اتقي الله حيثما كنت | أ.د علي جمعة | حديث الروح - حديث الروح

اتقي الله حيثما كنت | أ.د علي جمعة | حديث الروح

6 دقائق
  • الحديث الثامن عشر من الأربعين النووية يرويه أبو ذر الغفاري ومعاذ بن جبل: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".
  • يؤسس هذا الحديث لثلاث علاقات أساسية: علاقة العبد بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بالمجتمع.
  • العلاقة مع الله تقوم على التقوى في كل زمان ومكان، وليست مقتصرة على العبادات أو أوقات معينة.
  • وصف السلف للتقوى متنوع، فشبهها أبي بن كعب بالحذر عند السير في وادٍ فيه شوك.
  • العلاقة مع النفس تقوم على إتباع السيئة بالحسنة لمحوها، فالإنسان خطاء والتوبة تجدد صفحته مع الله.
  • العلاقة مع المجتمع أساسها حسن الخلق، فلا يطمع فيما عند الناس، ويبتسم لهم، ويمنع الغيبة والكذب.
  • هذه الوصية النبوية الجامعة تجعل المسلم قدوة حسنة، مصداقاً لقوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس".
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة الحلقة وتقديم الحديث الثامن عشر من الأربعين النووية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أهلًا وسهلًا بكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في حلقة جديدة مع الأربعين النووية ومع الحديث الثامن عشر.

يقول فيه الإمام النووي ويرويه عن أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«اتقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ الناسَ بخُلُقٍ حسن» رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح.

الحديث مدخل لتصحيح ثلاث علاقات أساسية في حياة المسلم

هذا من الأحاديث التي بُني عليها الإسلام، وهي مدخل لتصحيح العلاقة بين العبد وبين ربه، وتصحيح العلاقة بين العبد وبين نفسه، وتصحيح العلاقة بين العبد وبين مجتمعه ومن حوله.

لكل علاقة من هذه العلاقات الثلاث مفتاح أساسي وقاعدة ينبغي علينا أن نبني عليها. أما التي بيني وبين الله: اتقِ اللهَ حيثما كنتَ؛ اعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، اعلم أن الله سبحانه وتعالى معكم أينما كنتم، اعلم أن الله سبحانه وتعالى يستحق منك التقوى.

التقوى أساس العلاقة بين العبد وربه وشمولها لكل زمان ومكان

اعلم أن الله سبحانه وتعالى بهذه التقوى يهديك إلى سواء السبيل:

﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

اعلم أن العلاقة بينك وبين الله سبحانه وتعالى تبدأ بل وتنتهي في صورة دائرة متكاملة بالتقوى، فاتقِ اللهَ حيثما كنتَ.

تقوى الله ليست مقصورة على المسجد، تقوى الله ليست مقصورة على وقت الصلاة ولا على الذكر ولا على الدعاء ولا على أيام الحج أو في رمضان. تقوى الله سبحانه وتعالى هي حق لله في عنقك حيثما كنتَ، في أي زمان وفي كل مكان. إذن هذه هي العلاقة بيني وبين الله مبنية على التقوى.

حوار عمر بن الخطاب وأبي بن كعب في تعريف التقوى

ولذلك كان الصحابة يعرفون أو يريدون أن يعرفوا ما التقوى. فسأل عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] أُبيَّ بن كعب:

ما التقوى يا أُبيّ؟

قال: يا أمير المؤمنين، أسرتَ في وادٍ فيه شوك؟ قال: نعم. قال: فماذا فعلتَ؟ قال: شمّرتُ عن ثيابي وحذرتُ مما أرى. قال: هكذا هي التقوى؛ أن يلتفت الإنسان إلى نفسه، وأن يحاسب الإنسان نفسه، وألّا يحتقر صغيرة [من الذنوب].

أبيات ابن المعتز وعلي بن أبي طالب في وصف التقوى

وأخذ ابن المعتز هذا [المعنى] فصاغه شعرًا وقال:

  • دعِ الذنوبَ كبيرَها وصغيرَها، ذلك التقوى
  • واصنعْ كماشٍ فوقَ أرضِ الشوكِ يحذرُ ما يرى
  • لا تحقرنَّ صغيرةً فإنّ الجبالَ من الحصى

علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، والرضا بالقليل. اتقِ اللهَ حيثما كنتَ.

إتباع السيئة بالحسنة لتصحيح العلاقة بين العبد ونفسه

أما الذي بيني وبين نفسي: أتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها.

قال رسول الله ﷺ: «كلُّ بني آدمَ خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوّابون»

بمجرد أن تفعل فعلًا فيه شيء من المعصية: اذهب فتوضأ، صلِّ ركعتين، تصدّق لله، استغفر الله، عُد مرة أخرى، جدّد إيمانك، قل لا إله إلا الله، ابدأ صفحة جديدة، واعزم في توبتك على أنك بدأتَ صفحة جديدة مع الله.

حسن الخلق مفتاح العلاقة بين الإنسان والناس

وعامل الناس بخُلُقٍ حسن؛ فالخُلُق الحسن هو المفتاح الذي بينك وبين الناس. لا تطمع فيما في أيديهم، والتبسم في وجه أخيك صدقة، ولا تقل عنك غيبة ولا كذب ولا شهادة زور في حق الناس.

فإذا زهدتَ فيما في أيدي الناس ولم تطلب منهم شيئًا وأعطيتهم حقوقهم، فهناك مرحلة فوق هذا: ألّا تسألهم حقًّا ثم تسأل الله السلامة. حسن الخلق تأسر به الناس، وأحسن الحسن الخُلُقُ الحسن.

وصية جامعة من النبي لتحقيق القدوة الحسنة في المجتمع

إذن فنحن أمام مفاتيح للعلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان ومجتمعه. وصية جامعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع بها الإنسان أن يكون جميلًا ومثالًا صالحًا.

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

فقال تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

فنحن لا بد أن نكون شهداء [على الناس بالحق]، ولا بد أن نجعل النبي صلى الله عليه وسلم علينا شهيدًا. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.