ما هي أخلاق المعلم وواجباته نحو طلابه وما حكم أخذ الأجر على التعليم في الإسلام؟
يشترط في المعلم أن يكون شفيقًا على طلابه كالوالد مع أبنائه، يتمنى لهم التفوق ويسترهم ويشجعهم. وواجبه ألا يطلب أجرًا على العلم بل يعلّم لوجه الله، وإن جاز له أخذ راتب في مقابل احتباسه للتدريس لا في مقابل العلم ذاته. ويحرم عليه استخدام الطلاب كخدم، وهذا الفعل يُخرجه من دائرة المعلم شرعًا.
- •
هل يجوز للمعلم أن يأخذ أجرًا على تعليم العلم الشرعي، وما الفرق بين الأجر على العلم والأجر على الاحتباس؟
- •
الوظيفة الأولى للمعلم عند الغزالي هي الشفقة على المتعلمين ومعاملتهم كالأبناء دون تعنيف أو إخافة من السؤال.
- •
يُشترط في الشيخ أن يتمنى في قلبه أن يكون تلاميذه أفضل منه، لأن العلم لا يتطور إلا بهذا الخلق الرفيع.
- •
حق المعلم أعظم من حق الوالدين لأن الوالد سبب الحياة الفانية والمعلم سبب الحياة الباقية الأخروية.
- •
التلاميذ الذين يقصدون الآخرة يتحابون ويتعاونون كالإخوة، بينما من يقصدون الدنيا يتحاسدون ويتباغضون.
- •
يحرم على الأستاذ استخدام طلابه كخدم، وهذا سوء خلق يُخرجه من دائرة المعلم شرعًا ويفسد المنظومة التعليمية كلها.
- 0:29
مقدمة درس إحياء علوم الدين تتناول أهمية المعلم بوصفه ركنًا أساسيًا في التعليم يفتح الآفاق ويقود إلى الله.
- 1:28
الوظيفة الأولى للمعلم هي الشفقة على المتعلمين ومعاملتهم كالأبناء، مستندًا إلى الحديث النبوي الشريف.
- 2:02
يُشترط في المعلم أن يتمنى تفوق طلابه عليه كما يتمنى الأب تفوق ابنه، إذ لا منافسة بين الوالد وولده.
- 3:10
الإمام الإسنوي كان يتظاهر بعدم معرفة ما يأتيه الطالب به تشجيعًا له، وهذا الأسلوب يرسخ الثقة في نفوس المتعلمين.
- 4:07
الأستاذ مكلف بالرأفة بطلابه وستر أخطائهم ومعالجتها كما يفعل الوالد مع ابنه لا بالعقوبة الفورية.
- 5:09
الشيخ مطالب بثلاثة: الستر والتشجيع وتمني تفوق الطلاب، وفي ذلك مصلحة للشيخ لأن أستاذ العظماء أفضل من أستاذ الضعفاء.
- 6:00
العلم رحم بين أهله، والمعلم الشفوق الذي يتمنى تفوق طلابه يُوصف بأنه أستاذ العظماء وهو أشرف الألقاب.
- 6:33
صلة الرحم العلمية تقتضي الحب والرعاية والعناية، ولا تتحقق إلا إذا استقر في قلب الشيخ أن طلابه أبناؤه حقًا.
- 7:22
حق المعلم أعظم من حق الوالدين لأن الوالد سبب الحياة الفانية والمعلم سبب الحياة الأخروية الباقية.
- 8:14
تلاميذ الشيخ الواحد يتحابون إن قصدوا الآخرة ويتحاسدون إن قصدوا الدنيا، لأن أبناء الآخرة رفقاء في طريق واحد.
- 8:59
طريق الآخرة واسع لا تنازع فيه، وطريق الدنيا ضيق يولّد التزاحم، ومن طلب الرياسة بالعلم خرج عن أخوة الإيمان.
- 9:37
الأخوة في الدرس كانت تعني رابطة كالأخوة الشقيقة، وكان المشايخ يسمونها عُصبة، ولا تتحقق إلا بإخلاص النية لله.
- 10:36
أحد خريجي الأزهر تنازل عن ترقيته لأخيه في الدراسة الأكثر حاجة، فأقرّ شيخ الأزهر هذا الإيثار الجليل.
- 11:50
مندوب السراي اعترض على تعديل الترقية لأنها تحمل توقيع الملك، فأصرّ شيخ الأزهر ورُفع الأمر إلى الملك.
- 13:00
الملك أحمد فؤاد استدعى الشيخ المتنازل فلما عرف سبب الإيثار رقّى الاثنين معًا، فكان الإيثار سببًا في مضاعفة الخير.
- 14:08
الإيثار والأخوة في الدرس جلبا الخير للاثنين معًا، وهو دليل عملي على أن التوكل على الله والحب فيه يجلبان البركة.
- 14:45
مثال حي على أن التنازع والتباغض في طلب الدنيا يُفضي إلى خسارة الطرفين، وهو ما يصدّق كلام الغزالي.
- 15:48
طريق الآخرة واسع لا تنازع فيه وطريق الدنيا ضيق يولّد الصدام، فمن علّق قلبه بالآخرة رأى السعة وجلب الخير.
- 16:48
الوظيفة الثانية للمعلم ألا يطلب أجرًا على العلم بل يعلّم لوجه الله، ويرى الفضل للمتعلمين لا عليهم.
- 18:07
طلب المال على تعليم العلم انتكاس يجعل المخدوم خادمًا، لأن العلم شرف النفس والمال خادم البدن.
- 18:41
الغزالي يذمّ العلماء الذين يدّعون التقرب إلى الله بينما يذلّون أنفسهم لخدمة السلاطين طمعًا في الجرايات.
- 19:56
الأجر على الاحتباس للتدريس جائز لأنه في مقابل التفرغ لا في مقابل العلم ذاته، وهذا ما جرت به عادة المسلمين.
- 21:33
بعض المشايخ أخذوا الراتب ليبيّنوا جوازه للناس، مع التأكيد على أنه في مقابل الاحتباس لا في مقابل العلم ذاته.
- 22:28
استخدام الطلاب كخدم سوء خلق محرّم يُخرج الأستاذ من دائرة المعلم شرعًا ويفسد المنظومة التعليمية بأكملها.
