ما هي أنواع الشكر في الإسلام وما فضله وكيف نعالج الغفلة عن شكر الله؟
الشكر في الإسلام ثلاثة أنواع: شكر اللسان بالحمد والثناء، وشكر الجنان بحضور القلب واستشعار النعمة، وشكر الأركان بتحريك الجوارح في طاعة الله. وعد الله الشاكرين بالزيادة فقال: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾. وعلاج الغفلة عن الشكر يكون بالتذكر والذكر والتعلم والنظر إلى من هو أدنى منزلةً في الرزق.
- •
هل تعلم أن الشكر ليس كلمة تُقال باللسان فحسب، بل هو منظومة متكاملة تشمل القلب واللسان والجوارح؟
- •
الشكر في الإسلام ثلاثة أنواع: شكر اللسان بالحمد، وشكر الجنان باستشعار النعمة، وشكر الأركان بالعمل الصالح.
- •
وعد الله الشاكرين بالزيادة، وجعل الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، والحمّادون على كل حال يدخلون الجنة.
- •
المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر مرتبطة بعلم الله وإخلاص كل منهما وديمومة عمله.
- •
السبب الرئيسي لانصراف الناس عن الشكر هو الجهل بالمنعم والغفلة، وعلاجه التذكر والنصح والذكر والتعلم.
- •
النظر إلى من هو أدنى في الرزق يورث الشكر والرضا، بينما النظر إلى من فوقك يُحقِّر نعمة الله في عينيك.
- 0:05
الشكر ثلاثة أنواع: شكر اللسان بالحمد، وشكر الجنان بالقلب، وشكر الأركان بالجوارح، وليس مقتصرًا على اللسان فحسب.
- 1:06
شكر اللسان هو الثناء على الله بالحمد، وهو مفتاح الأخلاق وعمل من المنجيات يشمل القلب واللسان والجوارح.
- 2:03
الإكثار من شكر اللسان يُحضر القلب ويحرك الجوارح، وذكر الله يكون باللسان والقلب والأركان معًا.
- 2:54
القرآن يعد الشاكرين بالجزاء والزيادة، ففي سورة إبراهيم: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾، وفي آل عمران: ﴿وسنجزي الشاكرين﴾.
- 3:33
الإنسان عاجز عن شكر الله حق الشكر لأن الشكر نفسه نعمة تستوجب شكرًا جديدًا في حلقة لا تنتهي.
- 4:27
صيغ الحمد الجامعة كـ«حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده» تكفي عن التكرار، وشكر الناس شرط لشكر الله.
- 5:24
الشكر يمتد من الدنيا إلى الجنة، وأهل الجنة يختمون دعواهم بالحمد، مما يدل على اتساع معنى الشكر وعظيم فضله.
- 6:01
الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، والحمادون الذين يشكرون الله على كل حال يُنصب لهم لواء ويدخلون الجنة.
- 6:48
المفاضلة بين الشكر والصبر وبين الغني الشاكر والفقير الصابر تعتمد على الإخلاص وعلم الله بحال كل شخص.
- 7:39
المفاضلة بين الشاكر والصابر تعتمد على الإخلاص وديمومة العمل، والله يحب العمل الدائم غير المنقطع.
- 8:41
أفضل أجزاء الصلاة يختلف باختلاف الناس، وابن تيمية يقول: اذهب حيث تجد قلبك وخشوعك.
- 9:48
النبي أجاب بإجابات مختلفة عن أفضل الأعمال لأنه كان يراعي حال كل سائل واحتياجه الخاص.
- 10:34
أحاديث أفضل الأعمال اختلاف تنوع لا تضاد، فالنبي بنور النبوة كان يعرف حال كل سائل ويعطيه ما يناسبه.
- 11:12
الاختلاف في أحاديث أفضل الأعمال اختلاف تنوع يراعي احتياج كل سائل، سواء في الجهاد أو بر الوالدين أو الصلاة أو الصدقة.
- 11:45
بعد الفاصل يُطرح سؤال عن طرق معرفة حقيقة الشكر كما أوضحها الغزالي، في سياق الحديث عن اختلاف التنوع في الأعمال.
- 12:36
مصادر المعرفة في الإسلام هي القرآن والكون، والفقهاء يستمدون أحكامهم من الشرع أو من استقراء الواقع والوجود.
- 13:39
حقيقة الشكر تُعرف من الشرع بالآيات والأحاديث، ومن التجربة الشخصية، ومن بصيرة القلب بتأمل الكون والوجود.
- 14:57
سبب انصراف الناس عن الشكر هو الجهل بالمنعم والغفلة عن إنعامه، مما يُوقع الإنسان في النسيان وكفران النعمة.
- 15:43
الإنسان لا يُدرك نعم الله لأنه يألفها، والألفة ترفع الكلفة، ولا يشعر بقيمتها إلا حين تُسلب منه.
- 16:45
أمثلة عملية على نعم يومية كالبول والوضوء وبلع الماء لا يُدرك الإنسان قيمتها إلا حين تُسلب منه.
- 17:11
علاج الغفلة عن الشكر يكون بالتذكر والنصح والذكر والتعلم، لأن إزالة الغفلة هي الطريق لاستشعار نعم الله.
- 18:14
النظر إلى من هو أدنى في الرزق يُعظِّم نعمة الله ويدفع إلى شكره، والنفس لا تشبع بالنظر إلى من فوقها.
- 19:03
النظر إلى من فوقك في الرزق يُحقِّر نعمة الله في عينيك لأن المقارنة لا تنتهي، وهذا يُبعد عن الشكر والقناعة.
- 19:43
النظر إلى من هو أدنى يُورث الشكر والرضا، والرضا كنز لا يفنى يدفع إلى الشكر ويُقرِّب من الله.
- 20:28
الصحة تاج لا يراه إلا المرضى، ولذلك يجب التأمل والتدبر لاستشعار نعمة الله قبل فقدانها.
