اكتمل ✓
تفسير الآية 199 من سورة البقرة وأحكام الحج وقاعدة متابعة الناس في الخير - تفسير, سورة البقرة

ما معنى آية أفيضوا من حيث أفاض الناس وكيف تطبق قاعدة متابعة الجماعة في الخير؟

قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ يُرسي قاعدة مهمة في حياة المسلم وهي الكون مع الناس في الخير واتباع جماعة المسلمين في أعرافهم وعاداتهم ما لم تكن معصية. وهذا يعني النهي عن الشذوذ عن الجماعة والتميز المذموم كثوب الشهرة، مع التفريق الواضح بين اتباع الناس في الخير وبين الإمّعة الذي يتبع الناس في المعصية. وتختتم الآية بالأمر بالاستغفار إقراراً بأن الإنسان لن يبلغ الكمال في أداء واجباته.

4 دقائق قراءة
  • هل يجوز مخالفة عادات الناس وأعرافهم بحجة اتباع السنة، وما ضابط ذلك في ضوء الآية 199 من سورة البقرة؟

  • تُقرر الآية الكريمة ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ قاعدة الكون مع جماعة المسلمين في الخير وعدم الشذوذ عنهم.

  • حديث «من شذّ شذّ في النار» وأثر ابن مسعود «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» يؤكدان وجوب اتباع السواد الأعظم في الخير.

  • نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثوب الشهرة، وقرر ابن تيمية أن السنة قد تُترك إذا صارت شعاراً للفاسقين في بلد ما.

  • الفرق الجوهري بين متابعة الناس في الخير وبين الإمّعة الذي يتبع الناس في المعصية من نفاق وغش وكذب.

  • تختتم الآية بالأمر بالاستغفار إقراراً بأن الإنسان لن يبلغ الكمال، والحل هو التدرج في الدين مع الاستغفار الدائم.

مقدمة الدرس وقاعدة مهمة في حياة المسلم من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، والله سبحانه وتعالى يفصّل لنا بعض أحكام الحج، يقول سبحانه قاعدة مهمة في حياة المسلم وتطبيقه لدينه، وهي أن تكون مع الناس في الخير، هذا هو القيد، في الخير:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

وجوب اتباع جماعة المسلمين وعدم الشذوذ عنهم في الخير

كيف يسير الناس؟ تسير في اتجاه مكة، لا تقل لا، فهذا ربما يلزم أن نسير في الاتجاه الآخر، لا يصح ذلك.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ شذّ في النار» أخرجه ابن ماجة

ويقول ابن مسعود رضي الله عنه وقد فهم الدين من كتاب الله ومن سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن»

كن مع الناس، عندما تجد الناس تسير على وضع معيّن ليس خارجًا عن كتاب الله ولا عن سنة رسول الله ولا فيه تكليف النفس بما لا تطيق:

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

فكن مع الناس ولا تخالفهم في أعرافهم وتوجهاتهم فتكون شاذًّا.

النهي عن ثوب الشهرة والأمر بالتزام العرف السائد بين الناس

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثوب الشهرة.

ما ثوب الشهرة هذا؟ أن تلبس شيئًا كي تتميّز به عن خلق الله، فالناس كلما نظروا إليك يرون شيئًا غريبًا؛ الألوان غريبة والتفصيل غريب واللباس غريب، أحيانًا يكون مضحكًا وأحيانًا يكون غير مفهوم.

قال تعالى:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

هذه القضية قضية مهمة جدًّا تغيب عن كثير من الشباب خاصة، ويحبّ أن يفعل ما في ذهنه؛ لأنه قد فهم أن السنة هكذا. لا، السنة هي أن تتّبع تلك المناهج:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

رأي ابن تيمية في ترك السنة إذا صارت شعارًا للفاسقين

السنة كذلك أن تتّبع جمهور المسلمين، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.

ولذلك الشيخ ابن تيمية يقول إن البياض سنة، كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ أن يلبس الأبيض، لو صار [اللباس الأبيض] شعارًا للفاسقين في بلد ما، البياض صار شعار الفاسقين، يجب عليك ألّا تلبسه.

فلا تقل وتصمّم: يجب أن ألبس البياض. لماذا تلبس البياض؟ قال: لأن هذا سنة. صحيح كلامك صحيح مضبوط مائة في المائة أنه سنة، لكن الناس ستقول عنه أنه فسق؛ لأنه أصبح شعار الفاسقين في هذا البلد.

