ما تفسير آية 92 من سورة البقرة وما الدرس المستفاد من قصة بني إسرائيل مع موسى في اتخاذ العجل؟
آية 92 من سورة البقرة تُذكّر بني إسرائيل بأن موسى جاءهم بالبينات الواضحة، ثم اتخذوا العجل من بعده عن قصد وعلم واختيار. وكلمة "ثم" تدل على أنهم عاشوا مع البينات وأدركوها، ثم انحرفوا بعد زمن بإرادتهم. والدرس الأساسي أن الفعل لا يُنسب لفاعله ولا يُحاسب عليه إلا إذا صدر منه قاصدًا عالمًا مختارًا.
- •
هل يمكن أن يصدر من إنسان فعل مُكفِّر ولا يُكفَّر به؟ نعم، إذا كان جاهلًا أو مُكرَهًا أو غير قاصد.
- •
تفسير سورة البقرة آية 92 يُبيّن أن الله أرسل موسى بالبينات الواضحة التي لا تحتمل الشك أو الحيرة.
- •
كلمة "ثم" في الآية تدل على أن بني إسرائيل عاشوا مع البينات وأدركوها، ثم اتخذوا العجل عن قصد وعلم واختيار.
- •
قصة بني إسرائيل في القرآن تشغل ثلاثة أرباع قصص الأنبياء لأن رسالة موسى تشبه رسالة محمد ﷺ في الشريعة والتكليف.
- •
قاعدة "لا يُنسب الفعل لفاعله إلا إذا صدر قاصدًا عالمًا مختارًا" تُطبَّق في الصلاة والكفر والسرقة وسائر الأفعال.
- •
قصة عمار بن ياسر وقصة المرأة التي مدحت النبي خطأً وقصة ذات أنواط كلها أمثلة نبوية على عدم تكفير الجاهل والمُكرَه.
- 0:00
تفسير سورة البقرة يبدأ بقصة بني إسرائيل التي تشغل ثلاثة أرباع قصص الأنبياء لتشابه رسالة موسى مع رسالة محمد ﷺ في الشريعة والتكليف.
- 1:15
الفرق بين رسالة بني إسرائيل الخاصة ورسالة الإسلام العالمية، والحكمة من سرد قصصهم في القرآن للاستفادة منها.
- 2:04
تفسير آية 92 من سورة البقرة يُبيّن أن البينات التي جاء بها موسى كانت واضحة تمامًا، ومن يشعر بالحيرة فهو يُلبّس على نفسه.
- 3:10
البينات الإلهية تُزيل الحيرة وتُطمئن القلوب، والفكر المستقيم لا يعرف الشك، بينما الذبذبة نتيجة الفكر المعوج.
- 4:22
كلمة "ثم" في الآية تدل على أن بني إسرائيل أدركوا البينات وعاشوا معها زمنًا، ثم اتخذوا العجل عن قصد وعلم واختيار.
- 5:17
بين إدراك البينات والانحراف عنها تمر مراحل: رغبات وشهوات ثم مقاصد ومصالح ثم اختيار وتدبير، وهو ما تدل عليه "ثم".
- 6:06
قاعدة فقهية محورية: لا يُنسب الفعل لفاعله إلا إذا صدر قاصدًا عالمًا مختارًا، وضدها الغافل الجاهل المُكرَه.
- 7:20
لا يُكفَّر أحد بفعل مُكفِّر إلا إذا توافرت الشروط الثلاثة: القصد والعلم والاختيار، فالجاهل والمُكرَه لا يُكفَّران.
- 8:34
قصة عمار بن ياسر دليل نبوي على أن المُكرَه على الكفر لا يُكفَّر، لأنه فاقد شرط الاختيار وقلبه مطمئن بالإيمان.
- 9:25
المرأة التي نسبت علم الغيب للنبي ﷺ خطأً لم تُكفَّر لأنها لم تكن عالمة ولا قاصدة، بل أرادت المدح فأخطأت.
- 10:13
قصة ذات أنواط تُبيّن أن النبي ﷺ علّم الأعراب الجاهلين بدلًا من تكفيرهم، لأن الجهل عذر يمنع نسبة الفعل للفاعل.
- 10:50
قصة سيدنا موسى مع بني إسرائيل تتكرر في السنة النبوية، والنبي ﷺ كان يُعلّم الجاهل بأحكام التوحيد ولا يُكفّره.
