ما الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية وأيهما يجب تقديمه في تزكية النفس؟
فرض العين هو ما يجب على كل مسلم بعينه كتزكية النفس وتعلم أخلاق القلب، أما فرض الكفاية فهو ما إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين كعلم الفقه التفصيلي. يرى الإمام الغزالي أن علم المعاملة — وهو علم أحوال القلب من الأخلاق المحمودة والمذمومة — فرض عين على كل مسلم، وأن تقديم فرض الكفاية عليه خطأ جسيم. فالعاقل يبدأ بنفسه ويُقدّم فرض العين على فرض الكفاية.
- •
هل تعلم أن تعلم أخلاق القلب كالإخلاص والتوكل فرض عين على كل مسلم بينما كثير من الفقه التفصيلي فرض كفاية فحسب؟
- •
قسّم الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين العلوم إلى علم مكاشفة وعلم معاملة، وعلم المعاملة هو علم أحوال القلب من أخلاق محمودة ومذمومة.
- •
الأخلاق المحمودة كالصبر والشكر والإخلاص والتوكل منبع الطاعات، والأخلاق المذمومة كالكبر والحسد والرياء مغارس الفواحش والمحظورات.
- •
انتقد الغزالي الفقهاء الذين يُتقنون مسائل اللعان والظهار ويعجزون عن تعريف الإخلاص، مع أن الإخلاص فرض عين وإهماله هلاك في الآخرة.
- •
الغرض من علم المعاملة الوصول إلى سمت النبوة بالتخلي عن القبائح والتحلي بالفضائل حتى يذكّر المرء الناس بالله حين يرونه.
- •
حذّر الغزالي من العالم الذي يترك تخصصه ويزاحم الفقهاء دون شيخ ولا مذهب، طلبًا للشهرة والزعامة لا لوجه الله.
- 0:29
مقدمة كتاب العلم من إحياء علوم الدين؛ يُقسّم الغزالي العلوم إلى مكاشفة لا تُدوَّن ومعاملة تُكتب وتُدرَّس وهي من درجة الإحسان.
- 1:46
يُعرّف الغزالي علم المعاملة بأنه علم أحوال القلب، ويسرد الأخلاق المحمودة كالصبر والإخلاص والصدق باعتبارها من علم الآخرة.
- 2:43
يسرد الغزالي الأخلاق المذمومة في صفات القلب كالكبر والحسد والرياء والعجب، وهي مغارس الفواحش ومنابت الأعمال المحظورة.
- 3:51
يُقرر الغزالي أن علم المعاملة فرض عين، والمعرض عنه هالك في الآخرة، في مقابل المعرض عن الأعمال الظاهرة الهالك في الدنيا.
- 5:07
ينتقد الغزالي الفقيه الذي يُتقن مسائل اللعان والظهار ويجهل الإخلاص والتوكل، مع أن هذه الأخيرة فرض عين وإهمالها هلاك في الآخرة.
- 6:03
يكشف الغزالي تلبيس من يشتغل بالفقه التفصيلي ويسميه فرض كفاية، مع إهماله فرض العين وإهمال فروض كفاية أخرى أشد حاجة كالطب.
- 6:58
يُفصح الغزالي أن السبب الحقيقي لتقديم الفقه على غيره هو الدنيا والجاه لا الدين، ويصف ذلك بأنه تلبيس علماء السوء الذي أندرس به علم الدين.
- 7:57
يُبيّن أن العبادة تقوم على ركيزتين: عمارة الدنيا التي اعتنى بها الفقهاء، وتزكية النفس بالتخلية والتحلية التي هي غاية علم المعاملة.
- 9:01
يرسم الغزالي الخريطة الكاملة: علم الدنيا فرض كفاية يسقط بقيام البعض، وعلم المعاملة فرض عين لا يسقط لأن تزكية النفس لا ينوب فيها أحد عن أحد.
- 10:20
يستنكر الغزالي تقديم فرض الكفاية على فرض العين في الأخلاق والسلوك، مستشهدًا بأحاديث نبوية تأمر بالبدء بالنفس قبل الغير.
