من قطع سدرة | مع حديث رسول الله | برنامج مجالس الطيبين موسم 2010 | أ.د علي جمعة
- •يحذر الحديث النبوي من قطع السدرة بقوله: "من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار"، وهذا يشمل الشجر عموماً وليس شجر النبق فقط.
- •يؤكد الإسلام على أهمية زراعة الأشجار والمحافظة عليها، حتى في أحلك الظروف كما في حديث: "إذا جاءت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها".
- •زراعة الأشجار تتجاوز الزمان وتنفع الأجيال القادمة، فبعض الحدائق استمرت لأكثر من مائة وستين سنة.
- •يبين النبي أن زراعة الشجر مصدر للأجر المستمر بقوله: "ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة".
- •الصدقة تشمل ما يأكله الإنسان والحيوان والطير وحتى ما يؤخذ سرقة أو ظلماً.
- •يحتاج الغرس إلى صبر كما في الحديث: "من نصب شجرة فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر، كان له في كل شيء يصاب من ثمرتها صدقة عند الله".
مقدمة الحلقة والتعريف بحديث قطع السدرة من دلائل النبوة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر الكريم.
معنا حديث عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحقيقة أنه حديث أنا أراه عجيبًا وأراه وكأنه من دلائل النبوة. الحديث عندما قرأته تفتحت لي معانٍ أحب أن أشارككم فيها. يقول الحديث:
قال رسول الله ﷺ: «من قطع سدرة صوَّب الله رأسه في النار»
التعريف بشجرة السدرة وذكرها في القرآن الكريم وفوائدها
السدرة هي شجرة، ويقال إنها شجرة النبق الذي نعرفه. وفي القرآن الكريم تكلم [الله تعالى] عنها؛ ففي سورة النجم ذُكِرت سدرة المنتهى، وكأنها شجرة في منتهى الكون بجوار العرش في الملأ الأعلى.
وشجر النبق ينمو عادة في الصحراء، فالإنسان وهو يسير في الصحراء يحتاج إلى الظل، والإنسان وهو سائر في الصحراء يحتاج إلى الراحة، وقد يحتاج أيضًا إلى استعمال أجزاء هذه الشجرة: الثمرة، والشوك، والليف، والأغصان، والأوراق.
وورق السدر كان من الأدوية الطبية التي لها تأثيرات فعالة ضد بعض الأمراض. كان السدر يوضع أيضًا في الماء الذي يُغسل به الميت، فله فوائد طبية وفوائد تفيد جسم الإنسان.
قطع الأشجار جريمة شرعية بنص الحديث النبوي الشريف
الحديث قوي جدًا، وأنا لا أريد أن أقول أنه شديد؛ لأنه في الحقيقة علَّمنا علمًا محترمًا، وهو جريمة قطع الأشجار. أي أن قطع الأشجار أصبح جريمة بهذا الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم عن السدرة التي في الصحراء فقط.
والسدرة أيضًا كما أنها تُطلق على شجر النبق، فإنها قد تُطلق أيضًا على أي شجر كان. والحديث مطلق، لم يقل: «من قطع سدرة في فلاة، صحراء، في بادية، في بيداء»، أبدًا ما قال هكذا. الحديث يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من قطع سدرة صوَّب الله رأسه في النار»
معنى العقوبة في الحديث والاستثناءات المشروعة لقطع الشجر
يعني «صوَّب الله رأسه في النار» تشعرني بالعقوبة، تشعرني بالغضب، تشعرني أيضًا بالتأديب. كأن هذا الذي عبث واعتدى على الشجرة وقطعها من غير سبب معقول [يستحق هذا الوعيد].
ما هو السبب المعقول الذي قد يُبيح قطع الشجرة؟ من الممكن أن يقطع شجرة لأنها تحتاج إلى هذا القطع، لأنها تؤذي الطريق، لأنها مثلًا يريد أن يستبدل بها شجرة أخرى، يعني هناك غرض نافع [يبرر القطع].