- 11:44
خلاصة تفسير سورة البقرة بشكل مبسط: الفعل لا يُنسب لفاعله إلا بالقصد والعلم والاختيار، وهذا يمنع التكفير المتسرع.
لماذا تشغل قصة بني إسرائيل معظم قصص الأنبياء في القرآن الكريم؟
قصة بني إسرائيل تشغل ثلاثة أرباع قصص الأنبياء في القرآن لأن موسى عليه السلام يشبه محمدًا ﷺ في وجود شريعة وتكليف. وقد أمر الله نبيه باتباع هدى هؤلاء الأنبياء في قوله: ﴿فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. والهدف من سرد هذه القصص في سورة البقرة أن نستفيد منها في حياتنا الدنيا وفي دعوتنا إلى الله.
ما الفرق بين رسالة بني إسرائيل ورسالة الإسلام وما الحكمة من تعلّم قصصهم؟
رسالة بني إسرائيل كانت مقصورة على خاصتهم، بينما الإسلام رسالة عالمية لجميع الناس الذين هم أمة الدعوة وأمة الإجابة. وقد علّمنا الله قصص بني إسرائيل لنستفيد منها فلا نقع في شركهم ونفعل ما فعلوه من الخير. وقد فضّلهم الله على عالَمي زمانهم بسبب ما قدّموه من خير رضي الله عنه.
ما معنى البينات في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ وما دلالتها؟
البينات هي الأدلة والمعجزات الواضحة التي يرسلها الله مع رسله، وهي تدل على أن الله لا يرسل الرسل إلا بما هو واضح لا يحتمل الشك. ومن يشعر بعدم الوضوح فهو يُلبّس على نفسه ويفكر تفكيرًا غير مستقيم. وقد وصف الله هذا التلبيس بقوله: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
كيف تُزيل البينات الحيرة والشك من القلوب والعقول؟
الفكر المستقيم لا تكون فيه حيرة، لأن البينات التي يرسلها الله مع رسله تُوجِد وضوحًا في العقول يُطمئن القلوب. وهذا ما يُعبّر عنه القرآن بقوله: ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ و﴿كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ﴾. أما الذبذبة والحيرة فهي نتيجة الفكر المعوج لا نتيجة غموض في البينات.
ما الدلالة الزمنية لكلمة "ثم" في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ﴾؟
كلمة "ثم" تدل على مرور زمن بين الحدثين، مما يعني أن بني إسرائيل عاشوا مع البينات وأدركوها وتمكّنت في قلوبهم وعقولهم. ثم بعد هذا الزمن اتخذوا العجل، وهو ما يعني أن فعلهم جاء عن قصد وعلم واختيار لا عن جهل أو غفلة. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾.
ما الذي يحدث في النفس بين إدراك البينات والانحراف عنها؟
بعد أن تستقر البينات في القلوب والعقول وتطمئن النفوس، تأتي الرغبات والشهوات ثم المقاصد والمصالح ثم الاختيار والتدبير. وهذا التسلسل هو ما تدل عليه كلمة "ثم" في الآية، إذ يُشير إلى أن الانحراف لم يكن مفاجئًا بل جاء بعد مراحل من الإرادة والتخطيط. والتأمل في ما قبل "ثم" وما بعدها يكشف هذا التسلسل الزمني والنفسي.
ما قاعدة نسبة الفعل لفاعله وما شروطها الثلاثة؟
قاعدة العلماء تقول: لا يُنسب الفعل لفاعله إلا إذا أتى به قاصدًا عالمًا مختارًا. فالقاصد هو من لم يفعله غافلًا أو ناسيًا أو نائمًا، وهو ما يُعبّر عنه حديث «إنما الأعمال بالنيات». والعالم هو من يعرف ماذا يفعل ويعرف حكم فعله. والمختار هو من لم يُكرهه أحد على الفعل. وضد هذه الشروط: الغافل والجاهل والمُكرَه.
لماذا لا يمكن تكفير شخص بمجرد صدور فعل مُكفِّر منه؟
لأن الفعل المُكفِّر لا يُنسب لفاعله إلا إذا صدر منه قاصدًا عالمًا مختارًا. فقد يصدر الفعل المُكفِّر من شخص لا يقصده أو لا يعلم حكمه أو كان مُكرَهًا عليه، وفي هذه الحالات لا يُنسب إليه الكفر. وهذا يعني أن التكفير يستلزم التحقق من توافر الشروط الثلاثة: القصد والعلم والاختيار.
