حلقات الذكر | مع حديث رسول الله | برنامج مجالس الطيبين موسم 2010 | أ.د علي جمعة - تصوف, حديث, مجالس الطيبين

حلقات الذكر | مع حديث رسول الله | برنامج مجالس الطيبين موسم 2010 | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • فضل حلقات الذكر في الإسلام عظيم، وقد فضّل النبي صلى الله عليه وسلم حلقات العلم عليها، لكنه لم يلغها بل أقرها.
  • لله ملائكة سياحون في الأرض يبحثون عن حلقات الذكر، فإذا وجدوها تنادوا وحفوا بها حتى يصلوا إلى عنان السماء.
  • يسأل الله ملائكته عما يفعل هؤلاء العباد وهو أعلم، فيخبرونه أنهم يذكرونه ويحمدونه ويطلبون الجنة ويتعوذون من النار.
  • يشهد الله ملائكته أنه غفر للذاكرين، وحتى لو كان بينهم مخطئ جاء لحاجة أخرى فإنه يغفر له.
  • حلقات الذكر من أسباب المغفرة والرحمة وتنزل السكينة واستجابة الدعاء.
  • قال النبي عن أهل الذكر: "هم القوم لا يشقى بهم جليس"، فيشمل فضلهم من جالسهم حتى ولو كان خطّاءً.
  • البركة تتنزل على الذاكرين في أوقاتهم وصحتهم وأموالهم وأولادهم.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يرسم لنا الطريق إلى الله.

تفضيل حلقات العلم على حلقات الذكر مع عدم إلغاء أي منهما

تكلمنا في حلقة سابقة عن فضل الذكر، وعلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّم الأمة حلقات الذكر، وأنه رضي عنها، وأنه فضّل حلقات العلم على حلقات الذكر، وقال:

«إنما بُعثتُ معلمًا»

وجلس مع حلقة العلم، لكنه مع ذلك لم يُلغِ حلقة الذكر ولم يأمر بأن تنفضّ، ولم يأمرهم بأن ينضموا إلى ما هو الأفضل وهو العلم؛ لأن كلًا ميسر لما خُلق له.

تنوع العبادات بحسب ما يجد المؤمن قلبه فيه من طاعات

والقضية أنك تعبد الله سبحانه وتعالى، وعبادة الله تقتضي أن تكون حيث ما كان قلبك. فترى بعضهم يطيل في السجود لأنه وجد قلبه في السجود، وترى بعضهم يطيل في الركوع لأنه يخشع أكثر وهو في الركوع.

ترى بعضهم وهو يحب الصلاة لأنه وجد نفسه فيها، وآخر يحب كثرة الصوم، وثالث يحب أن يخرج من ماله وأن يكون في خدمة الفقير والمسكين وفي عون العبد، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.

ورابع يحب كثرة العمرة والحج واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى والدعاء، أما الخامس فهو من أهل القرآن فيلازمه ويجد لذة عظيمة في تلاوته ويسير فيه كالحال المرتحل كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل أولئك على خير.

فضل طالب العلم واستغفار الكائنات له وشرف طلب العلم

أما طالب العلم فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يفعل، ويستغفر له الكائنات حتى الحوت في الماء يستغفر لطالب العلم إذا طلب العلم.

وهو فريضة على كل مسلم أي ومسلمة، طلب العلم الذي هو شرف؛ لأن طلب العلم شرف، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف، شرفه فوق كل شرف.

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما يبين لنا علو قيمة عمل ما لا يلغي الأعمال الأخرى، بل أنه يحث عليها ويدفع الناس إليها.

حديث أبي سعيد الخدري عن ملائكة سياحين يبحثون عن حلقات الذكر

في فضل حلقة الذكر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض»

خلق الله سبحانه وتعالى عالم الملائكة وحجبهم عنا، ولله سبحانه وتعالى ملائكة للمراقبة وملائكة للحفظ وملائكة للبركة وملائكة في الملأ الأعلى وملائكة للعبادة، والكل لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون كما وصفهم ربنا سبحانه وتعالى.

إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يسيحون في الأرض يعني ينتقلون من مكان إلى مكان ويذهبون إلى الأماكن المباركة التي أراد الله أن ينزل بركته فيها.

الفرق بين ملائكة الذكر وملائكة كتابة الحسنات والسيئات

فضلًا عن كتّاب الناس، يعني هذه الملائكة [السياحون] غير الملائكة الذين عن يميني وعن يساري الذين يجلسون يكتبون كل ما صدر عن الإنسان. فهناك رقيب وعتيد، والاثنان يراقبان ويكتبان؛ واحد ملك الحسنات عن اليمين وملك السيئات عن اليسار.

ملك السيئات إذا ارتكبت ذنبًا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يتأخر ست ساعات لا يكتب السيئة التي صدرت مني لعلي أتوب، فإن تبت فإنه لا يكتبها.

إذ يجب عليك أيها المؤمن عندما تنسى وتقع في الأخطاء وفي المعاصي أن تتوب سريعًا قبل مضيّ الساعات [الست].

تنادي الملائكة السياحين عند وجود حلقة ذكر في الأرض

فلا تُكتب [السيئة إذا تاب العبد]، يقبل الله التوبة، الملك يعلم هذه الحقيقة، ولذلك فإنه لا يكتبها. سوى هؤلاء الكتبة الذين مع الناس، لا، هناك ملائكة من نوع آخر، ملائكة هم سائحون في الأرض يسيحون في الأرض ويلتمسون الخير.

