التوكل على الله | مع حديث رسول الله | برنامج مجالس الطيبين موسم 2010 | أ.د علي جمعة - تصوف, حديث, مجالس الطيبين

التوكل على الله | مع حديث رسول الله | برنامج مجالس الطيبين موسم 2010 | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • التوكل على الله معنى سامٍ أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو شعور قلبي يتعلق فيه الإنسان بربه.
  • الفرق بين التوكل والتواكل هو فعل الأسباب، فمن فعل الأسباب وتوكل على الله فهو متوكل حقاً، ومن تركها فهو متواكل.
  • النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلاً بالطير التي تغدو خماصاً وتروح بطاناً، فهي تسعى لطلب الرزق.
  • ترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها شرك، والتوكل هو الأخذ بالأسباب مع تعلق القلب بالله.
  • يدخل الجنة بغير حساب سبعون ألفاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.
  • من أدعية التوكل عند الخروج من البيت: "بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله" فيُقال له: هُديت وكُفيت وُوقيت، وتتنحى عنه الشياطين.
  • أفئدة المتوكلين كأفئدة الطير، رقيقة طيبة صافية، ليس فيها غل أو حقد أو حسد.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، نلتمس فيه الهدى.

تحلية الظاهر بالطاعات والباطن بالمعاني السامية كالتوكل على الله

رسول الله صلى الله عليه وسلم حلَّى الظاهر والباطن، فيجب علينا أن نُحلِّي ظاهرنا بالطاعات، وأن نُحلِّي باطننا وقلوبنا بالمعاني السامية.

ومن تلك المعاني التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: التوكل على الله حق التوكل، وقال:

قال رسول الله ﷺ: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما تُرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»

تغدو أي تخرج في الفجر في بداية النهار وهي جائعة، خماصًا أي جائعة، وتروح يعني في وقت الرواح يعني بعد ذلك في المساء بطانًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى رزقها؛ لأن الله ما خلق خلقًا وتركه وإنما يرزقه، بما فيهم ابن آدم.

الفرق بين التوكل والتواكل وأهمية فعل الأسباب مع التعلق بالله

وأخذ العلماء من ذلك [حديث التوكل] أنه شعور قلبي يتعلق فيه الإنسان بربه، وإن هناك فرقًا بين التوكل والتواكل، والفرق بينهما فعل الأسباب.

فلو أنك فعلت الأسباب وتوكلت على الله فهو حق التوكل، أما إذا تركت الأسباب فهذا تواكل. ولم يخلق الله سبحانه وتعالى الدنيا إلا وخلق فيها الأسباب.

حتى قالوا: الفلاح يلقي الحب ثم يدعو يقول: يا رب. فإذا لم يلقِ الفلاح البذور في حقله لا يخرج الزرع حتى لو جلس يدعو كثيرًا، ويكون هذا الإنسان مستحقًا للسخرية والضحك: كيف أنك لم تزرع ثم تريد أن تحصد؟ فمن جدّ وجد، ومن زرع حصد، ولكن من لم يزرع فلا شيء له.

ترك الأسباب جهل والاعتماد عليها شرك وحقيقة التوكل بينهما

ترك الأسباب جهل، ولكن الاعتماد على الأسباب شرك بالله. هذه هي حقيقة التوكل، أنه لا بد عليك من فعل الأسباب.

والنبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أُحد خالف بين درعين [أي لبس درعين فوق بعضهما]، وهو الذي عصمه الله من الناس ووعده أن أحدًا من الخلق لا يستطيع أن يصل إليه وأن يقتله، ولكنه مع ذلك اتخذ السلاح المناسب للوقت المناسب، خالف بين درعين وهو سيد المتوكلين.

إذن فالعمل والسعي هو الأساس الذي نستطيع أن نصف به الشعور القلبي في التعلق بالله سبحانه وتعالى بأنه من قبيل توكل أو أنه من قبيل تواكل.

حديث دخول الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير في الطيبة والصفاء

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

قال رسول الله ﷺ: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» رواه مسلم

وكلمة أفئدة الطير هي كناية عن الطيبة، وكناية عن الصفاء، وكناية عن عدم حمل الغل أو الحقد أو الحسد أو البغضاء في هذه القلوب.

تلك القلوب لا تتحمل إلا أن تكون رقيقة، أن تكون فيها الحب والرحمة والعفو، وليس فيها هذا المعنى [أي الغل والحقد]، أي كانوا متوكلين على الله وقلوبهم رقيقة.

وصف أفئدة الطير بالتوكل والعمل مع تعلق القلوب بالله

رواه مسلم. أفئدتهم كأفئدة الطير هذه التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها تغدو خماصًا وتعود بطانًا.

إنهم يذهبون ويجيئون ويتعاملون مع الحياة، ولكنهم يعملون ويتخذون الأسباب وقلوبهم معلقة بربهم، يرجون منه الخير كله.