ما قصة عمار بن ياسر مع الإكراه على سب النبي ﷺ وما حكمه؟
أُكرِه عمار بن ياسر رضي الله عنه على سب النبي ﷺ بعد أن قتلوا أمه أمامه وهددوه بالعذاب، فسبّ النبي بلسانه مُكرَهًا. فلما رجع إلى النبي ﷺ سأله: كيف وجدت قلبك؟ فقال: مؤمنًا بالله ورسوله. فقال له النبي ﷺ: إن عادوا فعُد، ما دام باللسان فقط. وهذا دليل على أن المُكرَه لا يُنسب إليه الكفر لأنه فاقد شرط الاختيار.
ما قصة المرأة التي مدحت النبي ﷺ بكلام خاطئ ولماذا لم يُكفّرها؟
ضربت امرأة بالدف بين يدي النبي ﷺ وقالت في أغنيتها: "وإن لنا نبيًّا يعلم ما في غد"، فنبّهها النبي ﷺ بقوله: "ويحكِ يا امرأة، إن الله علّام الغيوب"، وأمرها أن تعود لما كانت تغني دون هذه الجملة. ولم يُكفّرها لأنها لم تكن عالمة بخطأ قولها ولم تكن قاصدة نسبة علم الغيب للنبي، بل أرادت مدحه فأخطأت.
ما قصة ذات أنواط وكيف تعامل النبي ﷺ مع الأعراب الذين طلبوها جهلًا؟
طلب بعض الأعراب الذين دخلوا الإسلام حديثًا من النبي ﷺ أن يجعل لهم شجرة يعلّقون عليها الأوشحة كما يفعل غيرهم، قائلين: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فشبّه النبي ﷺ طلبهم بطلب بني إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهًا. ولم يُكفّرهم لأنهم كانوا جاهلين بحكم ما طلبوا، بل علّمهم أن الله واحد لا شريك له.
كيف كان النبي ﷺ يتعامل مع من يجهل أحكام التوحيد ويقع في الشرك جهلًا؟
كان النبي ﷺ يُعلّم الجاهل ولا يُكفّره، كما فعل مع الرجل الذي قال إنه يعبد سبعة في الأرض وربًّا في السماء، فقال له: اترك الذين في الأرض واعبد الذي في السماء. وهذا النهج النبوي يُجسّد قاعدة أن الجاهل لا يُنسب إليه الفعل كاملًا لأنه فاقد شرط العلم. وقد شبّه النبي ﷺ طلب ذات أنواط بطلب بني إسرائيل من موسى إلهًا آخر.
ما خلاصة قاعدة نسبة الفعل لفاعله وما أثرها في الحكم على الناس؟
الخلاصة أن الفعل لا يُنسب لفاعله ولا يُحاسب عليه إلا إذا صدر منه قاصدًا عالمًا مختارًا. وهذه القاعدة تمنع التسرع في الحكم على الناس وتكفيرهم، لأن الفعل المُكفِّر قد يصدر من جاهل أو مُكرَه أو غير قاصد فلا يُنسب إليه. وهذا ما استُفيد من تفسير سورة البقرة آية 92 وما تبعها من أمثلة نبوية.
تفسير سورة البقرة آية 92 يُرسّخ أن الفعل لا يُنسب لفاعله ولا يُحاسب عليه إلا إذا صدر قاصدًا عالمًا مختارًا.
تفسير سورة البقرة في آيتها الثانية والتسعين يكشف أن الله أرسل موسى عليه السلام بالبينات الواضحة التي لا تدع مجالًا للشك أو الحيرة، وأن بني إسرائيل اتخذوا العجل بعد إدراكهم لهذه البينات عن قصد وعلم واختيار، وهو ما تدل عليه كلمة "ثم" الدالة على مرور زمن بين الإدراك والانحراف.