- 23:36
الطلاب قديمًا كانوا يبادرون بخدمة مشايخهم طوعًا ومحبةً، وهذا يختلف جوهريًا عن استخدام الشيخ لهم قسرًا.
- 24:28
مسارعة الطالب في خدمة شيخه طوعًا تختلف جوهريًا عن استخدام الشيخ لطلابه قسرًا، وكلاهما موجود لكن أحدهما محمود والآخر مذموم.
- 25:15
المشايخ الأوائل كانوا يستحيون من استعمال الطلاب، أما الخلف فانعكس الأمر وصاروا يستغلونهم وهو بلاء كبير.
ما أهمية المعلم في منظومة التعليم عند الإمام الغزالي في كتاب الإحياء؟
المعلم ركن من أركان التعليم المهمة عند الغزالي في كتاب العلم من الإحياء، لأنه يفتح الآفاق ويوفر الأوقات والأعمار وعنده همة للقيادة في طريق العلم. والغاية من هذا الطريق هي الله سبحانه وتعالى.
ما الوظيفة الأولى للمعلم عند الإمام الغزالي وما الدليل النبوي عليها؟
الوظيفة الأولى للمعلم عند الغزالي هي الشفقة على المتعلمين وأن يجريهم مجرى أبنائه. والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان.
لماذا يجب على المعلم أن يتمنى أن يكون طلابه أفضل منه؟
لأن المعلم ينزل بطلابه منزلة الوالد مع ولده، والأب لا يتمنى أن يكون أحد أفضل منه إلا ابنه فلا منافسة بينهما. وكذلك الشيخ يجب أن يتمنى في قلبه أن يصبح تلاميذه أفضل منه، لأن العلم لا يتطور إلا بهذا الخلق الرفيع.
كيف كان الإمام الإسنوي يشجع طلابه على البحث العلمي؟
كان الإمام الإسنوي يتلقى جهود طلابه وكأنه يسمع بها لأول مرة، فيُظهر الدهشة والإعجاب ويكتب ما يقوله الطالب، حتى لو كان قد ألّف فيه مؤلفًا قبل أن يُولد الطالب. وهذا التشجيع يظل محفورًا في أذهان الطلاب ويجعلهم يفتخرون بجهودهم.
ما واجب الأستاذ تجاه أخطاء طلابه وكيف يعاملهم عند الخطأ؟
واجب الأستاذ أن يكون رؤوفًا بالطلاب، وإذا أخطأ أحدهم يستره ويسامحه ويعالجه كما يفعل الوالد مع ابنه. ومنزلة الولد لا تعني الشفقة والحنان فقط، بل تعني الستر والمعالجة عند الخطأ لا العقوبة الفورية.
ما المطالب الثلاثة التي تقتضيها الشفقة من الشيخ تجاه تلاميذه؟
الشيخ مطالب بالشفقة التي تقتضي الستر، والتشجيع، وتمني أن يكون التلميذ أفضل منه. وفي ذلك مصلحة للشيخ نفسه، إذ أن يكون أستاذًا للأئمة العظام خير من أن يكون أستاذًا لأناس ضعفاء.
لماذا يُقال إن العلم رحم بين أهله وما علاقة ذلك بمنزلة المعلم؟
لأن المعلم يُنزَّل منزلة الوالد مع الولد، وهذا يشير إلى أن العلم رحم بين أهله تقتضي الحب والرعاية. والمعلم الذي يكون شفوقًا ويتمنى تفوق طلابه يُقال له إنه أستاذ العظماء، وهذا خير له من أن يُقال إنه أستاذ الفاشلين.
ما معنى صلة الرحم العلمية وما الذي تقتضيه بين الشيخ وطلابه؟
صلة الرحم العلمية تقتضي الحب والزيارة والرعاية والعناية والتحوط وأشياء كثيرة. ولا تتحقق إلا إذا قرر الشيخ في قلبه أن هذا الطالب ابنه، فيقلق عند غيابه ويفرح عند حضوره كما يفعل الأب مع ابنه.
لماذا صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين عند الغزالي؟
لأن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، أما المعلم فهو سبب الحياة الباقية الأخروية. ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، والمقصود هنا معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة، أما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك.
متى يتحاب تلاميذ الشيخ الواحد ومتى يتحاسدون؟
يتحاب تلاميذ الشيخ الواحد ويتوادون إذا كان مقصدهم الآخرة، ولا يكون بينهم إلا التحاسد والتباغض إذا كان مقصدهم الدنيا. فالعلماء وأبناء الآخرة مسافرون إلى الله والترافق في هذا الطريق سبب التوادد والتحاب، كما أن الترافق في السفر إلى الفردوس الأعلى أعظم من الترافق في أي سفر دنيوي.
كيف يفسر الغزالي التنازع بين طلاب العلم الذين يطلبون الدنيا؟
يرى الغزالي أن طريق الآخرة واسع لا ضيق فيه فلا يكون بين أبناء الآخرة تنازع، أما سعادات الدنيا فمحدودة فلا تنفك عن ضيق التزاحم. والعادلون إلى طلب الرياسة بالعلوم خارجون عن مقتضى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وداخلون في مقتضى قوله: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾.
ما معنى الأخوة في الدرس وكيف كانت تُعبّر عنها في الحلقات العلمية القديمة؟
الأخوة في الدرس تعني أن يكون زميلك في حلقة العلم كأخيك الشقيق في المحبة والولاء. وكان المشايخ قديمًا يسمونها عُصبة، وكان الطالب يهز يده ويقول: أخي معي في الدرس لزامًا، أي كأخيه الشقيق. وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت القلوب متعلقة بالله سبحانه وتعالى.
ما قصة الأخوين في الأزهر وكيف عبّر أحدهما عن الإيثار والأخوة في الدرس؟
تعيّن اثنان من الإخوة في الأزهر، فلما جاء موعد الترقية رُقّي الأيسر حالًا دون الآخر كثير الأولاد. فذهب المُرقَّى من تلقاء نفسه إلى شيخ الأزهر وطلب منه أن تُعطى الترقية لأخيه في الدراسة لأنه كثير العيال وأحواله ميسورة. فقال شيخ الأزهر إن هذا إيثار طيب ومعنى جليل وأخذ به.