والسدرة هذه تشعرني أيضًا بأنها شجرة ورقاء، يعني فيها ورق، فيها حياة، وتشعرني أنها شجرة مثمرة. كلمة سدرة نفسها تشعرني بهذه [المعاني]، ولذلك اختيرت للتعبير عن تلك الشجرة التي في منتهى الكون:
﴿سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ ۞ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ۞ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النجم: 14-16]
قاعدة نبوية كبرى في الحفاظ على الأشجار وحديث غرس الفسيلة
قال رسول الله ﷺ: «من قطع سدرة صوَّب الله رأسه في النار»
إذن هذه قاعدة كبيرة للحفاظ على الأشجار. وإذا كان هناك اهتمام بليغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحفاظ على الشجر، فهناك اهتمام بليغ عجيب بإنشاء وإنبات الشجر.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إذا جاءت الساعة وفي يد أحدكم فَسيلة فليغرسها إن استطاع»
والفسيلة هي النبتة التي إذا وضعتها نبتت شجرة. يعني كأن غرس الشجرة فيه ثواب في حد ذاته حتى لو لم تنفع الناس، فما بالك لو نفعت؟ القيامة آتية وهي قادمة عليَّ، وأنا أرى الدمار من أول الشارع وهو قادم عليَّ، فأقوم بزرع الفسيلة؛ لأن هذا سيكون لي به ثواب عند الله سبحانه وتعالى.
وجوب زراعة الشجر والحفاظ عليه ديناً لوجه الله تعالى
ثم يأتي هنا ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «من قطع سدرة صوَّب الله رأسه في النار»
المسألة قوية جدًا، أنا لا أريد أن أقول شديدة، لكنها فعلًا أدت إلى الأمور التالية:
- أنه يجب علينا أن نزرع الشجرة دينًا [لوجه الله تعالى].
- يجب علينا أن نحافظ على الشجرة دينًا لوجه الله.
فهذا ثواب من عند الله. هذا هو ديننا، هذا هو معنى حياتنا.
انتقاد الانشغال بالمسائل الشخصية وإغفال نفع المجتمع والأجيال القادمة
بعض الاهتمامات تأتي للشباب فيتكلم عن اللحية والموسيقى والغناء وتقصير الثوب وكذا، وينسى هذه الأشياء [كزراعة الشجر والحفاظ على البيئة] بالرغم من أنها أقوى، ويهتم بنفسه. هناك أنانية؛ تعرف أن الذي يزرع شجرة هو ليس أنانيًا، يريد أن يفيد الغير.
ولكن الذي يسأل عن هذه المسائل [الشخصية]، وهذه المسائل لها إجابات وموجودة في الدين ولها أحكام ولها أحاديث، ولكن لماذا - وهذا هو السؤال - يغيب ذهننا عن نفع الناس ونفع النفس ونفع المجتمع ونفع الأجيال القادمة؟ لأن الإنسان أحيانًا ينشغل بما يخصه وحده ويغفل عن الأثر الأوسع الذي يتجاوز ذاته.
الشجرة تتجاوز الزمان وتبقى بعد أجيال كحدائق الأورمان وقصر محمد علي
هذه الشجرة تتجاوز الزمان، فأنا أموت بل وأجيال كثيرة تموت وهي مستمرة. حديقة الأورمان أنشأها الخديوي إسماعيل، أي منذ أكثر من مائة وستين سنة، وهي ما زالت موجودة إلى الآن.
هذه الأشجار تُعمَّر، وكان للأمير محمد علي في قصره حدائق كثيرة باقية إلى الآن بعد هذه الأعمار الطويلة من السنين. الشجرة تبقى من بعدي فهي أنفع.
فلماذا دائمًا يفكر بعضنا فيما يخصه وحده؟ كأنه يريد أن يخاصم الناس وأن يخاصم الكون وأن يخاصم من بعده من الأجيال. كل هذا توارد في ذهني عندما قرأت هذا الحديث [حديث قطع السدرة] مضمومًا إلى حديث آخر.