قصة بني إسرائيل مع موسى في سورة البقرة تُرسّخ قاعدة فقهية محورية: لا يُنسب الفعل لفاعله إلا إذا صدر منه قاصدًا عالمًا مختارًا، وضدها الغافل والجاهل والمُكرَه. وقد طبّق النبي ﷺ هذه القاعدة عمليًا مع عمار بن ياسر حين أُكرِه على سب النبي، ومع المرأة التي مدحته خطأً، ومع الأعراب الذين طلبوا ذات أنواط جهلًا، فعلّمهم ولم يُكفّرهم.
أبرز ما تستفيد منه
- الله لا يرسل الرسل إلا بالبينات الواضحة التي تطمئن إليها القلوب والعقول.
- كلمة "ثم" في الآية تدل على أن اتخاذ العجل جاء بعد إدراك البينات عن قصد واختيار.
- الفعل لا يُنسب لفاعله إلا إذا صدر منه قاصدًا عالمًا مختارًا.
- لا يُكفَّر الجاهل ولا المُكرَه، والنبي ﷺ كان يُعلّم الجاهل لا يُكفّره.
مقدمة في قصة بني إسرائيل في سورة البقرة والعبرة منها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، وهو يقصّ علينا قصة بني إسرائيل لعلنا أن نستفيد منها في حياتنا الدنيا وفي دعوتنا إلى الله.
وقصة بني إسرائيل في كتاب الله تشغل معظم قصص الأنبياء الذين قال الله فيهم:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
تشغل ثلاثة أرباع القصص؛ لأن موسى عليه السلام يشبه محمدًا صلى الله عليه وسلم، فهناك شريعة وتكليف قد لا نجدهما في كثير من الأديان، وهناك إيمان بالله وبالوحي والكتب والرسل وباليوم الآخر.
الفرق بين رسالة بني إسرائيل ورسالة الإسلام العالمية
والفرق [بين رسالة بني إسرائيل ورسالة الإسلام] هو أن بني إسرائيل كان دينهم مقصورًا على خاصتهم، ونحن ديننا نبلّغ به الجميع، كل الناس أمة الدعوة وأمة الإجابة.
فعلّمنا الله كثيرًا من كلامهم وقصصهم ومواقفهم حتى نستفيد منها؛ فلا نكون مثل ما كانوا عليه من الشرك، ولنفعل ما فعلوه من الخير.
فإن الله سبحانه وتعالى فضّلهم على عالَمي زمانهم من أجل أنهم قدّموا بعض الخير الذي رضي الله عنه.
تفسير قوله تعالى ولقد جاءكم موسى بالبينات ومعنى البينات
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 92]
يبقى إذا يشير الله سبحانه وتعالى أنه من وسيع رحمته عندما يرسل الرسل يرسل معهم ما أسماه هنا بالبينات. ليس هناك شيء غير واضح.
فما بال بعض الناس يشعرون أن هناك شيئًا غير واضح؟ إذن يُلبِّس [على نفسه]، إذن يفكّر تفكيرًا غير مستقيم.
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
لماذا هذا التلبيس؟ لأنهم مذبذبون، هذا من التلبيس.
الفرق بين الفكر المستقيم والفكر المعوج وعلاقته بالحيرة
هذه الذبذبة تعني أن فيها حيرة، الفكر المستقيم ليس فيه حيرة.
لو جلسنا ننظر: ما هو الفكر المستقيم هذا؟ وما هو الفكر المعوج؟ وما هو الفرق بين الفكر المستقيم والفكر المعوج؟ سنأخذ وقتًا طويلًا، ولعلنا في مرة نجلس عليها.
لكن عندما يأتي ليقول لك:
﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ [البقرة: 92]
البينات هذه تقف عندها؛ أن الله لا يرسل الرسل إلا بالبينات، فتطمئن القلوب؛ لأن في العقول وضوحًا ما ليس فيه حيرة ولا شك ولا ريب.
﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]
﴿كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ﴾ [هود: 1]
دلالة كلمة ثم على مرور الزمن بين البينات واتخاذ العجل
ثم ونحن أيضًا نقول أول ما يقول "ثم" نعرف أن هناك زمنًا بعد أن جاءتهم البينات وأدركوا أنها من البينات، ودخلت عقولهم وأرواحهم وقلوبهم وكل شيء بوضوح.
فبعد ذلك قال ماذا؟ "ثم"، أول ما يأتي إليّ "ثم" هذه أعرف أنهم عاشوا مع البينات وأدركوا أنها بينات، وبعد ذلك بعد زمن، ماذا حدث بعد هذا الزمن؟
﴿ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ﴾ [البقرة: 92]
وهذا ما معناه القصد والعلم والاختيار.