كيف تعامل المجلس الأعلى للأزهر مع طلب تعديل الترقية ومن اعترض عليه؟
عُرض أمر تعديل الترقية على المجلس الأعلى للأزهر، فاعترض مندوب السراي الممثل للملك قائلًا إنه لا يصح تغيير ما وقّع عليه الملك. لكن شيخ الأزهر أصرّ على تنفيذ التعديل، فقرر مندوب السراي رفع الأمر إلى الملك للفصل فيه.
كيف انتهت قضية الترقية أمام الملك أحمد فؤاد وما موقفه من الإيثار؟
استدعى الملك أحمد فؤاد الشيخ الذي تنازل عن ترقيته، فأوضح له أنه لم يرفض العطية بل حوّلها لأخيه في الدرس الكثير العيال. فلما سمع الملك ذلك أمره بالانصراف، وبما أن الملك لا يتراجع في ترقية فقد رقّى الرجل الثاني أيضًا فنال الاثنان الترقية.
ما الثمرة التي جناها الأخوان من الإيثار والمحبة في الدرس؟
الإيثار والأخوة والمحبة التي كانت بين الأخوين جلبت الخير للاثنين معًا، ولم ينقص من الأول أجره ولا ثوابه ولا مرتبه ولا ترقيته شيء. وهذا دليل على أن التوكل على الله والحب في الله يجلبان الخير كما رأى الشيخ وجرّبه.
ما مثال التنازع والتباغض بين طالبي الدنيا وما نتيجته؟
ذهب اثنان إلى مقابلة وظيفة وكان كل منهما يدعو على الآخر بالسقوط، فسقطا معًا ولم يحصل أي منهما على شيء. وهذا يصدّق ما قاله الإمام الغزالي من أن التنازع والتباغض في طلب الدنيا يُفضي إلى الخسارة للطرفين.
كيف شبّه الغزالي طريق الآخرة وطريق الدنيا وما أثر ذلك على العلاقات بين الناس؟
شبّه الغزالي طريق الآخرة بالسعة التي لا مضايقة فيها، فيستطيع الجميع السير فيه دون تزاحم. أما طريق الدنيا فمحدود يحدث فيه المضايقة والنزاع والصدام. ولذلك من علّق قلبه بالآخرة رأى السعة وأدرك أن الله الواسع قادر على أن يعطيه ويعطي أخاه ويعطي الجميع.
ما الوظيفة الثانية للمعلم عند الغزالي وكيف يرى العلاقة بين المعلم والمتعلم؟
الوظيفة الثانية هي ألا يطلب المعلم على إفادة العلم أجرًا ولا يقصد به جزاءً ولا شكرًا، بل يعلّم لوجه الله طلبًا للتقرب إليه. بل يرى الفضل للمتعلمين لأنهم هذّبوا قلوبهم لتُزرع فيها العلوم، وثواب المعلم في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله، ولولا المتعلم ما نال المعلم هذا الثواب.
ما خطورة طلب المال على تعليم العلم وكيف وصفه الغزالي؟
وصف الغزالي من يطلب المال على تعليم العلم بأنه جعل المخدوم خادمًا والخادم مخدومًا، وهو الانتكاس على أم الرأس. فالعلم هو المخدوم لأنه شرف النفس، والمال خادم البدن الذي هو مركب النفس، فمن طلب العلم بالمال قلب الأولويات رأسًا على عقب.
ما الصورة التي ذمّها الغزالي في علماء يزعمون التقرب إلى الله بالعلم؟
ذمّ الغزالي العلماء الذين يزعمون أن مقصودهم التقرب إلى الله بالعلم والتدريس، بينما هم في الحقيقة يبذلون المال والجاه ويتحملون أصناف الذل في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات. ثم يتوقع المعلم منهم أن ينصروه ويخدموه، فإن قصّروا صار من أعدى أعدائهم، وهذا هو الاغترار الذي حذّر منه الغزالي.
ما الفرق بين الأجر على العلم والأجر على الاحتباس للتدريس وما حكم كل منهما؟
الأجر على ذات العلم مذموم، أما الأجر على الاحتباس للتدريس فجائز وقد جرت به عادة المسلمين منذ القديم. والاحتباس معناه أن المعلم لم يشتغل بعمل آخر وفرّغ نفسه للتدريس، فالأجر هنا في مقابلة الوقت والتفرغ لا في مقابلة القضاء أو العلم أو الإمامة ذاتها.
كيف تعامل المشايخ مع الراتب وما الحكمة من أخذه حتى لمن يستغني عنه؟
كثير من المشايخ ربطوا أموالهم بالتجارة فلم يأخذوا المرتب، لكن بعضهم كان يأخذه ليبيّن للناس جواز الأخذ حتى لا يُضيّع من يقلّده أولاده بدعوى التقوى. والأفضل أن يجعل الراتب في مقابل الاحتباس لا في مقابل ذات العلم، وقد يصرفه على الطلاب بشراء الكتب وما يحتاجونه.
ما حكم استخدام الأستاذ لطلابه كخدم وما أثره على المنظومة التعليمية؟
استخدام الطلاب كخدم سوء خلق لا يرضى عنه الله ولا رسوله، وهو بلاء يفسد المنظومة التعليمية كلها. ومن يفعل ذلك يخرج من دائرة المعلم شرعًا ويُعدّ دجالًا حتى لو كان لديه بعض المعلومات، لأن هذه الأفعال الخبيثة تنقض حقيقة التعليم.
كيف كان الطلاب قديمًا يتعاملون مع مشايخهم وما الفرق بين ذلك واستخدام الشيخ لهم؟
كان الطلاب قديمًا يبادرون بخدمة مشايخهم من غير طلب، فيحملون أحذيتهم ويوصلونهم إلى بيوتهم ويسألونهم عن حاجاتهم. وهذا يختلف جوهريًا عن استخدام الشيخ للطلاب، إذ الأول مبادرة طوعية من الطالب تعبيرًا عن المحبة والتقدير، والثاني إكراه وإذلال.
ما الفرق العملي بين مسارعة الطالب في خدمة شيخه واستخدام الشيخ لطلابه؟
مسارعة الطالب في خدمة شيخه تعبير طوعي عن المحبة والتقدير يصدر من الطالب بمحض إرادته، كما في قصة شراء الزبادي والرغيف للشيخ. أما استخدام الشيخ للطلاب فهو إلزامهم بالخدمة تحت التهديد بالإضرار بمسيرتهم الأكاديمية، وهذان الأمران موجودان لكنهما مختلفان اختلافًا جوهريًا.