فإذا وجدوا أقوامًا يذكرون الله، وجدوا حلقةً من حلقات الذكر، تنادَوْا بعضهم ينادي بعضًا: تعالوا! الملائكة تنادي بعضها لأن واحدًا منهم عرف أن في المكان الفلاني قومًا مجتمعين لذكر الله: هلمُّوا إلى بُغيتكم التي كنتم تبحثون عنها، ها هي موجودة!

تخريج حديث ملائكة الذكر وتصحيح الإمام الترمذي له

هذا الحديث أخرجه الترمذي، وقال الإمام أبو عيسى الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ عن أبي سعيد الخدري، ورُوي أيضًا عن أبي هريرة من غير هذا الوجه، يعني إسنادٌ آخر.

إذن، فهذا حديثٌ حكم عليه العلماء، ومنهم الإمام الترمذي الذي رواه في سننه بأنه صحيح.

ازدحام الملائكة حول حلقة الذكر حتى عنان السماء

هلمُّوا إلى بُغيتكم، تعالوا إلى ما أنتم طالبونه هنا، فيجيئون فيحفّون بهم [أي بالذاكرين] إلى سماء الدنيا. إذا هؤلاء ملائكتها كثيرون جدًا؛ لأنهم سيأتون ويزدحمون حول الحلقة التي تذكر ربنا سبحانه وتعالى، لدرجة أنهم يتراكبون بعضهم فوق بعض إلى أن يصلوا إلى عنان السماء.

سؤال الله للملائكة عن حال الذاكرين وهو أعلم بهم

فيقول الله [سبحانه وتعالى]: على أي شيء تركتم عبادي يصنعون؟ وهو أعلم، ولكنه يريد أن يبين فضل الذاكرين وفضل حلقة الذكر. ربنا يسأل الملائكة من أجل أن يجيبوا وهو أعلم بكل هذا، إنما من أجل أن يتعلم الآخرون.

فيقولون: تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك، هذه هي حلقة ذكر محض.

حوار الله مع الملائكة عن رؤية الذاكرين لربهم ولذة النظر إلى وجهه الكريم

قال [الله سبحانه وتعالى]: فهل رأوني؟ فيقولون: لا.

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

كيف ننظر إلى ربنا بعيوننا الدنيوية التي لا تتحمل هذا؟ ربنا جلّ جلاله منزّه عن هذا.

قال: فكيف لو رأوني؟ النظر إلى وجه الله الكريم لذة، ولذلك أوّل قوله تعالى:

﴿لَهُمُ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [يونس: 26]

الزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم. قال تعالى:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

فالنظر إلى الوجه الكريم سبحانه وتعالى يعني لذة تفوق لذة الجنة ولذة الدنيا والآخرة.

سؤال الله الملائكة عما يطلبه الذاكرون من الجنة وما يتعوذون منه من النار

قال [الله]: فكيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد تحميدًا وأشد تمجيدًا وأشد لك ذكرًا.

قال: فيقولون [أي يسأل الله الملائكة]: أي شيء يطلبون؟ ماذا يريدون من هذا الذكر؟ قال: فيقولون: يطلبون الجنة، يذكرونك لأنهم يحبونك، لأنهم يطلبون الجنة ويخشون عذابك.

قال: فيقول: وهل رأوها [أي الجنة] التي يريدونها هذه؟ فيقولون: لا. قال: فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا لها أشد طلبًا وأشد عليها حرصًا.

تعوذ الذاكرين من النار وإشهاد الله الملائكة على مغفرته لهم

قال: فيقول [الله سبحانه وتعالى]: من أي شيء يتعوذون؟ قال: يتعوذون من النار. قال: وهل رأوها؟ فيقولون: لا. فيقول سبحانه وتعالى: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها كانوا منها أشد هربًا وأشد منها خوفًا وأشد منها تعوذًا من النار، إنها شيء، أي شيء فظيع جدًا.

قال [الله تعالى]: فإني أُشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم.

حلقة الذكر سبب للمغفرة والرضا والرحمة وتنزل السكينة والبركة

إذن فحلقة الذكر التي يُذكر فيها اسم الله، التي يُذكر فيها سبحان الله، التي يُذكر فيها الحمد لله، التي يُمجَّد فيها ربنا، التي يُدعى فيها ربنا سبحانه وتعالى، هي من أسباب المغفرة ومن أسباب الرضا ومن أسباب الرحمة ومن أسباب تنزُّل السكينة وتنزُّل الملائكة واستجابة الدعاء، وأن يذكرهم الله سبحانه وتعالى في الملأ الأعلى.

ذِكْرُ الله لهم في الملأ الأعلى يعطيهم قوة ويعطيهم بركة في الأوقات وبركة في الصحة وبركة في الأموال وبركة في الأولاد، البركة التي نسيها كثير من الناس.

مغفرة الله لجليس حلقة الذكر حتى لو كان خطّاءً جاء لحاجة

فيقول [الله سبحانه وتعالى]: إني أُشهدكم أني قد غفرتُ لهم. فيقولون [أي الملائكة]: إن فيهم فلانًا الخطّاء، لم يُرِدهم [أي لم يقصد حلقة الذكر]، إنما جاءهم لحاجةٍ. فيقول [الله تعالى]:

«هم القوم لا يشقى لهم جليس»

فيغفر للجميع حتى من مرّ بهذه الحلقات وكان قلبه معهم وكان خطّاءً، فإن الله يكرمه ويقبل توبته.

فالحمد لله رب العالمين الذي جعلنا مسلمين وفتح لنا كل هذا الباب من أبواب الخير. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.