- 11:17
يستدل الغزالي بإهمال الطب وتركه لغير المسلمين على أن الدافع للاشتغال بالفقه هو الدنيا لا الدين، مؤكدًا أولوية فرض العين.
- 12:27
ينتقد الغزالي العالم الذي يترك تخصصه ويزاحم الفقهاء دون شيخ ولا مذهب طلبًا للشهرة، محذرًا من الالتفاف حوله والانصراف عن علوم الآخرة.
- 13:32
يُعرّف سمت النبوة بأنه ثمرة التخلية والتحلية: هدوء وصدق وحب وعطاء، وعلامته أن من يرى صاحبه يذكر الله تعالى.
- 14:48
يُفرّق بين وليّ الرحمن الذي يُذكّر رؤيته بالله، ووليّ الشيطان الذي يُذكّر مظهره بالاعوجاج، والفارق هو التزكية بعلم المعاملة.
- 15:40
يُقرر أن غاية علم المعاملة الوصول إلى سمت النبوة والاقتداء بالنبي ﷺ الذي بُعث لإتمام مكارم الأخلاق وكان خلقه القرآن.
ما هو علم المعاملة في إحياء علوم الدين وكيف قسّم الغزالي العلوم؟
قسّم الإمام الغزالي العلوم في إحياء علوم الدين إلى علم مكاشفة وعلم معاملة. علم المكاشفة لا تستطيعه اللغة ولا يُدوَّن في الكتب، ويتفاهم به أهله فيما بينهم. أما علم المعاملة فهو المدوَّن في الكتب وهو من درجة الإحسان وعلم التصوف، وهو موضوع كتاب العلم من الإحياء.
ما تعريف علم المعاملة عند الغزالي وما الأخلاق المحمودة التي يشملها؟
علم المعاملة عند الغزالي هو علم أحوال القلب. أما ما يُحمد من هذه الأحوال فيشمل الصبر والشكر والخوف والرجاء والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء والإخلاص وحسن الخلق والصدق. ومعرفة حقائق هذه الأحوال وأسبابها وثمراتها وعلاجها هو علم الآخرة.
ما الأخلاق المذمومة التي يجب التخلي عنها وفق الإمام الغزالي؟
ذكر الغزالي طائفة من الأخلاق المذمومة في صفات القلب، منها: الكبر والرياء والحسد والغل والحقد والغش وحب الثناء والبخل والعجب والمداهنة والتكبر عن الحق. وتشمل أيضًا تعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء والفخر والخيلاء والاشتغال بعيوب الناس عن عيوب النفس.
لماذا وصف الغزالي علم المعاملة بأنه فرض عين وما عاقبة المعرض عنه؟
وصف الغزالي علم المعاملة — وهو العلم بحدود صفات القلب وأسبابها وعلاجها — بأنه فرض عين في فتوى علماء الآخرة. والمعرض عنه هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، تمامًا كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فقهاء الدنيا. وأضداد الأخلاق المذمومة وهي الأخلاق المحمودة هي منبع الطاعات والقربات.
كيف يُقارن الغزالي بين اهتمام الفقهاء بفروض الكفاية وإهمالهم لفروض العين كالإخلاص والتوكل؟
يرصد الغزالي تناقضًا صارخًا: الفقيه يعجز عن تعريف الإخلاص أو التوكل أو وجه الاحتراز عن الرياء مع أنها فرض عين وإهمالها هلاكه في الآخرة. لكنه إن سُئل عن اللعان والظهار والسبق والرمي سرد مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إليها. ويُبيّن أن نظر الفقهاء في فروض العين كان بالإضافة إلى صلاح الدنيا لا صلاح الآخرة.
ما الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية وكيف يُلبّس بعضهم على أنفسهم بتقديم الكفاية على العين؟
فرض الكفاية هو ما إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، أما فرض العين فلا يسقط بقيام الغير. يُبيّن الغزالي أن من يتعب ليلًا ونهارًا في التفريعات الفقهية ويغفل عن تزكية نفسه يُلبّس على نفسه بقوله إنه يؤدي فرض الكفاية. والفطن يعلم أن أداء فرض الكفاية يستلزم تقديم فرض العين أولًا، بل وتقديم كثير من فروض الكفايات الأخرى كالطب.
