اكتمل ✓
تفسير سورة البقرة الآية 210 و211 وإثارة التفكر والإيمان - تفسير, سورة البقرة

ما معنى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وما دلالة الآية 210 من سورة البقرة على إثارة التفكر والإيمان؟

قوله تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ﴾ خطاب لمن نبذوا أمر الله وأنكروا الملائكة، يُذكّرهم بمآلهم يوم يأتي الله في ظلل من الغمام ومعه الملائكة وتُرجع الأمور إليه. جاءت الآية في صيغة سؤال لاستثارة النفس الغافلة وإخراجها من دائرة الإلف اليومي إلى دائرة التأمل والتفكر. وتتبعها الآية 211 بالإحالة إلى تجربة بني إسرائيل دليلًا نقليًا على اتصال الله بالبشر عبر الأنبياء والمعجزات.

3 دقائق قراءة
  • هل يكفي أن يقول الإنسان إنه يؤمن بالله دون أن يسأل نفسه هذا السؤال حقًا؟

  • الآية 210 من سورة البقرة تخاطب من نبذوا أمر الله وأنكروا الملائكة بتذكيرهم بمآلهم يوم يأتي الله في ظلل من الغمام ومعه الملائكة.

  • جاءت الآية في صيغة سؤال لاستثارة النفس الغافلة وإخراجها من دائرة الإلف اليومي إلى دائرة التأمل والتفكر.

  • التفكير المستقيم يقوم على ثلاثة مصادر: العقل والنقل والحس، وهي مكونات العقل البشري التي أشار إليها السياق القرآني.

  • الآية 211 تحيل إلى تجربة بني إسرائيل دليلًا نقليًا على أن الغائب له شاهد وأن الله اتصل بالبشر عبر الأنبياء والمعجزات.

  • من يبدّل نعمة الله باتخاذ الأوثان والأصنام فإن الله شديد العقاب، وهذا ختام الآيتين بتحذير صريح.

مقدمة في سورة البقرة وحال الذين نبذوا أمر الله واستبدلوا عبادته بعبادة الشيطان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى لأولئك الذين نبذوا أمر الله وعبادة الله واستبدلوا بها عبادة الشيطان، وأنهم إذا ما سُئلوا أو رُوجعوا في ذلك أو تكلمنا معهم بمقتضى الوحي، فإن أحدهم ينكر وجود الله لأنه ليس تحت الحس.

سبحانه جلّ جلال الله!

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

وينكر الملائكة حتى لو صدّق بوجود الإله، ويأخذ يسخر من الملائكة ومن وجودها ومن بركتها.

خطاب الله لمنكري الملائكة بإتيانه سبحانه في ظلل من الغمام والملائكة

هذا الصنف من الناس يخاطب الله سبحانه وتعالى بالمآل فيقول لهم:

﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]

أي وتأتي الملائكة؛ لأنه يمكن [أن يُقرأ] "في ظلال من الغمام والملائكة"، أي ربنا يأتي في ظلال من الغمام ومعه الملائكة، أي في وسط الملائكة هكذا، وقُضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور.

السؤال الأول الذي يجب أن يسأله الإنسان لنفسه: هل أنت مؤمن بالله؟

والسؤال يثير في النفس الفكر، والسؤال الذي نسأله لأولئك الذين يتحدثون عن الملائكة باستهزاء وعدم تصديق:

السؤال الأول الذي يجب أن تسأل فيه نفسك: هل أنت مؤمن بالله؟

في بعض الأحيان لم يسأل نفسه هذا السؤال، وجد نفسه في الحياة الدنيا يسير وفق هواه، يأكل ويشرب، والأكل والشرب يشترك فيهما الإنسان والحيوان.

﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3]

صنف من الناس لم يفكر في وجود الرب ولا في إرسال الرسل والكتب

ففي صنف من الإنسان هكذا نشأ، لم يفكر أنه يوجد رب أم لا يوجد، ولم يفكر هل الرب لو كان موجودًا سيتركنا، أم أن الرب لو كان موجودًا سيرسل إلينا الرسل وينزل الكتب.

ويفكر: فلو أرسل الكتب وأنزل الملائكة وأرسل الرسل، فكيف نعرف؟ فيبقى حائرًا هكذا يفكر أي ويتساءل.

الفرق بين التفلسف الحقيقي والتساؤل السطحي في مسائل الوجود والإيمان

وإذا فكّر أحدهم يا أخي بهذا فإننا نسميه فيلسوفًا، بالرغم من أن هذه من مبادئ الأسئلة التي ترد علينا ونحن كذلك هو في الطريق. وعندما يكون له رأي خاص إذا خالف الشريعة فينا يصبح فيلسوفًا كبيرًا جدًا! فكّر هكذا في الوجود والعدم يصبح فيلسوفًا.