- 20:54
الناس يملون النعم من الألفة ويشتاقون للنقم، وقد ضرب الله مثلًا بالقرية التي كفرت بأنعمه فعوقبت بالجوع والخوف.
- 21:45
ختام الحلقة يُعلن تأجيل الحديث عن الاشتياق للنقم إلى الحلقة القادمة، مع الإشارة إلى ارتباطه بالرضا والتسليم.
هل الشكر باللسان فقط أم له أنواع أخرى في الإسلام؟
الشكر في الإسلام ثلاثة أنواع: شكر اللسان بالحمد والثناء، وشكر الجنان المتعلق بالقلب، وشكر الأركان المتعلق بالجوارح. فالشكر ليس مقتصرًا على اللسان بل هو منظومة شاملة تربط القلب واللسان والجوارح معًا.
ما معنى شكر اللسان وما علاقته بالأخلاق والأعمال المنجيات؟
شكر اللسان هو الثناء على الله بالحمد والجميل الاختياري، وقد علّمنا الله إياه في سورة الفاتحة بقوله: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. والشكر بوجه عام مفتاح من مفاتيح الأخلاق وعمل من الأعمال المنجيات، ويشمل القلب واللسان والجوارح جميعًا.
كيف يرتبط شكر اللسان بحضور القلب وتحريك الجوارح في ذكر الله؟
كلما أكثر الإنسان من شكر اللسان حضر القلب، وكلما شعر القلب بالمنة والنعمة حرّك الجوارح جميعًا في طاعة الله. وذكر الله يكون باللسان والجنان والأركان معًا، وقد أمر الله بذلك في قوله: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾.
ما جزاء الشاكرين في القرآن الكريم ووعد الله بالزيادة على الشكر؟
وعد الله الشاكرين بالجزاء العظيم فقال: ﴿وسنجزي الشاكرين﴾، وأكد وعده بالزيادة في قوله: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾. فالشكر سبب مباشر لزيادة النعم من الله سبحانه وتعالى.
لماذا يعجز الإنسان عن شكر الله حق الشكر؟
لأن الشكر نفسه نعمة تستوجب شكرًا جديدًا، فحين يقول الإنسان الحمد لله فقد وُفِّق لهذا الحمد وهذا التوفيق نعمة تستحق شكرًا آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية. هذه الحلقة تجعل الإنسان عاجزًا عن الإحاطة بشكر الله حق شكره.
ما الصيغ الجامعة للحمد التي تكفي عن تكرار الشكر إلى ما لا نهاية، وما علاقة شكر الناس بشكر الله؟
من الصيغ الجامعة: «الحمد لله كما ينبغي لجلاله» و«الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده»، وهذه تستوعب كل النعم الحاضرة والمستقبلة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر الناس لا يشكر الله»، ولأن الله سمّى نفسه الشكور وجب علينا التخلق بهذه الصفة.
ما حقيقة الشكر وما اتساع معناه من الدنيا إلى الجنة؟
الشكر يمتد من الدنيا إلى الجنة، فأهل الجنة يحمدون الله على هدايته ووفائه بوعده، وآخر دعواهم الحمد لله رب العالمين. ولذلك يجب معرفة حقيقة الشكر وفضله وعظيم قدره واتساع معناه الذي يشمل كل أحوال المؤمن.
ما فضل الطاعم الشاكر ومن هم الحمادون الذين يدخلون الجنة؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر»، فمن أكل وشكر الله نال أجر الصائم. والحمّادون هم الذين يشكرون الله على كل حال في السراء والضراء، وينادَون يوم القيامة ليدخلوا الجنة. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الشكر نصف الإيمان.
أيهما أفضل الشكر على النعمة أم الصبر على البلاء، والغني الشاكر أم الفقير الصابر؟
العلماء يقولون إن المفاضلة بين الشكر والصبر، وبين الغني الشاكر والفقير الصابر، تعتمد على درجة الإخلاص لله وعلم الله بكل شخص. فالغني الشاكر الذي يعلم الله أنه لو أُفقر لصبر قد يكون أفضل، والفقير الصابر الذي يعلم الله أنه لو أُغني لشكر قد يكون أفضل.
كيف تُحدَّد المفاضلة بين الشاكر والصابر وما دور الإخلاص وديمومة العمل فيها؟
المفاضلة بين الشاكر والصابر مرتبطة بالإخلاص وعمق الشكر والصبر في قلب كل منهما، وبديمومة العمل لأن الله يحب العمل الدائم. فحيثما أقامك الله فأدِّ ما طُلب منك بإخلاص ومداومة دون انقطاع.
أيهما أفضل القيام أم الركوع أم السجود في الصلاة وكيف يختار المسلم؟
قال ابن تيمية: اذهب حيث تجد قلبك، فمن يجد خشوعه في القراءة والقيام يُطيل فيه، ومن يجد قلبه في الركوع أو السجود فذلك هو الأفضل له. فالأفضلية تختلف باختلاف الناس وحسب ما يُحضر القلب ويُقرّب من الله.
لماذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بإجابات مختلفة عن أفضل الأعمال؟
النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعطي كل سائل الجواب الذي يناسب حاله واحتياجه، فمن كان مقصرًا في الجهاد قال له: الجهاد في سبيل الله، ومن كان مقصرًا في بر الوالدين قال له: بر الوالدين، ومن كان غير ملتفت للصلاة قال له: الصلاة في وقتها. فالإجابات تراعي حال السائل لا أنها متناقضة.
هل أحاديث أفضل الأعمال المختلفة متناقضة أم أنها اختلاف تنوع؟
أحاديث أفضل الأعمال ليست متناقضة بل هي اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فالنبي صلى الله عليه وسلم بنور النبوة كان يعرف كل سائل ويفهم احتياجاته فيعطيه العلاج الأنسب له. فكل حديث راعى حال السائل المعين لا أن النبي غيّر رأيه.