كيف كان المشايخ الأوائل يتعاملون مع خدمة الطلاب وما الذي تغيّر في الخلف؟
كان المشايخ الأوائل يستحيون جدًا من استعمال الطلاب، وكان الطلاب هم الذين يُلحّون عليهم في الخدمة. أما الخلف الذي جاء بعدهم فقد انعكس الأمر وصاروا يستعملون الطلاب، وهذا خروج عن دائرة المعلم الحق إلى منزلة أخرى مذمومة.
أخلاق المعلم الحق تقوم على الشفقة والتعليم لوجه الله وتحريم استغلال الطلاب أو طلب الأجر على العلم ذاته.
أخلاق المعلم وواجباته في إحياء علوم الدين للغزالي تنبني على ركيزتين: الشفقة على المتعلمين ومعاملتهم كالأبناء، والتعليم لوجه الله لا طلبًا للمال أو الجاه. فالمعلم مطالب بالستر والتشجيع وتمني التفوق لطلابه، لأن العلم رحم بين أهله تقتضي الحب والرعاية والعناية.
يُفرّق الغزالي بين الأجر على الاحتباس للتدريس وهو جائز، وبين الأجر على ذات العلم وهو مذموم. كما يُحرّم استخدام الطلاب كخدم ويعدّه سوء خلق يُخرج الأستاذ من دائرة المعلم شرعًا. وتلاميذ الشيخ الواحد إن قصدوا الآخرة تحابوا كالإخوة، وإن قصدوا الدنيا تحاسدوا وتباغضوا، وطريق الآخرة واسع لا تنازع فيه بخلاف طريق الدنيا الضيق.
أبرز ما تستفيد منه
- المعلم مطالب بالشفقة والستر والتشجيع وتمني أن يكون طلابه أفضل منه.
- حق المعلم أعظم من حق الوالدين لأنه سبب الحياة الأخروية الباقية.
- يجوز أخذ الراتب في مقابل الاحتباس للتدريس لا في مقابل العلم ذاته.
- استخدام الطلاب كخدم سوء خلق يُخرج الأستاذ من دائرة المعلم شرعًا.
- تلاميذ الشيخ الواحد يتحابون إن قصدوا الآخرة ويتحاسدون إن قصدوا الدنيا.
مقدمة الدرس مع الإمام الغزالي في كتاب العلم من الإحياء
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع إمام الأئمة أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. وفي كتابه الإحياء، وما زلنا في كتاب العلم.
نستمع إلى هذا المثمن الذي أتى به في مجال المعلِّم، والمعلِّم ركن من أركان التعليم مهم؛ لأنه يفتح الآفاق، ولأنه يوفر الأوقات والأعمار، ولأنه عنده همة للقيادة في طريق العلم الذي في نهايته يُقصد به الله سبحانه وتعالى.
الوظيفة الأولى للمعلم: الشفقة على المتعلمين وإجراؤهم مجرى الأبناء
[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
الوظيفة الأولى: الشفقة على المتعلمين وأن يجريهم مجرى بنيه.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده» [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]
خُلُق المعلم في معاملة تلاميذه كالوالد مع أبنائه دون تعنيف
[الشيخ]: إذن هذه مسألة خُلُقية؛ أن المعلم لا يعنف تلاميذه ولا يغضب عليهم ويخيفهم من السؤال أبدًا، إنه ينزل بهم منزلة الوالد للولد.
ومن منازل الوالد للولد أن الوالد لا يتمنى أن يكون أحد أفضل منه إلا ابنه. انتبه، أي أن الأب يتمنى أن يصبح ابنه أفضل منه، فليس هناك منافسة بينه وبين ابنه، بل المنافسة بينه وبين جاره، بينه وبين أخيه، بين ابن عمه، ولكن ابنه لا.
ولذلك يُشترط في الشيخ أنه يتمنى أن يكون تلاميذه أفضل منه، أن يصبحوا أفضل منه؛ لأن الأمر لا يتطور إلا كذلك، إلا بهذا العلم ومن هذا الخلق.
قصة الإمام الإسنوي في تشجيع طلابه وتحفيزهم على البحث العلمي
[الشيخ]: رأينا الإمام الإسنوي رضي الله تعالى عنه، كان يحب أن يشجع أبناءه، حتى أن أحدهم كان يأتيه بالطريفة أو الطرفة أو بمجهود فعله في العلم، فيتلقاه وكأنه لم يسمع به من قبل.
يقول له: يا سلام! أهكذا إذن؟ والله! حسنًا، قل مرة أخرى. ويُخرج ورقة ويكتبها، ثم يتضح للمسكين أنه قد ألّف فيه مؤلفًا قبل أن يُولد!
ولكن هذا التشجيع يظل محفورًا في أذهان الطلاب، ويفتخرون به ويرون هذا الأمر جميلًا جدًا.
واجب الأستاذ في الرأفة بالتلاميذ وأدب التلاميذ مع أستاذهم
[الشيخ]: ينبغي على الأستاذ أن يكون رؤوفًا بالتلاميذ، وعلى التلاميذ عندما يكون أستاذهم غير رؤوف ألّا يقولوا له: بالمناسبة أنت غير رؤوف ولا تعرف أن تكون معلمًا، فيكون الولد قليل الأدب. اتفقنا على ذلك.
حسنًا، لكننا هنا [نتحدث عن أن] المعلم مكلف بوظيفة أن يكون شفوقًا وأنزلوه منزلة الولد. منزلة الولد تعني ماذا؟ ليس في الشفقة والحنان فقط، لا، إذا أخطأ الابن [عامله بالستر والمعالجة].
ولذلك هناك بعض الناس إذا أخطأ الولد: عاقبه، اضربه، اقتله، احكم عليه. حسنًا، لو كان ابنك استر عليه وسامحه ولتعالجه، افعل ذلك مع أبناء الناس.
الشيخ مطالب بالشفقة والستر والتشجيع وتمني التفوق لتلاميذه
[الشيخ]: إذن الشيخ مطالب بالشفقة التي تقتضي الستر، والتي تقتضي التشجيع، والتي تقتضي تمني أن يكون [التلميذ] أفضل منه، يتمنى في قلبه أن يراه أفضل منه.
