البر والأثم | أ.د علي جمعة | حديث الروح
- •الحديث السابع والعشرون من الأربعين النووية يتحدث عن البر والإثم، فالبر هو حسن الخلق والإثم ما حاك في الصدر وكره الإنسان أن يطلع عليه الناس.
- •يروي النواس بن سمعان الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
- •وابصة بن معبد الأسدي زار النبي ليسأله عن البر، فكشف النبي ما في نفسه وقال: "استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك".
- •بُعث النبي ليتمم مكارم الأخلاق، وأغلب أحاديثه تركز على الأخلاق والآداب.
- •الشفافية في الإسلام تعني الصدق مع النفس والناس والله، وليست المجاهرة بالمعاصي.
- •الفطرة السليمة ترفض الإثم، والمؤمن يضيق صدره من فعل المعاصي ويستحي منها.
- •الشفافية الحقيقية هي تنقية الأعمال مما يُخشى أن يطلع عليه الناس، وليست التباهي بالمعاصي.
مقدمة الحديث السابع والعشرين من الأربعين النووية في البر والإثم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مع حديث سيدنا النبي المصطفى والحبيب المجتبى، نقرأ الحديث السابع والعشرين من الأحاديث الأربعين النووية، وهو يمكن أن يكون تحت عنوان البر والإثم، وهما ضدان؛ فالبر ضد الإثم، والإثم ضد البر.
عن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«البرُّ حُسنُ الخُلُق، والإثمُ ما حاكَ في صدرك وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناس» رواه مسلم.
حديث وابصة بن معبد وكشف النبي لحاله قبل أن يسأل
وأيضًا عن وابصة بن معبد الأسدي رضي الله عنه قال: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
«يا وابصة، جئتَ تسألني عن البر»
النبي صلى الله عليه وسلم كشف حاله؛ فوابصة جاء يسأل ويُضمر في نفسه أنه سيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر، فلما واجهه قال: «يا وابصة، جئتَ تسألني عن البر». هذه الأشياء كانت تُثبِّت قلوب الصحابة، ويرون في النبي أن الله قد كشف له الكون فيزداد إيمانه.
فقال [وابصة]: نعم يا رسول الله. قال:
«يا وابصة، استفتِ قلبك، البرُّ ما اطمأنت إليه النفس، والإثمُ ما حاكَ في النفس وتردَّد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك»
حديث حسن، رويناه من طريق إمامين: أحمد بن حنبل والإمام الدارمي رضي الله تعالى عنهما، وذلك بإسناد حسن.
البر حسن الخلق وبعثة النبي لإتمام مكارم الأخلاق
إذن البرُّ حُسنُ الخُلُق، والنبي يقول عن نفسه:
«إنما بُعثتُ لأُتمِّم مكارم الأخلاق»
ويقول: «فعليك بحسن الخلق»، ويقول: «أحسن الناس حسن الخلق». الحسن [في ذلك] أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يدعو أمته والعالم كله إلى حسن الخلق.
وأغلب ما ورد عنه أكثر من ستين ألف حديث، أغلبها في حسن الخلق بالتفصيل؛ ألفان فقط هي أدلة الفقه من الأحاديث، أدلة الفقه، وثمانية وخمسون ألف حديث في الأخلاق والآداب.
الشفافية بمعناها الشرعي الصحيح والفرق بينها وبين المجاهرة بالمعصية
النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الشفافية بمعناها الشرعي؛ لأن الشفافية أصبحت الآن معناها عند الناس أن تُجاهر بالمعصية، وأن تستهين بالناس، وأن لا يضرك الفجور ولا عظائم الأمور. وليست هذه الشفافية التي علَّمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشفافية [الحقيقية] أن تكون صادقًا مع قلبك، مع الناس، مع ربك قبل ذلك وبعد ذلك. ولذلك فهذه الشفافية تجعل نفسك تضيق من الإثم؛ فالإثم عند المؤمن يتردد في النفس، تخجل منه، الحياء يمنعك أن ترتكبه، لا تحب أن ينكشف، فهذا هو الإثم.
علامة الإثم التردد في النفس والخوف من اطلاع الناس عليه
وإن استفتاك الناس وتحدثوا، ما الذي تجده؟ تجد نفسك لا بأس عليك أن تتحدث وأن تقول بشفافية، أم إنك تريد أن تلف وتدور وتخادع وتمكر وتكذب؟ إذا كان هذا حاله، إذن هذا هو الإثم.
الفطرة السليمة ترفض الإثم. البرُّ حُسنُ الخُلُق، والإثمُ ما حاكَ في صدرك وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناس. شفافية، لكنها ليست شفافية المعاصي.
المجاهرة بالذنوب ليست شفافية بل هي فجور وقلة حياء
فإن الله يغفر للجميع إلا للمجاهرين. قالوا: ومن المجاهر يا رسول الله؟ قال:
«الرجل يقع في الذنب بالليل فيقوم في النهار ويقول فعلتُ كذا وكذا»
هذه ليست شفافية، هذا فجور، هذه قلة حياء وليست شفافية.
الشفافية [الحقيقية] أن تُبرِّئ أعمالك مما تكره، أن تُبرِّئ [نفسك] مما تخاف أن يطَّلع عليه الناس فينتقصوك، أن تُبرِّئ أعمالك من الخسائس والسفاسف، هذه هي الشفافية الصحيحة.
التحذير من تحويل مفهوم الشفافية إلى فجور والدعاء بالستر
يحاول كثير من الناس في عصرنا أن يُحوِّلوا مفهوم الشفافية الراقي إلى مفهوم من الفجور والعياذ بالله تعالى، ونسأل الله السلامة.
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك يا أرحم الراحمين.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