الرد على من يقول لا شأن لي بالناس وأسير على ما أراه

قال لي: وما شأني أنا والناس؟ ها قد ابتدأنا، ها هي الكلمة، وأنا ما شأني وما شأن الناس، أنا لا يهمّني، فأنا أسير على ما أراه ولا أهتم.

نقول له: لا، إذن أنت ما فهمت مراد الله سبحانه وتعالى من كتابه، لم تعش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. صلى الله عليه وسلم عاش القرآن:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

الناس وهي تفيض كانت تعمل خيرًا أم تعمل شرًّا؟ تعمل خيرًا. ما دام الناس في عاداتهم وتقاليدهم وأحوالهم لم يخالفوا [شرع الله]، والمخالفة هذه معناها أنها قد خالفت الواجب، فكن معهم.

تطبيق قاعدة متابعة الناس في العادات كالعزاء والأفراح ما لم تكن معصية

فعندنا عادات لاستقبال العزاء واستقبال المعزّين، ما دمنا متعوّدين نجتمع ويعزّي بعضنا بعضًا ونقيم السنة، ولكن بطريقة معيّنة ما دام لا يوجد فيها مخالفة [لشرع الله] فلتكن كذلك. في الأفراح ما دام لا يوجد فيها مخالفة فلتكن كذلك.

ولو أن الناس فعلت المعصية فلا نطاوعها، حينئذٍ لا يكون أحدكم إمّعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنتُ وإن أساءوا أسأتُ. لا، هذه قضية أخرى غير القضية التي نحن معها.

وطّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا أنفسكم باتّباع الإساءة.

الفرق بين اتباع الناس في الخير وبين كون المرء إمّعة يتبع المعصية

والواحد يكون إمّعة، إمّعة هذه تعني مع الرائج؛ الناس ينتشر فيها النفاق فننافق، ينتشر فيها الغش فنغشّ، ينتشر فيها الكذب فنكذب، يكثر فيها الخداع فنخادع. لا، لا يكون أحد منكم إمّعة.

فيكون إذن هناك فرق بين قوله تعالى:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

وهو عينه:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

وهو عينه: «إذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ شذّ في النار»، وهو عينه: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن».

وبين الإمّعة، لماذا؟ لأننا هنا نطيعهم من خلال طاعة الله، وإنما أنا هنا في الوضع الآخر أطيعهم من خلال معصية الله، هناك فرق. إذن يوجد فرق بين أن أطيع من خلال طاعة الله وأن أطيع من خلال معصية الله.

حكمة الاستغفار بعد العبادة والشعور بالتقصير في أداء الواجب

﴿وَٱسْتَغْفِرُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 199]

انظر إلى الحكمة الخاصة بالاستغفار، أنا أشعر أننا لم نقم بعملنا مائة في المائة، قل: أستغفر الله. ونحن لن نحصل على مائة في المائة أبدًا.

أنا أشعر ونحن نعيش هذا المجتمع لم نقم بواجبنا مائة في المائة، قل: أستغفر الله إن الله غفور رحيم.

هل ستناطح الدين؟ فالدين أمر عظيم جدًّا، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه. إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق.

التدرج في الدين والاستغفار عند العجز عن بلوغ الكمال

هكذا كان الأتراك عندنا يقولون لك: يا واش يا واش. ماذا تعني؟ قليلًا قليلًا، حسنًا، واحدة واحدة.

وهذا التدريج يجعلني متضايقًا ولم أعمل المائة بالمائة كاملة، وأنا أريد أن أعمل مائة بالمائة. ما الحل؟ قال:

﴿وَٱسْتَغْفِرُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 199]

التأكيد على أن القرآن من عند الله لا يمكن أن يكون كلام بشر

والله ما هذا من كلام البشر، لا يصلح يا إخواننا أن يكون هذا كلام بشر أبدًا.

﴿وَٱسْتَغْفِرُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 199]

﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

لا، هذا أنت لو عشت مع القرآن هذا فليس ممكنًا أن تشكّ بعد ذلك، إلا أن هذا هو من عند الله ما فيه أيّ شك ولا ريب:

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

ختام الدرس والإشارة إلى استكمال تفسير آيات المناسك في لقاء قادم

﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200]

هذا كلام آخر، فإلى لقاء آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما القيد الأساسي في قاعدة الكون مع الناس المستفادة من الآية 199 من سورة البقرة؟

