من وصايا رسول الله | مع حديث رسول الله | برنامج مجالس الطيبين موسم 2010 | أ.د علي جمعة
- •كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعهد صحابته بالمواعظ والوصايا، وجمع بعضهم هذه الوصايا في كتاب.
- •أوصى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قال "أوصني" بقوله: "لا تغضب"، وكرر ذلك مراراً، لأن من يملك نفسه عند الغضب يستطيع التصرف بحكمة.
- •الشديد ليس المصارع القوي، بل من يملك نفسه عند الغضب.
- •أوصى النبي رجلاً مسافراً بتقوى الله والتكبير على كل شرف، ثم دعا له بقوله: "اللهم ازوِ له الأرض".
- •أوصى أبا سعيد الخدري بتقوى الله والجهاد وذكر الله وتلاوة القرآن.
- •أوصى أبا ذر بتقوى الله حيثما كان، وإتباع السيئة بالحسنة، ومخالقة الناس بخلق حسن.
- •أوصى معاذ بن جبل بقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" بعد كل صلاة.
- •أوصى الصحابة بتقوى الله والسمع والطاعة، والتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين، والحذر من محدثات الأمور.
مقدمة حلقة مجالس الطيبين مع وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعهد صحابته والأمة من بعدهم بالموعظة وبالوصايا، والنبي صلى الله عليه وسلم ترك لنا وصاياه، وجمع بعضهم هذه الوصايا وسمى كتابه وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان يوصي أصحابه، وكان الصحابة يطلبون منه أن يوصيهم، وكان يرشدهم، ونحن نحاول أن نستمع وأن [نعمل بـ]ما استمعنا إليه من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وصية النبي صلى الله عليه وسلم بعدم الغضب وأثر ذلك على سلوك الإنسان
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلًا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصني.
قال [رسول الله ﷺ]: «لا تغضب»
فردد مرارًا: أوصني.
قال: «لا تغضب»
أوصني.
قال: «لا تغضب»
وكان عدم الغضب هو مفتاح كل خير؛ إذا غضبت لم تملك نفسك ولا أفعالك ولا سلوكياتك، وإذا استطعت أن تمسك نفسك حين الغضب فإنك تستطيع أن تتصرف بحكمة، وأن تقوّم الأمور بعيدًا عن هذا الاستفزاز، وتستطيع أن تكون ردود فعلك محسوبة.
معنى الشدة الحقيقية في الإسلام وأنها ملك النفس عند الغضب
وفي هذا المعنى كلام كثير جدًا، قال فيه رسول الله ﷺ:
«لا تغضب ولك الجنة»
وقال فيه:
«ليس الشديد بالصُّرعة»
هي [أي الصُّرعة]: المصارع القوي الذي لا يُغلب، الذي كلما دخل في مباراة مع شخص آخر صرعه وغلبه، جسمه قوي متدرب جيدًا. ليس هذا هو الشديد، هو مصارع وقوي ومتصدر ويحصل على الكأس، لكنه ليس هو الذي نطلق عليه أنه شديد.
كانت العرب تسمي المصارع الشديد، والشديد معناها القويُّ الذي يغلبُ في حلبةِ المصارعةِ. ليس الشديدَ بالصُّرعةِ، يعني أنتم تسمُّونَهُ شديدًا، أنا لن أسمِّيهِ شديدًا.
إذن مَنْ تسمي شديدًا يا رسولَ الله؟
قال ﷺ: «إنما الشديدُ مَنْ يملكُ نفسَهُ حينَ الغضبِ»
هو هذا الشديدُ؛ صحيحٌ يمكنُ أن يكونَ جسمُهُ نحيلًا، يمكنُ أن يكونَ ضعيفًا، ومن الجائزِ أن هذا [النحيل] هو الشديد. الشدة المعتبرة شرعًا أنه يملك نفسه حين الغضب.
كيف يفسد الغضب أخلاق الإنسان ويضيع حقوقه بسبب عدم التحكم في النفس
رأينا أناسًا كثيرين يكونون في طيبة وأخلاق وعطاء، ثم يفسدون كل ذلك بغضبهم، وهم لهم حق فيضيعون حقهم بناءً على غضبتهم التي غضبوا [بسببها].
وصية النبي لرجل أراد السفر بتقوى الله والتكبير على كل شرف
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد سفرًا، يريد أن يسافر، فقال: يا رسول الله أوصني. [وهذه من] وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ﷺ: «أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف»
انظر البساطة؛ عندما تصعد الطائرة كبّر، عندما تبدأ الطائرة بالصعود كبّر، وعندما تنزل سبّح. كان سيدنا رسول الله ﷺ كلما يجد شيئًا هناك صعود يكبّر وهبوط يسبح.
وماذا عليك أن تفعل لتكون دائمًا مع الله؟ فعندما تكون أنت، وعندما تصعد الطائرة مع الله، وعندما تنزل من الطائرة مع الله، فإنك بالتأكيد فيما بينهما تكون مع الله.