وأنت إذا كنت أستاذًا للأئمة فهذا خير من أن تكون أستاذًا لأفسال [أي لأناس ضعفاء]. هكذا، ألا يكون هذا لمصلحتك؟ عندما يكون تلاميذك أصبحوا أئمة كبارًا عظامًا لهم أثر في العلم.
حسنًا، أنت أستاذ لهؤلاء الأئمة، أم يكونوا تافهين هكذا وأنت أستاذ لمجموعة التافهين هؤلاء؟ إذن حتى الخير يجازيك الله به أيضًا.
فضل أن يكون المعلم أستاذ العظماء لا أستاذ الفاشلين
[الشيخ]: عندما تكون أستاذًا، يجب أن تكون شفوقًا وتتمنى أن يكون أولادك هؤلاء أفضل منك، فيُقال لك إنك أستاذ العظماء، خير لك من أن يُقال إنك أستاذ الفاشلين.
أول نقطة هي أن يكون المعلم مثل الوالد للولد، وهذا كلام عظيم جدًا، ويشير إلى أن العلم رحم بين أهله.
العلم رحم بين أهله وصلة الرحم العلمية تقتضي الحب والرعاية
[الشيخ]: هناك أمر مشابه لهذا [أي لتشبيه المعلم بالوالد]، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«إلا رحمًا نبلها ببلالها»
أي نحتاج إلى صلة الرحم، إلا رحمًا نبلها ببلالها. يكون هناك صلة رحم، هذه الصلة تقتضي الحب وتقتضي الزيارة وتقتضي الرعاية وتقتضي العناية وتقتضي التحوط وتقتضي أشياء كثيرة جدًا.
لا تكون إلا في قلب قرر ذلك، بمعنى أنت في قلبك تقول: أنا خلاص هذا ابني، وتعيش هذه الحالة، تقلق عندما يغيب، وتفرح عندما يأتي، إلى آخره؛ لأنه ابنك. نعم.
حق المعلم أعظم من حق الوالدين لأنه سبب الحياة الباقية
[الشيخ محمد وسام]: بأن يقصد إنقاذهم من نار الآخرة، وهو أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا. ولذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين؛ فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية.
ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية الدائمة. أعني معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة لا على قصد الدنيا، فأما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك، نعوذ بالله منه.
التحاب بين تلاميذ الشيخ الواحد كالإخوة إذا قصدوا الآخرة
[الشيخ محمد وسام]: وكما أن حق أبناء الرجل الواحد أن يتحابوا ويتعاونوا على المقاصد كلها، فكذلك حق تلامذة الرجل الواحد التحاب والتوادد.
ولا يكون إلا كذلك إن كان مقصدهم الآخرة، ولا يكون إلا التحاسد والتباغض إن كان مقصدهم الدنيا.
فإن العلماء وأبناء الآخرة مسافرون إلى الله تعالى وسالكون إليه الطريق من الدنيا، وسنوها وشهورها منازل الطريق، والترافق في الطريق بين المسافرين إلى الأمصار سبب التوادّ والتحاب، فكيف السفر إلى الفردوس الأعلى والترافق في طريقه؟
سعة طريق الآخرة وضيق طريق الدنيا وأثرهما على العلاقات بين الطلاب
[الشيخ محمد وسام]: ولا ضيق في سعادة الآخرة، فلذلك لا يكون بين أبناء الآخرة تنازع، ولا سعة في سعادات الدنيا، فلذلك لا ينفك عن ضيق التزاحم.
والعادلون إلى طلب الرياسة بالعلوم خارجون عن موجب قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]
وداخلون في مقتضى قوله تعالى:
﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]
تحابّ الإخوة في الدرس وأثر الأخوة العلمية في بناء الروابط
[الشيخ]: وأشار أيضًا إلى معنى آخر وهو تحابّ الإخوة بعضهم مع بعض، فعندما يكون الشيخ أبًا ووالدًا، فينبغي على الأولاد ألّا يكونوا من الإخوة الأعداء، بل لا بد إذا قصدوا الله سبحانه وتعالى وخلصت نيتهم أن يُحب أحدهم أخاه.
كنا قديمًا يسميها المشايخ عُصبة، أي يقول: لا، هذا أخي معي في الدرس، ويرفع يده هكذا ويهزها إلى الأعلى ثلاث أو أربع مرات: أخي معي في الدرس لزامًا.
يعني ماذا؟ أخي معي في الدرس تعني كأنه أخي شقيقي، وكانوا على هذا الحال؛ لأن قلوبهم كانت متعلقة بالله سبحانه وتعالى.
قصة الأخوين في الأزهر وإيثار أحدهما ترقيته لأخيه في الدرس
[الشيخ]: وحدث أن اثنين من الإخوة تم تعيينهما في الأزهر، أحدهما تزوج ولم ينجب، والآخر تزوج وكثرت أولاده. ثم جاء موعد الترقية فرُقّي الذي هو قليل النفقة، أي أن الغني تمت ترقيته والفقير لم يُرقَّ.
فذهب هو من تلقاء نفسه هكذا إلى شيخ الأزهر وقال له: لا، أنا أريد أن تُعطى الترقية لأخي فلان؛ لأنه كان معي أخًا في الدراسة وهو كثير الأولاد، وأنا أحوالي ميسورة والحمد لله.
قال شيخ الأزهر: والله، هذه حالة لم تمر علينا من قبل، لكن هذا إيثار طيب ومعنى جليل، فنأخذ به، فليكن.
عرض أمر تعديل الترقية على المجلس الأعلى للأزهر واعتراض مندوب السراي
[الشيخ]: وعُرض الأمر حتى تُعدل الترقية، عُرض الأمر على المجلس الأعلى للأزهر. المجلس الأعلى للأزهر حينئذ كان فيه مندوب من السراي من عند الملك.
وبعد ذلك قال مندوب السراي له: يا مولانا الإمام الأكبر، لا يصح. هذه الترقية التي وقع عليها الملك، سنذهب لنقول له غيّر توقيعك؟ نقول للملك اشطب هذا وضع هذا؟ هذا عيب ولا يصح ولا يجوز.
قال شيخ الأزهر له: حسنًا، الأزهر مصمم على أن هذا يُوضع مكان هذا. قال له: حسنًا، الأزهر مصمم، إذن نرفع الأمر لمولانا [الملك] ونرى الموضوع؛ لأننا هكذا حتى الآن، إذا اقتربت احترقت، ليس لي تدخل.