كيف تُفسَّر الاختلافات في أحاديث أفضل الأعمال بين الجهاد وبر الوالدين والصلاة والصدقة؟
كل سائل كان يحتاج إلى تنبيه لجانب معين: الأول كان يحتاج إلى بر الوالدين، والثاني كان يتكاسل عن الجهاد، والثالث كان غير ملتفت لأوقات الصلاة، والرابع كان بخيلًا يحتاج إلى الصدقة. فهذه ليست أشياء فيها اختلاف تضاد بل هي اختلاف تنوع يراعي حال كل شخص.
ما الطرق الموصلة لمعرفة حقيقة الشكر كما ذكرها أبو حامد الغزالي؟
يُشير هذا الجزء إلى الانتقال للحديث عن طرق معرفة حقيقة الشكر كما أوضحها أبو حامد الغزالي، بعد تأكيد أن الاختلاف في أفضل الأعمال هو اختلاف تنوع لا تضاد. والطرق الموصلة لمعرفة حقيقة الشكر ستُفصَّل في الجزء التالي من الحلقة.
ما مصادر المعرفة في الإسلام وكيف يستفيد منها الفقه الإسلامي؟
مصادر المعرفة محصورة في كتاب الله المسطور وهو القرآن الكريم، وكتاب الله المنظور وهو الكون والوجود. والفقهاء يأخذون المعلومة إما من الشرع الذي هو الكتاب والسنة، وإما من تتبع واستقراء الوجود والواقع كما فعلوا في مسائل الحمل والولادة والحيض.
كيف يعرف الإنسان حقيقة الشكر من خلال الشرع والتجربة وبصيرة القلب؟
يعرف الإنسان حقيقة الشكر من الشرع عبر الآيات والأحاديث، ومن الواقع والتجربة بأن يجرّب الشكر فيشعر بلذته في قلبه. وبصيرة القلب التي تنظر بعين الاعتبار إلى حكمة الله في الكون تُوصل أيضًا إلى حقيقة الشكر، فالطريق إليه إما تدبر الآيات وإما التجربة والمعيشة مع هذا الخلق القويم.
ما الذي يجعل الناس ينصرفون عن شكر الله ويقعون في كفران النعمة؟
السبب الأساسي لانصراف الناس عن الشكر هو الجهل بالمنعم سبحانه وتعالى، وهذا الجهل يُوقع الإنسان في حالة نسيان وغفلة عن نسبة النعم إلى الله. فإذا انصرف الخلق عن شكر النعمة فإنما سببه الجهل بالمنعم والغفلة عن إنعامه سبحانه.
لماذا لا يُدرك الإنسان نعم الله إلا عند فقدها وكيف تؤثر الألفة على الشكر؟
النعم كثيرة لا تُحصى كما قال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾، لكن الإنسان يألفها فترفع الألفةُ الكلفةَ ولا يُدركها إلا عند سلبها. فنحن نتحرك ونأكل ونشرب في نعم متواصلة لا ننتبه إليها لأننا اعتدنا عليها من كرم الله.
كيف يُدرك الإنسان قيمة النعم التي يغفل عنها في حياته اليومية؟
يُدرك الإنسان قيمة النعم عند فقدها، فمن احتُبس بوله عرف نعمة البول، ومن أصابه التهاب في جلده عند الوضوء أدرك نعمة الوضوءات السابقة، ومن عجز عن بلع رشفة ماء أدرك نعمة البلع. هذه أمثلة على نعم يومية لا ندركها إلا حين تُسلب.
ما علاج الغفلة عن شكر الله وكيف نُفعِّل الشكر في حياتنا؟
علاج الغفلة عن الشكر هو إزالة الغفلة نفسها، وذلك يتم بالتذكر والنصح والموعظة والذكر والتعلم. فما دام السبب هو الغفلة فالعلاج هو ما يُزيلها، وقد قال تعالى: ﴿وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾، والتعلم يُزيل الجهالة ويجعل عين القلب ترى النعم.
كيف يُعظِّم الإنسان نعمة الله ويندفع إلى شكره بالنظر إلى من هو أدنى؟
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى من هو دون في الرزق لا إلى من فوق، فذلك أحرى بألا يحتقر الإنسان نعمة الله عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: «لو أُعطي ابن آدم واديًا من ذهب لطلب ثانيًا»، فالنفس لا تشبع بالنظر إلى الأعلى، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.
لماذا يجعلك النظر إلى من فوقك تحتقر نعمة الله عليك؟
من ينظر دائمًا إلى من فوقه في الرزق يحتقر نعمة الله عليه، لأن المقارنة لن تنتهي أبدًا فصاحب السيارتين يرى من عنده ثلاث، وصاحب الثلاث يرى من عنده سبع، وهكذا إلى ما لا نهاية. فهذا النظر لا يُفضي إلى شكر بل إلى استمرار الشعور بالنقص.
كيف يُورث النظر إلى من هو أدنى الشكرَ والرضا وما علاقة الرضا بالشكر؟
النظر إلى من هو أدنى في الرزق يُشعر الإنسان باللذة والامتنان ويدفعه إلى حمد الله، فمن يسكن في مائة متر ويرى من يسكن في ستين يشعر بنعمة الله عليه. والرضا كنز لا يفنى يدفع الإنسان دفعًا إلى الشكر، ولذلك يجب أن يرضى الإنسان ويُسلِّم.
ما معنى قولة الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى وكيف نستشعر نعمة الصحة؟
الصحة نعمة عظيمة لا يُدركها الأصحاء لأنهم يألفونها، ولا يراها إلا من فقدها من المرضى. ولذلك يجب على المرء أن يتأمل ويتدبر ويكون عاقلًا خصيمًا لنفسه حتى يشعر بنعمة الله عليه قبل أن تُسلب.
