المعز المذل | من أسماء الله الحسنى | أ.د علي جمعة
- •المعز المذل اسمان من أسماء الله الحسنى يذكران معاً لتمام المعنى، مشتقان من الأفعال الواردة في قوله تعالى: "وتعز من تشاء وتذل من تشاء".
- •تؤخذ أسماء الله من أفعاله المذكورة في الكتاب والسنة إذا لم تكن موهمة، كما أخذ اسم الحبيب من قوله: "يحبهم ويحبونه".
- •يدل الاسمان على كمال قدرة الله في منح العزة أو نزعها، وإعطاء الملك أو المكانة أو سلبها ممن يشاء.
- •اجتماع المعز والمذل يجمع بين صفات الجمال والجلال، فإعزاز العبد رحمة به، وإذلاله تنبيه له.
- •المحن والمصائب من لطف الله بعباده، تحمل الخير والتذكير ليعود الإنسان إلى ربه ويتعلق به.
- •يتجلى الله على الناس بالعزة والذلة ليتدافعوا في الحياة ويسيروا جميعاً في اتجاهه.
- •السجود لله ظاهره انخفاض لكنه عز للمسلمين، فكن عزيزاً في الناس بعبادتك وذليلاً لربك.
مقدمة الحلقة والتعريف باسمي الله المعز المذل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مع اسم من أسماء الله الحسنى،
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
نعيش هذه اللحظات مع اسمين يُذكران معًا: المعز المذل.
الآية القرآنية الجامعة لمعنى الإعزاز والإذلال والملك
يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه القرآن الكريم:
﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 26-27]
كيفية اشتقاق أسماء الله من أفعاله الواردة في القرآن والسنة
ذكر الله الأفعال: "تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ"، ويُؤخذ من الفعل الصفة؛ كما أُخِذ اسم "الحبيب" من قوله تعالى:
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]
فهو الحبيب والمحبوب؛ الحبيب الذي يحب عباده، والمحبوب الذي يحبه عباده.
ومثل قوله تعالى:
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
فهو الناصر، والناصر ليست من أسماء الله الحسنى التي في حديث أبي هريرة [رضي الله عنه]، لكنها تُؤخذ من مثل هذه الأفعال. فهناك أفعال يُؤخذ منها أسماء الله سبحانه وتعالى ذُكرت في الكتاب وذُكرت في السنة، إذا لم تكن هذه الأسماء موهمة [أي: موهمة لمعنى لا يليق بالله].
لماذا يُذكر اسم المعز والمذل معًا لاكتمال المعنى
و المعز المذل يُذكران معًا؛ لأن بهما تمام المعنى الذي نريد أن نصف الله به، يعني أنه على كل شيء قدير؛ من حيث أنه يهب الملك أو العزة أو المكانة لمن يشاء، وينزع هذا الملك أو هذه العزة أو هذه المكانة ممن يشاء، ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء.
وعلى ذلك فالأمر كله لله من قبل [ذلك] ومن بعد [ذلك].
ذكر المعز المذل جمع بين الجمال والجلال في رحمة الله وتنبيهه
ذكر المعز المذل ذكرٌ للجمال والجلال معًا؛ فإن الله سبحانه وتعالى إذا أعزّ إنسانًا فقد رحمه، وإذا أذلّ إنسانًا فقد نبّهه.
وكل محنة من المحن التي ينزلها الله سبحانه وتعالى بالعباد -أي كل مصيبة تصيب الإنسان- من لطف الله به؛ يجعل فيها شيئًا من الخير، شيئًا من التذكير، شيئًا من التنبيه؛ حتى يعود الإنسان إلى نفسه ويراجعها، حتى يتعلق الإنسان بربه ويتوسل إليه ويتوكل عليه ويؤمن به، حتى يعتز الإنسان بالله لا بأحد من البشر، حتى يعلم الإنسان الحقائق على ما هي عليه وأنه لا ينفع ولا يضر في هذا الكون إلا الله.
تجلي الله بالعزة والذلة على العباد لحكمة التدافع في الحياة
فإن الله سبحانه وتعالى يتجلى على بعضنا بالعزة ويتجلى على بعضنا بالذلة؛ من أجل أن نتدافع في هذه الحياة الدنيا، ومن أجل أن نسير سويًّا وجميعًا في اتجاه الله وعلى طريق الله، سالكين الطريق إليه سبحانه وتعالى.
اكتمال معنى المعز المذل وبيان أن في الذل لله عزًّا كالسجود
اذكر دائمًا المعز المذل معًا حتى يكتمل المعنى؛ فإن الله سبحانه وتعالى ليس مُذِلًّا فقط، بل قد يكون في الذل عزّ.
أمرنا [الله] بالسجود له، وفي هذا السجود لو كان لغيره [سبحانه] لكان ذلًّا وظاهره الانخفاض، ولكنه لمّا كان لله كان عزًّا؛ فهو الذي أعزّنا بالسجود إليه.
ولا يسجد له في الكون الآن إلا المسلمون؛ هم وحدهم الذين يسجدون لربهم؛ لأنه تجلّى عليهم بالعز وتجلّى عليهم بالذل إليه سبحانه وتعالى. فهو المعز المذل.
وكن عزيزًا في الناس بعبادتك لربك، وكن ذليلًا لربك متوجهًا إليه.
