اكتمل ✓
تفسير آية الوصية في سورة البقرة وأحكام إنشائها وإثباتها وتبديلها - تفسير, سورة البقرة

ما شروط إنشاء الوصية وإثباتها وما حكم تبديلها بعد سماعها؟

الوصية عقد شرعي لا يكفي فيه عقد القلب بل لا بد من اللفظ الصريح، وأن يكون الموصى به مملوكًا للموصي وأقل من الثلث ولشخص معلوم. وتُثبَت الوصية بالشهادة أو الكتابة أو التوثيق كالشهر العقاري. أما تبديلها بعد سماعها فهو تزوير وكذب محرم، وإثمه على المبدِّل وحده دون الموصي الذي يصله ثوابه كاملًا.

3 دقائق قراءة
  • هل يكفي أن تنوي الوصية في قلبك دون أن تنطق بها؟ الجواب الفقهي قاطع: لا.

  • الوصية عقد شرعي لا ينعقد بعقد القلب وحده، بل لا بد من اللفظ الصريح كسائر العقود.

  • يُشترط في الوصية أن يكون الموصى به مملوكًا للموصي، وأقل من الثلث، ولشخص معلوم غير مجهول.

  • تُثبَت الوصية بشاهدين أو بالتوثيق الرسمي كالشهر العقاري الذي يقوم مقام شهود العدل.

  • تبديل الوصية بعد سماعها تزوير وشهادة زور محرمة، وهو افتراء على الله لأنه نسبة ما لم يحدث إلى كونه.

  • إثم التبديل يقع على المبدِّل وحده، ويصل ثواب الوصية والوقف إلى صاحبه كاملًا حتى لو ضاعت بعد وفاته.

افتتاح الدرس بالبسملة والدعاء والتمهيد لآية الوصية من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك، واشرح صدورنا للإسلام، وعلمنا مرادك من كتابك، واجعلنا في ظلاله إلى أن نلقاك، واهدنا واهد بنا يا رحمن.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر شأن الوصية:

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُٓ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 181]

الوصية لها إنشاء ولها إثبات.

إنشاء الوصية لا يكفي فيه عقد القلب بل لا بد من اللفظ

إنشاء الوصية لا يكفي فيه عقد القلب. عقد القلب يعني نويتَ وصمّمتَ في قلبك وعقدتَ النية. عقدتَ النية يعني ماذا؟ ما هو أحيانًا يأتي للإنسان هاجس، خاطر، حديث النفس، همّ، وبعد ذلك تأتي النية فتكون هذه النية من مراتب القصد المؤكدة؛ فالنية هي القصد المؤكد.

خطر في بالي هكذا أن أعمل وصية، فهذا لا يجوز [أي لا يكفي لإنشاء الوصية]. طيب، الخاطر تحوّل إلى أشدّ منه وهو حديث نفس، أيضًا فهذا لا يجوز [لا يكفي]. همّ، نفسي تاقت وتشوّفت ومالت إلى أن أعمل الوصية، أيضًا انعقد قلبي عليها ولم أنطق، هذا لا يصح [لإنشاء الوصية].

الفرق بين عقد القلب في العبادات وضرورة اللفظ في العقود الشرعية

أليس الله ربنا رب القلوب؟ قال: لا [ليس المقصود هنا]، رب القلوب في العبادات، رب القلوب في الأذكار والأدعية، رب القلوب في النوايا الحسنة وفعل الخيرات، لكن في العقود لا بد من الألفاظ.

لا يصح أن أنوي بقلبي أنني أتزوج [دون لفظ]؛ يجب أن أذهب إلى الفتاة، فيقول وليّها: زوّجتك ابنتي أو أختي، وأقول: قبلت. لا يصح أن أصمت هكذا، هو والرجل يقول لي: زوّجتك ابنتي وأنا صامت هكذا.

هل وافقتُ أم لا؟ قلت له: يا أخي الله رب القلوب، بقلبي! هي في قلبي من الداخل، لكن كلام لا يوجد. لا يصح؛ ركن من أركان العقد الذي لا بد أن يقول: زوّجتك نفسي، فيقول الثاني: قبلت.

اشتراط اللفظ في انعقاد العقود وعدم كفاية ما في القلب وحده

طيب، والذي في القلب من غير لسان لا ينفع، ولو كان الاثنان يحبان بعضهما البعض ذائبين في بعضهما ذوبانًا، وبرغم ذلك لا ينفع؛ لا بد أن ينعقد العقد باللفظ.

هذا نسميه مرحلة ماذا؟ إنشاء العقد. عقد الزواج لا بد فيه من شاهدين حتى يتم، ولا بد فيه من الولي عند الشافعية، وليس ضروريًا عند الحنفية حتى تتم أركانه.