لماذا يمل الناس النعم ويشتاقون إلى النقم وما خطورة ذلك؟
الناس كثيرًا ما يملون النعم من الألفة التي ترفع الكلفة، فيشتاقون إلى النقم والمصائب دون أن يشعروا بخطورة ذلك. وقد ضرب الله مثلًا بالقرية الآمنة المطمئنة التي كفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، وهذا الاشتياق للنقم منتشر بين الناس.
ما الموضوع الذي سيُكمَل في الحلقة القادمة من الحديث عن الشكر؟
أُعلن في ختام الحلقة أن موضوع الاشتياق للنقم المنتشر بين الناس سيُتناول بالتفصيل في الحلقة القادمة، إذ لم يتسع الوقت لاستكماله. وقد أُشير إلى ارتباطه بموضوع الرضا والتسليم الذي يُعدّ كنزًا لا يفنى.
الشكر في الإسلام منظومة متكاملة من القلب واللسان والجوارح، وعلاج إهماله يبدأ بمعرفة المنعم وإزالة الغفلة.
الشكر في الإسلام ليس مجرد قول الحمد لله، بل هو ثلاثة أنواع متكاملة: شكر اللسان بالثناء والحمد، وشكر الجنان باستشعار النعمة وحضور القلب، وشكر الأركان بتحريك الجوارح في طاعة الله. وقد وعد الله الشاكرين بالزيادة في قوله: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾، وجعل الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، وبشّر الحمّادين على كل حال بدخول الجنة.
أما الغفلة عن الشكر فسببها الجهل بالمنعم سبحانه وتعالى، وعلاجها التذكر والنصح والذكر والتعلم، والنظر إلى من هو أدنى في الرزق لا إلى من فوقك. والمفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر مرتبطة بعلم الله وإخلاص كل منهما وديمومة عمله، إذ حيثما أقامك الله فأدِّ الخلق المطلوب بإخلاص وذلك هو المقام الحقيقي.
أبرز ما تستفيد منه
- الشكر ثلاثة أنواع: اللسان والقلب والجوارح، وكلها متلازمة.
- من لم يشكر الناس لا يشكر الله، والله سمّى نفسه الشكور.
- سبب ترك الشكر الجهل بالمنعم والغفلة، وعلاجه الذكر والتعلم.
- النظر إلى من هو أدنى في الرزق يورث الشكر والرضا والطمأنينة.
مقدمة الحلقة وسؤال عن أنواع الشكر هل هو باللسان فقط أم له أنواع أخرى
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بكم.
أهلًا بكم اليوم يا مولانا، إن شاء الله الحلقة رقم ستة وعشرين سنتحدث عن مفتاح من مفاتيح الأشياء التي نتحلى بها وهو الشكر. الناس يا مولانا من يقال لهم اشكر الله يقول لك: أنا أحمد ربنا وأشكر فضله، يقصد شكر اللسان. هل الشكر باللسان فقط أم له أنواع أخرى؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الشكر منه ما هو متعلق باللسان، ومنه ما هو متعلق بالجنان، ومنه ما هو متعلق بالأركان.
شكر اللسان هو الثناء على الله بالحمد والجميل الاختياري
أما الذي هو متعلق باللسان فهو الثناء بالحمد والثناء بالجميل الاختياري على رب العالمين. وربنا علمنا في سورة الفاتحة فقال:
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]
يعني كل الحمد، كل الحمد، ويعني جنس الحمد لله رب العالمين.
فهو [الشكر] في الحقيقة كمفتاح من مفاتيح الأخلاق وكعمل من الأعمال المنجيات هو متعلق بشكر الله بالأساس. الشكر لله سبحانه وتعالى يشمل هذه الأشياء الثلاث: القلب واللسان والجوارح كما يقولون.
العلاقة بين شكر اللسان وحضور القلب وتحريك الجوارح في ذكر الله
أي فكلما أكثرت من شكر اللسان كلما حضر القلب، وكلما شعر القلب بالمنة والنعمة كلما حرك الجوارح جميعًا. فذكر الله سبحانه وتعالى قد يكون باللسان، وقد يكون بالجنان، وقد يكون بالأركان.
قال تعالى:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
وقال تعالى:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
وقال صلى الله عليه وسلم:
«لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»
آيات قرآنية في فضل الشكر وجزاء الشاكرين ووعد الله بالزيادة
﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَـٰبًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145]
وسنجزي الشاكرين! والنبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يربط مع شكر الله، وهو [الله] قد قال:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى﴾ [إبراهيم: 7]
يعني لئن شكرتم لأزيدنكم.
عجز الإنسان عن شكر الله لأن الشكر نفسه نعمة تستوجب شكراً جديداً
هذه عملية تجعل الإنسان عاجزًا عن الشكر، عاجزًا عن الشكر! فهو سبحانه وتعالى، أنا شكرته، حسنًا لكن هذا [الشكر] في حد ذاته نعمة. في حد ذاتها تستوجب الشكر.
يعني عندما أقول له: الحمد لله رب العالمين، فقد وفقني لحمده وهذه نعمة، وهذه النعمة تقتضي أن أقول: الحمد لله رب العالمين الذي وفقني أن قلت الحمد لله رب العالمين!
فإذا قلت هذه الثانية والتفت إليها، فهي نعمة تستحق الشكر، فأصبح أجلس طوال النهار وطوال الليل أشكر حقًا. وهنا ماذا سأفعل؟
صيغ الحمد الجامعة التي تكفي عن تكرار الشكر إلى ما لا نهاية
فقال: لا، أي الحمد لله كما ينبغي لجلاله أن يكون وانتهى الأمر، جل جلال الله. أو الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. يوافي نعمه بما فيها، هذه نعم، ويكافئ مزيده يعني إلى يوم الدين.
وأيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من لم يشكر الناس لا يشكر الله»
الذي لا يشكر الناس الذين قدموا له خدمة أو إحسانًا فهو لا يشكر الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن الله سمى نفسه الشكور:
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: 17]
فلأن هذه الصفة من صفات الله، يجب علينا أن نتخلق بأخلاقه سبحانه وتعالى وأن أكون شكورًا.