مواجهة الشيخ للملك أحمد فؤاد وتحويل الترقية لأخيه في الدرس
[الشيخ]: ورفعوا الأمر إلى الملك، وكان في ذلك الوقت هو الملك أحمد فؤاد، رحم الله الجميع.
قال الملك: حسنًا، أحضروا لي هذا الشيخ الذي يريد أن يرفض عطيتي وترقيتي. فجاء للشيخ استدعاء بأن يكون في القصر في الوقت المحدد، وإذا به أمام الملك.
قال الملك له: نعم، أترفض عطيتي؟ قال له: لا، أنا لم أرفض عطيتك يا مولانا، بل حوَّلتها فقط لأخي الذي يحتاج. قال له: ولماذا تحول هذه الحاجة للآخر؟ قال: لأنه كثير العيال ولأنه كان أخًا لي في الدرس.
قال له: حسنًا يا مولانا، قم واذهب. الملك لا يمكن أن يتراجع في ترقية، فرقّى الثاني [أيضًا]، رقّ الرجل الثاني.
ثمرة الإيثار والأخوة في الدرس وجلب الخير للاثنين معًا
[الشيخ]: والإيثار والأخوة والمحبة التي كانت بينهما، وكان سببها أنهما أخوان في الدرس، جلبت الخير للاثنين، ولم ينقص من الأول أجره ولا ثوابه ولا مرتبه ولا ترقيته شيء.
إذن هذا هو التوكل على الله والحب في الله يجلب الخير كما رأينا وكما جربناه.
قصة التباغض بين اثنين في مقابلة وظيفة وسقوطهما معًا
[الشيخ]: أما التنازع والتباغض، اذكر مرةً اثنين أيضًا - الوجه الآخر - ذهبا في لقاء الذي يسمونه مقابلة من أجل وظيفة، ودخل كل واحد منهما وهو يدعو على الآخر أن يسقط، فسقط الاثنان، سقطا ولم يحصل أي منهما على شيء.
رأينا هذا بأعيننا فصدقنا ما يقول الإمام الغزالي، رأيناه وعشناه. هؤلاء الناس عندما توكلوا على الله حق توكله حدثت هذه الأمور، وهذا كلام حقيقي وليس وهميًا ومكررًا، وليس حالة ولا شيئًا من هذا القبيل إلى آخره.
تشبيه الغزالي لطريق الآخرة بالسعة وطريق الدنيا بالضيق والمضايقة
[الشيخ]: إذن هو [الإمام الغزالي] أشار بالوالد مع الولد إلى أمر آخر، ليس فقط في العلاقة بين الشيخ وتلميذه، بل أيضًا بين التلاميذ بعضهم مع بعض.
وشبّه الأمر وقال إن طريق الآخرة واسع لا يمكن أن تحدث فيه مضايقة، فأنت ومن في الأرض جميعًا تستطيعون السير في هذا الطريق من غير مضايقة وفي سعة.
أما طريق الدنيا فمحدود، فيحصل فيه المضايقة والنزاع والصدام، وتأخذ مني لقمة وآخذ منك لقمة. فعلّق قلبك بالآخرة، سترى السعة وسترى أن الواسع سبحانه وتعالى قادر على أن يعطيك وأن يعطي أخاك وأن يعطي الجميع. نعم.
الوظيفة الثانية للمعلم: الاقتداء بالنبي في عدم طلب الأجر على التعليم
[الشيخ محمد وسام]: الوظيفة الثانية: أن يقتدي بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه، فلا يطلب على إفادة العلم أجرًا، ولا يقصد به جزاءً ولا شكرًا، بل يعلّم لوجه الله تعالى وطلبًا للتقرب إليه.
ولا يرى لنفسه منّةً عليهم، وإن كانت المنة لازمة عليهم، بل يرى الفضل لهم إذ هذّبوا قلوبهم لأن تتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها.
كالذي يعيرك الأرض لتزرع فيها لنفسك زراعة، فمنفعتك بها تزيد على منفعة صاحب الأرض، فكيف تقلّده منة؟ وثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله تعالى، ولولا المتعلم ما نلت هذا الثواب.
النهي عن طلب الأجر المادي على العلم والتحذير من جعل المخدوم خادمًا
[الشيخ محمد وسام]: فلا تطلب الأجر إلا من الله تعالى، كما قال عز وجل:
﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 29]
فإن المال وما في الدنيا يا خادم البدن، والبدن مركب النفس ومطيتها، والمخدوم هو العلم إذ به شرف النفس.
فمن طلب العلم بالمال كان كمن مسح أسفل مداسه بوجهه لينظفه، فجعل المخدوم خادمًا والخادم مخدومًا، وذلك هو الانتكاس على أم الرأس. ومثله هو الذي يقوم في العرض الأكبر مع المجرمين ناكسي رؤوسهم عند ربهم.
ذم من يزعم التقرب إلى الله بالعلم وهو يبذل الذل في خدمة السلاطين
[الشيخ محمد وسام]: وعلى الجملة فالفضل والمنة للمعلم، فانظر كيف انتهى أمر الدين إلى قوم يزعمون أن مقصودهم التقرب إلى الله تعالى بما هم فيه من علم الفقه والكلام والتدريس فيهما وفي غيرهما.
فإنهم يبذلون المال والجاه ويتحملون أصناف الذل في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات، ولو تركوا ذلك لتُركوا ولم يُختلف إليهم.
ثم يتوقع المعلم من المتعلم أن يقوم له في كل نائبة، وينصر وليّه ويعادي عدوه، وينتهض جهارًا له في حاجاته ومسخرًا بين يديه في أوطاره، فإن قصّر في حقه ثار عليه وصار من أعدى أعدائه.
فأخسس بعالمٍ يرضى لنفسه بهذه المنزلة، ثم يفرح بها، ثم لا يستحيي من أن يقول: غرضي من التدريس نشر العلم تقربًا إلى الله تعالى ونصرةً لدينه. فانظر إلى الأمارات حتى ترى دروب الاغترارات.
جواز أخذ الراتب في مقابل الاحتباس للتدريس لا في مقابل العلم ذاته
[الشيخ]: نسأل الله السلامة، وهنا أمران:
الأمر الأول: أنه جرت عادة المسلمين منذ القديم أن من حبس نفسه للتدريس استحق الأجر على ذلك الحبس وليس على تلقي العلم. بمعنى أن القاضي والمؤذن والإمام والمدرس، كل هذه مهن شريفة ينبغي أن يُقصد بها وجه الله.