فنقول له: لا، الفلسفة بحر ليس كسائر البحار؛ فإن العائم فوق سطحه يهلك، والغائص في أعماقه ينجو؛ لأن هناك اتصالًا بين الفلسفة في حقيقتها وبين الشريعة في حقيقتها، هناك اتصال وليس انفصال.

ولذلك لكي تصل إلى حقائق الشريعة يجب أن تكون فيلسوفًا كبيرًا حقًا، أما كل من فكّر في سؤالين أو ثلاثة فحسب، فهذا لماذا قال له أنا فيلسوف؟

حال من لا يرى إلا نفسه ولا يسعى إلا للدنيا دون التفكر في الإيمان

فإن لم تكن فيلسوفًا فماذا أنت إذن؟ ألست إنسانًا تعيش فماذا تفعل؟

أنت تعيش فماذا تفعل؟ قال: لا شيء، أنا فقط عليّ أن أكون ناجحًا.

كيف؟

بأن أحصّل الدنيا، وبأن أعمّر ما أستطيع أن أعمّره، وأن يكون لي مجد وأن يتحدث عني الناس. يا للعجب! لا يرى إلا نفسه.

قال: أنا. المؤمن عنده لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا يا للعجب لا يرى إلا نفسه!

حيرة من يقر بوجود الله ظاهريًا لكنه يريد أن يرى الآيات بعينه

ولو أنه أعطى إجابة مبدئية أنه نعم طبعًا يوجد ربنا، ما إن خرجت حتى وجدت الناس يقولون يوجد ربنا، فإنه يكون متعجبًا جدًا في مسألة أن هناك [إلهًا].

هذا يريد يا عيني أن يراها [أي يرى الآيات والدلائل بعينه].

إثارة القرآن للتفكر في النفس البشرية التي لا تسأل ولا تتأمل

وهنا يحدث الأمر الغريب، وهو هذه الإثارة التي لو أن الله هداه وهو يقرأ القرآن أو يستمع إليه، ويرى هذا السؤال فيثير في نفسه كوامن السؤال:

﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]

إذن الله [جاء بهذه الآية] في صيغة سؤال من أجل أن يستثير تلك النفس التي لا تسأل والتي لا تفكر، ويرجع بالإنسان ويأخذه من دائرة إلفه اليومي إلى دائرة التأمل والتفكر الذي كان يجب عليه أن يسبق نشاطه، قبل أن ينشط ويتخذ قرارات وعقائد وأحوالًا.

مصادر التفكير المستقيم: العقل والنقل والحس كمكونات العقل البشري

كان يجب عليه أن يفكر، والتفكير عندما يكون مستقيمًا فإنه يرجع إلى العقل، ويرجع إلى النقل، ويرجع إلى الحس؛ لأن هذه هي مصادر مكونات العقل البشري.

فلما أن لفت نظره [القرآن الكريم] إلى العقل والتفكر وترتيب المقدمات حتى يصل إلى النتائج عن طريق إثارة الأسئلة، قال بعدها ما يتعلق بالنقل؛ فقد بدأ بالعقل وثنّى بالنقل.

الانتقال إلى النقل وتجربة بني إسرائيل مع الرسل والكتب والآيات البينات

﴿سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [البقرة: 211]

إذن فلننتقل إلى النقل لنرى ما يقوله النقل في هذه المسائل. والنقل يعبّر عن تجربة البشرية التي أرادها الله، فأرسل رسلًا تكلموا بكلام حكيم، أمروا أتباعهم ونهوا، تركوا كتبًا تدل على الحكمة وعلى الموعظة وعلى عمارة الدنيا وعلى تزكية النفس.

﴿سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّنْ ءَايَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: 211]

فإذا ما رجعنا إلى النقل فعرفنا أن الغائب له شاهد، وأنه حدث أن اتصل الله بالبشر عن طريق الأنبياء والمعجزات، وأن الآيات كانت تأتي تباعًا لبني إسرائيل.

تبديل نعمة الله بالأوثان والأصنام وعاقبة ذلك وأهمية التفكير المستقيم

﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ [البقرة: 211]

[أي من يبدل نعمة الله] باتخاذ الوثن واتخاذ الأصنام، فإن الله شديد العقاب.