الشكر في القرآن من الدنيا إلى الجنة وفضل معرفة حقيقته واتساع معناه
أولًا وقبل كل شيء، وكل الحمد والشكر لله رب العالمين. وقالوا [أهل الجنة]:
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ﴾ [الأعراف: 43]
وقالوا:
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 74]
وحتى في الجنة:
﴿وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [يونس: 10]
إذن يجب علينا أن نعرف حقيقة الشكر، أن نعرف فضل الشكر، أن نعرف عظيم قدر الشكر، أن نعرف اتساع معنى الشكر.
حديث الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر وحديث الحمادين يوم القيامة
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
«الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر»
انتبه! الطاعم الذي يأكل ويشكر ربنا مثل الصائم الصابر.
وقال صلى الله عليه وسلم:
«ينادي يوم القيامة: ليقم الحمّادون، فتقوم زمرة فيُنصب لهم لواء فيدخلون الجنة. قيل: من هم الحمّادون يا رسول الله؟ نريد أن نكون منهم. قال: الذين يشكرون الله تعالى على كل حال»
على كل حال يعني في السراء وفي الضراء. ولذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: الشكر نصف الإيمان.
أيهما أفضل الشكر على النعمة أم الصبر على البلاء والغني الشاكر أم الفقير الصابر
[المذيع]: هنا يا سيدنا النزاع أو الحوار أو الجدال: أيهما أفضل الشكر على النعمة أم الصبر على البلاء؟ أيهما أفضل؟ الشكر والصبر، فضيلتك، هكذا بدأنا نتطرق لهذا الأمر. هل هما متساويان أم يوجد فرق بينهما؟ أيهما أفضل الشكر أم الصبر؟
[الشيخ]: حيثما أقامك الله. العلماء عندما تكلموا في هذا الموضوع، يقول لك: حسنًا، الفقير الصابر أو الغني الشاكر، أيهما أفضل؟ قال: حسب درجة إخلاصه لله، حسب درجة شكره أو صبره، حسب علم الله به.
فإن الغني الشاكر الله يعلم أنه لو أفقره لصبر، والفقير الصابر الله أعلم أنه لو أغناه لشكر.
المفاضلة بين الشاكر والصابر مرتبطة بعلم الله وإخلاص كل منهما
لكن لو أن الله يعرف ويعلم أن الغني إذا أفقره لم يصبر، فيكون الفقير الصابر أحسن منه. [وكذلك] يعلم الله أن هذا الشخص بالذات لو أغناه الله ما شكر، فيكون الغني الشاكر أفضل منه.
ولذلك حيثما أقامك الله، يقول لك هكذا: أي شخص أفضل، لا نعرف. قد يكون هذا أفضل وقد يكون ذاك هو الأفضل، طبقًا للإخلاص وطبقًا لعمق الصبر والشكر في قلب كل واحدٍ منهما.
طبقًا لديمومة العمل، إنَّ الله يحب العمل الدائم، وكان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة، يعني دائمًا، أي لا ينقطع. لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل وتركه.
المقارنة بين الشكر والصبر بيد الله ما دام العبد أدى الخلق كما أراده الله
فإذن المقارنة بين المعاني: الشكر أو الصبر، أو ما بين الأحوال: الغني الشاكر والفقير الصابر، هي بيد الله. ما دمت أديت الخلق [المطلوب] كما هو، كما أراده الله، كما أرشد إليه الله، فأنت على هذا المقام.
أيضًا هناك محاورات معينة، يقول لك مثلًا: أيهما أفضل: القيام والقراءة، أم الركوع، أم السجود؟
قال الشيخ ابن تيمية: اذهب حيث تجد قلبك. حيث ما تجد قلبك، فواحدٌ يتلذذ بالقراءة ويجد قلبه وخشوعه ومناجاته في القراءة وفي القيام، يطيل في هذا الجزء. وآخر يحصل له هكذا الحال في الركوع. وثالث يكون قريبًا جدًا من ربه وقلبه حاضر في السجود.
النبي كان يعطي كل سائل ما يناسب حاله في أفضل الأعمال
أيهم أحسن؟ حيث ما تجد قلبك فبه. سنقول للرجل الذي هو قام: هذا هو أنت قيامك أحسن، وسنقول للثاني: ركوعك أحسن، وسنقول للثالث: سجودك هو الذي أحسن. فيختلف باختلاف الناس.
وهكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتاه رجل وقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قوم يقول له ماذا؟ جهاد في سبيل الله، فيجب على الرجل، هذا كان مقصرًا قليلًا في الجهاد فجعل له أفضل شيء لأنه هو الذي يقاوم نفسه فيها. وشخص آخر يقول له: بر الوالدين. وشخص ثالث يقول له: الصلاة في وقتها.
أحاديث أفضل الأعمال ليست متناقضة بل هي اختلاف تنوع يراعي حال السائل
يعني سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام يعطي كل شخص علاجه الذي هو أفضل بالنسبة له. هذه الأحاديث ليست متكاملة يا إخواننا وليست متناقضة، هذه الأحاديث راعت حال السائل.
هذا غير هذا، وغير هذا، وغير هذا. هذه الأحاديث ليست أن النبي عليه الصلاة والسلام غيّر رأيه، فمرة يقول إن الجهاد أفضل، ومرة يقول بر الوالدين أفضل، ومرة يقول الصلاة على وقتها أفضل، ومرة يقول ليس كذلك.
القضية هي أن هذا السائل، وبنور النبي وبنور النبوة، النبي عليه الصلاة والسلام عرفه وفهمه وفهم احتياجاته.
تفصيل احتياجات كل سائل وبيان أن الاختلاف تنوع وليس تضاداً
فاحتياجه [السائل الأول] هذا أنه يزيد قليلًا من بر الوالدين ويلتفت إليها. الاحتياج الثاني أنه لا يكسل عن الجهاد أو يتراخى. الاحتياج الثالث أنه قليلًا غير ملتفت للصلاة ومراعاة أوقاتها. الاحتياج الذي يخص الرابع أنه بخيل قليلًا، يريد أن يبسط يده قليلًا في الصدقة.