التأمل في كلمة ثم وما تدل عليه من تعاقب الأحداث الزمنية
من أين يأتي هذا الكلام؟ من كلمة "ثم".
﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ﴾ [البقرة: 92]
أول ما يقول لي "ثم" أجلس أتأمل فيما قبلها وفيما بعدها، وأجعل بينهما زمنًا وأتخيل الزمن: ما الذي حدث فيه؟
فجاءت أمور واضحات استقرت في القلوب والعقول، طمأنت قلوبهم. ثم جاءت بعد هذه الطمأنينة رغبات وشهوات، جاءت بعدها مقاصد ومصالح، جاء بعدها اختيار وتدبير.
قاعدة نسبة الفعل لفاعله بشروط القصد والعلم والاختيار
فالعلماء قالوا ماذا؟ لا يُنسب الفعل لفاعله إلا إذا أتى به قاصدًا عالمًا مختارًا.
قاصدًا: الذي هو:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
قاصدًا يعني أنه ليس غافلًا، لم يفعل هذا الفعل وهو نائم، وهو ناسٍ، وهو ساهٍ، وهو كذلك، لا.
مختارًا: لم يفعل هذا الفعل وهو مُكرَه، لم يُكرهه أحد عليه.
الفعل أنا فعلته وأنا قصدي أن أفعله، لم أفعله هكذا في الطريق، فعلته وأنا غافل وأنا ناسٍ وأنا نائم وأنا... لا، هذا أنا فعلته عن عمد قاصدًا عالمًا وأنا أعرف ماذا أفعل، وأنا أعرف حكم الذي أفعله، مختارًا لم يُكرهني أحد عليه، لم يقل لي أحد عليه.
تطبيق قاعدة القصد والعلم والاختيار على الصلاة والكفر والسرقة
إذا صدر الفعل من فاعله بهذه الشروط الثلاثة [القصد والعلم والاختيار] نُسب إليه.
فأنا صليت قاصدًا عالمًا مختارًا فأنا مُصلٍّ. وواحد كفر قاصدًا عالمًا مختارًا يصبح كافرًا. وواحد سرق قاصدًا عالمًا مختارًا يصبح سارقًا.
وهكذا تكون القاعدة هي تقول ماذا؟ لا يُنسب الفعل لفاعله إلا إذا صدر عنه قاصدًا عالمًا مختارًا. الذي ضده ماذا؟ غافلًا جاهلًا مُكرَهًا، فهو ليس بهذه الصفة.
إذن إذا نحن لا نستطيع أن نُكفّر أحدًا بفعل؛ لأنه يمكن أن يأتي إنسان [بفعل] مُكفِّر، فعلٌ مُكفِّر، لكنه لا يقصد، لكنه لا يعلم، لكنه مُكرَه.
قصة عمار بن ياسر والإكراه على سب النبي دليل على عذر المكره
وقد وردت فعلًا في السنة والكتاب بهذا [المعنى].
عمار [بن ياسر رضي الله عنه] قالوا له: سُبَّ النبي، وضربوه وسيعذبونه وقتلوا أمه أمامه. فالنبي عليه الصلاة والسلام هو بقي [ينتظر]، عمار سبّ [مُكرَهًا].
فلما رجع إلى النبي ﷺ قال له: يا عمار، كيف وجدت قلبك؟ قال: وجدته مؤمنًا بالله ورسوله. قال: يا عمار، إن عادوا فعُد، ما دام باللسان فقط، إن عادوا فعُد؛ لأنه مُكرَه فلا يُنسب إليه هذا [الكفر].
قصة المرأة التي مدحت النبي بكلام خاطئ ولم يكفرها لعدم القصد والعلم
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
جاءت لنا حكاية القصد هذه: ضربت امرأة [بالدف] بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: وإن لنا دُفًّا، وقالت: وإن لنا نبيًّا يعلم ما في غد.
قال [النبي ﷺ]: ويحكِ يا امرأة، إن الله علّام الغيوب، خوضي فيما كنتِ فيه تخوضين. كانت تغني غناء بُعاث أو كذا من غناء الأنصار، [فقال لها]: خوضي فيما كنتِ فيه من قبل تخوضين دون حكاية [أن النبي يعلم الغيب].
