اكتمل ✓
قاعدة الضرورة الشرعية وترتيب الأولويات عند الاضطرار في الفقه الإسلامي - تفسير, سورة البقرة

ما هي قاعدة الضرورة الشرعية وكيف يُحكم على الفعل المحرم عند الاضطرار؟

قاعدة الضرورة الشرعية تعني أن الفعل المحرم في ذاته لا إثم فيه إذا بلغ الإنسان حالة يخشى فيها هلاكه. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. والضرورة تُقدَّر بقدرها، فلا يُباح إلا بمقدار دفع الهلاك.

3 دقائق قراءة
  • هل يجوز أكل المحرم عند الخوف من الموت، وما الفرق بين الورع الصادق والكاذب في هذه الحالة؟

  • قاعدة الضرورة الشرعية مستنبطة من قوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في سورة البقرة.

  • الضرورة تعني بلوغ حالة يخشى فيها الإنسان هلاكه، وعندها يُرتكب أخف الضررين بين قتل النفس وأكل الحرام.

  • اختلف الأصوليون في تسمية الفعل المحرم عند الاضطرار بين الحرام منزوع الإثم والمباح وما لا صفة له.

  • مذهب الإمام الشافعي يُقيّد الإباحة بسد الرمق فقط، بينما يرى الإمام مالك أن الضرورة تفتح الإباحة الكاملة.

  • القرآن الكريم يُرسّخ مناهج الفكر المستقيم ويُميّز بين الورع الصادق كالصبر على الإكراه على الكفر والورع الكاذب كرفض أكل الميتة حتى الموت.

مقدمة في قاعدة الضرورة من سورة البقرة وترتيب الأولويات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، ومع قوله تعالى وهو يعلمنا قاعدة جليلة في الحياة، في الفقه، في ترتيب الأولويات، في مواجهة الأمور الطارئة:

﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]

تعريف الضرورة الشرعية وحكم الفعل المحرم عند الاضطرار

هذه القاعدة تبين لنا أن الفعل قد يكون محرمًا في ذاته وفي نفسه، ولكن الإنسان إذا فعله فإنه لا إثم عليه. فبماذا نصف هذا الفعل؟

حرّم [الله] علينا أكل الميتة، لكننا إذا اضطررنا، والاضطرار معناه أن يبلغ الإنسان حالة يخشى فيها هلاكه، يخشى على نفسه الهلاك.

فالضرورة ما لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك، هذا هو تعريف الضرورة.

ميزان ارتكاب أخف الضررين بين أكل الحرام وقتل النفس

فأنا سأصل إلى هذه الحالة، فيكون هناك ميزان أرتكب فيه أخف الضررين؛ إذا امتنعت عن أكل هذا الحرام فإنني أموت، إذا أكلت جزءًا من هذا الحرام فإنني أعيش وأكون قد أكلت حرامًا.

قتل النفس في كفة الميزان مع أكل شيء حرام في الكفة الأخرى، أي الكبيرتين أشد عند الله؟

قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، والتي نظر النبي ﷺ إلى الكعبة وقال:

«ما أشد حرمتك عند الله، ولدم امرئ مسلم أشد عند الله حرمة منك»

قتل النفس التي جزاؤها الخلود في النار أم أكل قطعة من اللحم المحرم؟ قال: لا، مضغ قطعة من هذا اللحم يعني شيئًا عارضًا، أما قتل النفس فهذه مصيبة.

اختلاف الأصوليين في تسمية الفعل المحرم عند الاضطرار

قال تعالى:

﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]

فماذا نسمي هذا الفعل؟ أنسميه حرامًا؟ أنسميه حلالًا؟ أنسميه حرامًا منزوع الإثم؟ حرامًا منزوع الإثم، أم نسميه مباحًا، أم لا صفة له؟ ليس له صفة لأن الاضطرار يوقف الأحكام.

أقوال عند الأصوليين؛ بعضهم قال: نقول عليه حرام لكي نتذكر أننا تمتعنا به ولكن في وقت الضرورة، وبعد ذلك سنتوقف. ولذلك اختلف بعضهم في التسمية.

هذه التسمية ما لزومها؟ فلتقل حلال أو تقول حرام، هو سيأكل فحسب.

قاعدة الضرورة تقدر بقدرها ومذهب الإمام الشافعي في سد الرمق

قال: لا، يأكل كم؟ انظر واحذر، أكلت كم؟ هل يا ترى أنني أمام المعزة وهي ميتة حرام أكلها، اضطررت أن أنظفها وأشويها وأعمل كبابًا وكفتة وآكل وأشبع، أم على قدر سد الرمق آكل منها قطعة فقط أشويها هكذا وقطعة فقط حتى لا أموت على القدر؟

فالذي قال حرام، قولوا عليها حرام، قال لك: لا تأكل إلا بقدر سد الرمق؛ فإن الضرورة تُقدَّر بقدرها. انظر إلى الكلام وعمل قاعدة: الضرورة تُقدَّر بقدرها.