ننقله من العقل إلى النقل، إذن فالتفكير المستقيم أن يفكر أحدنا بعقله وألّا ينكر نقله.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما الصيغة التي جاءت بها الآية 210 من سورة البقرة ولماذا اختارها القرآن؟

صيغة السؤال لاستثارة النفس الغافلة

ما الذي يصفه قوله تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾؟

وصف مآل منكري الملائكة يوم القيامة

ما المصادر الثلاثة التي يقوم عليها التفكير المستقيم وفق السياق القرآني؟

العقل والنقل والحس

إلى ماذا تحيل الآية 211 من سورة البقرة كدليل نقلي على اتصال الله بالبشر؟

تجربة بني إسرائيل مع الآيات البينات

ما عاقبة من يبدّل نعمة الله باتخاذ الأوثان والأصنام وفق الآية 211 من سورة البقرة؟

فإن الله شديد العقاب

بماذا شبّهت الفلسفة في هذا السياق وما المقصود من هذا التشبيه؟

شُبّهت بالبحر: العائم فوقه يهلك والغائص ينجو

ما الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان وفق السياق الذي ورد في تفسير الآيات؟

الأكل والشرب

ما الترتيب الذي اتبعه القرآن في الاستدلال في الآيتين 210 و211؟

بدأ بالعقل ثم انتقل إلى النقل

ما الهدف الذي يسعى إليه من لا يرى إلا نفسه ولا يفكر في الإيمان؟

تحصيل الدنيا والمجد وأن يتحدث عنه الناس

ما الذي يثبته النقل وتجربة بني إسرائيل في سياق الآية 211؟

أن الغائب له شاهد وأن الله اتصل بالبشر عبر الأنبياء

من هم الذين خاطبتهم الآية 210 من سورة البقرة بالمآل؟

خاطبت الذين نبذوا أمر الله وأنكروا الملائكة وسخروا منها، مذكّرةً إياهم بيوم يأتي الله في ظلل من الغمام ومعه الملائكة ويُقضى الأمر.

ما معنى قوله تعالى ﴿وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ في الآية 210؟

يعني أنه حين يأتي الله في ظلل من الغمام ومعه الملائكة يُقضى الأمر نهائيًا وترجع جميع الأمور إلى الله وحده.

لماذا اختار القرآن صيغة السؤال في الآية 210 بدلًا من صيغة الخبر أو الأمر؟

لاستثارة النفس التي لا تسأل ولا تفكر، وإخراجها من دائرة الإلف اليومي إلى دائرة التأمل والتفكر الذي يجب أن يسبق كل قرار وعقيدة.

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها لبيان أن الله لا تدركه الأبصار؟

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ من سورة الأنعام الآية 103.

ما الآية التي تصف حال من يعيش للأكل والشرب والمتاع دون تفكر؟

﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ من سورة الحجر الآية 3.

ما الفرق بين الفيلسوف الحقيقي ومن يدّعي التفلسف بسؤالين أو ثلاثة؟

الفيلسوف الحقيقي يغوص في أعماق الفلسفة ويصل إلى اتصالها بالشريعة، أما من يفكر في سؤالين فحسب فهو عائم على السطح ويهلك ولا يستحق لقب الفيلسوف.

ما العلاقة بين الفلسفة الحقيقية والشريعة؟

هناك اتصال وليس انفصال بينهما في حقيقتهما، والوصول إلى حقائق الشريعة يستلزم فلسفة عميقة حقيقية.

ما الذي يميز المؤمن عمن لا يرى إلا نفسه في نظرته إلى الحياة؟

المؤمن عنده لا حول ولا قوة إلا بالله فلا يرى نفسه مصدرًا للقوة، بينما من لا يرى إلا نفسه يجعل هدفه تحصيل الدنيا والمجد.

ما الدلالة التي تحملها الآية ﴿سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّنْ ءَايَةٍ بَيِّنَةٍ﴾؟

تدل على الانتقال إلى الدليل النقلي، وتثبت أن الغائب له شاهد وأن الله اتصل بالبشر عبر الأنبياء والمعجزات والآيات المتتابعة.

ما الذي تركه الرسل للبشرية وفق ما ورد في تفسير الآية 211؟

تركوا كتبًا تدل على الحكمة والموعظة وعمارة الدنيا وتزكية النفس، وهي تجربة البشرية التي أرادها الله.

ما عقوبة من يبدّل نعمة الله باتخاذ الأوثان والأصنام؟

قال تعالى ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾، فعقوبته شديدة من الله.

ما الخطوة التي يجب أن تسبق كل نشاط وقرار وعقيدة وفق السياق القرآني؟

التأمل والتفكر، إذ يجب على الإنسان أن يخرج من دائرة إلفه اليومي ويفكر في مسائل الوجود والإيمان قبل أن يتخذ قراراته وعقائده.

كيف يصف القرآن حال من يقر بوجود الله ظاهريًا لكنه يريد رؤية الآيات بعينه؟

هو متعجب جدًا من فكرة وجود إله، ويعطي إجابة مبدئية تقليدًا للمحيطين به لا عن تفكر حقيقي، ويريد في قرارة نفسه رؤية الدلائل بعينه.

ما الترتيب الذي اتبعه القرآن في الاستدلال عبر الآيتين 210 و211 من سورة البقرة؟

بدأ بإثارة العقل عبر صيغة السؤال في الآية 210، ثم انتقل إلى الدليل النقلي بتجربة بني إسرائيل في الآية 211.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!