فإذا كانت هذه ليست أشياء فيها اختلاف تضاد، وإنما هو اختلاف تنوع، اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، وليس اختلاف تضاد.
الانتقال إلى الفاصل والعودة لاستكمال الحوار عن الطرق الموصلة لمعرفة حقيقة الشكر
[المذيع]: حسنًا، الوقت مع فضيلتك يمضي سريعًا يا مولانا، وصلنا لوقت الفاصل، لنذهب إلى الفاصل ونرجع لنواصل الحوار إن شاء الله. إن شاء الله فاصلٌ ونعودُ إليكم فابقوا معنا، فاصلٌ ثمَّ نواصلُ.
السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، عُدنا إليكم من الفاصل. الجزءُ الثاني من حلقةِ اليومِ من برنامجِكم إحياءِ علومِ الدينِ مع فضيلةِ الإمامِ العلامةِ الدكتورِ علي جمعة مفتي الديارِ المصريةِ.
مولانا ونحنُ خارجونَ من الفاصلِ، فضيلتُكم أوضحتْ لنا حديثَ رسول الله عليه الصلاة والسلام وأن هذا الاختلاف في الأفضلية اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد. حسنًا، ما هي يا مولانا الطرق الموصلة لمعرفة حقيقة الشكر كما قال أبو حامد الغزالي؟
مصادر المعرفة محصورة في كتاب الله المسطور والمنظور الشرع والواقع
[الشيخ]: انظر، هناك نقطة دقيقة جدًا يغفل عنها الناس كثيرًا، وهي مصادر المعرفة. مصادر المعرفة محصورة في إما أن تكون كتاب الله المسطور [القرآن الكريم] وإما أن تكون كتاب الله المنظور [الكون والوجود]؛ القرآن أو الأكوان.
المعرفة البشرية هكذا، ولذلك حرص الفقهاء جدًا على أن المعلومة التي تأتينا إما أن نأخذها من الشرع الذي هو الكتاب والسنة، وإما أن نأخذها من تتبع واستقراء الوجود.
يعني مثلًا المسائل المتعلقة بالحمل والولادة والحيض والنفاس وما إلى ذلك أخذوها من الواقع. وجدوا عندما رصدوا وشاهدوا هذه الحالات، فذهبوا وكتبوها واعتمدوا عليها في الفقه وفي بناء الأحكام عليها.
معرفة حقيقة الشكر تكون من الشرع أو من التجربة والمعيشة مع الخلق القويم
فدائمًا عندما نسأل عن المعرفة، كيف يعرف الإنسان حقيقة الشكر، يعرفه من الشرع أو يعرفه من الواقع.
في الشرع؛ الآيات والأحاديث التي ذكرناها. والوجود والتجربة - تجربة شخص جرّب الشكر لله فشعر بلذة في قلبه وعرف حقيقة الشكر. شخص شكر الناس فشعر أنه عندما يشكر الناس أصبح حسنًا عند الله وعند الناس، فعرف حقيقة الشكر.
بصيرة القلب، عين القلب له عينان وله عيون أيضًا. قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون. فبصيرة القلب وهو النظر والاعتبار لحكمة الله من تأمل الكون والوجود.
فإذا الإنسان يصل إلى حقيقة الشكر إما بتدبر الآيات وفهم الأحاديث وإما بالتجربة بالمعيشة مع هذا الخلق القويم.
سبب انصراف الناس عن الشكر هو الجهل بالمنعم والغفلة عن إنعامه سبحانه
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، هل هناك شيء آخر؟ اسمها شكر النعمة وشيء اسمه كفران النعمة. ما الذي يجعل الناس ينصرفون عن الشكر؟ وكيف نعالج هذا الداء؟ أن لا أشكر الله سبحانه وتعالى أو لا أشكر الناس.
[الشيخ]: السبب الأساسي هو الجهل بالمنعم، الجهل بالمنعم سبحانه وتعالى. هذا هو الذي يجعل المرء في حالة نسيان، في حالة توهان، في حالة أنه ليس منتبهًا لنسبة هذه النعم إلى الله سبحانه وتعالى.
فإذا انصرف الخلق عن شكر النعمة فإنما سبب ذلك الجهل بالمنعم والغفلة عن إنعامه سبحانه وتعالى.
النعم لا تحصى والألفة ترفع الكلفة فلا ندرك النعمة إلا عند فقدها
النعم كثيرة جدًا:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
ولذلك كان ينبغي علينا أن نتذكر ذلك وأن نتأمله. أي تأمل هكذا في بصرك، في سمعك، في قوتك، في صحتك، في فكرك، في مالك، ستجد نعمًا لا تُعد ولا تُحصى.
والإنسان الألفة ترفع الكلفة، الألفة ترفع الكلفة. لأنه متعود على هذه النعم، فنحن طوال النهار والليل في نعمةٌ صحيحةٌ، والحمدُ لله على النِعَم، لا ندركها إلا عندما تُسلَب منا.
فنحن معتادون عليها من كرمِ الله، هذا الذي نحن فيه من فضل الله، إذ نتحرك كل يوم ونخرج ونشرب ونأكل، وأنت لا تنتبه إلى أن كل هذه نِعَم.
أمثلة على النعم التي لا ندركها إلا عند فقدها كالبول والوضوء وبلع الماء
متى ستعرف قيمتها؟ عندما - والعياذ بالله - يُحتَبس البول بسبب حصاة أو شيء مشابه، حينها ستعرف قدرها. تصبح في تلك اللحظة في نعمة عظيمة حقًا.
هل تعرف في أي نعمة عظيمة أنت عندما تذهب للوضوء فيحدث التهاب في جلدك؟ إنه أما الله! أما تلك الوضوءات كلها التي كانت، لقد كانت نعمة بالفعل حقًا.