وهذا مذهب الإمام الشافعي الذي يقول لك: سمِّها حرامًا. فماذا بعد ذلك يا إمام؟ قال: لأنه عندما تأتي لتأكل منها لا تشويها وتعمل كبابًا وكفتة وتتوسع في ذلك وتشبع هكذا، هذا بالكاد تأخذ منه بقدر سد الرمق.

معنى سد الرمق وتشبيهه بسدادة الزجاجة عند الإمام الشافعي

قلنا له: ما معنى الرمق؟ قال: الروح. قلنا له: سد الرمق؟ قال: مثل قطعة الفلين الخاصة بالزجاجة، تضعها هكذا لكي تسد الزجاجة.

هذه القطعة ستضعها هكذا لكي لا تخرج روحك. ما معنى سد الرمق؟ السدادة الخاصة بالزجاجة أضعها هكذا، هو لأن الزجاجة كي لا تنسكب المياه الخاصة بها، والرمق هو الروح، وسد الرمق يعني ستسد بقطعة لحم كي لا تخرج روحك.

مذهب الإمام مالك في الإباحة الكاملة عند الضرورة

وماذا قال الإمام مالك؟ قال: لا، في أي شيء [من التقييد]، ربنا أباح أن تأكل فيبقى انتهى الأمر، الضرورة فتحت لك، فتحت لك هذا.

حسنًا، إن الله غفور رحيم. فأصبح الكلام هكذا، فلا يأتي أحد يتورع الورع الكاذب ويقول: لا، على جثتي [أي يرفض رفضًا قاطعًا]، أموت ولا آكل هذا الأكل المقرف.

لا، هذا ليس تفكيرًا مستقيمًا؛ تفكير أموت ولا آكل هذا الشيء المقرف لا يصلح هنا، يصلح في المعنويات لكن لا يصلح في الحسيات.

الفرق بين الإكراه على الكفر والاضطرار لأكل الحرام والورع الصادق والكاذب

قالوا: كيف؟ قال: جئنا بواحد وقلنا له إما أن تكفر أو سنقتلك. هل يجوز أن ينطق كلمة الكفر؟ قلنا له: نعم، يجوز أن ينطقها كي يخلص نفسه من هذا الإكراه:

﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ [النحل: 106]

«يا عمّار، إن عادوا فعُد»

فلنفترض أنه صبر وقال: لا، لن أنطق بالكفر أبدًا، فمات. قال: مات شهيدًا له أجر الشهيد. لماذا؟ قال: لا، هذا فيه معنويات؛ فهذا هنا يعلم الناس كيف الصبر على الحق، كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كيف أن يقف هذا ضد الطاغية الذي أراد أن يقتله، فيكون مثالًا صالحًا لمن بعده ومقويًا لهمم من الناس، لا يكون فيه الترخص.

لكن تأكل قطعة لحم من الميتة أم تقتل نفسك؟ كُل؛ لأن هذا ورع كاذب.

الورع الصادق والورع الكاذب ومناهج الفكر المستقيم في القرآن

وأصبح هناك الورع على نوعين: النوع الأول الورع الصادق، والنوع الثاني الورع الكاذب.

انظر كيف يفتح القرآن لنا كثيرًا من مناهج الفكر المستقيم، وكيف نعيش أعزة في حياتنا الدنيا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما تعريف الضرورة الشرعية في الفقه الإسلامي؟

أن يبلغ الإنسان حالة يخشى فيها هلاكه إن لم يتناول المحرم

ما القاعدة الفقهية المستنبطة من آية البقرة 173 في شأن الضرورة؟

الضرورة تُقدَّر بقدرها

ما موقف الإمام الشافعي من مقدار الأكل عند الاضطرار؟

يجوز الأكل بقدر سد الرمق فقط

ما معنى كلمة الرمق عند الإمام الشافعي؟

الروح

ما موقف الإمام مالك من الأكل عند الضرورة؟

يرى أن الضرورة تفتح الإباحة الكاملة

ما حكم من أُكره على النطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؟

يجوز له النطق بها ولا إثم عليه

من يصبر على الإكراه على الكفر ويرفض النطق به حتى يموت، ما حكمه؟

شهيد له أجر الشهيد

ما الفرق بين الورع الصادق والورع الكاذب في الحسيات؟

الورع الكاذب هو رفض الرخصة الشرعية في الحسيات حتى الهلاك

أيهما أشد حرمة عند الله: قتل النفس أم أكل الحرام عند الاضطرار؟

قتل النفس أشد حرمة

كيف شبّه الإمام الشافعي معنى سد الرمق؟

بقطعة الفلين التي تسد الزجاجة

ما الآية القرآنية التي استُدل بها على جواز النطق بكلمة الكفر عند الإكراه؟

﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾

ما الآية الكريمة التي تُرسي قاعدة الضرورة الشرعية في سورة البقرة؟

قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ من الآية 173.