ما حكم الاشتغال بفرض الكفاية مع إهمال فرض العين وما السبب الحقيقي لذلك؟
يُنكر الغزالي على من يشتغل بفرض كفاية قد قام به جماعة ويُهمل ما لا قائم به، ويصف ذلك بأنه تلبيس علماء السوء الذي أندرس به علم الدين. ويكشف السبب الحقيقي صراحةً: الطب لا يُوصّل إلى تولي الأوقاف وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والتسلط على الأعداء، بخلاف الفقه. ويختم بأن هذا الغرور يُسخط الرحمن ويُضحك الشيطان.
ما الأمران اللذان أمر الله بهما في العبادة وما الفرق بين عمارة الدنيا وتزكية النفس؟
الأصل في العبادة أمران: عمارة الدنيا وتزكية النفس. عمارة الدنيا قام بها الفقهاء وفصّلوا أمرها بدقة وهي لا بد منها لإصلاح حال الدنيا. أما تزكية النفس فتتأتى بالتخلية والتحلية، وقاعدتها: من تخلّى ثم تحلّى للأنوار تجلّى.
ما الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية في سياق علم المعاملة وعلم الدنيا؟
يُوضح الغزالي أن علم الدنيا — وهو الفقه التفصيلي — من باب فرض الكفاية الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين. أما علم الآخرة — وهو علم المعاملة بالتخلية والتحلية — فهو من باب فرض العين الذي لا يسقط بقيام الغير، إذ كل واحد لا بد أن يُخلي قلبه من القبيح ويُزيّنه بالصحيح بنفسه.
لماذا يتعجب الغزالي ممن يُقدّم تعلم الفقه على تعلم الأخلاق والسلوك وما الدليل النبوي على ذلك؟
يتعجب الغزالي ممن يُبادر لتعلم الفقه ويغفل عن تعلم الأخلاق والسلوك، لأن الفقه فرض كفاية والأخلاق فرض عين، وفرض العين مقدم بلا شك على فرض الكفاية. ويستشهد بقول النبي ﷺ: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» و«ابدأ بنفسك ثم بمن يليك»، وبقوله: «أترى القذاة في عين أخيك وتدع جذع النخلة في عينك».
كيف يُوظّف الغزالي مسألة الطب دليلًا على تقديم الناس للدنيا على الدين في اختيار ما يتعلمونه؟
يضرب الغزالي مثلًا بليغًا: المسلمون تركوا الطب في أيدي غير المسلمين مع أن الطب فرض كفاية لا يجوز إهماله، بينما تزاحموا على الفقه. ويُفسّر ذلك بأن الدافع الحقيقي هو الدنيا: الشهرة والزعامة والأموال والتقدم على الأقران. ويُقرر أن الإنسان العاقل خصيم نفسه يبدأ بها ويُربيها، وأن فرض العين مقدم على فرض الكفاية وإن عكس الناس ذلك.
ما صفات العالم الذي يزاحم الفقهاء دون علم ولا شيخ وما خطورته؟
يصف الغزالي هذا الصنف بأنه يترك تخصصه الذي يحتاجه الناس ليزاحم الفقهاء دون أن يُتقن ذلك ودون أن يسير السير المعتبر. لا يُعرف له شيخ ولا مذهب ولا أستاذ، ظهر كنبتة من النباتات يطلب الظهور على سبيل الهوى. والتفاف الناس حوله كالتفاف الذباب على القمامة، وهذا لا يُرضي الله ويصرف عن الالتفات إلى علوم الآخرة.
ما المقصود بسمت النبوة وكيف يصل إليه من تخلّى وتحلّى بعلم المعاملة؟
سمت النبوة هو الهيئة التي يصل إليها من أتم التخلية والتحلية: رجل هادئ الطبع لا ينازع الناس الدنيا، صادق شفاف لا يحقد على أحد، قلبه مملوء بالحب والعطاء، رفيق شفيق أنيق. وهذه الأخلاق التي يصفها الغزالي في علم المعاملة هي بعينها ما يُريد بك أن تصل إليه، وعلامتها أن من يراك يذكر الله.