كذلك طيب، فما الوصية؟ هي عقد من العقود، فلا بد فيها في إنشائها من اللفظ؛ لا يكفي عقد القلب. فلا بد أن أقول: أوصيت.

شروط صحة الوصية من حيث الملكية والمقدار وتحديد الموصى له

ثانيًا: أوصيت بماذا؟ بما تملك، لا ما ليس بملكك. لا تقل: أوصيت بالمبلغ الذي زوجتي ادّخرته في مصرفها. الله، طيب، وأنت ما شأنك بزوجتك؟ أأنت توصي في ملك غيرك؟ يجب أن يكون [الموصى به] في ملكك.

ولا بد أن يكون [الموصى به] أقل من الثلث، ولا بد أن تعلم لمن أوصيت؛ لا تصلح الوصية للمجهول.

وتقول: والله أنا أوصيت للولد الذي سيولد إن شاء الله وربنا سيرزقها به في غضون سنتين أخريين من ابنتي هذه. فلنفترض أن الله لم يرزقها بهذا الولد، أو لنفترض أنه رزقها به، فإن هذا الكلام لا يصح؛ لأنها وصية لمجهول.

تحديد مقدار الوصية وصنفها ثم الانتقال إلى مرحلة إثبات الوصية وتوثيقها

إذن يجب أن نحدد إلى أين ستذهب هذه الأموال، وما مقدارها، وما صنفها، وما قدرها من ملكك. وهكذا هذا هو الإنشاء [إنشاء الوصية].

وبعد ذلك يأتي دور الإثبات. وفي الإثبات يلزم شاهدان، أو تذهب لتوثيقها عند شهود العدل الذين نسميهم الآن الشهر العقاري. فالشهر العقاري هؤلاء هم شهودنا الذين هم شهود العدل؛ يسجّلها في الدفتر، ويختمها بختم النسر، ويضع عليها رقمًا وتاريخًا. فهذا إثبات.

وهذا هو هذه الوصية أم هذا إثبات الوصية؟ لا، هذا إثبات الوصية. فالإثبات قد يتم بالشهادة، وقد يتم بالكتابة، وقد يتم بالتوثيق الذي هو مثل الشهر العقاري هذا.

تبديل الوصية بعد سماعها يعد تزويرًا وشهادة زور محرمة شرعًا

فمن بدّله بعد ما سمعه فماذا يفعل؟ إنه يقوم بعملية التزوير. الولد ذهب في الشهر العقاري وذهب قطع ماذا؟ الدفتر، قطع الصفحة التي سُجّل فيها [الوصية]، هذا يكون تزويرًا.

سرق هذه الورقة وقطعها، وقال للموظف: عندما يأتي إليك قل أشهد بالزور. هكذا يكون تزويرًا، يكون شهادة زور على الفور.

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة: 181]

يكون هذا عملية التزوير. فهل التزوير حلال أم حرام؟ حرام.

الكذب افتراء على الله لأنه نسبة ما لم يحدث إلى كون الله تعالى

لماذا [التزوير حرام]؟ لأنه كذب، حكاية تخالف الواقع الذي خلقه الله. هذا افتراء على الله؛ الرجل أوصى وربنا خلق الوصية [أي أوجدها في الواقع]، وأنت تقول إنه لم يوصِ، فأنت تكذب على ربنا وتنسب لكونه ما لم يُحدثه فيه.

ومن هنا كانت جريمة الكذب جريمة كبيرة. لماذا؟ لأنك تنسب إلى الله ما لم يقله وما لم يفعله في هذه الحياة الدنيا.

إذا كذبنا في الوحي فتلك مصيبة عظيمة، وقد عرفنا من قبل ما جزاؤها. وإذا كذبنا في الواقع فتلك مصيبة عظيمة، وكلاهما نسبة قول أو فعل إلى الله لم يقله أو لم يفعله في هذا الكون. فأنت تفتري على ربنا بكذبك على الناس.

إثم التبديل على المبدّل وحده وثواب الموصي يصله كاملًا مستمرًا

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُٓ﴾ [البقرة: 181]

حسنًا، والرجل الذي عمل الوصية سيصل إليه أجر الوصية، والرجل الذي عمل الوقف، كثير من الناس تسأل:

حسنًا، افترض بعد أن متُّ هذه الأوقاف ضاعت، [فهل يضيع ثوابي]؟ سيذهب لك الثواب على الفور بصيغة مستمرة؛ لأنك قد فعلت الخير في حياتك.

