احفظ الله يحفظك | أ. د علي جمعة | حديث الروح - حديث الروح

احفظ الله يحفظك | أ. د علي جمعة | حديث الروح

7 دقائق
  • الحديث التاسع عشر من الأربعين النووية عن ابن عباس رضي الله عنهما، الذي كان غلاماً صغيراً عند وفاة النبي ﷺ وأصبح بعد ذلك حبر الأمة.
  • روى ابن عباس أنه كان خلف رسول الله ﷺ يوماً على الدابة، فقال له: "يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك".
  • علّمه النبي ﷺ أن يسأل الله ويستعين به وحده، وأن الأمة لو اجتمعت على نفعه أو ضره لن تفعل إلا ما كتبه الله.
  • هذه الكلمات تؤسس للعقيدة الصحيحة والسلوك القويم، وتحرر المسلم من العبودية لغير الله.
  • من طرق حفظ الله: ذكره كثيراً، تدبر القرآن، والتفكر في الكون.
  • في رواية أخرى للحديث: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب".
  • دعا النبي ﷺ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
  • استشارة المتعلم قبل تعليمه أسلوب تربوي نبوي مهم.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة الحديث التاسع عشر من الأربعين النووية وترجمة ابن عباس

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

نتابع معكم الأحاديث النووية التي جمعها الإمام النووي في أربعينه، ففي الحديث التاسع عشر تحت عنوان «احفظ الله تعالى يحفظك»، عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، بل عنهما؛ لأن عبد الله كان حبر الأمة، والعباس هو عم النبي صلى الله عليه وسلم، والترضية يكون عنه وعن أبيه؛ لأنهما قد مَنَّ الله عليهما بالإسلام.

وابن عباس لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ولحق بالرفيق الأعلى كان غلامًا صغيرًا، لكنه كان قد أخذ من النبي صلى الله عليه وسلم العلم، وأخذ منه البركة والدعاء.

نص حديث ابن عباس في حفظ الله وتوجيهات النبي للغلام

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومًا، أي كان يركب وراءه على الدابة. رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الطفولة ويرعاها ويعطف على الأطفال، وكان يُركب ابن عباس خلفه، وفي أثناء الطريق يقول له:

«يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف»

أثر حديث احفظ الله في تنشئة العقيدة الصحيحة والتحرر من العبودية لغير الله

إذن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغلام ابن عباس الذي صار بعد ذلك حبر الأمة وإمام الأئمة، يعلمه هذه الكلمات التي تُنشئ العقيدة الصحيحة، والتي ستؤثر في السلوك الصحيح الذي سيسير بنا في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، ثم الطريق إلى الجنة.

يحررنا [هذا الحديث] من كل عبودية لغير الله سبحانه وتعالى؛ لأننا إذا أردنا أن نسأل فلنسأل الله، وإذا أردنا أن ندعو فلندعُ الله سبحانه وتعالى، وإذا أردنا أن نستعين فـ

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

شروط استجابة الدعاء من حفظ الله وذكره والتفكر في كتابه وكونه

حتى يستجيب الله الدعاء لا بد أن نحفظه في أنفسنا، وأن نذكره:

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

وأن نتفكر في كتابه المسطور [وهو] القرآن الكريم:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [محمد: 24]

وفي كتابه المنظور [وهو] الكون وما احتوى عليه:

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]

أي تأمل هذا الكون وسِرْ في هذا العالم وأنت على ذكر من الله سبحانه وتعالى. هو خالق الأكوان، وهو مرسل الرسل ومنزل الكتب، وهو الذي كلفنا افعل ولا تفعل، وهو الذي فرض علينا أمورًا من الطاعات هي واجبة في حقنا، وهو الذي فرض علينا أمورًا من المناهي فهي محرمة علينا.

رواية الترمذي وغيره للحديث مع زيادات التعرف إلى الله في الرخاء والشدة

ولذلك أخرج هذا الحديث الإمام الترمذي وقال عنه: حديث حسن. وفي رواية غير الترمذي:

«يا غلام، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟» فقلت: بلى يا رسول الله. قال: «احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا»

عندما تختلف هذه الروايات قد تكون من اختلاف الرواة، وقد تكون من تعدد الوقائع؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل ابن عباس خلفه [أكثر من مرة].

دعاء النبي لابن عباس بالفقه وتكرار التعليم وحمل اختلاف الروايات على تعدد الوقائع

وهو [النبي صلى الله عليه وسلم] يعلم أنه [ابن عباس] — اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل — هكذا يدعو رسول الله لابن عباس رضي الله عنهما. بعد أن دعا له هذا [الدعاء]، يعلم أن هذا الفتى سيكون إمام الأئمة، وسيكون بدر التتمة وشمس الضحى وعافية الدنيا.

ولذلك فهو يعلمه فيكرر عليه الكلام؛ فمرة يقول له هذا، ومرة يقول له هذا. فإذا رأينا اختلافًا في الرواية حملناه أساسًا على اختلاف الوقائع، حملناه أساسًا على إرادة التعليم.

اللفتة التربوية النبوية في استشارة التلميذ قبل التعليم وأهميتها

وانظر إلى هذه اللفتة التربوية: «ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟» يعني إذا أنا أعلم من يريد أن يتعلم، أنا أستشير التلميذ، وهذا أمر مهم في التربية؛ إنني أستشير التلميذ حتى أعطيه المعلومة في الوقت المناسب، بالطريقة المناسبة، وبالقدر المناسب.

صلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.