ما الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في المظهر والأثر على من يراهم؟
أولياء الرحمن هم من إذا رآهم الناس ذكروا الله، أما أولياء الشيطان فمظهرهم يذكّر بالشياطين والاعوجاج لا بالرحمن. والفارق جوهري: الأول ثمرة التخلية والتحلية وسمت النبوة، والثاني نتيجة الغفلة عن علوم الآخرة وتزكية النفس.
ما الغرض النهائي من علم المعاملة وكيف يرتبط بالاقتداء بالنبي ﷺ؟
الغرض النهائي من علم المعاملة أن يكون المرء على سمت النبوة، مقتديًا بالنبي ﷺ الذي قال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وكان خلقه القرآن وكان قرآنًا يمشي على الأرض. وقد أمر الله باتخاذه أسوة حسنة: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فيكون المرء وردة يشمّها الناس ويذكرون بها الله.
فرض العين وفرض الكفاية ميزان دقيق: تزكية النفس فرض عين لا يسقط بقيام الغير، والفقه التفصيلي فرض كفاية يكفي فيه البعض.
فرض العين وفرض الكفاية تمييز محوري في منهج الإمام الغزالي بإحياء علوم الدين؛ فعلم المعاملة — وهو معرفة أحوال القلب من إخلاص وتوكل وتخلص من كبر وحسد ورياء — فرض عين على كل مسلم بعينه، لأن إهماله هلاك في الآخرة بحكم علماء الآخرة، تمامًا كما أن إهمال الأعمال الظاهرة هلاك بحكم فقهاء الدنيا.
يُفرّق الغزالي بين عمارة الدنيا التي قام بها الفقهاء وفصّلوا أمرها — وهي من باب فرض الكفاية يسقط بقيام من يكفي — وبين تزكية النفس بالتخلية والتحلية التي لا ينوب فيها أحد عن أحد. ومن هنا جاء إنكاره على من يُتقن مسائل اللعان والظهار ويعجز عن تعريف الإخلاص، ومن يترك تخصصه ليزاحم الفقهاء طلبًا للشهرة لا لوجه الله، والغاية النهائية من هذا كله الوصول إلى سمت النبوة.
أبرز ما تستفيد منه
- علم المعاملة فرض عين على كل مسلم ولا يسقط بقيام الغير.
- فرض الكفاية يسقط إذا قام به من يكفي من أهل البلد.
- تقديم فرض الكفاية على فرض العين خطأ ينتقده الغزالي صراحة.
- الغاية من تزكية النفس بالتخلية والتحلية هي الوصول إلى سمت النبوة.
مقدمة الدرس وافتتاح كتاب العلم من إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع إحياء علوم الدين لإمام الأئمة وبدر التتمة حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.
ومع كتاب العلم، وفيما ذكره [الإمام الغزالي] حول علوم المعاملة؛ فقد قسّم العلوم قبل ذلك إلى مكاشفة ومعاملة، وقال إن المكاشفة لا تقدر عليها اللغة ولا تستطيعها، ولذلك لا نجدها مدونة في الكتب، وإنما يتفاهم من ذاقها ووصل إليها بعضهم مع بعض.
أما الذي ذُكِر في الكتب وهو أيضًا من علم التصوف وهو أيضًا من درجة الإحسان في المقابل، هو علم المعاملة، ونقرأ الآن ما ذكره إمام الأئمة عن علم المعاملة.
تعريف علم المعاملة وبيان الأخلاق المحمودة التي تُكتسب بها
[الشيخ]: اقرأ يا شيخ محمد.
[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى:
وأما القسم الثاني وهو علم المعاملة، فهو علم أحوال القلب؛ أما ما يُحمد منها فكالصبر والشكر والخوف والرجاء والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء، ومعرفة المنة لله تعالى في جميع الأحوال والإحسان وحسن الظن وحسن الخلق وحسن المعاشرة والصدق والإخلاص.
