الديمومة | مع حديث رسول الله | برنامج مجالس الطيبين موسم 2010 | أ.د علي جمعة - حديث, مجالس الطيبين

الديمومة | مع حديث رسول الله | برنامج مجالس الطيبين موسم 2010 | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن العمل ينبغي أن يكون متصلاً دائماً، وكانت عائشة رضي الله عنها تصفه بأن عمله كان ديماً.
  • قال عليه الصلاة والسلام: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"، فالعمل الدائم هو الأحب إلى الله وهو الذي يؤتي ثماره.
  • بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن على كل مسلم صدقة حتى الفقير، ووسّع مفهوم الصدقة لتشمل العمل باليدين والإنتاج.
  • جعل من إعانة ذوي الحاجة والملهوف صدقة، ومن الأمر بالمعروف صدقة، وحتى الإمساك عن الشر صدقة.
  • في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً تحتاج إلى صدقة كل يوم.
  • من الصدقات: الإصلاح بين الناس، وإعانة الآخرين، والكلمة الطيبة، وكل خطوة إلى الصلاة، وإماطة الأذى عن الطريق.
  • الامتناع عن إلقاء الأذى في الطريق أجود وأحسن من إماطته.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الكريم.

أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ وأهمية المداومة على العمل

رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا أن العمل ينبغي أن يكون دائمًا متصلًا يوميًا لا ننفك عنه. وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تصفه بأن عمله كان ديمة؛ أي دائمًا، وكان يقول:

«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»

وهذا أمر ينبغي علينا أن نفقهه وأن ندركه؛ أن العمل الدائم هو العمل الأحب إلى الله، وأن العمل الدائم هو العمل الذي يؤثر في الإنسان ويؤتي ثماره ويؤتي فائدته.

أثر المداومة على الصلاة في نهي النفس عن الفحشاء والمنكر

ولذلك ترى الذي يصلي ويقطع الصلاة لا يتمتع بأثر الصلاة:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

الذي يصلي ويقطع ثم يعود للصلاة، نأمره أن يديم على الصلاة حتى يرى أثرها على نفسه، وأنها لا بد وأن تمنعه من الخطأ ومن الخطيئة.

وجوب الخشوع في الصلاة وتصفية الصيام من آفات اللسان والسلوك

الصلاة لا بد فيها من الخشوع، فإذا أديتها من غير خشوع وكلما دخلت في الصلاة أتتك مشاغل الدنيا كلها وتراكمت عندك، وهذا من فعل الشيطان. هذا خطأ ويجب عليك أن تخشع في صلاتك حتى تتمتع بفوائد الصلاة.

يجب عليك أن تصفي صيامك من السباب والغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور، وتصفيه من كل ما يؤدي إلى الفاحشة في اللسان أو في العين أو في السلوك. تجعل صيامك صافيًا لله فتجد له أثرًا طيبًا في نفسك.

حديث أبي موسى في وجوب الصدقة اليومية على كل مسلم غنياً أو فقيراً

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمنا أن الخير والمعروف واجب يومي على المسلم. عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«على كل مسلم صدقة»

المسلم منه القادر وغير القادر، منه الغني وغير الغني، أبدًا الكل عليه صدقة، حتى الفقير، حتى الفقير عليه صدقة.

توسيع مفهوم الصدقة عند النبي لمن لا يجد مالاً يتصدق به

إذا توقفنا عند هذا الحد يشق هذا على الناس؛ لأن كثيرًا جدًا من الناس أصلًا ليس معه ما يتصدق به.

قال [أبو موسى]: أرأيت إن لم يجد يا رسول الله؟

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول ذلك لا بد أنه يقول من أجل توسيع المفاهيم كما سنرى سويًا في حلقة قادمة إن شاء الله، أن رسول الله جاء ووسّع المفاهيم.

الصدقة أول ما تُذكَر، يفهم الناس أنها أموال تُعطى للمسكين. قال [النبي ﷺ]: يعمل بيديه، فالإنسان عندما يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. إذن الإنسان مأمور بـتنمية قدراته حتى يصل إلى هذه الصدقة المعتادة؛ يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق.

من لم يستطع العمل بيديه فعليه إعانة ذي الحاجة الملهوف

قال [أبو موسى]: أرأيت إن لم يستطع؟

ما معه الصنارة التي يستطيع أن يذهب فيصيد بها السمكة. أول شيء أنه ينبغي عليه أن يأخذ الصنارة ويذهب ليحاول؛ يعمل وينتج ويصبح شخصًا منتجًا في المجتمع [وهذا هو] مفهوم التنمية البشرية.

إذا لم يستطع؛ يده مقطوعة، لا يقدر، عاجز، كبير في السن، غير متدرب، أخرق؛ [أي] ليس له صنعة في يده.

أرأيت إن لم يستطع؟ قال [النبي ﷺ]: يعين ذا الحاجة الملهوف، يساعد في حاجة. يعني يريده أن يتحرك، وكان الحراك هو أصل الحياة. ولذلك لا بد أن تفهم أن هذا الحراك وإعانة المحتاج فيها صدقة.