لأنها لما رأت النبي ﷺ فرحت وقالت: وإن لنا نبيًّا يعلم ما في غد، لكي تُزيّن مع الأغنية التي كانت تغنيها. فقال [لها]: لا تقولي هذه الكلمة، هذه الكلمة خطأ، وأرشدها إلى الصحيح.
سبب عدم تكفير النبي للمرأة لأنها لم تكن عالمة ولا قاصدة
لماذا لم يُكفّرها إذن؟ لم يُكفّرها لأنها ليست عالمة، لم يُكفّرها لأنها غير قاصدة؛ هي تريد أن تمدح النبي ﷺ فمدحته خطأً.
وجاء أناس فقالوا: يا رسول الله، وهم في سفر رأوا شجرة يعبدها الناس، والأعراب الذين دخلوا الإسلام حديثًا قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. وذات أنواط هي شجرة يضعون عليها مثل الأوشحة والأوسمة التي تُعطى، تُعلّق عليها فيسمونها أنواطًا.
قصة ذات أنواط وتعليم النبي للجاهل بدلًا من تكفيره
فقال لهم [النبي ﷺ]: أتسألوني كما سألت بنو إسرائيل موسى حين قالوا اجعل لنا إلهًا؟ هذا هو الأمر، إله واحد فقط.
جاءه الرجل فقال له: كم تعبد؟ فقال له: سبعة في الأرض وربًّا في السماء، أو وربٌّ في السماء. يعني هو العبادة الخاصة به هكذا، يا [رجل] تقول سبعة في الأرض وربٌّ في السماء؟! يعني اعبد هذا أو هم سبعة في الأرض وربًّا في السماء، وبهما جاءت الرواية.
فقال [النبي ﷺ]: اترك الذين في الأرض واعبد الذي في السماء، علّمه. وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يُعلّم الجاهل لكن لم يُكفّره.
خلاصة قاعدة عدم نسبة الفعل لفاعله إلا بالقصد والعلم والاختيار
فالفعل لا يُنسب إلى فاعله إلا إذا أتى [به] قاصدًا عالمًا مختارًا به، وحينئذ يكون كذلك [أي يُنسب إليه الفعل ويُحاسب عليه].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما نسبة قصة بني إسرائيل من مجموع قصص الأنبياء في القرآن الكريم؟
ثلاثة أرباع
ما الذي تدل عليه كلمة "ثم" في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ﴾؟
أن هناك زمنًا مرّ بين إدراك البينات واتخاذ العجل
ما الشروط الثلاثة التي يجب توافرها لنسبة الفعل لفاعله؟
القصد والعلم والاختيار
ما الذي يُعبّر عنه شرط "القصد" في قاعدة نسبة الفعل لفاعله؟
أن يكون الشخص غير غافل ولا ناسٍ ولا نائم
ما الذي قاله النبي ﷺ لعمار بن ياسر بعد أن سبّه مُكرَهًا؟
قال له: إن عادوا فعُد، ما دام باللسان فقط
لماذا لم يُكفّر النبي ﷺ المرأة التي قالت إن النبي يعلم ما في غد؟
لأنها كانت جاهلة وغير قاصدة بل أرادت المدح
ما ذات أنواط التي طلبها الأعراب من النبي ﷺ؟
شجرة يعلّقون عليها الأوشحة ويتبركون بها
بماذا شبّه النبي ﷺ طلب الأعراب لذات أنواط؟
بطلب بني إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهًا
ما الفرق الجوهري بين رسالة بني إسرائيل ورسالة الإسلام؟
رسالة بني إسرائيل كانت مقصورة على خاصتهم بينما الإسلام للجميع
ما ضد الشروط الثلاثة للقصد والعلم والاختيار؟
الغافل والجاهل والمُكرَه
ما الحكمة من إرسال الله الرسل بالبينات وفق تفسير الآية 92 من سورة البقرة؟
لأن الله من واسع رحمته يُرسل مع الرسل ما يُوضح الحق ويُزيل الشك
ما الذي يُميّز الفكر المستقيم عن الفكر المعوج وفق تفسير الآية؟
الفكر المستقيم لا تكون فيه حيرة بينما الفكر المعوج يُولّد الذبذبة والتلبيس
لماذا تشغل قصة بني إسرائيل ثلاثة أرباع قصص الأنبياء في القرآن؟
لأن موسى عليه السلام يشبه محمدًا ﷺ في وجود شريعة وتكليف، وفي الإيمان بالله والوحي والكتب والرسل واليوم الآخر.