فمعرفة حقائق هذه الأحوال وحدودها وأسبابها التي بها تُكتسب وثمراتها وعلاماتها، ومعالجة ما ضعف منها حتى يقوى وما زال حتى يعود، من علم الآخرة.
بيان الأخلاق المذمومة التي يجب التخلي عنها من صفات القلب
وأما ما يُذم؛ فخوف الفقر وسخط المقدور، والغل والحقد والحسد والغش؛ وطلب العلو وحب الثناء وحب طول البقاء في الدنيا للتمتع؛ والكبر والرياء والغضب والأنفة والعداوة والبغضاء؛ والطمع والبخل والرغبة والبذخ والأشر والبطر.
وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء؛ والفخر والخيلاء والتنافس والمباهاة؛ والاستكبار عن الحق والخوض فيما لا يعني وحب كثرة الكلام؛ والصلف والتزين للخلق والمداهنة والعجب.
والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس؛ وزوال الحزن من القلب وخروج الخشية منه وشدة الانتصار للنفس إذا نالها الذل وضعف الانتصار للحق؛ واتخاذ إخوان العلانية على عداوة السر.
تتمة الأخلاق المذمومة وبيان أنها مغارس الفواحش ومنابت المحظورات
والأمن من مكر الله تعالى في سلب ما أعطى والاتكال على الطاعة والمكر والخيانة والمخادعة؛ وطول الأمل والقسوة والفظاظة؛ والفرح بالدنيا والأسف على فواتها والأنس بالمخلوقين والوحشة لفراقهم والجفاء والطيش والعجلة وقلة الحياء وقلة الرحمة.
فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش ومنابت الأعمال المحظورة، وأضدادها وهي الأخلاق المحمودة منبع الطاعات والقربات.
فالعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمراتها وعلاجها هو علم الآخرة، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، فالمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما إن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا.
المقارنة بين اهتمام الفقهاء بفروض الكفاية وإهمالهم لفروض العين
فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا، وهذا [علم المعاملة] بالإضافة إلى صلاح الآخرة.
ولو سُئل فقيه عن معنى من هذه المعاني، حتى عن الإخلاص مثلًا، أو عن التوكل، أو عن وجه الاحتراز عن الرياء، لتوقف فيه، مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة.
ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج إليها لم تخلُ البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها.
انتقاد من يشتغل بفرض الكفاية ويغفل عن فرض العين في الدين
فلا يزال يتعب فيها [في التفريعات الفقهية] ليلًا ونهارًا وفي حفظه ودرسه، ويغفل عما هو مهم نفسه في الدين.
وإذا رُوجع فيه قال: اشتغلت به لأنه علم الدين وفرض كفاية، ويُلبِّس على نفسه وعلى غيره في تعلُّمه.
والفطن يعلم أنه لو كان غرضه أداء حق الأمر في فرض الكفاية لقدَّم عليه فرض العين، بل قدّم عليه كثيرًا من فروض الكفايات؛ فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة، ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه، ثم لا نرى أحدًا يشتغل به.
إنكار الغزالي على من يتهاترون على الفقه ويتركون ما هو أولى منه
ويتهاترون على علم الفقه، لا سيما الخلافيات والجدليات، والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع.
فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به!
هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران والتسلط به على الأعداء؟
هيهات، هيهات! قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوء، فالله تعالى المستعان وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يُسخط الرحمن ويُضحك الشيطان.
الأصل في العبادة عمارة الدنيا وتزكية النفس بالتخلية والتحلية
[الشيخ]: إذن فالأصل هو عبادة الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نعبده، وذلك من خلال أمرين:
-
الأمر الأول: هو عمارة الدنيا.
-
الأمر الثاني: هو تزكية النفس.
أما عمارة الدنيا فقد قام بها الفقهاء وفصّلوا أمرها تفصيلًا وقسّموا أقسامها وبيّنوها بكل دقة، وهو [الإمام الغزالي] يسميهم هنا علماء الدنيا، وهذا لا بد منه لإصلاح حال الدنيا وعمارتها.