الأمر بالمعروف والإمساك عن الشر صدقة لمن لم يستطع غيرهما

قال [أبو موسى]: أرأيت إن لم يستطع؟ قال [النبي ﷺ]: يأمر بالمعروف أو الخير، دائمًا يعلم الناس الخير هكذا، الطيبة.

قال [أبو موسى]: أرأيت إن لم يفعل؟ قال [النبي ﷺ]: يمسك عن الشر فإنها صدقة.

ملخص مراتب الصدقة من العمل والإعانة إلى كف الشر عن الناس

هذا توسيع للمفاهيم: الآن أنت ستتصدق، فإن لم يكن معك مال، فاعمل حتى تتصدق؛ فإن اليد العليا خير من اليد السفلى. وإن لم تستطع أن تعمل، فعليك أن تعين وأن تساعد من تستطيع، فإنها لك صدقة.

وإذا لم تستطع، فانْهَ عن المنكر وكن داعية للخير. فإذا لم تكن كذلك فأمسك شرك عن الناس، فأنت لا تفعل شيئًا، فأمسك شرك عن الناس، فإذا أمسكت شرك عن الناس فهي لك صدقة.

رواه البخاري ومسلم.

حديث أبي هريرة في أن كل سُلامى من الإنسان عليه صدقة كل يوم

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«كل سُلامى من الناس عليه صدقة»

السُّلامى هي [العظام] والمفاصل، والإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلًا، فنحن نحتاج أن نُخرِج ثلاثمائة وستين صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس.

حسنًا، من أين أحصل على ثلاثمائة وستين شيئًا أتصدق بها حتى أُخرِج صدقة عن كل عظمة فيَّ؟ وهذه الثلاثمائة والستون ليست مرة في هذه الحياة، [بل] كل يوم تشرق فيه الشمس.

الإصلاح بين الناس ومساعدة الآخرين في حوائجهم من أبواب الصدقة

قال [النبي ﷺ]: إن تصلح بين اثنين صدقة. مفهوم الصدقة واسع: تصلح بين اثنين صدقة، وتساعد الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه عليها صدقة.

يعني في الزمن الماضي عندما كان أحدهم يملك مقطفًا ويريد أن يحمله على رأسه، فأنت بمساعدتك له أنت سترفع المقطف هكذا وتضعه على كتف الرجل أو على رأسه، وهذا يعتبر صدقة.

طبعًا هذه الصور ليست مقصودة في ذاتها، بل معناها أي نوع من أنواع المساعدة. وأنت واقف في البنك وشخص يقول لك: لو سمحت، قلم، فأخرجت قلمًا من جيبك وأعطيته له، هذه صدقة.

أنت تتصدق على من؟ هذا رجل غني وسيسحب شيكًا الآن، نعم، لكنها صدقة. صنع المعروف هذا فيه معونة وفيها صدقة.

الكلمة الطيبة وكل خطوة إلى المسجد صدقة تتضاعف كل يوم

قال [النبي ﷺ]: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته صدقة، أو ترفع له متاعه عليها صدقة، والكلمة الطيبة صدقة.

الكلمة الحسنة هكذا يعني، حتى لا تتكلم كلامًا سيئًا يؤذي الناس، بل تكلم كلامًا حسنًا، هذه صدقة.

وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، كل خطوة؛ يعني لو كان بينك وبين المسجد مائة خطوة، فهذه بمائة صدقة، وأنت راجع مائة أخرى، فتصبح مائتي صدقة. وفي خمس صلوات تصبح ألف صدقة! فستكون أنت في النهاية الرابح؛ لأن كل شيء انوِ فيها أنها لله، فستتسع مفاهيمه [أي مفاهيم الصدقة عند المسلم].

إماطة الأذى عن الطريق صدقة وشعبة من شعب الإيمان

وتزيل الأذى عن الطريق صدقةً. انظر إلى هذا الجزء:

«الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن طريق الناس»

إماطة الأذى هذه فعل إيجابي؛ إذا وجدت قشرة موزة ملقاة فتزيلها حتى لا يُصاب أحد بأذى منها.

الامتناع عن إلقاء الأذى في الطريق أولى من إزالته وهو من كف الشر

حسنًا، إماطة الأذى هذه من قبيل لو أنك امتنعت عن إلقاء القاذورات في الشارع. من الذي رمى قشرة الموز هذه؟ إنه شخص ارتكب معصية، فأنت عندما ترميها هكذا ارتكبت معصية.

كف الشر يا أخي! أحدهم يقول لي: أنا ليس عندي شر، وهو يأكل الموزة من السيارة ويرمي القشر. وعندما يرميها يقول: أنا ليس لدي شر، أنا لا أفعل شرًا. لا، أنت هكذا فعلت شرًا! ما فعلته أفسدت به البيئة، وما فعلته عرضت فيه الناس للخطر، ما فعلته هو شر؛ لأن إماطة الأذى عن طريق الناس [من شعب الإيمان].

إماطة الأذى صدقة وعدم إلقائه أجود وأحسن والختام

إذن، علينا أن نعرف أن إماطة الأذى عن طريق الناس صدقة، ولكن في نفس الوقت عدم إلقاء الأذى هو أجود وأحسن.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.