ما الشرط الأساسي لاعتبار الإنسان مضطرًا شرعًا؟

أن يبلغ حالة يخشى فيها هلاكه إن لم يتناول المحرم، أي أن يكون على وشك الموت.

لماذا يُرجَّح أكل الحرام على الموت جوعًا عند الاضطرار؟

لأن قتل النفس أشد حرمة عند الله من أكل قطعة لحم محرمة، وقتل النفس جزاؤه الخلود في النار.

ما الحديث النبوي الذي استُدل به على عظم حرمة النفس؟

نظر النبي ﷺ إلى الكعبة وقال: «ما أشد حرمتك عند الله، ولدم امرئ مسلم أشد عند الله حرمة منك».

ما المقصود بـ«حرام منزوع الإثم» عند بعض الأصوليين؟

هو وصف للفعل المحرم الذي يُباح عند الاضطرار؛ يبقى اسمه حرامًا ليتذكر الإنسان أنه تناول محرمًا في وقت الضرورة فيتوقف بعدها.

ما رأي بعض الأصوليين في صفة الفعل المحرم عند الاضطرار؟

بعضهم قال لا صفة له لأن الاضطرار يوقف الأحكام، فلا يُسمى حلالًا ولا حرامًا.

ما الفرق العملي بين مذهب الشافعي ومذهب مالك في الأكل عند الضرورة؟

الشافعي يُقيّد الأكل بسد الرمق فقط دون توسع، بينما مالك يرى أن الضرورة تفتح الإباحة الكاملة دون تقييد بهذا المقدار.

لماذا سمّى الإمام الشافعي الفعل المحرم عند الاضطرار حرامًا لا مباحًا؟

لكي يُقيّد المضطر بعدم التوسع في الأكل، فلا يشوي الميتة ويعمل منها كبابًا ويشبع، بل يأخذ منها بقدر سد الرمق فقط.

ما الحديث النبوي المتعلق بعمار بن ياسر في موضوع الإكراه على الكفر؟

قال النبي ﷺ لعمار: «يا عمّار، إن عادوا فعُد»، أي إن أكرهوك مجددًا فانطق بكلمة الكفر لتنجو.

لماذا يُعدّ الصبر على الإكراه على الكفر حتى الموت ورعًا صادقًا؟

لأنه يُعلّم الناس الصبر على الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون مثالًا صالحًا ومقويًا لهمم الناس ضد الطغيان.

لماذا يُعدّ رفض أكل الميتة حتى الموت جوعًا ورعًا كاذبًا؟

لأنه في الحسيات لا المعنويات، وليس فيه تعليم للناس ولا مقاومة للطغيان، بل هو إهلاك للنفس بلا مسوّغ شرعي.

ما النوعان اللذان ينقسم إليهما الورع في الفقه الإسلامي؟

الورع الصادق وهو ما يكون في المعنويات كالصبر على الإكراه، والورع الكاذب وهو رفض الرخصة الشرعية في الحسيات حتى الهلاك.

كيف يُسهم القرآن الكريم في تأسيس مناهج الفكر المستقيم؟

يفتح القرآن مناهج الفكر المستقيم من خلال قواعد كقاعدة الضرورة التي تُعلّم المسلم كيف يُوازن بين الأحكام ويعيش عزيزًا في حياته الدنيا.

ما المثال الذي ضربه الفقه لتوضيح قاعدة الضرورة تقدر بقدرها؟

المضطر أمام الميتة لا يشويها ويعمل منها كبابًا وكفتة ويشبع، بل يأخذ منها قطعة صغيرة فقط بقدر ما يدفع الموت.

ما الفرق بين الضرورة في الحسيات والمعنويات من حيث الحكم الشرعي؟

في الحسيات كأكل الميتة تُؤخذ الرخصة الشرعية ولا يجوز رفضها حتى الهلاك، أما في المعنويات كالإكراه على الكفر فقد يكون الصبر حتى الشهادة ورعًا صادقًا ذا قيمة تعليمية.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!