إلا أن الله سبحانه وتعالى أمرنا أيضًا بتزكية النفس، وتزكية النفس تتأتى بالتخلية والتحلية، قالوا: من تخلّى ثم تحلّى للأنوار تجلّى.
شرح مراحل التزكية من التخلي عن القبائح إلى التحلي بالفضائل
إذن في التحلي والتخلي والتجلي:
أما التخلي فهو التخلي من كل قبيح، وضرب الإمام [الغزالي] مثلًا لذلك بالأخلاق الرديئة كالكبر والحقد والحسد والأنفة والبغضاء وحب الدنيا وهكذا.
وضرب أيضًا مثلًا للتحلي بالتواضع لله والحب لله والهدوء النفسي والشفافية، وكل ما سرده مما سوف يذكره تفصيلًا في كتابي أو ربعي المهلكات والمنجيات بالتفصيل.
لكنه يرسم لك الخريطة أن علم المعاملة إنما هو علم الآخرة، وفي مقابله علم الدنيا؛ علم الدنيا من باب فرض الكفاية، وفرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وعلم الآخرة هو من باب فرض العين.
التعجب ممن يقدم فرض الكفاية على فرض العين في تعلم الأخلاق والسلوك
فكل واحد منا لا بد أن يُخلي قلبه من القبيح وأن يزينه بالصحيح، ولذلك يتعجب [الإمام الغزالي] من أولئك الذين يبادرون لتعلم الفقه ولكنهم يغفلون تمام الغفلة عن تعلم الأخلاق والسلوك إلى ملك الملوك.
ويتعجب ويقول: كيف هذا؟ إذا رأيت هذا [الفقه] فرضًا فلتعلم أنه فرض كفاية، فكيف قدمته على فرض العين؟ وفرض العين مقدم بلا شك على فرض الكفاية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»
«ابدأ بنفسك ثم بمن يليك»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«أترى القذاة في عين أخيك وتدع جذع النخلة في عينك»
وجوب محاسبة النفس وتقديم فرض العين على فرض الكفاية
فلا بد للإنسان أن يبدأ بنفسه، وقال صلى الله عليه وسلم:
«حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»
ولذلك فالإنسان العاقل إنما هو خصيم نفسه، وليبدأ بنفسه وليُربِّ نفسه، ولذلك كان فرض العين مقدمًا على فرض الكفاية، لكن الناس عكسوا ذلك.
قال [الإمام الغزالي]: وإذا كنتم تذهبون إلى الفقه وتتركون الطب في أيدي غير المسلمين، فما هذا الذي تفعلونه؟ ولمَ فعلتم هذا؟ إنكم فعلتموه للدنيا.
فيريد [الإمام] أن يحرر قلب من تصدر للفقه ومن تمثّل أمام الناس به ولكنه لا يفعل ذلك لله، إنما لشهرة أو زعامة أو أموال أو لغير ذلك من الأمور التي نراها ولا نزال نراها في عصرنا الحاضر.
انتقاد من يترك تخصصه ويزاحم الفقهاء دون علم ولا شيخ
وكأنه [الإمام الغزالي] يكتب لنا، يترك الطب ويترك تخصصه الذي نحن في أشد الحاجة إليه ليزاحم الفقهاء، ثم إنه لا يتقن ذلك ولا يسير سير السير المعتبر في هذا.
لا ترى له شيخًا ولا تسمع له مذهبًا ولا تعلم له أستاذًا ولا أي شيء، ظهر هكذا كنبتة من النباتات، لم يرد هذا [العلم الشرعي المنضبط] وأراد هذا [الظهور] على سبيل الهوى.
ولما كان ذلك؟ لأنه التف حوله أناس كالتفاف الذباب على القمامة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وهذا لا يُرضي الله وفيه التفات عن الآخرة، ولا بد علينا مرة بعد أخرى أن نعود إلى الالتفات إلى الآخرة وإلى علوم الآخرة.
