اكتمل ✓
تفسير آية الخمر والميسر في سورة البقرة وميزان الشريعة بين المصالح والمفاسد - تفسير, سورة البقرة

ما حكم الخمر والميسر في الشرائع السماوية وكيف يوازن الإسلام بين منافعهما وأضرارهما؟

الخمر والميسر محرمان في جميع الشرائع السماوية لأنهما يقدحان في الضروريات الخمس التي حافظت عليها كل الأديان. القرآن الكريم أقرّ بوجود منافع لهما لكنه أكد أن إثمهما أكبر من نفعهما. وعلى هذا الأساس قرر الفقه الإسلامي قاعدة ارتكاب أخف الضررين ودفع أشد المفسدتين.

3 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن يكون شيء محرمًا وفيه منافع في آنٍ واحد، وكيف يتعامل الإسلام مع هذا التناقض الظاهري؟

  • الخمر والميسر محرمان في جميع الشرائع السماوية لأنهما يمسان الضروريات الخمس: النفس والعقل والدين والعرض والمال.

  • المسيحيون يحرمون السُّكر لا مجرد تناول الخمر، واليهود والمسلمون يحرمونها كلياً، مما يدل على اتفاق الشرائع في جوهر التحريم.

  • القرآن الكريم أنصف فأقرّ بمنافع الخمر والميسر، لكنه أكد أن إثمهما أكبر من نفعهما، وهو الأساس الذي بُنيت عليه قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

  • الزنا بالتراضي لا يُبيحه رضا الطرفين لأنه يهدد بنية الأسرة ويقلل النسل ويفكك الانتماء المجتمعي.

  • الفتوى الإسلامية تتغير بحسب الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهذه النسبية حقيقة خلقها الله وليست تساهلاً في الأحكام.

مقدمة تلاوة آية الخمر والميسر وبيان تحريمهما في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله ومع سورة البقرة، مع قوله تعالى:

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]

وعرفنا أن هذا الخمر وهذا الميسر محرمان في شريعتنا، فهل هما محرمان في الشرائع السابقة؟

تحريم الخمر في جميع الشرائع لأنها تقدح في الضروريات الخمس

لدينا بعض الأصوليين في أصول الفقه يقولون أن الخمر محرمة في كل دين، ولماذا قالوا هذا؟ لأنها تقدح في أمر من الأمور الخمسة المتفق على أنها قد حافظت عليها الشرائع.

ما هذه الخمسة؟ حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ كرامة الإنسان — كنا نسميها العرض — وحفظ الملك — كنا نسميه المال.

خمسة حافظت عليها كل الشرائع؛ لا توجد شريعة جاءت وقالت إن القتل حلال، ولا توجد شريعة جاءت وقالت إن إذهاب العقل حلال. إذن كانت المخدرات والخمر وما شابه ذلك محرمة في جميع الشرائع.

موقف أهل الشرائع القائمة من تحريم الخمر والميسر

فعندما نأتي لنسأل أهل الشرائع القائمة الآن نجد أن اليهود يحرمون الخمر، والمسلمون يحرمون الخمر. أما المسيحيون فيتناولون من الخمر ما لا يُسكر، يعني يحرمون السُّكر؛ فيقول لك السُّكر حرام، إنما يأخذ شيئًا هكذا وبسيطًا هكذا كأنه يعني رشفة كما يقولوا هكذا، ولكن بشرط ألا يسكر، فإن سكر فقد خرج عن الشريعة وخرج عن الدين؛ يعني لأن السُّكر حرام [عندهم].

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]

كذلك الميسر محرم وهو القمار، وأكل أموال الناس بالباطل حرام في كل شريعة قائمة.

التفريق بين المعصية والضعف البشري وعدم اليأس من رحمة الله

الإجابة كانت ماذا؟ ربنا يعلمنا أيضًا أن المعصية شيء والضعف البشري شيء، وأن العقائد والأحكام شيء آخر، وأنك أيها الذي قد غلبتك نفسك للوقوع في هذا [الخمر] أو ذاك [الميسر] لا تيأس من روح الله ولا تيأس من رحمة الله.

بالهدوء هكذا، لا تيأس من روحك، تعال [إلى التوبة]. ولكن بعضهم ييأس فيقول: الخمر حلال والميسر حلال، فيبقى قد ارتكب إثمًا فوق إثم وكبيرة فوق كبيرة تكاد تخرجه من الملة. طيب، ولماذا؟ قل أنا مخطئ فقط!

﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]

مبدأ النسبية في الأحكام واختلاف الفتوى بحسب الزمان والمكان والأحوال

هذا يقرر إذن شيئًا وهو النسبية؛ شيء واقعي خلقه الله، وعليها اختلفت الشرائع من زمن إلى زمن، وعليها تختلف الفتوى في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال — أربع جهات نسميها جهات التغيير، قلناها من قبل.

لماذا؟ إن الأمور أحيانًا تكون نسبية؛ مصائب قوم عند قوم فوائد، وفوائد قوم عند قوم مصائب. فيهما أخذ وعطاء.

﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]

سبعون أو ثمانون في المائة [إثم].

﴿وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219]

عشرون في المائة [منافع].

منافع القمار الظاهرية مقابل أضراره الجسيمة على الأفراد والأسر

ما هو القمار؟ يمكن تربح وتزيد ثروتك فتلك منفعة. فماذا عن الذين كسرت خاطرهم وأخذت أموالهم؟ وماذا عن الذي خرب بيته من القمار وأفلس وضيّع أسرته ونفسه؟

﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219]

الرد على من يستحل الزنا بالتراضي وبيان خطره على المجتمع والأسرة

فلا يأتيني أحد ويقول لي إن الزنا حلال. لماذا؟ قال: يا أخي أنا راضٍ وهي راضية، وما دامت راضية وأنا راضٍ، أنت ما شأنك يا قاضي إذا كنا نزني أم لا نزني! لا يصلح هذا الكلام، هذا الكلام كلام سخرية ولا يقوم به المجتمع البشري، لا تتم به عمارة الكون.

وقضية المجتمع البشري وعمارة الكون هذه جزء لا يتجزأ من الدين ومن مفهوم المسلمين. هذا فساد؛ هذا [الزنا] بموجبه تتفكك الأسرة، وبموجبه يقل النسل.

الزنا يقلل النسل ويهدد بقاء المجتمعات وانتماء الأجيال

بعض الناس يقولون لك: لا، إن الزنا هذا سيكثر النسل! أبدًا، إن الزنا هذا يقلل النسل. وإذا قلّ النسل أصبحت المجتمعات في ورطة: أين اليد العاملة؟ أين الجيل الذي سيحمل عن جيل آخر؟ أين الذي سيدافع عن البلاد عند تعرضها للهلاك والإبادة؟

في غاية القسوة أن نتصور أن الأسرة قد ذهبت، وأن الانتماء قد ذهب للأسرة وللعائلة وللوطن وللدين ولكل انتماء، ويعيشون كالأنعام، بل يكونون حينئذ أضل سبيلًا.

﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219]

إنصاف القرآن في ذكر منافع الخمر مع تأكيد تحريمها وقياس ذلك على التدخين

انظر إلى الإنصاف [في القرآن الكريم]؛ الخمر التي حرمتها عليكم فيها منافع، لكن حرام أيضًا. فلا يأتيني أحد ويؤلف لنا في منافع الخمر ويقول لي هذه الخمر تصبح مباحة!

لما حرمنا التدخين لأضراره البليغة، وجدنا شركة التبغ ألّفت ثلاثة مجلدات في منافع التدخين! افترض أن هذا التدخين فيه منافع، لكن أضراره أكثر من منافعه.

ميزان الشريعة في الموازنة بين المصالح والمفاسد وترجيح الأخف ضررًا

فإن ربنا هنا علمني الميزان. هذا الميزان له كفتان أم كفة واحدة؟ له كفتان؛ كفة فيها المعيار — هو الميزان — وكفة فيها ما أريد أن أقوّمه، وبعد ذلك يظهر إذن هذه [الكفة] التي ترجح أو هذه التي ترجح، كما يقولون: أتنفع هذه أم هذه؟ فربنا يعلمنا الميزان.

فإذن:

﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]

فإذن علمنا الميزان الذي نقيس به الأمور، ونبتعد عن السيئة الكبيرة حتى لو اشتملت على منفعة قليلة. عقل مستقيم وفكر مستقيم: ارتكاب أخف الضررين واجب، ودفع أشد المفسدتين واجب. هو جلبوها من هنا [من هذه الآية].