هل تعرف عندما لا تستطيع بلع رشفة ماء، هل تدرك أنك في نعمة؟
علاج الغفلة عن الشكر يكون بالتذكر والنصح والذكر والتعلم
فإذا العلاج هو - نستطيع أن نقول - إنه الذكرى، نستطيع أن نقول التذكر:
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
إذن العلاج هو ما يزيل الغفلة، ما يزيل الغفلة؛ لأنه ما دام السبب لعدم الشكر هو الغفلة، فيكون العلاج هو إزالة الغفلة.
وإزالة الغفلة تتم بالنصح، وتتم بالتذكير والموعظة، وتتم بالذكر، فأكثروا من الذكر، وتتم بالتعلم.
أحدٌ يسمعنا الآن فينتبه إلى النعم، وبعد ذلك يبدأ يُفعِّل لروحه برنامج. ها هو ذا التعلم والعلم الذي يُزيل الجهالة، الذي يجعل عين القلب ترى. يعني ذلك هو الأساس في هذا العلاج.
تعظيم النعمة بالنظر إلى من هو أدنى وحديث لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب
متى تعظم نعمة الله وتندفع إليها دفعًا؟ إذا نظرت إلى من هو أسوأ منك، إذا نظرت إلى من هو أدنى منك المنزلة في الرزق مثلًا.
قال صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإن ذلك أحرى بألا تحقروا نعمة الله عليكم»
ما هو؟
«لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. لو أُعطي ابن آدم واديًا من ذهب لطلب ثانيًا، ولو أنه أُعطي الثاني لطلب ثالثًا»
فلا فائدة، ليس راضيًا أن يسكت.
النظر إلى من فوقك يجعلك تحتقر نعمة الله والمقارنات لا تنتهي أبداً
فدائمًا الإنسان وهو ينظر إلى من فوقه يحتقر نعمة الله عليه. يقول لك: أنا عندي سيارتين لكن فلان عنده ثلاث. وصاحب الثلاث يقول: فلان عنده سبع. حسنًا، وعلى فكرة لن ننتهي، هذا صحيح.
قد يكون لدى شخص أسطول سيارات، لكن هناك من لديه أكثر منه، وهناك من لديه مصنع. أي أنه لا يوجد شخص متفوق بشكل مطلق بهذه الطريقة.
يقول أحدهم: لدي ثلاث غرف نوم، فيرد عليه الآخر: لا، أنا لدي سبعة. هذا الأمر لن ينتهي، هذا صحيح. فهناك قصر المتاهة كان هذا الذي في الفيوم يحتوي على ألف غرفة، ألف غرفة! فالحكاية لن تنتهي هكذا.
النظر إلى من هو أدنى يورث الشكر والرضا ويدفع إلى حمد الله على النعم
لكن عندما أكون ساكنًا في شقة مساحتها مائة متر وأقول الحمد لله، فهناك غيري يسكن في ستين مترًا. يا سلام! أشعر باللذة وأشعر دائمًا: انظر إلى من هو أدنى مني حتى لا أحتقر نعمة الله عليَّ.
ألا أنظر إلى من يسكن في القصر، بل أنظر إلى من شقته أصغر من شقتي، ومن شقته أصغر من شقتي لم يجد شقة تأويه أصلًا مثلًا، وهو في الطل [العراء] هكذا.
فهذا أمر مهم جدًا أن يرضى الإنسان ويُسلِّم، ولعلنا نتحدث عن شيء في الرضا والتسليم أيضًا؛ لأن الرضا هذا كنز لا يفنى، ويدفعك دفعًا إلى الشكر.
الصحة تاج على رؤوس الأصحاء ووجوب التأمل والتدبر لاستشعار نعم الله
وقوله تعالى:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]
[المذيع]: لفضيلتك أوضحت لنا سيدنا المقولة التي تقول إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يشعر به ولا يراه إلا المرضى. طبعًا لا يحس بالنعمة إلا من فُقدت منه، ونعوذ بالله.
[الشيخ]: تمامًا، ولذلك يجب على المرء أن يتأمل وأن يتدبر وأن يكون عاقلًا وأن يكون خصيمًا لنفسه ويشعر بنعمة الله عليه.
الناس تمل النعم وتشتاق إلى النقم من الألفة التي ترفع الكلفة
وهنا أيضًا شعوره [الإنسان] بنعمة الله عليه في مسألة أخرى مهمة يجب أن نقولها للناس: أن الناس كثيرًا ما تمل النعم، تمل النعم من الألفة التي ترفع الكلفة، وتشتاق إلى النقم! لا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول لك: الله! يعني نحن جالسون هكذا بدون مصيبة؟ لماذا يا الله؟ يا أخي قل الحمد لله! يقول لك: لا، انتظر حتى أفكر، ما الذي ينقصني؟ أنا أريد أن أفكر ما الذي ينقصني.
مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة وكفرت بأنعم الله:
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]
يا ساتر! اشتياق للنقم هذا منتشر بين الناس.
ختام الحلقة والوعد بالحديث عن الاشتياق للنقم في الحلقة القادمة
[المذيع]: حسنًا، نحن يا مولانا نريد أن نقف عند الاشتياق للنقم، يمكننا تناوله بإيجاز في الحلقة القادمة؛ لأن الوقت قد مضى مع فضيلتكم وأصبحنا محاصرين حوالي دقيقة.
-أهلًا وسهلًا-، حفظك الله يا سيدنا ونفعنا بعلمك. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة على هذا الجهد وعلى هذا العلم من فضيلته.