﴿فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُٓ﴾ [البقرة: 181]

إنما أنت وصلك الثواب.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 181]

[سميع] لما تعلمون، تعملون، [عليم] بما تفعلون. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما الذي يُشترط لإنشاء الوصية شرعًا؟

النطق باللفظ الصريح

ما الحد الأقصى المسموح به في الوصية من مال الموصي؟

أقل من الثلث

لماذا تبطل الوصية لشخص مجهول؟

لأن الموصى له يجب أن يكون معلومًا

ما الفرق بين إنشاء الوصية وإثباتها؟

الإنشاء هو النطق باللفظ والإثبات يكون بالشهادة أو التوثيق

ما دور الشهر العقاري في توثيق الوصية؟

يقوم مقام شهود العدل في إثبات الوصية

من يقع عليه إثم تبديل الوصية بعد سماعها؟

المبدِّل وحده

لماذا وصف الفقه الإسلامي الكذب بأنه افتراء على الله؟

لأنه نسبة ما لم يحدث في كون الله إليه

هل يصل ثواب الوقف إلى صاحبه إذا ضاع بعد وفاته؟

نعم، يصله ثوابه كاملًا لأنه فعل الخير في حياته

في أي المجالات يكفي عقد القلب دون اللفظ؟

العبادات والأذكار والنوايا الحسنة

ما حكم الوصية بمال الزوجة دون إذنها؟

باطلة لأن الموصى به يجب أن يكون مملوكًا للموصي

ما المقصود بإنشاء الوصية؟

إنشاء الوصية هو النطق باللفظ الصريح كقول: أوصيت، ولا يكفي فيه عقد القلب أو النية مهما بلغت درجتها.

ما مراتب القصد النفسي التي لا تكفي لإنشاء الوصية؟

الخاطر، ثم حديث النفس، ثم الهمّ، ثم النية المؤكدة؛ كلها لا تكفي لإنشاء الوصية ما لم يصحبها لفظ.

ما الفرق بين العبادات والعقود من حيث اشتراط اللفظ؟

في العبادات والأذكار والنوايا الحسنة يكفي عقد القلب، أما في العقود الشرعية كالزواج والوصية فلا بد من الألفاظ.

ما الشروط الثلاثة الرئيسية لصحة الوصية؟

أن يكون الموصى به مملوكًا للموصي، وأن يكون أقل من الثلث، وأن يكون الموصى له شخصًا معلومًا غير مجهول.

لماذا تبطل الوصية لولد لم يولد بعد؟

لأنها وصية لمجهول، والوصية تشترط أن يكون الموصى له معلومًا، فإن لم يُرزق بالولد أصلًا بطلت الوصية.

ما طرق إثبات الوصية الثلاث؟

تُثبَت الوصية بالشهادة، أو بالكتابة، أو بالتوثيق الرسمي كالشهر العقاري الذي يسجلها ويختمها ويضع عليها رقمًا وتاريخًا.

هل التوثيق في الشهر العقاري إنشاء للوصية أم إثبات لها؟

هو إثبات للوصية لا إنشاء لها؛ فالإنشاء يكون باللفظ، والتوثيق يأتي بعده لإثبات ما أُنشئ.

ما الحكم الشرعي لتبديل الوصية بعد سماعها؟

تبديل الوصية بعد سماعها حرام، وهو تزوير وشهادة زور، وإثمه يقع على المبدِّل وحده.

لماذا يُعدّ تبديل الوصية تزويرًا؟

لأنه تغيير للواقع الذي أوجده الله، كإتلاف وثيقة الوصية أو الشهادة بخلاف ما سُمع، وهو كذب صريح.

ما العلاقة بين الكذب والافتراء على الله؟

الكذب نسبة ما لم يحدث في كون الله إليه، سواء كان كذبًا في الواقع أو في الوحي، وكلاهما افتراء على الله وجريمة كبيرة.

هل يختلف حكم الكذب في الواقع عن الكذب في الوحي؟

كلاهما جريمة كبيرة لأن كليهما نسبة قول أو فعل إلى الله لم يقله أو لم يفعله في هذا الكون.

ماذا تعني خاتمة الآية: إن الله سميع عليم؟

سميع لما يُقال ويُعمل، عليم بما يُفعل؛ وهو تحذير للمبدِّلين بأن الله مطلع على تزويرهم وكذبهم.

هل يشترط الولي في عقد الزواج عند جميع المذاهب؟

لا، الولي شرط عند الشافعية وليس ضروريًا عند الحنفية لتمام أركان عقد الزواج.

ما الذي يضمن وصول ثواب الوقف لصاحبه بعد وفاته؟

فعله الخير في حياته يضمن له الثواب المستمر، فإثم من يُضيّع الوقف يقع عليه وحده ولا يُنقص من أجر الواقف شيئًا.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!