سمت النبوة والهيئة التي يصل إليها من تخلى وتحلى
هذا الوصف الذي وصفه الإمام [الغزالي] في علم المعاملة من التخلية ثم التحلية من أجل أن تحدث التجلية، هذا أشعر فيه بما يسمى بـسمت النبوة.
الهيئة هكذا: رجل هادئ الطبع لا ينازع الناس الدنيا، صادق شفاف لا يحقد على أحد، قلبه مملوء بالحب، والحب عطاء، فهو يعطي الناس، وتراه رفيقًا شفيقًا أنيقًا.
هذا شيء جميل، إنه سمت النبوة، يعني عندما ترى هذه الأخلاق التي تحدث عنها الإمام [الغزالي]، ترى أنه يريد بك أن تصل إلى سمت النبوة.
وخيركم من إذا رآه الناس ذكروا الله، يعني عندما تراه تقول: لا إله إلا الله، هذا الرجل طيب، هذا الرجل من أهل الله، يذكرك بالله.
الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في المظهر والأثر
أما الثاني الذي يذكرك بجهنم أو يذكرك بمجموعة من الشياطين أو يذكرك بشيء من هذا الاعوجاج الذي يعيش فيه البشر، فإنا لله وإنا راجعون.
كان شيخنا رحمه الله يقول: يا أخي، كان المرء في شبابه يرى شيطانًا أو اثنين يمشيان في الشارع، أما الآن فقد كثروا، وهناك كثير من الناس يشبهون الشياطين، أي أن مظهرهم يذكرك بالشياطين ولا يذكرك بالرحمن.
ولذلك فهناك فرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
غرض علم المعاملة الوصول إلى سمت النبوة والاقتداء بالنبي ﷺ
فالغرض من علم المعاملة أن تكون على سَمْت النبوة، وأن تكون وردة يشمّها الناس، وأن تكون قد اتخذت أسوة حسنة لك سيدنا صلى الله عليه وسلم:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]
وهو [النبي ﷺ] الذي قال:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
والأخلاق عنده صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن، وكان قرآنًا يمشي على الأرض.
اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد وآله، واحشرنا معهم يا أرحم الراحمين تحت لوائه يوم القيامة، وأدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
كيف قسّم الإمام الغزالي العلوم في إحياء علوم الدين؟
إلى علم مكاشفة وعلم معاملة
ما الحكم الشرعي لعلم المعاملة — أي تزكية النفس وأخلاق القلب — وفق الغزالي؟
فرض عين على كل مسلم
ما الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية؟
فرض العين لا يسقط بقيام الغير وفرض الكفاية يسقط إذا قام به من يكفي
ما المثال الذي ضربه الغزالي على فرض الكفاية المُهمَل في المجتمع الإسلامي؟
علم الطب الذي تُرك لغير المسلمين
ما السبب الحقيقي الذي كشفه الغزالي وراء إقبال الناس على الفقه وإعراضهم عن الطب؟
أن الفقه يُوصّل إلى الجاه والمال والقضاء بخلاف الطب
ما المراحل الثلاث لتزكية النفس التي ذكرها الغزالي؟
التخلية والتحلية والتجلية
ما علامة الوصول إلى سمت النبوة وفق ما ورد في المحتوى؟
أن من يراك يذكر الله
ما الحديث النبوي الذي استشهد به الغزالي على وجوب البدء بالنفس؟
«ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»
ما وصف الغزالي للعالم الذي يظهر دون شيخ ولا مذهب ولا أستاذ؟
نبتة من النباتات ظهر على سبيل الهوى
ما الآية القرآنية التي استشهد بها في سياق الاقتداء بالنبي ﷺ؟
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
ما الحديث النبوي الذي يصف النبي ﷺ بأنه بُعث لإتمام الأخلاق؟
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
ما الذي يُسخط الرحمن ويُضحك الشيطان وفق الغزالي؟
الغرور الناتج عن تلبيس علماء السوء وتقديم الدنيا على الدين
ما علم المكاشفة عند الغزالي ولماذا لا يُدوَّن في الكتب؟
علم المكاشفة لا تستطيعه اللغة ولا تقدر عليه، ولذلك لا يُوجد مدوّنًا في الكتب، وإنما يتفاهم به من ذاقه ووصل إليه مع أمثاله.