على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، ونترككم في حفظ الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
كم عدد أنواع الشكر في الإسلام؟
ثلاثة أنواع: اللسان والجنان والأركان
ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر»؟
من أكل وشكر الله نال أجرًا يعادل أجر الصائم الصابر
من هم الحمّادون الذين يُنادَون يوم القيامة ليدخلوا الجنة؟
الذين يشكرون الله على كل حال في السراء والضراء
ما السبب الأساسي لانصراف الناس عن شكر الله؟
الجهل بالمنعم والغفلة عن إنعامه
ما الصيغة الجامعة للحمد التي تستوعب كل النعم الحاضرة والمستقبلة؟
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده
ما الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه عن الشكر؟
الشكر نصف الإيمان
كيف تُحدَّد المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر؟
تعتمد على درجة الإخلاص وعلم الله بكل شخص
ما مصادر المعرفة في الإسلام كما ذُكر في الحلقة؟
كتاب الله المسطور وهو القرآن، وكتاب الله المنظور وهو الكون
لماذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بإجابات مختلفة عن أفضل الأعمال؟
لأنه كان يراعي حال كل سائل واحتياجه الخاص
ما الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم لتعظيم نعمة الله؟
النظر إلى من هو دونك في الرزق لئلا تحتقر نعمة الله
ما علاج الغفلة عن شكر الله؟
التذكر والنصح والذكر والتعلم
ما معنى قول «الألفة ترفع الكلفة» في سياق الشكر؟
التعود على النعم يجعل الإنسان لا يُدركها ولا يشكر عليها
ما الذي قاله ابن تيمية عن أفضل أجزاء الصلاة؟
اذهب حيث تجد قلبك وخشوعك
ما الآية التي تدل على أن النعم لا تُحصى؟
﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾
ما الذي يُشير إليه حديث «لو أُعطي ابن آدم واديًا من ذهب لطلب ثانيًا»؟
أن النفس البشرية لا تشبع بالنظر إلى الأعلى وهذا يُبعد عن الشكر
ما الأنواع الثلاثة للشكر في الإسلام؟
الشكر ثلاثة أنواع: شكر اللسان بالحمد والثناء، وشكر الجنان بحضور القلب واستشعار النعمة، وشكر الأركان بتحريك الجوارح في طاعة الله.
ما وعد الله للشاكرين في سورة إبراهيم؟
قال الله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾، فوعد الشاكرين بالزيادة في النعم.
لماذا يعجز الإنسان عن شكر الله حق الشكر؟
لأن الشكر نفسه نعمة تستوجب شكرًا جديدًا، فحين يقول الإنسان الحمد لله فقد وُفِّق لهذا الحمد وهذا التوفيق نعمة تستحق شكرًا آخر، وهكذا في حلقة لا تنتهي.
ما معنى حديث «من لم يشكر الناس لا يشكر الله»؟
من لا يشكر الناس الذين قدموا له خدمة أو إحسانًا فهو لا يشكر الله سبحانه وتعالى، فشكر الناس مرتبط بشكر الله.
ما الصفة الإلهية المرتبطة بالشكر وما أثرها على المسلم؟
الله سمّى نفسه الشكور في قوله: ﴿والله شكور حليم﴾، ولأن هذه صفة من صفات الله وجب على المسلم التخلق بها والتحلي بالشكر.
كيف يعرف الإنسان حقيقة الشكر؟
يعرف حقيقة الشكر إما بتدبر الآيات وفهم الأحاديث من الشرع، وإما بالتجربة الشخصية بمعيشة هذا الخلق القويم، وإما ببصيرة القلب بتأمل الكون والوجود.
ما الفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد في أحاديث أفضل الأعمال؟
اختلاف التنوع يعني أن كل حديث يُخاطب حاجة سائل معين، فليست الأحاديث متناقضة بل متكاملة. أما اختلاف التضاد فهو التناقض الحقيقي الذي لا يوجد في هذه الأحاديث.
ما مصادر المعرفة في الإسلام؟
مصادر المعرفة محصورة في كتاب الله المسطور وهو القرآن الكريم، وكتاب الله المنظور وهو الكون والوجود، ويُستمد منهما الشرع والاستقراء الواقعي.
ما الذي يجعل الإنسان لا يُدرك نعم الله في حياته اليومية؟
الألفة ترفع الكلفة، فالإنسان يتعود على النعم فلا يُدركها، ولا يشعر بقيمتها إلا حين تُسلب منه كالصحة والبصر والسمع.
ما الحديث النبوي الذي يأمر بالنظر إلى من هو أدنى في الرزق؟
قال صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإن ذلك أحرى بألا تحقروا نعمة الله عليكم».
ما خطورة الاشتياق إلى النقم والملل من النعم؟
الاشتياق للنقم يُعرِّض الإنسان لعقوبة الله، وقد ضرب الله مثلًا بالقرية الآمنة التي كفرت بأنعمه فأذاقها لباس الجوع والخوف.
ما علاقة الرضا بالشكر؟
الرضا كنز لا يفنى يدفع الإنسان دفعًا إلى الشكر، فمن رضي بما أعطاه الله وسلّم شعر بالنعمة وانطلق إلى حمد الله وشكره.
ما معنى قولة «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى»؟
الصحة نعمة عظيمة يألفها الأصحاء فلا يُدركون قيمتها، ولا يشعر بها حق الشعور إلا من فقدها من المرضى، ولذلك يجب التأمل والتدبر لاستشعارها.
ما الصيغة الجامعة للحمد التي تكفي عن تكرار الشكر إلى ما لا نهاية؟
«الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده»، فهذه الصيغة تستوعب كل النعم الحاضرة وتُكافئ الزيادة المستقبلة إلى يوم الدين.
ما الذي يُورثه النظر إلى من هو أعلى في الرزق؟
النظر إلى من هو أعلى في الرزق يجعل الإنسان يحتقر نعمة الله عليه، لأن المقارنة لن تنتهي أبدًا وستظل النفس تطلب المزيد.
ما الذي يُزيل الجهل بالمنعم ويُعالج الغفلة عن الشكر؟
التعلم والعلم يُزيلان الجهالة ويجعلان عين القلب ترى النعم، إلى جانب التذكر والنصح والموعظة والإكثار من الذكر.
