الفقه؟
سبعون عالمًا من أهل المدينة
ما سبب فضل الصحابة على غيرهم في فهم الشريعة؟
مشاهدتهم قرائن أحوال النبي وفيض نور النبوة عليهم
كيف عرَّف العلماء الصحابي استنادًا إلى أثر التربية النبوية بالنظرة؟
من رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم
متى بدأ تصنيف الكتب وتدوين الأحاديث وفق ما ذُكر في المجلس؟
بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة
ما الحجة التي ساقها عمر رضي الله عنه لإقناع أبي بكر بجمع القرآن في مصحف؟
الخوف من تخاذل الناس وتكاسلهم ووقوع نزاع لا يوجد أصل يُرجع إليه
ما الأثر الذي رصده المشايخ عند ظهور فهرس القرآن الكريم؟
أصبح الناس يتكلون على الفهرس ويتركون الحفظ
ما سنة الله التي ذُكرت في ختام المجلس فيما يتعلق بالنقصان والزيادة؟
كلما صنع الله شيئًا يؤدي إلى النقصان أداه في النهاية إلى الزيادة
ما معنى كون علم التصوف علم النخبة لا علم العامة؟
يعني أن عدد من يبلغ مرتبة الإحسان وعلم اليقين قليل جدًا مقارنة بعلماء الظاهر، كما كان في البصرة مائة وعشرون واعظًا ولم يتكلم في علم اليقين إلا ثلاثة.
ما الفرق بين النفيس العزيز وما يُبذل للعموم في مجالس العلم؟
النفيس العزيز لا يصلح إلا لأهل الخصوص ولا يتجاوز حضوره العشرة، أما ما يُبذل للعموم فأمره قريب ميسور ويحضره الآلاف.
على ماذا يعتمد العالم الحقيقي في علومه وفق الغزالي؟
يعتمد على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه لا على الصحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من غيره.
من هو المقلَّد الوحيد الذي يجوز تقليده مطلقًا؟
صاحب الشرع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر به وقاله، ويُقلَّد الصحابة من حيث إن فعلهم يدل على سماعهم من النبي.
لماذا يُسمى الحافظ دون فهم وعاءً للعلم لا عالمًا؟
لأنه يكتفي بحفظ ما يُقال دون اطلاع على الحِكَم والأسرار، فهو كالنسخة الموضوعة في المكتبة لا كالعالم الفاهم.
ما الشرط الذي وضعه الغزالي لمن يقلد صاحب الشرع في أقواله وأفعاله؟
أن يكون حريصًا على فهم أسرار الشريعة لا مجرد حفظ الألفاظ، لأن كل فعل نبوي لا بد وأن يكون لسرٍّ فيه.
من الذي يصير متبوعًا مقلَّدًا لا يقلد غيره وفق ما ذُكر؟
من كُشف عن قلبه الغطاء واستنار بنور الهداية، فهذا صار في نفسه متبوعًا ولا ينبغي أن يقلد غيره.
كيف خالف ابن عباس شيوخه زيد بن ثابت وأُبيّ بن كعب؟
تعلّم منهما الفقه والقراءة ثم خالفهما فيهما جميعًا، لأنه بلغ مرتبة من العلم تجعله متبوعًا لا مقلِّدًا.
ما موقف السلف من ما جاء عن التابعين؟
قالوا: ما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال، أي أنهم لا يُقلَّدون تقليدًا مطلقًا كما يُقلَّد النبي والصحابة.
ما الخطر الذي يترتب على ادعاء الاجتهاد بغير أهلية؟
يتحول صاحبه من طالب علم إلى زعيم ثم إلى فتنة، لأن الخطأ في الأساس يُبعده عن الهدف كلما مضى الوقت.
ما الذي يعنيه قول «ركب قطار أسوان ظنًا أنه يذهب إلى الإسكندرية»؟
يعني أن من يدّعي الاجتهاد بغير أهلية يسير في الاتجاه الخاطئ تمامًا، وكلما مضى الوقت ابتعد عن الهدف الصحيح.
ما معنى التربية بالنظرة عند أهل الله؟
هي أن ينظر الشيخ أو النبي إلى المريد فيُحدث فيه أثرًا روحيًا يوجب التعديل والاستقامة، وقد كان النبي يفعل ذلك مع أصحابه.
لماذا عُرِّف الصحابي بأنه من رآه النبي لا من رأى النبي؟
لأن الأعمى قد لا يرى النبي لكن النبي رآه فأثّر فيه بنظرته، فالتعريف يُركّز على أثر النبي في الصحابي لا العكس.
ما الحكمة من كراهة الأولين لتصنيف الكتب وتدوين الأحاديث؟
خشية أن يشتغل الناس بالكتب عن الحفظ والقرآن والتدبر والتفكر، وأرادوا أن يبقى العلم محفوظًا في الصدور حيًا.
ما الحجة الأولى التي ساقها أبو بكر لرفض جمع القرآن في مصحف؟
قال: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وخاف اتكال الناس على المصاحف وتركهم للحفظ والتلقين.
ما العلاقة بين التسهيلات التقنية والنسيان في حفظ القرآن؟
كلما جاء تسهيل جاء معه نسيان؛ فالفهرس أضعف الحفظ، والحاسوب والهاتف اشتد معهما النسيان في الناس إلا من رحم الله.
ما الدعاء الختامي المأخوذ من إحياء علوم الدين في نهاية المجلس؟
سؤال الله فتوح العارفين به وأن يُعلّمنا الأدب معه، كما هو وارد في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.