أن يكون في الخير لا المعصية

من قال «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»؟

ابن مسعود رضي الله عنه

ما المقصود بثوب الشهرة الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم؟

ما يلبسه الإنسان ليتميز به عن الناس ويبدو غريباً

وفق رأي ابن تيمية، متى يجب ترك السنة الثابتة كلبس الأبيض؟

إذا صارت شعاراً للفاسقين في بلد ما

ما الفرق الجوهري بين اتباع الناس في الخير وبين الإمّعة؟

الاتباع يكون عبر طاعة الله والإمّعة يكون عبر معصيته

ما الحكم الشرعي في المشاركة في عادات العزاء والأفراح السائدة بين الناس؟

جائزة ما لم تتضمن مخالفة لشرع الله

لماذا أمرت الآية 199 من سورة البقرة بالاستغفار بعد أداء المناسك؟

لأن الإنسان لن يبلغ الكمال في أداء واجباته

ما معنى حديث «من شذّ شذّ في النار»؟

من خالف جماعة المسلمين في الخير فهو على خطر

ما الآية القرآنية التي تأمر بأخذ العفو والأمر بالعرف والإعراض عن الجاهلين؟

الأعراف: 199

ما الحل الذي أرشدت إليه الآية 199 لمن يشعر بالتقصير في التزامه الديني؟

الاستغفار والتدرج في الدين برفق

ما الآية الكريمة التي تُقرر قاعدة الكون مع جماعة المسلمين في الخير؟

قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ من سورة البقرة الآية 199.

ما نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر باتباع السواد الأعظم؟

«إذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ شذّ في النار» أخرجه ابن ماجة.

ما تعريف الإمّعة في الاصطلاح الشرعي؟

الإمّعة هو من يتبع الرائج بين الناس سواء كان خيراً أو شراً، فينافق إن انتشر النفاق ويغش إن انتشر الغش ويكذب إن انتشر الكذب.

ما الآية التي تأمر بأخذ العفو والأمر بالعرف؟

قوله تعالى ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ من سورة الأعراف الآية 199.

ما الفئة التي يُشير الدرس إلى أنها تغفل عن قاعدة اتباع العرف السائد؟

الشباب الذين يحبون التميز ويظنون أن السنة هي مخالفة الناس، بينما السنة الحقيقية هي اتباع الجماعة في الخير.

ما الشرط الذي يجعل المشاركة في عادات الأفراح والعزاء مقبولة شرعاً؟

ألا تتضمن هذه العادات مخالفة لشرع الله، فإن خلت من المعصية جاز الاشتراك فيها.

ما الآية التي تدل على أن الله لا يكلف النفس فوق طاقتها؟

قوله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ من سورة البقرة الآية 286.

ما الحكمة من ختم الآية 199 من سورة البقرة بقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾؟

لأن الإنسان لن يبلغ الكمال في أداء واجباته، فختمت الآية بصفتي المغفرة والرحمة تطميناً للمؤمن الذي يشعر بالتقصير.

ما المقصود بالتدرج في الدين الذي أشار إليه الدرس؟

الأخذ بالدين قليلاً قليلاً دون إرهاق النفس، مع الاستغفار عن التقصير، لأن الدين متين ولن يشاده أحد إلا غلبه.

ما الدليل القرآني على أن القرآن الكريم ليس كلام بشر؟

قوله تعالى ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، ومن يتأمل عمق آياته وشمولها يوقن أنه لا يمكن أن يصدر عن بشر.

ما الآية التالية للآية 199 من سورة البقرة في سياق أحكام الحج؟

قوله تعالى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ﴾ وهي الآية 200 من سورة البقرة.

لماذا يُعدّ من يقول «لا شأن لي بالناس» مخطئاً في فهم الدين؟

لأنه لم يفهم مراد الله من قوله ﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾، إذ الواجب الكون مع الجماعة في الخير لا الانعزال عنهم.

ما الفرق بين اتباع الناس في طاعة الله واتباعهم في معصيته؟

الأول محمود وهو ما أمرت به الآية، والثاني مذموم وهو الإمّعة المنهي عنه، والفارق هو أن الأول يُقرب من الله والثاني يُبعد عنه.

ما الكلمة التركية التي استشهد بها الدرس للدلالة على التدرج؟

كلمة «يا واش يا واش» وتعني قليلاً قليلاً أو واحدة واحدة، وهي تعبر عن مبدأ التدرج في الأمور.

ما الصلة بين قوله تعالى ﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ وحديث السواد الأعظم وأثر ابن مسعود؟

كلها تصب في معنى واحد وهو وجوب الكون مع جماعة المسلمين في الخير وعدم الشذوذ عنهم، وهي أدلة متكاملة تؤكد هذه القاعدة.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!