ثلاث لا يمنعن | مع حديث رسول الله | برنامج مجالس الطيبين موسم 2010 | أ.د علي جمعة
- •الماء من النعم الإلهية العظيمة التي امتن الله بها على عباده، حيث قال تعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حي".
- •عظَّم النبي صلى الله عليه وسلم شأن الماء، وحذر من الإسراف فيه حتى في العبادات، كما في حديثه مع سعد: "ما هذا السرف؟" فقال سعد: "أفي الوضوء سرف؟" فقال: "نعم، ولو كنت على نهر جارٍ".
- •أكد النبي أن المسلمين شركاء في ثلاث: "الماء والكلأ والنار"، وقال: "ثلاث لا يُمنعن: الماء والكلأ والنار".
- •نهى الإسلام عن تلويث الماء، كالنهي عن البول في الماء الراكد، واعتبر ذلك كبيرة من الكبائر.
- •دعا النبي إلى المحافظة على الموارد بقوله: "أطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وأغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمِّروا الطعام والشراب".
- •علمنا الإسلام النظافة الظاهرية والباطنية، وحثنا على الاقتصاد في استخدام الماء والموارد لقوله تعالى: "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين".
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نعم الله الكثيرة وأمر النبي بالنظافة الظاهرية والباطنية
يبين لنا [هذا الحديث] أن الله سبحانه وتعالى قد منَّ علينا بنعم كثيرة، قال تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
يأمرنا صلى الله عليه وسلم بالنظافة الظاهرية والباطنية، فأمرنا بالوضوء وبالاغتسال وبالتطهر من النجاسات، وبتطهير الثوب والمكان.
ولا تجوز الصلاة في مكان فيه نجاسة، ولا في ثوب فيه نجاسة، أو من بدن فيه نجاسة. ولا تجوز الصلاة إلا بعد الوضوء أو بالتطهر بالاغتسال من الجنابة والحدث الأوسط والأصغر إلى آخره.
الأمر بالمحافظة على البيئة والنهي عن الإسراف في كل شيء
وبالرغم من ذلك [أهمية الطهارة في الإسلام] فإنه أمرنا أن نحافظ على هذا الكون وعلى هذه البيئة، وأن لا نسرف. ولذلك قال تعالى:
﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
عظَّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن الماء الذي قال الله فيه:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: 30]
فالماء أمره مهم في دين الله، والماء نحتاج إليه في وضوئنا واغتسالنا وإزالة نجاساتنا، كما نحتاج إليه في حياتنا.
حقيقة بغض الله للمسرفين وصور الإسراف المتعددة
وبالرغم من ذلك [أهمية الماء] هو تحت القاعدة الكلية:
﴿وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
وأنه لا يحب المسرفين حقيقة إلهية ربانية أخبر الله بها عن نفسه أنه يكره المسرفين، وأنه لا يحب الإسراف والمسرفين.
سواء من أسرف في الأرض بالظلم والقتل والفساد، أو من أسرف في الأكل أو الشرب، أو من أسرف في الماء، أو من أسرف حتى في الزينة التي أمرنا بها.
حديث ثلاث لا يُمنعن الماء والكلأ والنار وشرحه
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ثلاث لا يُمنعن: الماء والكلأ والنار» رواه ابن ماجه
انظر إلى الكلام الذي يُكتب بالذهب: ثلاث لا يُمنعن. لا يجوز لك أن تمنع الماء، تمنعه بأي صورة، بأي صورة. فمن طلب منك أن يشرب فلا بد عليك أن يصل الماء إليه بأي صورة.
عندما نقوم بعمل الخير ونؤسس الجمعيات الخيرية والمؤسسات المجتمعية وما إلى ذلك، ثم ذهبنا إلى قرية ووجدنا أنها تحتاج إلى وصلة ماء، إياك أن تمنع هذه الوصلة أو تؤخرها باعتبارها شيئًا كماليًا أبدًا. فالماء هي الحياة، الماء هي الدين، هذا الماء هو كل شيء.
تفصيل الثلاث التي لا تُمنع الكلأ والنار واكتشاف النار
ولذلك ثلاثة لا تُمنع: الماء والكلأ؛ فإذا جاء شخص بقطيع من الغنم فلا تمنعه أن يأكل مما أخرج الله.
والنار التي بها يُنضج الطعام، والتي بها الدفء في الشتاء، والتي بها اكتشاف النار نقل الإنسان نقلة نوعية من العصر الحجري إلى عصر المعادن. كانت النار هي السبب التي بها علّم الله سبحانه وتعالى الإنسان هذا الشيء.
ولذلك الناس شركاء في هذا، وما داموا شركاء فإن الماء هذا ليس ملكًا لك وحدك. وما دام الأمر هكذا، فلا بد أن تراعيه وأن تحترمه وأن تتعامل معه تحت عنوان الاقتصاد وعدم الإسراف.