حسنًا، القاضي ماذا يفعل إذا كان لا بد أن يتفرغ للقضاء، والمعلم للتعليم، من أين يأكل؟ أي هل يشحذ أم ماذا؟ قالوا: لا، إذن يُفصَل أن هذا الأجر الذي يأخذه ليس في مقابل العلم الذي يبذله، ولا في مقابل الصلاة التي يصليها، ولا في مقابل القضاء الذي يقضي به، إنما هو في مقابل الاحتباس.
والاحتباس معناه أنني لم أشتغل بعمل آخر، وأنني قد فرّغت نفسي للقيام بهذه المهمة والمهنة، فهذا في مقابلة الوقت وليس في مقابلة القضاء أو العلم أو الإمامة أو الخطابة أو نحو ذلك.
المشايخ بين الاستغناء بالتجارة وأخذ الراتب لبيان جوازه للناس
[الشيخ]: كثير من المشايخ ربطوا أموالهم بالتجارة فكانوا لا يأخذون المرتب. [لكن بعضهم] يأخذ المرتب أيضًا؛ لأن هذا المرتب وهو يأخذه يبيّن جواز الأخذ؛ لأن الناس لو قلّدوه لهلكوا.
لأن المرء عندما لا يرضى أن يأخذ الراتب يُضيّع أولاده بدعوى التقوى، فهذا لا يصلح. فليأخذ الراتب ثم يصرفه على الطلاب، يشتري لهم الكتب ويشتري لهم أشياء أخرى من هذا القبيل.
اجعل الراتب الذي تتقاضاه في مقابل الاحتباس وليس في مقابل ذات العلم، فهذا أول شيء هنا.
التحذير الشديد من استخدام الأساتذة للطلبة كخدم واستغلالهم
[الشيخ]: الشيء الثاني هو استخدام الطلبة. هذا مُعيبٌ ومصيبةٌ أن تجعل الطلبة خدمًا، وهناك طبعًا قصص وروايات في كل مستويات الجامعات.
وهذا سوء خُلُقٍ لا يرضى عنه الله ولا رسوله. يستعمل الأستاذ الطالب فيقول له: انزل أحضِر لي الخضار واللحم، وإلا سيعطله في الماجستير وفي الدكتوراه وفي الدراسات وغير ذلك، ويُسقِطونه.
وهذا بلاءٌ، هذا الكلام لا يرضى عنه الله ولا رسوله ولا المؤمنون. هذا كلام فاسد يفسد المنظومة كلها، ويخرج هذا الإنسان من دائرة المعلم شرعًا، بمعنى هذا ليس معلمًا، بل هو دجال حتى لو كان لديه بعض المعلومات، لكنه دجال الذي يفعل هذه الأفعال الخبيثة.
مبادرة الطلاب قديمًا بخدمة مشايخهم طوعًا دون طلب منهم
[الشيخ]: لكن أيضًا ومن ناحية أخرى، كانت الطلبة تسارع في خدمة أشايخها من غير طلب. بمعنى قديمًا كان الولد يقول للشيخ: ألا تريد شيئًا يا مولانا؟ كنا نبادر المشايخ بحمل أحذيتهم.
فكان الشيخ يقول: والله ما عندي يا ابني إلا ها، أنت فقط آخذ الحذاء وذاهب إلى أين؟ كان الشيخ يداعبنا، ولكننا نريد أن ندللهم ونعتني بهم، نرى أي شيء فقط لنسارع في هواهم.
فنقول لمشايخنا: ألا تريد شيئًا يا مولانا؟ فكان أحد مشايخنا نوصله إلى البيت لكِبَر سنه، وأظل أقول له: ألا تريد شيئًا؟ ألا تريد شيئًا؟
قصة شراء الزبادي والرغيف للشيخ والفرق بين خدمة الشيخ واستخدامه للطلاب
[الشيخ]: ثم قال لي: حسنًا، أحضر لي زبادي ورغيفًا هكذا. فتوقفت بالسيارة ونزلت وأحضرت له الزبادي والرغيف.
وأصبحت كلما أصل إلى هذه النقطة أتوقف بالسيارة وأقول له: هل تريد شيئًا؟ يقول لي: حسنًا، المعتاد، المعتاد. وكانت هذه الأشياء كلها بعشرين قرشًا، يعطيني خمسة وعشرين قرشًا (ربع جنيه)، فأنزل لأشتري له الشيء بعشرين قرشًا وأرد له الخمسة قروش في الحال، فيقول لي: ابقِ الخمسة قروش لك.
كانت الخمسة قروش لها قيمة، لكن أن تسارع في خدمة الشيخ فهذا شيء آخر غير استخدام الشيخ لك. هذا موجود وهذا موجود.
حياء المشايخ من استعمال الطلاب وخطورة الخلف الذي استخدمهم
[الشيخ]: وكان [الشيخ] يستحيي جدًا هو وغيره من مشايخنا الذين مَنّ الله علينا أن أدركناهم، من أنه يستعمل الطلاب. ونحن الذين يجب أن نلح عليه أن نخدمه.
بعد ذلك فخلف من بعدهم خلف، إنا لله وإنا إليه راجعون، وتجدهم أنهم يستعملون الطلاب. هذه مصيبة كبرى تخرج الإنسان من دائرة المعلم إلى لقاء آخر.
نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الوظيفة الأولى للمعلم التي ذكرها الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين؟
الشفقة على المتعلمين وإجراؤهم مجرى الأبناء
ما الحديث النبوي الذي استشهد به الغزالي على وجوب شفقة المعلم على طلابه؟
«إنما أنا لكم مثل الوالد لولده»
لماذا يجب على الشيخ أن يتمنى أن يكون تلاميذه أفضل منه؟
لأن العلم لا يتطور إلا بهذا الخلق وكما الأب لا يتنافس مع ابنه
لماذا صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين عند الغزالي؟
لأن الوالد سبب الحياة الفانية والمعلم سبب الحياة الباقية الأخروية
متى يتحاب تلاميذ الشيخ الواحد ومتى يتحاسدون وفق ما ذكره الغزالي؟
يتحابون إن قصدوا الآخرة ويتحاسدون إن قصدوا الدنيا
ما الوظيفة الثانية للمعلم التي ذكرها الغزالي في إحياء علوم الدين؟
أن يقتدي بالنبي فلا يطلب على إفادة العلم أجرًا ويعلّم لوجه الله
ما الفرق بين الأجر على الاحتباس للتدريس والأجر على ذات العلم؟
الأجر على الاحتباس جائز لأنه في مقابل التفرغ، والأجر على ذات العلم مذموم
كيف وصف الغزالي من يطلب المال على تعليم العلم؟
بأنه جعل المخدوم خادمًا والخادم مخدومًا وهو الانتكاس على أم الرأس
ما حكم استخدام الأستاذ لطلابه كخدم في الفقه الإسلامي؟
سوء خلق محرم يُخرج الأستاذ من دائرة المعلم شرعًا
ما الذي جلبه الإيثار والأخوة في الدرس للأخوين في قصة الأزهر؟
جلب الخير للاثنين معًا فرُقّيا كلاهما
كيف شبّه الغزالي طريق الآخرة وطريق الدنيا في علاقتهما بالتنازع بين الناس؟
طريق الآخرة واسع لا تنازع فيه وطريق الدنيا ضيق يولّد التزاحم
ما الذي حدث للاثنين الذين ذهبا إلى مقابلة وظيفة وكان كل منهما يدعو على الآخر؟
سقطا معًا ولم يحصل أي منهما على شيء
ما الركن الذي يُعدّ المعلم جزءًا منه في منظومة التعليم عند الغزالي؟
المعلم ركن من أركان التعليم المهمة، لأنه يفتح الآفاق ويوفر الأوقات والأعمار وعنده همة للقيادة في طريق العلم الذي غايته الله سبحانه وتعالى.
ما معنى إجراء المعلم طلابه مجرى أبنائه في التعامل اليومي؟
يعني ألا يعنّفهم ولا يغضب عليهم ولا يخيفهم من السؤال، وأن يسترهم عند الخطأ ويعالجهم كما يفعل الوالد مع ابنه لا بالعقوبة الفورية.
ما الأسلوب الذي كان يتبعه الإمام الإسنوي في تشجيع طلابه؟
كان يتلقى جهود طلابه وكأنه يسمع بها لأول مرة، فيُظهر الدهشة والإعجاب ويكتب ما يقوله الطالب، حتى لو كان قد ألّف فيه مؤلفًا قبل أن يُولد الطالب.
ما معنى قول الغزالي إن العلم رحم بين أهله؟
يعني أن الرابطة بين أهل العلم كصلة الرحم تقتضي الحب والزيارة والرعاية والعناية، ولا تتحقق إلا إذا قرر الشيخ في قلبه أن طلابه أبناؤه.
ما الفرق بين تعليم علوم الآخرة وتعليم علوم الدنيا على قصد الدنيا عند الغزالي؟
تعليم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة هو سبب الحياة الباقية، أما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك نعوذ بالله منه.
لماذا يرى الغزالي أن الفضل للمتعلم على المعلم لا العكس؟
لأن المتعلم هذّب قلبه لتُزرع فيه العلوم كمن يُعير أرضه لتُزرع، وثواب المعلم في التعليم أكثر من ثواب المتعلم، ولولا المتعلم ما نال المعلم هذا الثواب.
ما الصورة التي ذمّها الغزالي في بعض علماء الفقه والكلام؟
ذمّ العلماء الذين يزعمون التقرب إلى الله بالعلم بينما يبذلون المال والجاه ويتحملون الذل في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات، ثم يتوقعون من طلابهم الخدمة والنصرة.
ما معنى الاحتباس للتدريس وما علاقته بجواز أخذ الراتب؟
الاحتباس يعني أن المعلم لم يشتغل بعمل آخر وفرّغ نفسه للتدريس، فالراتب يكون في مقابل هذا التفرغ والوقت لا في مقابل ذات العلم أو الصلاة أو القضاء.
لماذا كان بعض المشايخ يأخذون الراتب رغم استغنائهم عنه بالتجارة؟
ليبيّنوا للناس جواز أخذ الراتب، حتى لا يُضيّع من يقلّدهم أولاده بدعوى التقوى، وكان بعضهم يصرف الراتب على الطلاب بشراء الكتب وما يحتاجونه.
ما الذي يجعل الأستاذ الذي يستخدم طلابه كخدمًا دجالًا وفق ما ذُكر؟
لأن هذه الأفعال الخبيثة تنقض حقيقة التعليم وتفسد المنظومة كلها، فحتى لو كان لديه بعض المعلومات فإن استغلاله للطلاب يُخرجه من دائرة المعلم الحق شرعًا.
ما الفرق الجوهري بين مبادرة الطالب بخدمة شيخه واستخدام الشيخ لطلابه؟
مبادرة الطالب تعبير طوعي عن المحبة والتقدير يصدر من الطالب بمحض إرادته، أما استخدام الشيخ للطلاب فهو إلزامهم بالخدمة تحت التهديد بالإضرار بمسيرتهم الأكاديمية.
ما الذي تغيّر في الخلف بعد المشايخ الأوائل في التعامل مع الطلاب؟
المشايخ الأوائل كانوا يستحيون من استعمال الطلاب وكان الطلاب هم الذين يُلحّون على الخدمة، أما الخلف فانعكس الأمر وصاروا يستعملون الطلاب وهو بلاء كبير.
ما الآيتان القرآنيتان اللتان استشهد بهما الغزالي في وصف طالبي الدنيا بالعلم؟
قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ التي خرجوا عن مقتضاها، وقوله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ التي دخلوا في مقتضاها.
ما الدرس المستفاد من قصة الاثنين الذين ذهبا إلى مقابلة وظيفة وكان كل منهما يدعو على الآخر؟
التنازع والتباغض في طلب الدنيا يُفضي إلى خسارة الطرفين معًا، وهو تصديق عملي لكلام الغزالي عن ضيق طريق الدنيا وما يولّده من تزاحم وصدام.
ما الذي تقتضيه صلة الرحم العلمية بين الشيخ وطلابه؟
تقتضي الحب والزيارة والرعاية والعناية والتحوط وأشياء كثيرة، ولا تتحقق إلا إذا استقر في قلب الشيخ أن هؤلاء الطلاب أبناؤه فيقلق عند غيابهم ويفرح عند حضورهم.