اذكر خمسة من الأخلاق المحمودة التي يشملها علم المعاملة.
من الأخلاق المحمودة: الصبر، والشكر، والخوف من الله، والرجاء، والرضا، والزهد، والإخلاص، وحسن الخلق، والصدق.
اذكر خمسة من الأخلاق المذمومة التي يجب التخلي عنها.
من الأخلاق المذمومة: الكبر، والحسد، والرياء، والغل، والحقد، والعجب، والبخل، والغش، والمداهنة.
ما معنى قاعدة «من تخلّى ثم تحلّى للأنوار تجلّى»؟
من تخلّى عن الأخلاق المذمومة وتحلّى بالأخلاق المحمودة حصل له التجلي بأنوار الآخرة والقرب من الله.
لماذا وصف الغزالي الفقهاء المنشغلين بالتفريعات بـ«علماء الدنيا»؟
لأن اشتغالهم بالفقه التفصيلي كان بالإضافة إلى صلاح الدنيا لا صلاح الآخرة، وهو فرض كفاية لا فرض عين.
ما مسائل اللعان والظهار والسبق والرمي وما علاقتها بنقد الغزالي؟
هي مسائل فقهية تفصيلية نادرة الحاجة، يضربها الغزالي مثلًا على ما يُتقنه الفقيه ويُهمل في مقابله فرض العين كالإخلاص والتوكل.
ما الأمران اللذان أمر الله بهما في إطار العبادة وفق هذا الدرس؟
عمارة الدنيا التي قام بها الفقهاء وفصّلوا أمرها، وتزكية النفس بالتخلية والتحلية التي هي فرض عين على كل مسلم.
ما الحديث النبوي الذي يأمر بمحاسبة النفس؟
قال النبي ﷺ: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»، وهو دليل على وجوب البدء بالنفس وتربيتها.
ما الفرق بين وليّ الرحمن ووليّ الشيطان في أثرهما على الناس؟
وليّ الرحمن من إذا رآه الناس ذكروا الله، أما وليّ الشيطان فمظهره يُذكّر بالشياطين والاعوجاج لا بالرحمن.
ما وصف النبي ﷺ الذي ذُكر في سياق سمت النبوة؟
كان خلقه القرآن، وكان قرآنًا يمشي على الأرض، وقال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
ما الذي يعنيه الغزالي بقوله إن علماء السوء لبّسوا على الناس؟
يعني أنهم جعلوا الناس يظنون أن الاشتغال بالفقه التفصيلي هو الدين كله، فأهملوا فرض العين من تزكية النفس وأخلاق القلب، حتى اندرس علم الدين الحقيقي.
لماذا يُعدّ الإنسان العاقل «خصيم نفسه» وفق هذا الدرس؟
لأنه يبدأ بمحاسبة نفسه وتربيتها قبل أن يتوجه لإصلاح غيره، امتثالًا لقوله ﷺ: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا».
ما ربعا المهلكات والمنجيات في إحياء علوم الدين وما علاقتهما بعلم المعاملة؟
هما ربعان من أرباع الإحياء يُفصّلان الأخلاق المذمومة والمحمودة تفصيلًا، وهما التطبيق التفصيلي لعلم المعاملة الذي رسم الغزالي خريطته في كتاب العلم.
ما الهيئة التي يصفها الغزالي لمن وصل إلى سمت النبوة؟
رجل هادئ الطبع لا ينازع الناس الدنيا، صادق شفاف لا يحقد على أحد، قلبه مملوء بالحب والعطاء، رفيق شفيق أنيق، يُذكّر من يراه بالله.
ما الحديث النبوي الذي يصف رؤية عيب الغير مع إغفال عيب النفس؟
قال النبي ﷺ: «أترى القذاة في عين أخيك وتدع جذع النخلة في عينك»، وهو دليل على وجوب الاشتغال بإصلاح النفس قبل الانشغال بعيوب الآخرين.