حديث لا يُمنع فضل الماء وحديث المسلمون شركاء في ثلاث
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يُمنع فضل الماء» رواه البخاري
لا يُمنع فضل الماء ليُمنع به فضل الكلأ؛ يعني عندما نمنع الماء سوف نمنع الكلأ، وبذلك يكون كأننا تسببنا في مصيبتين أو ارتكبنا [جريمتين]: الماء ومنع الكلأ.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلإ والنار، وثمنه حرام»
ثمن الماء حرام ما دمت قادرًا على أن تعطي الماء بلا كلفة، فلا تأخذ في مقابله أي أموال.
حكم بيع الماء المعبأ في الزجاجات والتفريق بينه وبين الماء العام
أما إذا كانت هناك [تكلفة فعلية]، الماء يكلفني فعلًا بعض التكلفة، مثل الماء الذي يُعبأ في الزجاجات، فهو يكلف المصنع الخاص به الإنتاج والموظفين والنقل وهكذا.
يجوز هنا أن نأخذه [أي ثمنه]؛ لأنه ماء خاص وليس الماء الذي هو متاح لكل أحد. فليس هناك حرمة في شراء هذه الزجاجات المملوءة بالماء.
حديث النبي مع سعد في النهي عن الإسراف في ماء الوضوء
وكذلك كان [النبي صلى الله عليه وسلم] يُنهى عن الإسراف. عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال:
«ما هذا السرف؟»
أنت تستعمل ماءً كثيرًا، لماذا هكذا في الوضوء؟ فقال [سعد]:
أفي الوضوء سرف يا رسول الله؟ إنني أتوضأ وأعمل شيئًا شرعيًا، وما دمت أعمل شيئًا شرعيًا إذن فهل أترك الصنبور يغرق الدنيا وأستعمل مثلما أنا أريد؟
قال [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«نعم، وإن كنت على نهر جارٍ»
نعم، أنا على نيل أيضًا، هناك إسراف. لا تستخدم أكثر من حاجتك من هذا النيل، البحر الكبير، النهر الطويل العريض هذا، لا تفعل هكذا. نعم، ولو كنت على نهر جارٍ.
التأكيد على أن النهي عن الإسراف في الماء سنة نبوية ثابتة
إذن يعني كلام واضح، وهذا رواه ابن ماجه وأحمد. كلام ليس من عندنا ولسنا نؤلف، ولا تأتي هذه الأيام واهتمامنا بالماء [فنظن أنه أمر مستحدث].
هذا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لسعد:
«ما هذا السرف؟»
قال [سعد]: أفي الوضوء سرف يا رسول الله؟ قال [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«نعم، ولو كنت على نهر جارٍ»
هذا الحديث في الحقيقة يجب أن نقف عنده وقفة ونتأمله ونتدبره.
وجوب إحياء معاني ترشيد الماء التي غرسها النبي في الأمة
القضية أن هذه المعاني التي ركّزها النبي [صلى الله عليه وسلم] في قلوب الأمة يجب علينا أن نعيدها؛ لأن كثيرًا من الناس لا يلتفتون إلى هذا.
رأينا نحن في بلاد غير المسلمين أن الصنابير تبقى مفتوحة هكذا، يعني تتقطر قطرة بسيطة، وكأن دماءهم تنزف! يأتون إلى الصنبور ويغلقونه كأنه دماؤهم هم التي تنزف.
نعم، شعورٌ رباه النبي صلى الله عليه وسلم في المسلمين الأوائل. لا أعرف لماذا نسيناه، لماذا ننسى سنة نبينا صلى الله عليه وسلم؟ والماء هو أصل الحياة.
نهي النبي عن تلويث الماء الراكد ولعن من يفعل ذلك
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلويث الماء، فنهى أن يُبال في الماء الراكد حتى لا يتلوث.
بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من يفعل ذلك، واللعن كما ذكرنا سابقًا دليل على أنه كبيرة وحرام.
نهى عن أن يُبال في الماء الراكد، فيكون إذن إفساد الماء جريمة. رواه مسلم.
أمر النبي بحفظ الطعام والشراب وإطفاء المصابيح عند النوم
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ الطعام والشراب أيضًا من طريق عدم الإسراف، فقال:
«أطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وأغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمِّروا الطعام والشراب ولو بعود تعرضه عليه»
خمِّروها: ضعوا عليها الخمار (الغطاء) حتى لا تتعرض للبكتيريا من الجو.
يريدك أن تحافظ على الطعام، ويريدك أن تحافظ على الشراب، ويريدك أن تحافظ على الطاقة. أطفئ الأنوار وأنت نائم؛ شُعلة متقدة، الشعلة عندما تبقى في الشمعة ستصبح بعد ذلك والشمعة قد انتهت، أين الطاقة؟ إنك هكذا أهدرت الموارد.
أطفئوا المصابيح إذا خلدتم للنوم، وأغلقوا الأبواب حماية للأطفال وحماية للناس.
آداب النبي في شرب الماء والدعوة للعودة إلى سنته في التعامل مع الكون
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتنفس في الإناء، وكان صلى الله عليه وسلم يشرب الماء على ثلاثة دفعات. كل هذا احترامًا للماء، كل هذا محافظة على الماء.
هيا بنا مرة أخرى نرجع لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يعلمنا كيف نتعامل مع الكون من حولنا، وأن الله لا يحب المسرفين.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