دعاء السفر وأهمية تقوى الله في الغربة حتى لا ينسى الإنسان نفسه
ولذلك يقول [النبي ﷺ] لك:
«اللهم ارزقنا في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى»
وكان هذا هكذا في السفر: البر والتقوى. عندما ينسى قومٌ، يصبح من الممكن أن ينسى الإنسان نفسه ويبدأ في فعل أشياء من المنهي عنها أثناء السفر، لكننا نحن بين يدي الرحمن.
ولذلك وأنا مسافر في السيارة، في القطار، في المطار، في كل هذه الأحوال يقول له: اتقِ الله؛ فالسفر هو قطعة من العذاب كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمكن أن ينسى فيه الإنسان نفسه. السفر فيه غربة فلا أحد يعرفني، ولذلك من الممكن أن أرتكب من الأشياء ما لا أرتكبها وأنا في قومي وفي ناسي وفي مجتمعي.
إذن كل هذا يجعل الإنسان مطالبًا بأن يتذكر تقوى الله وأن يثق في الله، والتكبير على كل شرف.
دعاء النبي للمسافر بطي الأرض وتسهيل السفر عليه
فلما ولّى الرجل قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«اللهم ازوِ له الأرض»
حينما يسافر أحدٌ ادعُ له أن ربنا يخفف عنه. «ازوِ له الأرض» يعني: يا رب قلّل المسافة الخاصة بالسفر وسهّل عليه السفر. رواه أحمد.
وصية النبي لأبي سعيد الخدري بتقوى الله والجهاد وذكر القرآن
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له - انظر المرة السابقة عندما جاء رجل وقال: أوصني يا رسول الله، أوصني يا رسول الله - هنا رسول الله يوصي أبا سعيد الخدري مباشرة.
قال النبي ﷺ لأبي سعيد الخدري:
«عليك بتقوى الله فإن هذه التقوى رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكر لك في الأرض»
تعليم بسيط، أمر بأربعة أمور محددة وبرامج محددة:
- تقوى الله.
- الجهاد - والجهاد له معنى واسع في الإسلام، ومن ضمن معناه: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس.
- ذكر القرآن.
برنامج وضع برامج محددة ولم يتركنا عبثًا، برنامج لمن أراد أن يطبق ولمن أراد أن يسير.
وصية النبي لأبي ذر بتقوى الله وإتباع السيئة الحسنة ومعاملة الناس بخلق حسن
وعن أبي ذر [رضي الله عنه] قال: قلت يا رسول الله أوصني، فإن المرة هذه أبو ذر هو الذي يقول [أوصني].
قال ﷺ: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» رواه أحمد.
ثلاثة أشياء:
- اتقِ الله حيثما كنت، فهذا يعني أننا إذا لم نهتم بالمكان حيثما كنا، نتقي الله.
- وأتبِع السيئة الحسنة تمحها، كما ذكرنا في حلقة سابقة أن الملَك الموكل [بكتابة] السيئات لا يكتب السيئة ست ساعات حتى يتوب المؤمن، فإذا لم يتب في خلال ست ساعات فإنه يكتبها.
- وعامِل الناس بخلق حسن.
وعن الحسن عن أبي الحسن عن جد الحسن: أحسن الحسن الخلق الحسن.
وصية النبي لمعاذ بن جبل بدعاء بعد كل صلاة وأهمية هذا الكنز النبوي
وعن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال:
«يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»
فقال:
«أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة» - يعني في نهاية كل صلاة بعدما تنتهي وتسلم - قل: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» رواه أبو داود.
النبي عليه الصلاة والسلام يعطيك جائزة، يعطيك تحفة، يعطيك شيئًا جميلًا تفعله.
ماذا تقول بعد أن تنتهي من الصلاة؟ في منتهى البساطة هكذا: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
قم بهذا الدعاء، مثل كنز؛ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه لمعاذ، أعطاه له وهو يحبه، يقول له: إني أحبك والله إني أحبك والله إني أحبك. طيب، دلني الآن على شيء كهذا، يعني أعطني شيئًا؛ فالحب عطاء، فذهب وأعطاه هذا الكنز.
معنا نحن هذا الكنز، ونعلم أنه كنز، فإذن هذه وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
موعظة النبي البليغة ووصيته بالتمسك بالسنة والحذر من البدع
وقال العرباض بن سارية: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة. كان دائمًا رسول الله يتعهدهم بالموعظة ويتعهدهم بالوصايا، ذرفت منها العيون، وكانوا بكائين عندما يسمعون حديث رسول الله، يتفاعلون معه ويبكون، ووجلت منها القلوب، أصبحت تنبض هكذا بداخلها من حب الكلام ومن خوف الله.
فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟
فقال ﷺ:
«أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا»
يعني وإن أصبح رئيسًا عليكم عبدٌ حبشي.
«فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» - النواجذ التي هي ضروس العقل - «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»
أي ما دامت [هذه المحدثات] خارجة عن الشريعة.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