الإشارة إلى تكملة تفسير آية الإنفاق في اللقاء القادم والختام

﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 219]

في اللقاء الآخر إن شاء الله [نكمل تفسير هذا الجزء من الآية]. وإليه نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

لماذا قال الأصوليون إن الخمر محرمة في كل دين؟

لأنها تقدح في الضروريات الخمس التي حافظت عليها كل الشرائع

ما الضروريات الخمس التي أجمعت الشرائع على حفظها؟

النفس والعقل والدين والعرض والمال

ما موقف المسيحيين من الخمر وفق ما جاء في التفسير؟

يحرمون السُّكر ويجيزون الكمية اليسيرة التي لا تُسكر

ما القاعدة الفقهية التي استنبطها العلماء من قوله تعالى ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾؟

ارتكاب أخف الضررين واجب ودفع أشد المفسدتين واجب

ما الفرق بين الوقوع في المعصية واستحلالها؟

الوقوع في المعصية بضعف بشري أخف من استحلالها الذي قد يُخرج من الملة

لماذا لا يُبيح التراضي بين الطرفين الزنا في الشريعة الإسلامية؟

لأن الزنا يُفكك الأسرة ويُقلل النسل ويُفسد المجتمع وهو ضرر يتجاوز الفردين

ما جهات التغيير الأربع التي تختلف بها الفتوى؟

الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

ما الدرس المستفاد من مثال شركة التبغ التي ألّفت مجلدات في منافع التدخين؟

أن وجود المنفعة لا يُسقط التحريم إذا كانت الأضرار أكبر

كيف يؤثر انتشار الزنا على النسل وفق ما جاء في التفسير؟

يُقلل النسل ويُوقع المجتمعات في أزمة اليد العاملة

ما المنفعة الظاهرية للقمار التي أشارت إليها الآية؟

احتمال الربح وزيادة الثروة

ما الأمور الخمسة التي حافظت عليها جميع الشرائع السماوية؟

حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ العرض، وحفظ المال.

لماذا تُعدّ الخمر محرمة في جميع الأديان وفق علم أصول الفقه؟

لأنها تقدح في حفظ العقل الذي هو إحدى الضروريات الخمس التي أجمعت على صونها كل الشرائع.

ما الشرط الذي يضعه المسيحيون لإباحة تناول الخمر؟

ألا يُسكر الشارب؛ فإن أسكره فقد خرج عن الشريعة لأن السُّكر حرام عندهم.

ما معنى قوله تعالى ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾؟

أن الإثم والضرر الناجمين عن الخمر والميسر يفوقان المنافع التي قد تُجنى منهما، فيجب اجتنابهما.

ما القاعدتان الفقهيتان المستنبطتان من ميزان المصالح والمفاسد في الآية؟

ارتكاب أخف الضررين واجب، ودفع أشد المفسدتين واجب.

ما الفرق بين المعصية والضعف البشري في الفهم القرآني؟

الضعف البشري هو الوقوع في المعصية مع الإقرار بحرمتها، أما المعصية الكبرى فهي استحلال المحرم وادعاء حِلّه.

ما خطر اليأس من رحمة الله على من وقع في الخمر أو الميسر؟

اليأس من رحمة الله قد يدفع الإنسان إلى استحلال المحرم، فيرتكب إثماً فوق إثم قد يُخرجه من الملة.

ما المقصود بالنسبية في الأحكام الشرعية؟

أن الأمور قد تكون مصلحة لقوم ومفسدة لآخرين، وعلى هذا تختلف الفتوى بحسب الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

لماذا يُعدّ القمار محرماً في جميع الشرائع؟

لأنه أكل لأموال الناس بالباطل، وهو يُخرّب بيوت الخاسرين ويُفلسهم ويُضيّع أسرهم.

كيف يُهدد انتشار الزنا بقاء المجتمعات؟

يُقلل النسل فتفقد المجتمعات اليد العاملة والأجيال القادرة على الدفاع، ويُذهب الانتماء إلى الأسرة والوطن والدين.

ما الدلالة على إنصاف القرآن في تناوله لموضوع الخمر؟

القرآن اعترف صراحةً بوجود منافع للخمر قبل أن يُقرر تحريمها، مما يدل على أن التحريم مبني على الموازنة لا على الإنكار المطلق للواقع.

ما الأضرار الاجتماعية للزنا التي تجعله محرماً حتى بالتراضي؟

يُفكك الأسرة ويُقلل النسل ويُفسد عمارة الكون، وهذه مصالح كبرى لا يملك فردان إسقاطها برضاهما.

ما الميزان الذي علّمه القرآن لتقييم الأمور المختلطة بين المصالح والمفاسد؟

ميزان ذو كفتين: توضع المصالح في كفة والمفاسد في أخرى، فما رجحت مفسدته حُرّم وما رجحت مصلحته أُبيح.

ما الجزء من آية البقرة 219 الذي أُرجئ تفسيره إلى اللقاء التالي؟

قوله تعالى: ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾، وهو الجزء المتعلق بالإنفاق.

ما نسبة الإثم إلى المنفعة في الخمر والميسر كما أشار إليها التفسير؟

الإثم يمثل نحو سبعين إلى ثمانين بالمائة، بينما المنافع لا تتجاوز عشرين بالمائة، مما يُرجّح كفة التحريم.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!