ما الفرق بين رسالة بني إسرائيل ورسالة الإسلام من حيث النطاق؟
رسالة بني إسرائيل كانت مقصورة على خاصتهم، بينما الإسلام رسالة عالمية لجميع الناس الذين هم أمة الدعوة وأمة الإجابة.
ما معنى البينات في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾؟
البينات هي الأدلة والمعجزات الواضحة التي يرسلها الله مع رسله، وهي تدل على أن الله لا يُرسل الرسل إلا بما هو واضح لا يحتمل الشك أو الحيرة.
ما الذي يُسبّب الحيرة والذبذبة في فهم الحق وفق تفسير الآية؟
الحيرة والذبذبة تنشأ من الفكر المعوج والتلبيس على النفس، لا من غموض في البينات التي أرسلها الله مع رسله.
ما الدلالة الزمنية لكلمة "ثم" في الآية 92 من سورة البقرة؟
تدل على أن بني إسرائيل عاشوا مع البينات وأدركوها وتمكّنت في قلوبهم، ثم بعد زمن اتخذوا العجل عن قصد وعلم واختيار.
ما المراحل النفسية التي تمر بها النفس بين إدراك الحق والانحراف عنه؟
تأتي أولًا الرغبات والشهوات، ثم المقاصد والمصالح، ثم الاختيار والتدبير، وهذا ما تُشير إليه كلمة "ثم" في الآية.
ما نص قاعدة نسبة الفعل لفاعله عند العلماء؟
لا يُنسب الفعل لفاعله إلا إذا أتى به قاصدًا عالمًا مختارًا، وضدها: الغافل الجاهل المُكرَه.
ما علاقة حديث «إنما الأعمال بالنيات» بقاعدة القصد والعلم والاختيار؟
الحديث يُعبّر عن شرط القصد في القاعدة، إذ يدل على أن الفعل الذي يصدر من غافل أو ناسٍ أو نائم لا يُنسب إليه كاملًا.
ما حكم من صدر منه فعل مُكفِّر وهو مُكرَه عليه؟
لا يُكفَّر لأنه فاقد شرط الاختيار، وقد دلّت على ذلك قصة عمار بن ياسر حين أُكرِه على سب النبي ﷺ فلم يُكفَّر.
ما الذي سأله النبي ﷺ عمار بن ياسر بعد عودته من الإكراه؟
سأله: يا عمار، كيف وجدت قلبك؟ فقال: وجدته مؤمنًا بالله ورسوله. فقال له: إن عادوا فعُد، ما دام باللسان فقط.
ما ذات أنواط وما موقف النبي ﷺ من طلب الأعراب لها؟
ذات أنواط شجرة كان الناس يعلّقون عليها الأوشحة ويتبركون بها. طلب الأعراب الجدد في الإسلام مثلها، فشبّه النبي ﷺ طلبهم بطلب بني إسرائيل إلهًا، وعلّمهم التوحيد ولم يُكفّرهم.
كيف تعامل النبي ﷺ مع الرجل الذي قال إنه يعبد سبعة في الأرض وربًّا في السماء؟
لم يُكفّره لجهله، بل علّمه وقال له: اترك الذين في الأرض واعبد الذي في السماء، وهذا هو النهج النبوي في تعليم الجاهل.
ما الحكمة من سرد قصة بني إسرائيل في سورة البقرة للمسلمين؟
لنستفيد منها في حياتنا فلا نقع في شركهم ونفعل ما فعلوه من الخير، وقد فضّلهم الله على عالَمي زمانهم بسبب ما قدّموه من خير.
ما الفرق بين الفعل الصادر عن قصد وعلم واختيار والفعل الصادر عن غفلة وجهل وإكراه في الحكم الشرعي؟
الفعل الصادر عن قصد وعلم واختيار يُنسب لفاعله ويُحاسب عليه، أما الصادر عن غفلة أو جهل أو إكراه فلا يُنسب إليه كاملًا ولا يُحاسب عليه بالقدر ذاته.