حديث ثواب الغرس وأن كل ما يُؤكل منه صدقة للزارع
يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أُكِل منه له صدقة»
خرج نعناع، خرج قمح، خرجت خضراوات، خرج أي شيء، وبعد ذلك أكلوا منه. من الذي أكل؟ أي أحد أكل: البهيمة أكلت، الطير أكل، الإنسان أكل، حسب الحال.
فإن هذا الذي غرسه كأنه ملكه، هو زرع هذه الزراعة أو أنبت هذا النبات، فهذا الناتج ملكه. وعندما أخذه الآخر - والآخر هنا قد يكون طيرًا أو حيوانًا أو إنسانًا - تُحسب له صدقة.
ما سُرق من الزرع صدقة لصاحبه وتهدئة لباله مع تحريم السرقة
وما سُرق منه له صدقة. قد يأتي أحدهم ويقول لي: لا، هذا أنا صنعته لأولادي، فإذا سرق منه أحد ليأكل، فالسرقة حرام وعليه وزرها، وهو صاحب المال لا يحزن كثيرًا؛ لأن هذا أُخذ [وحُسب له] صدقة بهذا الشكل.
أرأيت تهدئة البال؟ نهينا عن السرقة وجعلناها جريمة وجعلنا بإزائها حدًا وصل إلى قطع اليد، فالسرقة حرام. ولكن الطرف الثاني، أي المسروق منه، قلنا له: اهدأ، فإن ما أُخذ منك لم يُؤخذ هكذا عبثًا، بل إنه أُخذ ولك به صدقة.
كل ما يصيب الزرع من طير أو حيوان أو معتدٍ فهو صدقة لصاحبه
وما أكل السبع منه فهو له صدقة. والسبع هنا يُطلق على كل حيوان بهيم في اللغة العربية اسم سبع. وما أكلت الطير فهو له صدقة.
قال رسول الله ﷺ: «ولا يَرْزَؤُهُ أحد إلا كان له صدقة»
رزأ تعني أصاب، أي شيء تكون فيه مصيبة. يعني إذا جاء شخص واستولى عليها، أو جاء آخر ووضع يده عليها، فهذا أيضًا له صدقة.
كأنه [النبي ﷺ] يرشدنا أن ما سيجري على هذا المنتَج حتى ولو بالخطأ - من سرقةٍ أو من عدوان بهيمةٍ أو من عدوان طيرٍ أو من عدوان معتدٍ - أيضًا الصدقة ثابتة.
الحث على الزراعة لأن كل ما يترتب عليها خير في جميع الأحوال
فكأنه [النبي ﷺ] يحثُّنا أن نفعل هذا [الغرس والزراعة]؛ لأنَّ كلَّه خير:
- •إن استفدنا نحن بها فخير.
- •وإن أخذه الناس هديةً فخير.
- •وإن تسلَّط عليه متسلِّطٌ فخير.
- •وإن أخذه شيء من الطير والحيوان فخير.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من نصب شجرة فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر، كان له في كل شيء يصاب من ثمرتها صدقة عند الله»
الزراعة تحتاج إلى صبر ومثابرة والحكمة النبوية في ذلك
يعني هنا أصبحت المسألة واضحة جدًا، ولكنها تشير إلى أن الزراعة تحتاج إلى صبر. رأينا مشاريع كثيرة حتى في بعض البلدان يوجد يوم للشجرة، ثم بعد ذلك لا تُكمل الاهتمام بها.
فالحكمة النبوية هنا:
قال رسول الله ﷺ: «من نصب شجرة فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر»
هنا يكمن المغزى، وهو قضية الصبر على الزراعة؛ لأن الزراعة تحتاج فعلًا إلى صبر وإلى مثابرة.
يا رب وفقنا إلى ما تحب وترضى، وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