حديث عمر بن الخطاب في التوكل على الله حق توكله ورزق الطير

وعن عمر بن الخطاب رضي [الله] تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وذكر ذلك الحديث الذي ذكرناه:

قال رسول الله ﷺ: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا» رواه الترمذي

حديث ابن عباس عن دخول سبعين ألفاً الجنة بغير حساب ولا عقاب

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قال رسول الله ﷺ: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب»

يعني لا يُقام لهم يوم القيامة حساب ونقاش وأخذ ورد، وبيان للسيئات والطاعات، وميزان توزن فيه أعمالهم الخيرة مع أعمالهم السيئة، ثم بعد ذلك يُفصل في أمرهم أبدًا.

كل ذلك لا يمرون عليه، وإنما كأنهم قد فازوا بالتزكية، وكأنهم قد كانوا مكتوبين عند الله سبحانه وتعالى في ديوان أو في كتاب، وهذا الكتاب يجعلهم أول الناس ويجعلهم يدخلون الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.

صفات السبعين ألفاً الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ويتوكلون على الله

فيقول [النبي ﷺ]:

«يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون»

يعني إذا وقعوا في أزمة أو في مرض أو نحو ذلك، جمعوا في قلوبهم الهمة أنه لا شافي إلا الله ولا مخرج من هذه الأزمة إلا الله، ولا يكون أبدًا إلا الله هو الذي ينقذهم منها، لا يلتفتون إلى شيء آخر وقلوبهم مطمئنة.

لهذا نحن قلنا إنهم سوف يفعلون الأسباب، سوف يذهبون إذا كان هناك مرض إلى طبيب، وإلى عملية جراحية، وإلى وكذا، ولكن قلوبهم تعرف أن كل هذه الأسباب إنما هي تحت رعاية الله، تحت إذن الله، تحت مشيئة الله.

عدم التشاؤم والتطير من صفات المتوكلين على الله حق التوكل

ولذلك هم لا يسترقون، لا يلتفتون إلى هذه الأسباب وإن كانوا لا يتركونها. ولا يتطيرون، لا يتشاءمون عندما يصابون بالمرض، لا يقولون: الله غاضب علينا.

بل يقولون: إن هذا حكم الله وأراد أن يختبرني، وأنا سوف أنجح في الاختبار مع الله سبحانه وتعالى. هو بذلك يتوكل على الله، وبذلك يثق في الله، وبذلك يتعلق قلبه بالله.

ومن تعلق قلبه بالله أكرمه الله سبحانه وتعالى في هذا الشأن.

﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 42]

هذه كأنها صفة لمن لا يسترقون ولا يتطيرون، يعني يعتمدون على الله حقّ الاعتماد، كما أنهم لا يتشاءمون ولا يتبرمون، وفي نفس الوقت فإنهم بذلك على ربهم يتوكلون.

استكثار بعض الناس لعدد السبعين ألفاً وحقيقة قلته في الأمة

وعن أنس رضي الله تعالى عنه، في هذا الحديث السابق [حديث السبعين ألفًا]، الحقيقة أن بعض الناس يستكثر السبعين ألفًا، أي يقول إن هذا عدد كبير جدًا. أبدًا، هو في الأمة قليل.

يعني الأمة الآن، وانظر إلى أمة الإسلام منذ أن نشر الله الإسلام في الأرض وإلى يومنا هذا، كم مليار وكم مليون! ولذلك سبعون ألفًا هذا رقم قليل.

فهذا التوكل الصافي يبدو أنه عسير، ولذلك يحتاج إلى تعليم ويحتاج إلى تربية ويحتاج إلى مقاومة النفس، ويحتاج الإنسان دائمًا أن يحاول مهما نسي من أمر.

دعاء الخروج من البيت بسم الله توكلت على الله وفضله العظيم

وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال إذا خرج من بيته - انظر الآن إلى الأمور القلبية وكيف ترتبط ببرامج يومية حتى لا يضيع الإنسان - إذا قال كلما خرج من بيته:

«بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله»

وهي سهلة، بسم الله فقط، حتى دون الرحمن. بسم الله، توكلت على الله، أيضًا سهلة كلنا نحفظها: بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إذن ثلاث جمل: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. يُقال له: هُديت وكُفيت ووُقيت، وتنحى عنه الشيطان.

المحافظة على دعاء الخروج من البيت حصن حصين من الشيطان

هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، هذا هو يتحقق ذلك عندما تحافظ عليها [أي على هذه الكلمات]، فقد كان عمله دائمًا، لا تتركها في أي يوم أبدًا.

عوّد نفسك كل يوم عند خروجك من باب بيتك أن تقول:

«بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله»

فتقول الملائكة: كُفيتَ ووُقيتَ وهُديتَ، هُديتَ وكُفيتَ ووُقيتَ، ويتنحى عنك الشيطان.

فالشيطان ينتظرك لكي يجعلك تتشاجر مع أحد، ويوقع البغضاء بينك وبين الناس، ويفشلك في عملك ويفرح عدوك. فإذا بك تستخدم الحصن الحصين الذي يسميه الإمام ابن الجزري [الحصن الحصين].

خاتمة الحلقة والتأكيد على أهمية التوكل على الله سبحانه وتعالى

إن التوكل على الله سبحانه وتعالى أمر مهم، ولعلنا أن نتحدث عنه في حلقة قادمة.

فالسلام عليكم ورحمة الله.